صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







مؤلفات الإمام أحمد بن حنبل والكتب والرسائل التي نُسبت إليه
وتعريف بـ "مسنده" والأعمال التي تمت عليه

أبو زارع المدني
‏@AbuZare


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

فهذه بعض المباحث في مؤلفات الإمام أحمد بن حنبل (رحمه الله تعالى) والكتب والرسائل التي نُسبت إليه.

وكذا تعريف بـ "
مسنده" والأعمال التي تمت عليه ..

استللتها كاملة من كتاب:


المذهب الحنبلي
«
دراسة في تاريخه وسماته وأشهر أعلامه ومؤلفاته»
للشيخ/ 
عبدالله التركي - حفظه الله تعالى -.

وجردتها من حواشي العزو إلا بعض الحواشي التي جاء فيها بعض بيان.

والله أسأل الله أن ينفع بها ويجزي الشيخ عبدالله خير الجزاء.

قال - حفظه الله -:

...

في مؤلفاته:
قال ابن الجوزي: "كان الإمام أحمد لا يرى وضع الكتب، وينهى أن يكتب عنه كلامه ومسائله، ولو رأى ذلك لكانت له تصانيف كثيرة، ولنقلت عنه كتب، فكانت تصانيفه المنقولات".

وهذه إشارة مهمة جداً في تصوير المنحى العام لمصنفات الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ-، فقد كانت تصانيفه المنقولات، على معنى أنه -رَحِمَهُ اللهُ- كان يجمع في مؤلفاته الأحاديث المرفوعة، والموقوفة، وفتاوى التابعين، وتفاسيرهم التي تلقوها عن الصحابة فيما يتعلق بتأويل القرآن وعلومه المختلفة.


فكونه يذهب الى كراهة وضع الكتب لا يتنافى إذن مع تأليفه لمجموعة من الكتب والمصنفات، والرسائل، ما دام يروي في تلك المصنفات ولا يرى، ويتبع ولا يبتدع، ويحيل ولا يتكفل.


وإليك جريدة بما نسب إلى الإمام أحمد من كتب:
1 - "المسند". طبع مراراً
2 - "العلل ومعرفة الرجال". ذكر العقيلي في "الضعفاء" أنه قرأه على عبد الله غن أبيه. طبع منه جزءان.
3 - "فضائل الصحابة". فيه زيادات لابنه عبد الله وأبي بكر القطيعي. طبع في (مجلدين) بتحقيق وصي الله بن محمد عباس سنة (1403) هـ، مؤسسة الرسالة ببروت.
4 - "التفسير". ذكره ابن النديم وابن الجوزي، ونقل عن الزجاج في "معاني القرآن" حيث قال فيه (4/ 166): "أكثر ما رويتُ في هذا الكتاب من التفسير فهو من كتاب "التفسير" عن أحمد بن حنبل". وقال في موضع آخر منه (4/ 8): "روينا عن أحمد بن حنبل -رَحِمَهُ اللهُ- في كتابه "كتاب التفسير"، وهو ما أجازه لي عبد الله ابنه عنه". ومع ذلك فقد أنكره الذهبي في "السير" (11/ 332 و 13/ 325).
5 - "الناسخ والمنسوخ". مصورته في مكتبة الشيخ حماد الأنصاري بالمدينة المنورة.
6 - "الزهد". قال ابن حجر في "تعجيل المنفعة": "إنه كتاب كبير في قدر ثلث "المسند" مع كبر "المسند" وفيه من الأحاديث والآثار مما ليس في "المسند" شيء كثير".
فعلى هذا يكون المطبوع منه جزءاً يسيراً فقط.
7 - "الفرائض". ذكره ابن النديم. وقال الذهبي في "السير" (11/ 228): "رأيت له ورقة من هذا الكتاب". وفي "المناقب" (613) لإبن الجوزي ما يشير إلى أنه كان عند إبراهيم الحربي يرويه للناس.
8 - "الأسامي والكنى". ذكره الوادي آشي في "برنامجه" ضمن مسموعاته. وقد طبع.
9 - "حديث شعبة". ذكره ابن الجوزي والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (9/ 375).
10 - "التاريخ". ذكره ابن الجوزي.
11 - "الورع". نُسب إليه، وليس من تأليفه بل هو من تأليف أبي بكر المرّوذي (تلميذه). وقد طبع.
12 - "الرد على الزنادقة والجهمية". وقد طبع مراراً.
13 - "كتاب أهل الردة والزنادقة". يوجد في مكة في حوزة محمد حمزة، ومنه نسخة مصورة بالقاهرة. انظر "تاريخ التراث العربي" لسزكين (3/ 225). وهو مطبوع.
14 - "الإيمان". ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (1/ 353) وتوجد منه مخطوطة في المتحف البريطاني. انظر "تاريخ التراث العربي" لسزكين (3/ 229).
15 - "طاعة الرسول". ذكره ابن النديم.
16 - "الإمامة". ذكره الذهبي في السير (11/ 335) وقال: "مجلدة صغيرة".
17 - "نفي التشبيه". ذكره الذهبي في السير (11/ 335) وقال: "مجلدة".
18 - "المقدم والمؤخر في القرآن". ذكره الخطيب في "تاريخ بغداد" (9/ 375). وفي ترجمة المروذي من "الطبقات" (1/ 62) لإبن أبي يعلى شيء من مضمونه.
19 - "جوابات القرآن". ذكره الخطيب في "التاريخ" (9/ 375).
20 - "المناسك الكبير". ذكره ابن النديم.
21 - "المناسك الصغير". ذكره ابن الجوزي.
22 - "الأشربة". ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (1/ 303). وهو مطبوع.
23 - "الوقوف والوصايا". وصل إلينا ضمن "الجامع" للخلال. وهو مطبوع.
24 - "أحكام النساء". وصل إلينا ضمن "الجامع" للخلال. وهو مطبوع.
25 - "الترجل". وصل إلينا ضمن "الجامع" للخلال. وهو مطبوع،
26 - "الإرجاء". وصل إلينا ضمن "الجامع" للخلال.
27 - "الفتن". توجد منه نسخة في المكتبة الظاهرية بدمشق. وهو مطبوع.
28 - "فضائل أهل البيت". ذكره الحاكم في "المستدرك" (3/ 157).
29 - "مسند أهل البيت". مُستلّ من "المسند". وهو مطبوع.

رسائل الإمام أحمد:
وتنسب إلى الإمام أحمد الرسائل التالية:
1 - "رسالة "السُّنة" المعروفة برسالة الإصطخري": رواها ابن أبي يعلى في "الطبقات" (1/ 24 - 36).
2 - "رسالة كتبها إلى المتوكل في مسألة خلق القرآن": أخرجها أبو نعيم في "الحلية" (9/ 216 - 219) ومن طريقه رواها ابن الجوزي والذهبي، وأثنى على إسنادها ثناء حسناً.
3 - "رسالة الحسن بن إسماعيل الربعي": قصيرة جداً، أوردها ابن أبي يعلى في "الطبقات" (1/ 130).
4 - "رسالة عبدوس بن مالك العطار": مطولة، أوردها ابن أبي يعلى أيضاً (1/ 241 - 246).
5 - "رسالة محمد بن عوف الطائي": مطولة، نقلها ابن أبي يعلى (1/ 311 - 313).
6 - "رسالة محمد بن يونس السرخسي": أوردها ابن أبي يعلى (1/ 329 - 330).
7 - "رسالة إلى مسدد بن مسرهد البصري (ت 228 هـ)": مطولة، نقلها ابن أبي يعلى (1/ 341 - 345).
8 - "رسالة في الصلاة": كتبها إلى مهنا بن يحيى الشامي، كما في "الطبقات" (1/ 348 - 380) وهي موضوعة على الإمام أحمد، كما قال الذهبي (11/ 287، 330)، والذي يقرؤها يجد أنها تتجافى مع أسلوبه وطريقته، مما يؤكد قول الذهبي.
وتوجد منها نسخة خطية في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد برقم (2/ 13853 مجاميع) مؤلفة من (9) ورقات، ونسخة أخرى برقم (1/ 6786 مجاميع) مؤلفة من (12) ورقة. وهي مطبوعة بمصر بعنوان "الرسالة السنية في الصلاة وما يلزم فيها للإمام".


ــــــــــ ،،، ــــــــــ

المسند
ديوان السنة النبوية

لا يذكر الإمام أحمد إلا ويذكر معه ذلك الديوان العظيم "المسند" والذي غابت في ضياء شمسه لوامع كتبه ومصنفاته الأخرى، لقد انتشر هذا الكتاب في الآفاق وسارت به الركبان، وكان له من المنزلة بين كتب الإسلام ما كان للإمام أحمد من المنزلة بين أئمة الإسلام الكبار.

وسيكون الحديث عن المسند في المباحث التالية:
- تاريخ تأليفه.
- وصفه.
- روايته.
- مكانته.
- الأعمال التي تمت عليه.


• تاريخ تأليف المسند:

لقد مر تاريخ تدوين السنة النبوية بعدة مراحل، فكانت في زمن الصحابة محفوظة في صدور الرجال إلا بعض الصحائف التي كانت بأيدي ثلة قليلة من الصحابة ... وكذلك كان الحال في صدر زمن التابعين، إلى أن عهد عمر بن عبد العزيز -رَحِمَهُ اللهُ- إلى حافظ زمانه ابن شهاب الزهري (ت 124 هـ) بجمع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبدأ الجمع من يومئذ وبزغ فجر التدوين، فدونت السنة في تلك المرحلة الأولى في "جوامع" كجامع سفيان الثوري، وجامع سفيان بن عيينة، وجامع ابن جريج، وجامع فلان وفلان ...

وكانت تلك "الجوامع" لا تتميز بأي نظام تصنيفي، وإنما كانت تجمع أحاديث فلان على حدة وأحاديث فلان على حدة، وهكذا، ويسمى المجموع الكلي لتلك المسموعات المترجمة على الشيوخ: الجامع.

ثم جاء دور"التصنيف"، والتصنيف يختلف عن التدوين؛ إذ إنه يعتمد على منهج محدد وترتيب منسق داخل الكتاب المؤلف.

فهناك من صنف الأحاديث التي رواها عن شيوخه على أبواب الفقه، فوضع كل حديث في كتابه المناسب وبابه المناسب. وهذا ما عرف "بالسنن"، كسنن أبي داود والترمذي وهناك من توسع أكثر فأضاف إلى أبواب الفقه علوماً أُخر، كالمغازي والتفسير والإيمان والتوحيد والفضائل، وغير ذلك، فكان كتاباً جامعاً، وذلك كـ: "صحيح الإمام البخاري" و"صحيح الإمام مسلم".

وهناك من سلك مسلكاً آخر وكان غرضه تجميع أحاديث الصحابة صحابياً صحابياً، وإفراد مرويات كل صحابي في كتاب، وتكوين ديوان جامع من ذلك كله، وهو ما سمي بـ"المسند".


فالمسند:
 هو الكتاب الذي يكون فيه حديث كل صحابي على حدة، صحيحاً كان أو حسناً أو ضعيفاً، من غير التفات إلى الموضوعات والأبواب، ويتبع في ترتيب مسانيد الصحابة طرائق عدة، فقد ترتب على حروف الهجاء، أو على القبائل، أو السابقة في الإسلام، أو الشرافة النسبية، أو غير ذلك، وقد يقتصر في بعضها على أحاديث صحايي واحد، كمسند أبي بكر، أو أحاديث جماعة منهم، كمسند الأربعة أو العشرة، أو طائفة مخصوصة يجمعها وصف واحد، كمسند المُقلِّين، ومسند الصحابة الذين نزلوا مصر إلى غير ذلك.

وهكذا كان "مسند الإمام أحمد" الذي يقع إلى جانبه ما يزيد على مئة كتاب بهذا العنوان، مثل: مسند الحميدي، ومسند أسد بن موسى، ومسند عَبد بنِ حُميد، ومسند الطيالسي.

متى بدأ الإمام أحمد بتصنيف مسنده؟

يرى الشيخ محمد أبو زهرة -رَحِمَهُ اللهُ- أن الإمام أحمد بدأ في تصنيف "المسند" مع بداية الطلب، أي في حدود سنة (180 هـ) قبل خروجه من بغداد.
 
وهذا الرأي بعيد، فأما أن يكون الإمام أحمد بدأ بجمع مادة "المسند" مع بداية الطلب فذلك ما لا يجادل فيه أحد، وأما أن يكون فكَّر في "المسند" وأخذ في تصنيفه منذ ذلك الحين فهناك من الأدلة ما يخالفه، وذلك أن أحاديث الشيوخ الذين روى عنهم الإمام أحمد كانت في ذلك الوقت عبارة عن "جوامع" لمرويات الشيوخ على ما وصفنا آنفاً، وبالتالي فتصنيف "المسند" لا يمكن أن يخصل لأحد إلا بعد استشراف ما عند الشيوخ من الأحاديث ليرتبها بعد ذلك على مسانيد الصحابة، وهذا مالم يكن قد توفر للإمام أحمد وهو في بداية الطريق.
 
بالإضافة إلى ذلك فإننا نجد من النقل ما يصرح بأن بداية تصنيف "المسند" كانت على رأس المئتين حينما رجع الإمام أحمد من رحلاته التي كان آخرها رحلته اليمنية إلى عبد الرزاق الصنعاني (ت 211 هـ). فقد روى الحافظ أبو موسى المديني بسنده إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: "صنف أبي السند بعد ما جاء من عند عبد الرزاق".
 
فالإمام أحمد لما أنهى تلك الرحلات التي رحلها إلى الأمصار الإسلامية التي كانت فيها الأحاديث، ويستوطنها الحفاظ والرواة، وجد نفسه قد دوَّن ما يتجاوز ثلاثة أرباع المليون 750.000) من الأحاديث، فجاءت فكرة تصنيف مسند يجمع أحاديث كل صحابي على حدة، وينتقي من ذلك العدد الهائل الأحاديث ذات الأسانيد المعروفة المشهورة.

• وصف المسند:

يتكون المسند من عدد كثير من الأحاديث التي رواها الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (1)؛ بعضها رواه الإمام أحمد بأسانيده إلى أولئك الصحابة، وهي تشكل معظم المسند، بالإضافة إلى زيادات رواها ابنه عبد الله عن عوالي شيوخه وأدرجها ضمن مسند أبيه، كما توجد زيادات لأبي بكر القطيعي راوي المسند عن عبد الله بن أحمد عن أبيه.

ويتطلب البحث أن نتفحص السند وهو في الوضع الذي كان عليه قبل أن يتصرف فيه عبد الله ابن الإمام بالترتيب والإضافات. ثم نتعرف على عدد أحاديثه إجمالاً وكيفية توزيعها على مسانيد الصحابة، وزوائد عبد الله والقطيعي.

• المسند في صورته التي تركه عليها أحمد:
يقول ابن الجزري -رَحِمَهُ اللهُ-:
إن الإمام أحمد شرع في هذا "المسند"، فكتبه في أوراق مفردة وفرقه في أجزاء منفردة، على نحو ما تكون المسوّدة، ثم جاء حلول المنية قبل حصول الأمنية، فبادر بإسماعه لأولاده وأهل بيته، ومات قبل تنقيحه وتهذيبه، فبقي على حاله، ثم إن ابنه عبد الله ألحق به ما يشاكله، وضم إليه من مسموعاته، ما يشابهه ويماثله.

وهكذا كان "المسند" في بدايته؛ عبارة عن مجموعة من الأجزاء المنفردة بعضها عن بعض، وكل جزء يحتوي على مجموعة من الأوراق المنفردة هي الأخرى بحيث لا تربطها أرقام ولا يهتدى فيها إلى تسلسل معين.

• المسند بين يدي عبد الله بن أحمد:
وقد رتب عبد الله بن الإمام "المسند" ترتيباً لم يخرجه في حقيقة الأمر عن الصورة التي كان عليها عند أبيه، وقد وقع فيه خلل في جملة مواضع لا تمس جوهر الكتاب، من مثل إدراج عدد من أحاديث المكثرين في غير مسانيدهم، وتكرار الحديث الواحد بإسناده ومتنه لغير فائدة في إعادته، وتفريق أحاديث الصحابي الواحد في أكثر من موضع، والخلط بين أحاديث الشاميين والمدنيين، وعدم التمييز بين روايات الكوفيين والبصريين، وتداخل بعض أحاديث الرجال بأحاديث النساء، واختلاط مسانيد القبائل بمسانيد أهل البلدان. وقد نبه على ذلك الحافظ ابن عساكر في كتابه: "ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج حديثهم أحمد بن حنبل في المسند". ثم قال: "ولست أظن ذلك إن شاء الله وقع من جهة أبي عبد الله -رَحِمَهُ اللهُ- فإن محله في هذا العلم أوفى، ومثل هذا على مثله لا يخفى، وقد نُراه توفي قبل تهذييه، ونزل به أجله قبل تلفيقه وترتيبه، وإنما قرأه لأهل بيته قبل بذل مجهوده فيه خوفاً من حلول عائق موته دون بلوغ مقصوده فيما يرتضيه (2)".

• عدة أحاديثه:
قال الحافظ أبو موسى المديني -وهو من جملة من وقع له المسند كاملاً عن شيخه ابن الحصين-:
"فأما عدد أحاديث "المسند" فلم أزل أسمع من أفواه الناس أنها أربعون ألفاً، إلى أن قرأت على أبي منصور بن زُريق ببغداد، أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: وقال ابن المنادي: لم يكن في الدنيا أحدٌ أروى عن أبيه منه؛ يعني: عبد الله بن أحمد بن حنبل، لأنه سمع "المسند"، وهو ثلاثون ألفاً، والتفسير، وهو مئة ألف وعشرون ألفاً، سمع منه ثمانين ألفاً والباقي وجادةٌ. فلا أدري: هل الذي ذكره ابن المنادي أراد به ما لا مكرر فيه، أو أراد غيره مع المكرر؟ فيصح القولان جميعاً، أو الاعتماد على قول ابن المنادي دون غيره؟ ولو وجدنا فراغاً لعددناه إن شاء الله تعالى".

وعلق الشيخ أحمد شاكر -رَحِمَهُ اللهُ- على ذلك بقوله: "هو على اليقين أكثر من ثلاثين ألفاً، وقد لا يبلغ الأريعين ألفاً. وسيتبين عدده الصحيح عند إتمامه إن شاء الله". اهـ. ولكنه عاجلته المنية قبل تحقيق الأمنية -رَحِمَهُ اللهُ- وقد عمل في "المسند" نحو الربع، ولو أتمه لكوشف بعين الحقيقة، ولصار اليقين الذي قطع به إلى المراجعة، فقد كشفت الطبعة الجديدة الصادرة عن "مؤسسة الرسالة" في (50) مجلداً؛ أن عدد أحاديث "المسند" (27647) حديثاً، بما في ذلك المكررات وزوائد عبد الله. والله أعلم.

• ترتيب الصحابة في المسند:
لقد توخَّى الإمام أحمد ترتيب الصحابة في مسنده حسب اعتبارات عدة، منها: الأفضلية، والسابقة في الإسلام، والشرافة النسبية، وكثرة الرواية. وذلك أنه بدأ "مسنده" بمسانيد الخلفاء الأربعة، وثنى بمسانيد بقية العشرة المبشرين بالجنة، وثلث بمسند أهل البيت، ثم تلاهم بمسانيد المكثرين من الرواية، كالعبادلة الأربعة: ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عمرو، ثم مسانيد الأمصار: مسند المكيين، ثم المدنيين, ثم الشاميين، ثم الكوفيين, ثم البصريين، ثم مسند الأنصار، ثم مسند النساء (3).

• زوائد المسند:
وتعتبر زوائد عبد الله على أصل "المسند" من جملة آثاره التي أكمل بها عمل أبيه في هذا الديوان العظيم. وذلك أن عبد الله لما تلقى "المسند" عن أبيه على الصفة التي مرت آنفاً، قام بعد ذلك بترتيبه وتهذيبه، وفي ذلك يقول الذهبي: وهذا كتاب "المسند" لم يصنفه هو -يعني الإمام أحمد- ولا رتبه، ولا اعتنى بتهذيبه، بل كان يرويه لولده نسخاً وأجزاء، ويأمره أن: ضع هذا في مسند فلان، وهذا في مسند فلان  اهـ. فالمسند بالصورة الحالية من عمل عبد الله، وإلى جانب العمل الفني في الترتيب والتهذيب أضاف عدداً غير قليل من الأحاديث بأسانيده عن شيوخ أُخَر غير أبيه، قال الذهبي: "وله زيادات كثيرة في "مسند" والده واضحة عن عوالي شيوخه" اهـ.

وجملة الشيوخ الذين روى عنهم الإمام أحمد في "المسند" (283) شيخاً، وجملة شيوخ عبد الله في زوائده (173) شيخاً، وذلك على ما أحصاه ابن الجزري.

وأما زيادات أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي (ت 368 هـ) فقد صرح بوجودها أكثر من واحد من العلماء (4). فقد قال ابن الجزري في سياق إسناده في تلقي "المسند": "فأخبرني به كذلك مع الزيادات فيه لعبد الله بن أحمد وأبي بكر القطيعي الشيخ الصالح الأصيل رحلة البلاد وجامع لواء الإسناد وملحق الأحفاد بالأجداد اللإمام صلاح الدين أبو عبد الله وأبو عمر محمد بن الشيخ الصالح العالم تقي الدين أبي العباس أحمد بن الشيخ عز الدين ... إلى أن قال: أخبرك بجميع مسند الإمام أحمد من رواية ابنه عبد الله، وبما فيه من زيادات ابنه عبد الله عن غير أبيه، وبزيادات القطيعي أيضًا، وهي في مسند الأنصار - رضي الله عنهم -. اهـ

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الزيادات: ثم زاد ابن أحمد زيادات، وزاد أبو بكر القطيعي زيادات، وفي زيادات القطيعي أحاديث كثيرة موضوعة. اهـ.


• رواية المسند:
انفرد عبدُ الله بن أحمد بن حنبل برواية "المسند" عن أييه، مع أنه سمعه مع أخيه صالح وابن عم أبيه حنبل بن إسحاق، وصالح -وهو أكبر أولاد الإمام - كان كثيراً ما يتغيَّبُ عن السماع سعياً وراء عياله، ولعلَّ حنبلَ بن إسحاق اهتمَّ بفقه الإمام أحمد أكثر من اهتمامه بحديثه، ومن ثَمَّ انفرد عبد الله بسماع سائر "المسند" عن أبيه، بل إن بعض الأحاديث سمعها منه مرتين وثلاثاً، وقد روى لنا "المسند" كما سمعه وزاد عليه أحاديث عن عوالي شيوخه وقد بلغ عددهم مئة وثلاثةً وسبعين شيخاً.

وعبد الله وثَّقه النسائي والدارقطني والخطيب وغيرهم، وحدَّث عنه النسائي وابن صاعد، وأبو علي بن الصواف، وأبو بكر بن النجاد، وأبو بكر القطيعي، وخلق كثير.

كانت ولادته سنة (213 هـ)، وتوفي سنة (290 هـ) عن سبع وسبعين سنة.

وقد نقل "المسند" برواية ابن الحُصين عن ابن المُذْهب، عن القطيعي، عن عبد الله بن أحمد، عن الإمام أحمد.

• ترجمة القطيعي (الراوي عن عبد الله):
هو أبو بكر أحمدُ بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعيُّ، ولد سنة (274 هـ)، وسمع "المسند" مع عمِّ أمه عبد الله بن الجصَّاص، وكان لأبيه جعفر اتصالٌ بالدولة، وكان عبد الله ابن الإمام أحمد يقرأ "المسند" لإبن ذلك السلطان، فحضر القطيعيُّ أيضاً، وسمعه منه.

وقد اتهمه ابنُ أبي الفوارس، فقال: لم يكن بذاك، له في بعض "المسند" أصولٌ فيها نظر، ذُكر أنه كتبها بعد الغرق. وكانت القطيعة -موطن سكناه- قد غرقت، فغرق فيها بعض كتبه، فغمزه الناس لاستحداث نسخها من كتاب لم يكن فيه سماعه. وقد دافع ابن الجوزي عن هذه التهمة بقوله: ومثلُ هذا لا يُطعنُ به عليه، لأنه يجوز أن تكون تلك الكتب التي غرقت قد قُرئت عليه، وعورض بها أصله، وقد روى عنه الأئمة كالدارقطني، وابن شاهين، والبرقاني وأبي نعيم والحاكم.

وقال الخطيب البغدادي: "لم يمتنع أحدٌ من الرواية عنه، ولا ترك الإحتجاج به".
وقال الحاكم: "ثقة مأمون".

توفي أبو بكر سنة (368 هـ) وله خمس وتسعون سنة.

• ترجمة ابن المُذهِب (الراوي عن القطيعي):
هو أبو علي الحسنُ بن علي ابن المُذْهِب، البغدادي الواعظ.
ولدَ سنة (355 هـ).

قالَ الخطيب البغدادي: "كَتَبْنا عنه، وكان يروي عن ابن مالك القَطيعي "مسند" أحمد ابن حنبل بأسره، وكان سماعه صحيحاً إلا في أجزاء منه، فإنه ألْحقَ اسمَه فيها".

وقد دافع ابن الجوزي عن هذه التهمة أيضاً بقوله: "هذا لا يوجب القدح، لأنه إذا تيقن سماعه للكتاب جاز أن يكتب سماعه بخطه".

وقال أبو بكر ابن نقطة: "ليتَ الخطيب نبَّه في أيِّ مسند تلك الأجزاء التي استثنى، ولو فعل لأتى بالفائدة، وقد ذكرنا أن مسندي فضالة بن عبيد، وعوف بن مالك لم يكونا في نسخة ابن المذهب، وكذلك أحاديث من مسند جابر، لم توجد في نسخته، رواها الحرَّاني عن القطيعي، ولو كان ممن يُلحقُ اسمه كما قيل لألحق ما ذكرناه أيضاً، والعجب من الخطيب يَرُدّ قوله بفعله".

وقد روى الحافظ ابن عساكر "المسند" من طريق ابن المذهب وليس في نسخته مسند فضالة بن عبيد وعوف بن مالك، قال في كتابه "ترتيب أسماء الصحابة": "عوفُ بن مالك الأشجعي في جزءٍ فيه فضالة بن عبيد، ولم يقع إلينا مسموعاً".

وقال ابن حجر في "أطراف المسند": "وهو فوتٌ لإبن المُذهب على القطيعي لم يسمعه منه، وقد رواه عن القطيعي أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران، وحدَّث به عنه أبو الحسن علي بن العلاف، وهذا العلاّف قد أجاز لأبي القاسم بن عساكر ولأبي موسى المديني وطائفة، فيمكن اتصاله بالإجازة من طريق بعضهم".

توفي ابن المُذهب سنة (444 هـ).


• ترجمة ابن الحصين (الراوي عن ابن المُذْهب):
هو أبو القاسم هبةُ الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحُصين الشيباني البغدادي. ولد سنة (432 هـ).


قال ابن الجوزي؛ "كان ثقةً، صحيح السماع، وسمعتُ منه "مسند" الإمام أحمد جميعه".
وقال السمعاني: "شيخٌ، ثقة، دَيِّنٌ، صحيح السماع، واسعُ الرواية".

وقد حدَّث عن ابن الحُصين أيضاً أبو القاسم بن عساكر، وأبو موسى المديني، وحنبل ابن عبد الله المكبِّر.

وعن ابن الحصين اشتهرت روايةُ "المسند" وذاع في جميع البلدان، ورواه العددُ الجمُّ من الحفاظ الثقات، وتصدوا لإسماعه وروايته. توفي ابن الحُصين سنة (525 هـ).

• طريق أخرى في رواية المسند:
وللحافظ أبي موسى المديني طريقٌ آخر للمسند ينتهي إلى القطيعي، قال عنه في كتابه "خصائص المسند": "فإن مما أنعم الله علينا أن رزقنا سماع كتاب المسند للإمام الكبير، إمام الدين أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني -رَحِمَهُ اللهُ- تعالى - فحصّل لي والدي -رَحِمَهُ اللهُ- وجزاه عني خيراً - إحضاري قراءته سنة خمس وخمس مئة على الشيخ المقرئ بقية المشايخ أبي علي الحسن بن الحداد، وكان سماعه لأكثره عن أبي نعيم أحمد ابن عبد الله الحافظ -وما فاته منه قرئ عليه بإجازته له- وأبو نعيم كان يرويه عن شيخيه أبي علي محمد بن أحمد بن الحسن الصواف، وأبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي، على ما تنطقُ فهرست مسموعاتي بخط والدي -رَحِمَهُ اللهُ-.

1 - أما أبو علي ابن الحدّاد، فهو مسند العصر، الحسن بن أحمد بن الحسن بن محمد بن علي بن مهرة الأصفهاني، شيخ أصبهان في القراءات والحديث جميعاً.
ولد سنة (419 هـ)، وبدأ بالسماع سنة (424 هـ) وبعدها، وأكثر عن أبي نعيم الحافظ، ومن جملة ما سمع منه "مسند" الإمام أحمد.
قال السمعاني: "هو أجلُّ شيخٍ أجاز لي، رَحَل الناس إليه، وكان خيراً صالحاً ثقة. توفي سنة (515 هـ)".

2 - وأما أبو نعيم: فهو الحافظ، الثقة، أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران، الأصبهاني، صاحب كتاب "حلية الأولياء"، و"تاريخ أصبهان"، و"معرفة الصحابة"، و"المستخرج على الصحيحين".
ولد سنة (336 هـ).
كان حافظاً مبرِّزاً، عاليَ الإسناد، تفرَّد في الدنيا بشيء كثيرٍ من العوالي، وهاجر إلى لُقِيِّهِ الحفاظ.
توفي سنة (430 هـ).

3 - وأما أبو علي ابن الصواف: فهو الشيخ، المحدث، الثقة، الحجة، محمد بن أحمد ابن الحسن بن إسحاق البغدادي.
ولد سنة (270 هـ).
قال الدارقطني: "ما رأت عيناي مثلَ أبي علي ابن الصواف".
 
وقال ابن أبي الفوارس: "كان أبو علي ثقة مأموناً، ما رأيتُ مثله في التحرز".
توفي سنة (359 هـ) وله تسع وثمانون سنة".

وممن سمع "المسند" من ابن الحصين: المسند، المعمَّر، الصالح، أبو علي حنبل بن عبد الله بن الفرج بن سعادة، الواسطي البغدادي، الرُّصافي، المكبِّر، وهو آخرُ من روي "المسند" عنه، فالحق الصغار بالكبار.

ولد سنة (511 هـ)، فبادر والدُه إلى الشيخ عبد القادر الكيلاني، فأعلمه أنه ولد له ولدٌ ذكر فقال: "سمِّ ابنك حنبلاً، وأسمعه "المسند" فإنه يُعمَّر ويُحتاج إليه". فسمَّعه أبوه وهو في الثانية عشرة من عمره جميعَ "المسند" من ابن الحصين بقراءة نحويِّ عصره أبي محمد بن الخشَّاب، وذلك في رجب وشعبان سنة (523 هـ).

قال ابن الأنماطي: "تتَّبعتُ سماع حنبل للمسند من عدة نُسخ وأثبات، وخطوط أئمة أثبات، إلى أن شاهدتُ بها أصول سماعه لجميع "المسند" سوى أجزاء من مسند ابن عباس، شاهدت بها نقل سماعه بخط من يوثق به. وسمعتُ منه جميع "المسند" ببغداد في نيف وعشرين مجلساً، ثم أخذتُ أرغِّبه في السفر إلى الشام، وقلتُ له: يحصُلُ لك من الدنيا شيء، وتُقْبلُ عليك وجوه الناس، فقال: دعني، فوالله ما أسافرُ من أجلهم، ولا لما يحصُل منهم، إنما أسافر خدمةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أروي أحاديثه في بلد لا تروى".

قال: "ولما علم الله تعالى نيته الصالحة، أقبل بوجوه الناس عليه، وحرك الهمم للسماع عليه، فاجتمع عليه جماعةٌ ما اجتمعوا بمجلس بدمشق".

قال ابن الجزري: "وذلك في مجالس، آخرها في صفر سنة ثلاث وست مئة".

قال ابن الأنماطي: "فحدَّث بالمسند بالبلد (يعني دمشق) مرة، وبالجامع المظفري (أي: بالصالحية) أخرى، وازدحم عليه الخلقُ، وسمع منه السلطان الملك المعظم وأقاربه، وأبو عمر الزاهد، وسائر المقادسة، وحدّث عنه الكبار بالمسند، كالشيخ الفقيه ببعلبك (ت: 617 هـ)، وقاضي الحنفية شمس الدين عبد الله بن عطاء (ت: 673 هـ)، والشيخ تقي الدين بن أبي اليسر (ت: 672 هـ)، والشيخ شمس الدين ابن قدامة (ت: 682 هـ)، والشيخ شمس الدين أبي الغنائم ابن علّان (ت: 631 هـ)، والشيخ أبي العباس ابن شيبان (ت: 685 هـ)، والشيخ فخر الدين ابن البخاري (ت: 690 هـ)، والمرأة الصالحة زينب بنت مكِّي (ت: 688 هـ).

وأما من حدَّث عنه ببعض "المسند" فعددٌ كثير، ورجع إلى وطنه، فمرّ على حلب، فحدَّث بالمسند بها، ثم بالمَوْصل، فحدث بالمسند بها أيضًا ويإربل، ودخل إلى بغداد بخيرٍ كثير.

فتوفي بالرصافة في نصف المحرَّم سنة (604 هـ) عن نحو ثلاث وتسعين سنة -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-.

• طرق المتأخرين في رواية المسند:
وعن حنبل روى "المسند" الإمامُ، العالم، المحدِّث، الفقيه، الصَّالح، الثقة، الأمين، فخر الدين، أبو الحسن، علي بن أحمد بن عبد الواحد، السَّعدي، المقدسى، الحنبلي، الشهير بابن البخاري، المتوفى سنة (690 هـ) بجبل قاسيون.

قال ابن الجزري: "وقد قرئ عليه "المسند" مرات، آخرها في سنة (689 هـ)، سمعه منه جماعات بقراءة الإمام كمال الدين أحمد بن أحمد بن محمد ابن الشريشي (ت: 718 هـ)، منهم شيختنا أم محمد ست العرب بنت محمد (ت: 767 هـ)، وآخرهم شيخنا صلاح الدين محمد بن أحمد".

وصلاح الدين: هو الشيخ الصالح، الصدوق، الدَّيِّن، الخيِّر، المُسْنِد، محمد بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن شيخ الإسلام أبي عمر محمد بن أحمد بن قُدامة، المقدسي، الحنبلي.

قال ابن الجزري: أخذتُ عنه "المسند" كاملاً بقراءتي وقراءة غيري في نحو سبع سنين.
وسببه أن نسخة أصل سماعه كانت بخط الحافظ الضياء -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- فوُجد بعضها، وكان شيخنا الحافظ الكبير شمس الدين أبو بكر ابن المحب يُحرضنا على سماع "المسند" منه، ويقول: لا تشكُّوا في أنه سمعه كاملاً، فكنا نقرؤه من نسخة وَقْفِ الباذرائية (مدرسة لا تزال إلى يومنا هذا بمحلة العمارة الجُوَّانية في الشمال الشرقي من جامع بني أمية) لوضوحها، وكان بعض المحدثين قد احتاط عليها، ولا يُعطي منها شيئاً إلا بعد تعب كثير فطالت المدة لذلك.

وسمعه أيضاً كلاملاً الشيخُ صدرُ الدين سليمان الياسوفي (ت: 789 هـ)، والشيخ بدر الدين محمد بن مكتوم، والشيخ شهاب الدين أحمدُ بن شيخنا عماد الدين بن الحُسباني (ت: 815 هـ)، والشيخ شهاب الدين أحمد بن الشيخ علاء الدين حِجِّي (ت: 816 هـ)، والمُحدِّث شمس الدين محمد بن محمود بن إسحاق الحلبي، والشيخُ الإمام ناصرُ الدين محمد بن ظُهيرة المكي (ت: 817 هـ)، وصاحبنا أبو عبد الله محمد ابن محمد بن ميمون البَلوي الأندلسي (ت: بعد التسعين وسبع مئة)، والفقيهُ الفاضل شمس الدين محمد بن عثمان بن سعد بن السَّقَّا المالكي وغيرهم.

وسمع بعضه عليه جماعة كثيرون.
 
ولم يظهر سماعُه بالمجلد الثاني من مسند أبي هريرة، ولا بمسند عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي آخره مسند أبي رِمثة نحو ثلاث أوراق، ولا بمسند الكوفيين، ومسند ابن مسعود، ومسند ابن عمر، ومسند الشاميين، ومسند المكيين، لعدم وقوفنا على ذلك من نسخة الحافظ الضياء، فكنا نقرأ ذلك عليه إجازةً إن لم يكن سماعاً، فظهر قبل موته مجلدان من ذلك بخطِّ الحافظ الضياء، وفيهما أصلُ سماعه، فقال لنا الحافظ ابن المحبِّ: "ألم أقل لكم: إنه سمع جميع "المسند". ثم بعد وفاة الشيخ صلاح الدين ظهر تتمَّةُ "المسند" بخط الحافظ الضياء، وظهر سماعُه فسُرَّ طلبةُ الحديث بذلك".

وكانت وفاته سنة (780 هـ) بمنزله بدَيْر الحنابلة بسَفْح قاسيون.

وذكر المُحَدِّثُ المتقنُ الشيخ أبو بكر محمدُ بن خير الإشبيلي، التوفى سنة (575 هـ)، في "فهرسته" من مروياته "مسند" الإمام أحمد، وقال: "حدثني به الشيخ أبو محمد بن عتاب إجازةً، قال: حدثنا به أبو عمر بنُ عبد البر إجازةً، عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا أبو بكر أحمدُ بن جعفر بن حمدان بن مالك، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبي -رَحِمَهُ اللهُ-.

ثم قال: قال ابن عبد البر: وكذلك ناوَلَنيه وأجازه لي أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الوَهراني، عن أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه -رَحِمَهُ اللهُ-".

قال أبو محمد ابن عتاب: "وحدثني به أيضاً أبو عمر أحمد بن محمد بن الحذَّاء، وأبو القاسم حاتِمُ بن محمد الطرابُلسي، قالا: حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الوهراني، عن أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك، عن عبد الله بن أحمد ابن حنبل، عن أبيه".
وذكر أيضاً إسناده من طريق ابن الحُصين.

وقال القاسم بن يوسف التُّجيبيُّ السبَّتي المتوفى سنة (735 هـ) في "برنامجه" (5) ص 121 - 122: "سمعتُ يسيراً من "المسند"، وذلك جميع مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه، على الشيخ الفقيه المفتي علاء الدين أبي الحسن علي بن إبراهيم بن داود بن سلمان بن سليمان بن سالم بن سلامة الدمشقي الشافعي، المعروف بابن العطار، وأجازنا جميعه بحقِّ سماعه من أبي علي حنبل بن عبد الله بن الفرج بن سعادة الرُّصافي البغدادي المكبِّر بجامع المهدي بالرصافة، بحقّ سماعه لجميعه من أبي علي الحسن بن علي بن المذهب التميمي، بسماعه من الإمام أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، بسماعه من أبي عبد الرحمن عبد الله بن أحمد، بسماعه من أبيه أحمد بن محمد بن حنبل، -رَحِمَهُمْ اللهُ أَجْمَعِينْ-.

وأخبرنا أيضًا به الشيخُ الفقيهُ الإمامُ -جار الله تعالى ونزيل حَرَمه- الأمين فخر الدين أبو عمرو عثمان بن محمد المالكي فيما شافهنا به من إذنه، وأقرَّ لنا بروايته، قال: قرأتُه على سفير الخلافة العباسية نجيب الدين أبي الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني في سنة إحدى وستين وست مئة بمنزله من القاهرة، بحقِّ سماعه من أبي محمد عبد الله بن أحمد الحربي في سنة ست وتسعين وخمس مئة ببغداد، بسماعه من أبي القاسم ابن الحصين المذكور بالسند المذكور.

وكتب إلينا عامّاً المسنِدُ الأجلُّ، فخر الدين، أبو الحسن عليُّ بن اللإمام أبي العباس أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي الحنبلي، المعروف بابن البخاري، -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، قال: سمعتُ جميع هذا "المسند" على حنبل المذكور، وهو آخرُ من روي عنه في الدنيا".

وقال العلامة المحدث محمد بن جابر الوادي آشي الأصل، التونسي مولداً وإقامة، المتوفى سنة (749 هـ)، في "برنامجه":
ناوَلَني "مسند الإمام أحمد" الشيخ جمال الدين أبو يعقوب يوسف المِزّي بدمشق، وكان في أربعة وعشرين سفراً، وأجازنيه، وحدثني به بحق سماعه لجميعه على أبي الغنائم المسلم بن محمد بن المسلم بن علّان القيسي، ويجميعه إلا مسند بني هاشم على أبي العباس أحمد بن شيبان بن تغلب، بسماعهما من حنبل بن عبد الله الرصافي، عن أبي القاسم هبة الله بن محمد بن الحُصين، عن أبي علي ابن المذهب، عن أبي بكر القطيعي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، مع ما فيه من زيادات عبد الله عن شيوخه".

وقد ذكر الوادي آشي أن صفي الدين محمود بن أبي بكر بن محمود الأُرْمَوي القرافي المتوفى سنة (723 هـ) قرأ "المسند" على المسلَّم بن علان.

وذكر أيضاً أن الإمام المحدِّث البارع المتقن شهاب الدين أحمد بن فرْح بن محمد الإشبيلي الأندلسي الشافعي المتوفى سنة (699 هـ) سمع "المسند" على شرف الدين عبد العريز بن محمد الأنصاري، بسماعه من عبد الله بن أحمد بن أبي المجد الحربي، بسماعه من ابن الحُصين.

• منزلة المسند بين كتب الحديث:
كان الإمام أحمد يقول لابنه عبد الله: احتفظ بهذا "المسند" فإنه سيكون للناس إماماً.
وقال الحافظ أبو موسى المديني (581 هـ): "وهذا الكتاب أصل كبير ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتقي من حديث كثير ومسموعات وافرة، فجعله إماماً ومعتمداً، وعند التنازع ملجأً ومستنداً".

إن "مسند الإمام أحمد" هو أجلّ كتاب في الحديث في عصر المؤلف وما بعده، وهو المورد الثجاج لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفيه من الأسانيد والمتون شيء كثير مما يوازي كثيراً من أحاديث مسلم، بل البخاري، وليست عندهما ولا عند أحدهما، بل لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الأربعة.

وقد شهد لهذا "المسند" المحدثون في القديم والحديث بأنه أجمع كتب السنة للحديث، وأوعاها لكل ما يحتاج إليه المسلم في زاده ومعاده، فهو كتاب لا تزال بركاته شاملة، يقدره من يعرف قدر السنة النبوية الفاضلة، ولا يزال هذا العمل مشكوراً للإمام أحمد، فجزاه الله خير الجزاء.

وهو الكتاب النفيس الذي يُرغب في سماعه وتحصيله، وكان يرحل إليه، إذ كان مصنفه الإمام -المقدم- في معرفة هذا الشأن، والمعترف بفضله عند الفرق في سائر الأزمان.

ومع جلالة قدر كتاب "المسند" وحسن موقعه عند ذوي الألباب، فالوقوف على المقصود منه متعسر، والظفر بالمطلوب منه بغير تعب متعذر، لأنه غير مرتب على أبواب السنن، ولا مهذب على حروف المعجم لتقريب السنن، وإنما هو مجموع على مسانيد الرواة من الرجال والنساء، لا يسلم من طلب منه حديثاً من نوع من الملال والعناء (6).

وفي هذا المضمار يقول الشيخ عبد القادر بن بدران: واعلم أيها الطالب للحق أن البحر الزاخر في هذا الموضوع، والمورد العذب، والوابل الصَّيِّب، إنما هو مسند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل - رضي الله عنه - وأرضاه، وجعل الجنة منقلبه ومثواه، وإنما منع من الإشتغال به اشتغالاً كالإشتغال بالسنن أمور:

أحدها: كونه مرتباً على أحاديث الصحابة، وهذا الترتيب أصبح غير مألوف عند المتوسطين والمتأخرين، فصار بحيث لو أراد محدث أن يجمع أحاديث باب منه احتاج إلى مطالعته من أوله إلى آخره، وهذا أمر عسير جداً.
ثانيها: عزة وجوده لطوله؛ فإنه قد ضمّ ثلاثين ألف حديث، وزاد عليه ولده الإمام عبد الله عشرة آلاف حديث، فصار أربعين ألفاً. 
ثالثها: أن عزة وجوده كانت سبباً لعدم خدمته كما خُدمت السنن وغيرها من كتب الحديث.

فالمسند من جهة كونه يتجه إلى جمع أحاديث الصحابة واحداً واحداً، ومحاولة حصر مروياتهم، كان بعيداً عن اهتمام كثير من الناس الذين لم يكن يعنيهم هذا المقصود بقدر ما كان يعنيهم معرفة الأحاديث المحتج بها في المسائل الفقهية والموضوعات الشرعية، والتي كانت طريقها ممهدة وسبيلها ميسرة في كتب الصحاح والسنن. قال الحافظ ابن حجر: .... فإن النفوس تركن إلى من أخرج له بعض الأئمة الستة أكثر من غيرهم لجلالتهم في النفوس، وشهرتهم، ولأن أصل وضع التصنيف للحديث على الأبواب أن يقتصر فيه على ما يصلح للإحتجاج أو الإستشهاد، بخلاف من رتب على المسانيد فإن أصل وضعه مطلق الجمع. اهـ

وإذا نظرنا إلى "المسند" من جهة كونه مستوعباً للسنة إلا قليلاً (7)، فإن ذلك يعطي هذا الكتاب الجليل قيمة متفردة، ويبوئه مكانة متميزة، فإنه يكاد يستوعب جملة ما في الكتب الستة من أحاديث إلى جانب ما تفرد به من زيادات أخرى، حتى إن بعض العلماء كان يستغني بحفظ "المسند" عن حفظ الكتب الستة، فقد قال ابن الجزري: "حدثني شيخنا اللإمام العالم شيخ الفقهاء شمس الدين محمد بن عبد الرحمن الخطيب الشافعي، -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، قال: سئل الشيخ الإمام الحافظ أبو الحسين علي بن الشيخ اللإمام الحافظ الفقيه محمد اليونيني -رَحِمَهُمَا اللهُ-: أنت تحفظ الكتب الستة؟ فقال: أحفظها وما أحفظها، فقيل له: كيف هذا؟ فقال: أنا أحفظ "مسند أحمد" وما يفوت "المسند" من الكتب الستة إلا قليل، أو قال: وما في الكتب هو في "المسند" يعني إلا قليل، وأصله في المسند، فأنا أحفظها بهذا الوجه". أو كما قال -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-.

• درجة أحاديث المسند:
قال الخطيب البغدادي: "ومما يتلو الصحيحين سنن أبي داود السجستاني وأبي عبد الرحمن النسوي، وأبي عيسى الترمذي، وكتاب محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري الذي شرط فيه على نفسه إخراج ما اتصل سنده بنقل العدل عن العدل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ثم كتب المسانيد الكبار مثل مسند أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأبي يعقوب إسحاق ابن إبراهيم المعروف بابن راهويه، وأبي بكر وأبي الحسن عثمان ابني محمد بن أبي شيبة وأبي خيثمة زهير بن حرب النسائي، وعبد بن حميد، وأحمد بن سنان الواسطي.

فكتب المسانيد بعامة -ومنها مسند الإمام أحمد- تقع في المرتبة الثالثة بعد الصحيحين والسنن الأربعة، وذلك لأنها لم تلتزم الإنتقاء والإخراج للأحاديث التي يحتج بها في الأحكام، لأن المقصود من وضعها مطلق الجمع لمرويات كل صحابيٍّ صحابيٍّ".

قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح: "كتب المسانيد غير ملتحقة بالكتب الخمسة (8)، التي هي: الصحيحان وسنن أبي داود وسنن النسائي وجامع الترمذي، وما جرى مجراها في الإحتجاج بها والركون إلى ما يورَدُ فيها مطلقاً، كمسند أبي داود الطيالسي، ومسند عبيد الله بن موسى، ومسند أحمد، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند عبد بن حميد، ومسند الدارمي، ومسند أبي يعلى الموصلي، ومسند الحسن بن سفيان، ومسند البزار، وأشباهها.
فهذه عادتهم فيها أن يخرجوا في مسند كلّ صحابي ما رووه من حديثه غير متقيدين بأن يكون حديثاً محتجاً به".

وقال الحافظ ابن حجر معقباً على كلام ابن الصلاح: "وأما من يصنف على المسانيد فإن ظاهر قصده جمع حديث كل صحابي على حدة، سواء أكان يصلح للإحتجاج به أم لا".

وهذا هو الظاهر من أصل الوضع بلا شك، لكن جماعة من المصنفين في كل من الصنفين خالف أصل موضوعه فانحط أو ارتفع، فإن بعض من صنف على الأبواب قد أخرج فيها الأحاديث الضعيفة؛ بل والباطلة، إما لذهول عن ضعفها وإما لقلة معرفة بالنقد. 
 
وبعض من صنف على المسانيد انتقى أحاديث كل صحابي فأخرج أصح ما وجد من حديثه. كما رويناه عن إسحاق بن راهويه أنه انتقى في "مسنده" أصح ما وجده من حديث كل صحابي، إلا أن لا يجد ذلك المتن إلا من تلك الطريق، فإنه يخرجه. ونحا بقي بن مخلد في "مسنده" نحو ذلك. وكذا صنع أبو بكر البزار قربياً من ذلك، وقد صرح ببعض ذلك في عدة مواضع من "مسنده" فيخرج الإسناد الذي فيه مقال ويذكر علته، ويتعذر عن تخريجه بأنه لم يعرفه إلا من ذلك الوجه.

وأما الإمام أحمد فقد صنف أبو موسى المديني جزءاً كبيراً ذكر فيه أدلة كثيرة تقتضي أن أحمد انتقى "مسنده" وأنه كله صحيح عنده، وأن ما أخرجه فيه عن الضعفاء إنما هو في المتابعات، وان كان أبو موسى قد ينازع في بعض ذلك، لكنه لا يشك منصف أن مسنده أنقى أحاديث وأتقن رجالاً من غيره. وهذا يدل على أنه انتخبه. ويؤيد هذا ما يحكيه ابنه عنه أنه كان يضرب على بعض الأحاديث التي يستنكرها. وروى أبو موسى في هذا الكتاب من طريق حنبل بن إسحاق، قال: جمعنا أحمد أنا وابناه عبد الله وصالح، وقال: "انتقيته من أكثر من سبعمئة ألف وخمسين ألفاً فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فارجعوا إليه، فإن وجدتموه وإلا فليس بحجة" (9).

فهذا صريح فيما قلناه؛ إنه انتقاه، ولو وقعت فيه الأحاديث الضعيفة والمنكرة، فلا يمنع ذلك صحة هذه الدعوى، لأن هذه أمور نسبية، بل هذا كاف فيما قلناه؛ إنه لم يكتف بمطلق جمع حديث كل صحابي.

فكلام الحافظ ابن حجر يقيد الإطلاق الوارد في كلام الخطيب وابن الصلاح من أن المسانيد تترتب من وراء الصحاح والسنن؛ لأنها لم تلتزم الصحة ولا الإنتقاء، فمسند الإمام أحمد قد التزم الإنتقاء على الرغم من كثرة الأحاديث التي اشتمل عليها، فهو بهذا يضاهي السنن ويقع في مصافها من حيث درجة الصحة الإجمالية، حتى قال الحافظ ابن حجر: وليست الأحاديث الزائدة في "مسند أحمد" على ما في "الصحيحين" بأكثر ضعفاً من الأحاديث الزائدة على "الصحيحين" من "سنن أبي داود" و"جامع الترمذي".

وبعد، فهل يصح إطلاق القول بأن ما في "المسند" صحيح في الجملة، على معنى أن الرجال الذين أخرج لهم الإمام أحمد في كتابه هذا هم من رجال الصحيح، ولو على مثل شرط ابن خزيمة أو ابن حبان؟

والجواب: أن هناك من ادعى الصحة في "المسند" كما سبقت الإشارة في كلام ابن حجر إلى الحافظ أبي موسى المديني (581 هـ) أنه ذهب إلى القول بذلك، وهذا نصه في "خصائص المسند": ولم يخرّج إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته دون من طُعن في أمانته.

وقال في موضع لاحق: ومن الدليل على أن ما أودعه الإمام أحمد، -رَحِمَهُ اللهُ- "مسنده" قد احتاط فيه إسناداً ومتناً. ولم يورد فيه إلا ما صح عنده .. ثم ساق مثالاً لقوله.

فعلى قول الحافظ أبي موسى يكون كل ما في "المسند" صحيحاً، وهذا القول لم يذهب إليه أحد مت العلماء الكبار -فيما نعلم- غيره، ويبدو أن هذا القول كان شائعاً بين الناس في أصبهان -وهي بلاد الحافظ أبي موسى- وخراسان، حتى عُرض سؤال على ابن الجوزي (597 هـ) في بغداد حول هذا الموضوع، ذكره في "صيد الخاطر"فقال:
سألني بعمق أصحاب الحديث: هل في مسند أحمد ما ليس بصحيح؟ فقلت: نعم. فعظم ذلك على جماعة ينسبون إلى المذهب، فحملت أمرهم على أنهم عوام، وأهملت فكر ذلك. وإذا بهم قد كتبوا فتاوى، فكتب فيها جماعة من أهل خراسان، منهم أبو العلاء الهمداني، يعظمون هذا القول، ويردونه، ويقبحون قول من قاله! فبقيت دهشاً متعجباً. وقلت في نفسي: واعجباً! صار المنتسبون إلى العلم عامة أيضاً، وما ذلك إلا أنهم سمعوا اهديث ولم يبحثوا عن صحيحه وسقيمه، وظنوا أن من قال ما قلته قد تعرض للطعن فيما أخرجه أحمد.
 
وليس كذلك، فإن الإمام أحمد روى المشهور والجيد والرديء، ثم هو قد ردّ كثيراً مما روى ولم يقل به، ولم يجعله مذهباً له. أليس هو القائل في حديث الوضوء بالنبيذ: مجهول؟ ومن نظر في كتاب "العلل" الذي صنفه أبو بكر الخلال رأى أحاديث كثيرة كلها في "المسند" وقد طعن فيها أحمد. اهـ.

فادعاء أن ما اشتمل عليه "المسند" كله صحيح يخالف الواقع، إذ إن الطعن في الحديث وإيراده في كتب العلل يؤذن بعدم سلامته ونزوله عن درجة الصحيح إن لم يكن ضعيفاً أو موضوعاً، وقد أورد الخلال جملة من أحاديث "المسند"، في كتابه "العلل" ويوجد في كتاب "العلل" للإمام أحمد نفسه أحاديث من "المسند"، وقد أورد ابن الجوزي جملة من أحاديث "المسند" أيضاً في كتابيه "الموضوعات" و"العلل المتناهية"، مما يدل على أن "المسند" لا يخلو من الأحاديث الضعيفة، وإن كان المحققون لم يسلموا ببعض ما ادُّعي فيه الضعف الشديد والوضع.

إذن فليس هناك من العلماء من أيد الحافظ أبا موسى المديني في ذهابه إلى القول بصحة ما في "المسند" من حديث، اللهم إلا السيوطي (911 هـ) فإنه عد جملة ما في "المسند" صالحاً للإحتجاج، فقد قال في مقدمته للجامع الكبير: وكل ما كان في "مسند أحمد" فهو مقبول، فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن. اهـ

وتوسط الشيخ عبد القادر ابن بدران فاعتبر أحاديث الأحكام في "المسند" كلها صحيحة، فقد قال:
وقد حكى الحفاظ أن الإمام أحمد اشترط أن لا يخرج في "مسنده" إلا حديثاً صحيحاً عنده. قلت: وهذا صحيح بالنسبة إلى أحاديث الأحكام. فقد روي عنه أنه قال: إذا كان الحديث في الحلال والحرام شددنا، وإذا كان في غيره تساهلنا ... إلى أن قال:
ومهما تعصب القوم فإن أحاديث "المسند" كلها يصح الإحتجاج بها، وهي صحيحة على طريقته التى استقام عليها، كما أشرنا إلى بعض ذلك عند الكلام على أصوله. ولعل الذين قالوا بضعف أحاديث من مسنده جاءتهم من طرق ضعيفة غير طريقه، فضعفوها باعتبار ما جاءهم من طرقها، وكثيراً ما يذهب إلى مثل هذا أصحاب الحديث ممن لا يحيط علماً بالطرق، فتأمل هذا، واحفظه، واعتبر به كتب الحديث، فإنك تجد الأمر واضحاً.

وهذا الرأي محل نظر، فقد أورد ابن القيم في كتاب "الفروسية" عدة أمثلة من "المسند" ذاته، وفي أحاديث الأحكام، وأرفقها بعللها التي طعن بها الإمام أحمد نفسه في تلك الأحاديث فيما رواه أصحابه عنه.

وإذا تبين أن "المسند" ليس خالصاً للصحيح، فإن القسم الذي ينزل عن درجة الصحة منه اختلف فيه العلماء، وقد رأينا أن السيوطي -رَحِمَهُ اللهُ- جعله كله من الحسن وما يقاربه، والذي يهمنا من ذلك هو دعوى وجود بعض الأحاديث الموضوعة الباطلة. فهناك من ادعى وجود ذلك في "المسند"، وهناك من أنكر.

فمن جملة من ادعى الوضع في "المسند" الحافظ ابن كثير، فقد قال في رده على أبي موسى المديني: وأما قول الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني عن "مسند الإمام أحمد": إنه صحيح، فقول ضعيف، فإن فيه أحاديث ضعيفة بل موضوعة، كأحاديث فضائل مرو وعسقلان والبرث الأحمر عند حمص، وغير ذلك كما نبه عليه طائفة من الحفاظ. اهـ

وكذلك ادعى الوضع الحافظ أبو الفضل العراقي في نكته على "مقدمة ابن الصلاح" (10)، وفي جزء أفرده لبيان تلك الأحاديث والكلام عليها واحداً واحداً، وهي تسعة أحاديث. قال في مقدمته: وقع لنا في أثناء السماع كلام: هل في "المسند" أحاديث ضعيفة أو كله صحيح؟ فقلت: إن فيه أحاديث ضعيفة كثيرة، وإن فيه أحاديث يسيرة موضوعة.

ولا جرم أن دعوى الوضع قوبلت بالنقد والتحقيق من قبل جماعة من الحفاظ، منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني، فقد أورد في كتابه "القول المسدد في الذب عن مسند أحمد" الأحاديث التسعة التي جمعها الحافظ الراقي في جزء وانتقدها، وأضاف إليها خمسة عشر حديثاً أوردها الإمام ابن الجوزي في "الموضوعات"، وأجاب عنها حديثاً حديثاً، وقد فاته أحاديث أُخَر ذكرها ابن الجوزي في كتابه المذكور، فنقلها السيوطي في جزء، وسماها "الذيل الممهد" وأجاب عنها وعدتها أربعة عشر حديثاً.

وأقل ما يقال بعد النظر في هذه الأحاديث وما أجاب به العلماء عنها: إنها بالغة الضعف، وكثير منها يُعلم بطلان متونها بالبداهة، فلا يمكن أن تشد أزرها تلك المتابعات والشواهد. وهذا لا يضير "المسند" شيئاً؛ لأنها -كما قال الذهبي - قطرة في بحر.
 

ــــــــــ ،،، ــــــــــ


• الأعمال التي تمت على المسند:
قديماً تمنى الحافظ الذهبي أمنية عزيزة، فقال: "فلعل الله تبارك وتعالى أن يقيض لهذا الديوان السامي -يعني المسند- من يخدمه، ويبوب عليه، ويتكلم على رجاله، ويرتب هيئته ووضعه، فإنه محتوٍ على أكثر الحديث النبوي، وقلَّ أن يثبت حديث إلا وهو فيه" (11).
وأمنية الذهبي هذه تدل على أن هذا المسند العظيم كان إلى ذلك الوقت (12) لا يزال بعيداً عن الإعتناء والخدمة التي تتناسب ومكانته، وهذا لا ينفي وجود بعض الأعمال التي تمت على "المسند" قبل الإمام الذهبي، إلا أنها لا تقرِّب البعيد ولا تذلِّل الصعب ولا تيسِّر الإستفادة من هذا الكتاب، ولا تقرُّ عيون الناظرين إليه.

ومن ذلك اليوم إلى عصرنا الحاضر والجهود تتوالى شيئاً فشيئاً على هذا الكتاب الجليل، حتى تحققت أمنية الإمام الذهبي كاملة أو شبه كاملة في جملة تلك التآليف والجهود المتتابعة المتلاحقة المتناسقة وغير المتناسقة؛ تارة في شرحه وبيان غريبه، وتارة في الكشف والتعريف برجاله، وتارة ثالثة بدراسات جزئية مفردة متنوعة، وهناك من ألف في ترتيب المسند وتقريبه على طريقة الأطراف أو على طريقة الأبواب، وغير ذلك.

وهذه جريدة تعريفية موجزة بما أمكن التعرف عليه من تلك الجهود والتآليف المبذولة في خدمة المسند من داخله أو من خارجه نعرضها مُرتَّبة حسب تواريخ وفيات مؤلفيها:

1 - غريب الحديث، لغلام ثعلب (261 هـ - 345 هـ):
هو العلامة اللغوي، المحدث، أبو عمر بن عبد الواحد بن أبي هاشم، البغدادي، الزاهد، المعروف بغلام ثعلب.

قال الخطيب البغدادي: سمعت عبد الواحد بن بَرهان يقول: لم يتكلم في علم اللغة من الأولين والآخرين أحسن كلاماً من كلام أبي عمر الزاهد. قال: وله كتاب "غريب الحديث" ألفه على مسند أحمد بن حنبل.
وهو حسن جداً فيما قيل.

2 - ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج لهم أحمد بن حنبل في "المسند" لإبن عساكر (499 هـ - 571 هـ):
هو الحافظ، المحدث، المؤرخ، ثقة الدين، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الدمشقي الشافعي، المعروف بابن عساكر، صاحب "تاريخ دمشق".

وقد بلغ عدد الصحابة والصحابيات الذين أحصاهم ابن عساكر في هذا الكتاب (1056) سواء منهم الذين ذكروا بأسمائهم أو بكناهم أو المبهمون.

طبع في بيروت بدار البشائر الإسلامية سنة (1409 هـ) بتحقيق الدكتور عامر حسن صبري. وقد كشف بالأرقام التداخل الموجود بين مسانيد الصحابة ضمن "المسند".

ويعتبر هذا الكتاب في أصله وتحقيقاته ذا أهمية كبيرة نظراً لما توفر عليه، بالإضافة إلى الترتيب والإحصاء، من الفوائد الحديثية النادرة التي لا يستغني عنها المتمرسون في هذا الفن، لا سيما من يتولى خدمة المسند وتحقيقه.

3 - خصائص المسند، للحافظ أبي موسى المديني (501 هـ -581 هـ):
هو العلامة الحافظ الكبير، الثقة، شيخ المحدثين، أبو موسى محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي عيسى المديني الأصبهاني الشافعي.

وقد طبع الكتاب بالقاهرة سنة (1347 هـ) وأعيد طبعه سنة (1368 هـ). وصدر به الشيخ أحمد شاكر -رَحِمَهُ اللهُ- تحقيق "المسند".

4 - تجريد ثلاثيات المسند، للمقدسي (ت 613 هـ):
وهو العلامة المحدث محب الدين إسماعيل بن عمر المقدسي.

خرّج في هذا الكتاب الأحاديث التي رواها الإمام أحمد بأسانيد عالية ليس بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ثلاثة رجال: الصحابي الراوي ثم التابعي الذي روى عنه، ثم تابع التابعي الذي يكون شيخاً للإمام أحمد.

وممن خرج هذه الثلاثيات أيضًا: ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي (13) (ت 643 هـ).

5 - التذكرة في رجال العشرة، لإبن حمزة الحسيني (715 هـ - 765 هـ):
هو الحافظ محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الحسيني الدمشقي، شمس الدين، حافظ للحديث، مؤرخ. ولد ومات في دمشق.
يحتوي هذا الكتاب على رجال عشرة مؤلفين في مصنفاتهم العشرة، وهم الصحيحان والسنن الأربعة، وهي الكتب الستة الأصول، وأربعة كتب أخرى للأئمة الفقهاء: موطأ مالك، ومسند الشافعي، ومسند أحمد، و"المسند" الذي خرّجه الحسين بن محمد بن خَسْرُو من حديث الإمام أبي حنيفة.

ويعتبر هذا الكتاب أصلاً لكتاب: تعجيل المنفعة الآتي لاحقاً. وله أيضاً:

6 - الإكمال في ذكر من له رواية في مسند الإمام أحمد من الرجال سوى من ذُكر في تهذيب الكمال:
قال ابن الجزري: وأما رجال "المسند" فما لم يكن في "تهذيب الكمال" أفرده المحدث الحافظ شمس الدين محمد بن علي بن الحسين الحسيني، لإفادة شيخنا الحافظ أبي بكر محمد بن المحب فيما قصر، وما فاته فإني استدركته وأضفته إليه في كتاب سميته "المقصد الأحمد في رجال مسند أحمد" وقد تلف بعضه في الفتنة (14)، فكتبته بعد ذلك مختصراً.

وجاءت فكرة تصنيف هذا الكتاب نتيجة لقيام المؤلف باختصار "تهذيب الكمال" للحافظ المزي، وهو يحتوي على رجال الكتب الستة، ثم قام بعد ذلك بترميز رجال المسند الذين وردت أسماؤهم في "التهذيب". فلما تم له ذلك فكر في وضع كتاب يحتوي على سوى مَن ذُكر هناك من بقية رجال المسند.

طبع الكتاب في كراتشي بتحقيق الدكتور عبد المعطي قلعه جي سنة (1409 هـ) ثم طبع مرة ثانية سنة (1412 هـ) بتحقيق عبد الله سرور.

7 - الهدي والسّنن في أحاديث المسانيد والسنن، المعروف بـ"جامع المسانيد والسنن"، للحافظ ابن كثير (701 هـ - 774 هـ):
وهو عبارة عن كتاب بناه المؤلف على "ترتيب المسند" لإبن المحب. وفي ذلك يقول ابن الجزري: ثم إن شيخنا مؤرخ الإسلام، وحافظ الشام عماد الدين أبا الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، أخذ هذا الكتاب المرتَّب من مؤلفه، وأضاف إليه أحاديث الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى الموصلي. وأجهد نفسه كثيراً، وتعب فيه تعباً عظيماً، فجاء لا نظير له في العالم، وأكمله إلا بعض مسند أبي هريرة، فإنه مات قبل أن يكمله.

وقد صدر الكتاب بعنوان "جامع المسانيد والسنن" نشرته دار الفكر ببيروت بتحقيق الدكتور عبد المعطي قلعه جي، في (37) مجلداً.

8 - ترتيب المسند، لأبي بكر بن المحب (712 هـ - 789 هـ):
هو الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت، المقدسي، الحنبلي.

قال ابن الجزري في "المصعد الأحمد": وأما ترتيب هذا المسند، فقد أقام الله تعالى لتوتيبه شيخَنا خاتمة الحفاظ الإمام الصالح الورع، أبا بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت، -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، فرتبه على معجم الصحابة، ورتب الرواة كذلك، كترتيب الأطراف، تعب فيه تعباً كثيراً.

ويعتبر هذا الكتاب عمدة وأساساً لكتب أخرى عُملت على المسند، منها:
- إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي، للحافظ ابن حجر، وسيأتي. ومنها:

9 - ترتيب المسند، لإبن زريق (ت 803 هـ):
هو الحافظ محمد بن عبد الرحمن بن محمد المقدسي، ثم الصالحي، ناصر الدين، المعروف بابن زريق، تخرج بابن المحب وتمهر، وكان يقظاً عارفاً بفنون الحديث ذاكراً للأسماء والعلل.

وهو مرتب على الأبواب، وغالب الظن أنه فقد في جملة ما فقد في كائنة تيمور في دمشق سنة (803 هـ).

10 - إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال، لإبن الملقن (723 هـ -804 هـ):
وهو الشيخ عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي، سراج الدين، أبو حفص، النحوي، المعروف بابن الملقن، من أكابر العلماء بالحديث والفقه وتاريخ الرجال.

قال السخاوي: قال -يعني الحافظ ابن حجر-: ومن تصانيفه مما لم أقف عليه: إكمال تهذيب الكمال، ذكر فيه تراجم رجال كتب ستة، هي: أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم (15). قلت: قد رأيت منه مجلداً وأمره فيه سهل.
ولابن الملقن أيضاً:

11 - مختصر المسند.
12 - غاية المقصد في زوائد المسند، للهيثمي (735 هـ - 807 هـ):
هو الحافظ علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، أبو الحسن، نور الدين، المصري، القاهري.

جرّد في هذا الكتاب زوائد المسند الحنبلي على الكتب الستة الأصول (الصحيحين والسنن الأربعة). فأورد تلك الزوائد بأسانيدها مرتبة على الموضوعات.
ويقع الكتاب في مجلدين.
وللحافظ الهيثمي أيضاً:

13 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد:
وهذا الكتاب يحتوي -كما يوحي عنوانه- على زوائد المسانيد الثلاثة: مسند أحمد، ومسند أبي يعلى الموصلي، ومسند البزار. إضافة إلى زوائد معاجم الطبراني الثلاثة: الكبير، والأوسط، والصغير.

فالكتاب يتضمن زوائد هذه الكتب الستة على الأصول الستة (الصحيحين والسنن الأربعة)، جمعها، وحذف أسانيدها، ورتبها على موضوعات صحيح البخاري، وعلق عليها بما يفيد الحكم على أسانيدها.

وقبل أن يضع الحافظ الهيثمي هذا المجمع عمد أولاً إلى تخريج أصوله، وذلك أنه:
أولاً: خرّج زوائد المسند الحنبلي، وهو كتاب "غاية المقصد" السابق.
ثانياً: خرّج زوائد البزار والموصلي والطبراني في معجمه الكبير (16).
ثالثاً: خرّج زوائد المعجمين: الأوسط، والصغير، في كتاب مستقل سماه "مجمع البحرين في زوائد المعجمين".
ثم ألّف بين هذه الأصول في كتاب واحد سماه "مجمع الزوائد".

قال الحافظ السخاوي:
"وتخرّج -أي الحافظ الهيثمي- به -أي الحافظ العراقي- في الحديث، بل درّيه في إفراد زوائد كتب، كالمعاجم الثلاثة للطبراني، والمسانيد لأحمد والبزار وأبي يعلى، على الكتب الستة، وابتدأ أولاً بزوائد أحمد، فجاء في مجلدين، وكل واحد من الخمسة الباقية في تصنيف مستقل، إلا الطبراني الأوسط والصغير فهما في تصنيفين، ثم جمع الجميع في كتاب محذوف الأسانيد سماه "مجمع الزوائد".
ويضاف إلى ما سبق:

14 - جزء للحافظ الهيثمي:
استدرك فيه على الحسيني مما فاته من رجال أحمد، لقطه من "المسند" حين كان يقوم بتخريج زوائده على الكتب الستة.

15 - ترتيب مسند أحمد على حروف المعجم، للمقدسي (ت 820 هـ):
وهو أبو بكر محمد بن عبد الله بن عمر المقدسي الحنبلي.

16 - ذيل الكاشف، لإبن العراقي (762 هـ - 826 هـ):
وهو الحافظ أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الكردي الرازياني، ثم المصري، أبو زرعة، ولي الدين، ابن الحافظ العراقي، قاضي الديار المصرية.

وهذا الكتاب أكمل فيه "الكاشف" للحافظ الذهبي وأضاف إليه زوائد رجال "المسند" من كتاب "الإكمال" للحسيني.

قال الحافظ ابن حجر: ثم وقفت على تصنيف للإمام أبي زرعة ابن شيخنا حافظ العصر أبي الفضل ابن الحسين الراقي، سماه "ذيل الكاشف" تتبع الأسماء التي في "تهذيب الكمال" ممن أهمله "الكاشف" وضم إليه من ذكره الحسيني من رجال أحمد، ويعض من استدركه الهيثمي، وصيّر ذلك كتاباً واحداً، واختصر التراجم فيه على طريقة الذهبي، فاختبرته فوجدته قلّد الحسيني والهيثمي في أوهامهما، وأضاف إلى أوهامهما مِنْ قبَله أوهاماً أخرى. اهـ.

17 - المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد، للحافظ ابن الجزري (751 هـ - 833 هـ):
هو الشيخ العلامة شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن محمد بن علي الدمشقي، الشهير بابن الجزري، شيخ الإقراء في زمانه، ومن حفاظ الحديث. وقد طبع الكتاب مع "خصائص المسند" في تصدير الشيخ شاكر لتحقيق "المسند".
ولابن الجزري على المسند أيضاً:

18 - المقصد الأحمد في رجال أحمد.
19 - المسند الأحمد فيما يتعلق بمسند أحمد.
20 - ترتيب المسند المسمى "الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري"، لإبن زكنون (758 هـ - 837 هـ):
هو الشيخ الصالح العالم، أبو الحسن علي بن حسين بن عروة الدمشقي، الحنبلي، المعروف بابن زكنون.

قال الحافظ السخاوي في هذا الكتاب: رتب المسند على أبواب البخاري وسماه "الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري" وشرحه في مئة وعشرين مجلداً. طريقته فيه: أنه إذا جاء لحديث الإفك مثلاً يأخذ نسخة من شرحه للقاضي عياض، ويضعها بتمامها، وإذا مرت به مسألة فيها تصنيف مفرد لإبن القيم أو شيخه ابن تيمية أو غيرهما وضعه بتمامه، ويستوفي ذاك الباب من "المغني" لإبن قدامة ونحوه.

وقال ابن بدران: وقد رأيت من هذا الكتاب أربعة وأربعين مجلداً (17)، فرأيت مجلداته تارة مفتتحة بتفسير القرآن، فإذا جاءت آية فيها، أو إشارة إلى مؤلف، وضعه بتمامه، وتارة مفتتحاً بترتيب المسند، فيكون على نمط ما ذكره السخاوي، حتى إن فيه شرح البخاري لإبن رجب (18) الذي وصل فيه إلى باب صلاة العيدين، وغالب مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية نسخت من هذا الكتاب وطبعت (19).

21 - زوائد المسانيد المسمى بـ: "إتحاف السادة المهرة بزوائد العشرة" للبوصيري (762 هـ - 840 هـ):
هو الشيخ أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل، أبو العباس، الكتاني، البوصيري القاهري الشافعي.

ألف زوائد عشرة مسانيد على الكتب الستة، واختصره، ومن جملة تلك المسانيد مسند أحمد. قال السخاوي وهو يتكلم عن مؤلفات البوصيري: ومما جمعه ... زوائد مسانيد الطيالسي، وأحمد، ومسدد، والحميدي، والعدني، والبزار، وابن منيع، وابن أبي شيبة، وعبدِ، والحارث بن أبي أسامة، وأبي يعلى مع الموجود من مسند ابن راهويه، على الستة أيضاً، أحدهما يذكر أسانيدهم والآخر بدونها مع الكلام عليها.

22 - القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد، للحافظ ابن حجر العسقلاني (773 هـ - 852 هـ):
وهو كتاب رد فيه على شيخه أبي الفضل العراقي في دعوى الوضع في (تسعة) أحاديث وردت في المسند الحنبلي، ثم استكمل البحث بالرد على ابن الجوزي في دعواه الوضع في (خمسة عشر) حديثاً من "المسند" أوردها في كتابه "الموضوعات".

وقد طبع هذا الكتاب بدائرة المعارف بحيدر آباد سنة (1319 هـ). وفي غيرها. وللحافظ ابن حجر أيضاً:

23 - إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي:
وهو عبارة عن موسوعة إسنادية جمعت مصدراً واحداً من مصادر السنة المشرفّة، وهو"المسند الحنبلي" على طريقة فن الأطراف (20).

رتب فيه المؤلف أسماء الصحابة على حروف المعجم، ثم من عُرف بالكنية كذلك، ثم المبهمات، ثم النساء. ورتب الرواة عن الصحابي إذا كان مكثراً على حروف المعجم، فإن كان بعض الرواة مكثراً على ذلك الصحابي رتب الرواة عنه أيضاً على الحروف، وربما رتب أحاديثه على الألفاظ (21).

وقد احتوى الكتاب على (12787) حديثاً، وطبع في تسعة مجلدات مع مجلد مخصص للفهارس، بتحقيق الدكتور زهير بن ناصر الناصر، نشرته دار ابن كثير ودار الكلم الطيب بدمشق.
وله أيضاً:

24 - تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة:
قال في مقدمته: فلما رأيت كتاب الحسيني أحببت أن ألتقط منه ما زاد لينتفع به من أراد معرفة حال ذلك الشخص، فلذلك اقتصرت على رجال الأربعة.

طبع الكتاب بحيدر آباد الدكن سنة (1324 هـ).
وله أيضاً:

25 - التعريف الأجود بأوهام من جمع رجال السند:
خصصه في نقد الأوهام التي وقع فيها كل من ألف في رجال المسند:
ذكره الحافظ عبد الله زين الدين بن خليل الدمشقي (1170 هـ) في كتابه "جمان الدرر في مؤلفات ابن حجر".

26 - الذيل الممهد على القول المسدد، للسيوطي (ت 911 هـ):
وهو تكملة لكتاب "القول المسدد" أضاف فيه السيوطي (أربعة عشر) حديثاً مما استدركه على الحافظ ابن حجر في تتبعه لأحاديث "المسند" التي أوردها ابن الجوزي في "الموضوعات".
وللحافظ جلال الدين السيوطي أيضاً:

27 - عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد:
وهو يختص بإعراب أحاديث المسند.

قال في مقدمته:
"وقد استخرت الله تعالى في تأليف كتاب في إعراب الحديث، مستوعبٍ جامعٍ، وغيث على رياض كتب المسانيد والجوامع جامع، شامل للفوائد البدائع شافٍ، كافل بالنقول والنصوص كاف، أنظم فيه كل فريدة، وأسفر فيه النقاب عن وجه كل خَريدة، وأجعله على "مسند أحمد" مع ما أضمه إليه من الأحاديث المزيدة، وأرتّبه على حروف المعجم في مسانيد الصحابة، وأنشئ له من بحار كتب العربية كتابة.

واعلم أن لي على كل كتاب من الكتب المشهورة في الحديث تعليقة، وهي:
"الموطأ" و"مسند الشافعي" و "مسند الإمام أبي حنيفة" والكتب الستة. ولم يبق إلا "مسند أحمد" ولم يمنعني من الكتابة عليه إلا كبر حجمه جداً، وعدم تداوله بين الطلبة كتداول الكتب المذكورة، وقدّرت التعليقة عليه تجيء في عدة مجلدات، والتعاليق التي كتبتها لا تزيد التعليقة منها على مجلد. فلما شرح الله صدري لتصنيف هذا الكتاب عوّقته (22) بمسند أحمد عوضاً مما كنت أرويه (23) عليه من التعليقة، ولكونه جامعاً لغالب الحديث المتكلم على إعرابه، فإن شئت فسمه "عقود الزبرجد على مسند أحمد"، وان شئت فقل: "عقود الزبرجد في إعراب الحديث" ولا تتقيد".

28 - الدر المنضد من مسند أحمد (24)، للشماع (ت 936 هـ):
وهو الشيخ عمر بن أحمد الحلبي الشافعي، المعروف بالشماع.

وهذا الكتاب عبارة عن مختصر للمسند الحنبلي.

29 - شرح المسند، للشيخ أبي الحسن السندي (ت 1139 هـ):
وهو نور الدين محمد بن عبد الهادي التتوي، محدث المدينة المنورة.

قال ابن بدران في هذا الشرح: وهو شرح مختصر مفيد، كما أخبرني من اطلع عليه في خزائن الكتب بالمدينة، وهو في نحو خمسين كراسة كبار، حذا فيه حذو حواشيه على الكتب الستة.

وقال العلامة الشبيخ عبد الحي الكتاني المراكشي: له حاشية على مسند الإمام أحمد، عندي منها الربع الأول، لا يستغني عنها مطالعه أو قارئه.

وقد تضمنت هذه الحاشية -أو الشرح- تعليقات لطيفة اقتصر فيها على ذكر ما يحتاج إليه القارئ والمدرس من ضبط اللفظ وإيضاح الغريب والإعراب. وتعتبر من جملة الكتب التي اعتمد عليها في التعليقات المثبتة في التحقيق الأخير للمسند الصادر عن مؤسسة الرسالة.

30 - نفثات الصدر المُكْمَد وقرّة عين السعد بشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد، للسفاريني (1114 هـ - 1189 هـ):
وهو العلامة المتفنن محمد بن أحمد بن سالم، السفاريني.

طبع هذا الكتاب في دمشق سنة (1385 هـ) بعناية الأستاذ الفاضل الشيخ عبد القادر الأرناؤوط.

31 - ذيل القول المسدد، لمحمد صبغة الله المدراسي:
وهو تعليق على "القول المسدد" كتبه مؤلفه سنة (1281 هـ) وطبع بحيدر آباد الدكن سنة (1319 هـ) مع الطبعة الأولى لـ: "القول المسدد".

32 - الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني للساعاتي (ت 1378 هـ):
وهو الشيخ أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الساعاتي.

ويتمثل عمله في:
- حذف الأسانيد إلا نادراً لحاجة البيان لحال بعض الرواة.
- جمع المكرر في موضع واحد، مع الإشارة إلى اختلاف الروايات والتمييز بينها.
- تقسيم الكتاب إلى سبعة أقسام:
التوحيد وأصول الدين - الفقه - التفسير - الترغيب - الترهيب - التاريخ - أحوال الآخرة وما يتقدم ذلك من الفتن.
وتحت كل قسم من هذه الأقسام السبعة تندرج جملة من الكتب، كل كتاب يحتوي على جملة من الأبواب.
- وضع الأحاديث الطوال في أول الباب الذي يليق بها.
- تجزئة الحديث الواحد على عدة أبواب إذا كان يتضمن عدة أحكام.
والكتاب مطبوع في أربعة وعشرين جزءًا. وتوفي الشيخ الساعاتي -رَحِمَهُ اللهُ- سنة (1378 هـ) عند بلوغه منتصف الجزء المذكور (25)، فقام شيخنا الشيخ محمد عبد الوهاب بحيري -رَحِمَهُ اللهُ-، بإخراج بقية الجزء الثاني والعشرين، ثم توقف لانشغاله بأمور أخرى، فتكونت لجنة من أبناء الشيخ الساعاتي، وهم: عبد الرحمن ومحمد وجمال، لإتمام الجزأين الأخيرين.
وله أيضًا:

33 - بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني:
ألف هذا الكتاب تتمة للسابق، وذلك أنه:
- ذكر الأسانيد التي وإن قد حذفها في "الفتح".
- حل الألفاظ الغريبة بضبط لفظها وشرح معناها.
- بيّن حال الحديث مع ذكر من أخرجه من الأئمة أصحاب الأصول، وغيرهم، معتمدًا في الرموز على مصطلحات السيوطي في "الجامع الكبير".
- بيّن فقه الحديث، وذكر من ذهب إليه من الأئمة، مع إضافة شواهد وفوائد.
- نبّه إلى الأحاديث التي أوردها مقطعة في الأصل، دفعًا لتوهم أن متن الحديث كامل، مع إيراد المتن بكامله عند الحاجة.
- نبّه على الأحاديث التي ادُّعي فيها الوضع، وكتب بإزاء كل حديث منها رد الحافظ ابن حجر على دعوى الوضع.

34 - تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر للمسند:
عمل الشيخ أحمد محمد شاكر -رَحِمَهُ اللهُ- في "المسند" عملًا علميًا يستحق كل شكر وتقدير أجزل الله له المثوية في العقبى.

وجاءت فكرة عمله في "المسند" في أوائل شبابه لما هُدي إلى حب السنة النبوية المطهرة، ومالت رغبته إلى الإشتغال بعلومها والتعمق في الفقه في فنونها، والتنقيب عن روائعها ونفائس كتبها. فاطلع في جملة ما اطلع على"المسند" الذي كان من ضمن ما تحتوي عليه مكتبة أبيه، فوجده بحرًا لا ساحل له، ونورًا يستضاء به، لكن لا تنقاد شوارده، ولا تنال فوائده، ولا تلتقط درره المكنونة فيه إلا بعد تعب وعناء، لا يدركه إلا من حفظه واستَظهره على الغيب وهيهات ..

قال:
فشُغفت به وشُغلت، ورأيت أن خير ما تخدم به علوم الحديث أن يوفق رجل لتقريب هذا المسند الأعظم للناس، حتى تعم فائدته، وحتى يكون للناس إمامًا، وتمنيت أن أكون ذلك الرجل.

وتتلخص فكرة عمل الشيخ شاكر في المسند بما يلي:
أولاً: وضع فهارس لفظية للكتاب، كفهارس الأعلام، والقبائل، والبلدان، وغير ذلك.
ثانيًا: وضع فهارس علمية للأبواب والمسائل والموضوعات التي تعرف بعناوين مشهورة في كتب الفقه والعقيدة والآداب والأخلاق والسير وغير ذلك.
ولا ريب أن تخريج مثل هذه الفهارس لكتاب مثل "المسند" يستغرق عمرًا طويلاً وجهدًا مضنيًا متواصلاً، وقد فتق الله سبحانه في ذهن الشيخ فكرة العمل بالأرقام، وذلك بأن يقوم بترقيم أحاديث "المسند" من أوله إلى آخره على ما هو عليه، بحيث يصبح كل حديث معروفًا برقم عددي خاص به يكون عَلمًا عليه ويسهل للباحث الرجوع إليه، وتبنى عليه الفهارس كلها مهما تنوعت وتعددت.

وقسم الفهارس اللفظية إلى خمسة أقسام:
الأول: فهوس الصحابة رواة الأحاديث مرتب على حروف العجم. فإن أبهم الصحابي وضع اسم التابعي الراوي عنه على الترتيب نفسه.
الثاني: فهرس الجرح والتعديل. وهو يتناول الرواة الذين تكلم فيهم الإمام أحمد أو ابنه عبد الله في "المسند". وهم قليل. بالإضافة إلى الرواة الذين تكلم عليهم الشيخ شاكر في نقد الأحاديث وتمييز صحيحها من سقيمها.
الثالث: فهرس الأعلام الواردة في متون الأحاديث.
الرابع: فهرس الأماكن الواردة في متون الأحاديث.
الخامس: فهرس لغريب الحديث.

وأما الفهارس العلمية فهي الأصل والمقصود من هذا العمل العظيم.

وقد خرّج الشيخ تلك الفهارس من فهارس كتب السنة وكتب الفقه والسير والأخلاق، وصاغ من مجموع ما تحصل عنده عناوين جديدة مقاربة للموضوعات الشرعية المختلفة، وفي ذلك يقول:
وقد قرأت من أجل هذا الفهرس كل فهارس كتب السنة، وكتب الفقه، وكتب السير، وكتب الأخلاق التي يُسِّر لي الحصول عليها، ثم ضممت كل شبْه إلى شبْهه، وكل شَكْل إلى شكله، وتخيرت في ترتييها أقرب الطرق إلى عقل المحدِّث والفقيه. بعد أن قسمتها إلى كنب جاوزت الأريعين، فيها أكثر من ألف باب.

وكلما رأيت بابًا فيه شيء من العموم كثرت أرقام أحاديثه، اجتهدت في تقسيمه إلى معان فرعية، ليُحصر أقرب العاني إلكتابعضها في أرقام يسهل على القارئ الرجوع إليها.

وقد استفاد الشيخ من منهج الإمام البخاري وصنيعه في "صحيحه"؛ وذلك أن الإمام البخاري يكرر الحديث الواحد أو يُقطِّعه على عدة مواضع بحسب ما يرى فيه من علاقة بين ذلك الحديث وذلك الباب.

ولئن كان الإمام البخاري ينهج نهج التكرار والتقطيع انسجامًا مع زمانه، فإن الشيخ شاكرًا استفاد من الأرقام التي رقم بها الأحاديث بحيث أراحته من كل ذلك؛ من تقطيع الحديث ومن تكراره. رَقْم الحديث يوضع في كل باب، وفي كل معنى يدل عليه، أو يصلح للإستشهاد به فيه، دون تكلف ولا مشقة.

وكان الشيخ في أول الأمر لا يرى نفسه أهلاً للقيام بنقد الأسانيد، وتمييز الأحاديث وييان درجاتها. ولكنه بعدما واجهته صعوبة اشتباه بعض الأسانيد في بعض الأحاديث، وألجأته إلى مراجعة دواوين الحديث وكتب الرجال، ويعد أن أشار عليه أحد أصدقائه الخُلَّص بأهمية هذا العمل وفائدته، بعد ذلك شرح الله صدره لهذا العمل، فأقدم عليه واستعان بالله.

فجاءت الأحاديث التي عمل فيها مبيَّنة الدرجة؛ فإن كان الحديث صحيحًا ذكره كذلك، وإن كان ضعيفًا بين سبب ضعفه، وإن كان في إسناده رجل مختلف في توثيقه وتضعيفه اجتهد فيه رأيه على ما وسعه علمه، وذكر مارآه.

ويعتبر فهرس الجرح والتعديل-وهو الفهرس الثاني من الفهارس اللفظية- كاشفًا بأسماء الرجال الذين تكلم عليهم وهاديًا إلى الموضع الذي يوجد فيه ذلك الكلام، لأن عادته أن لا يتكلم على الرجل الواحد إلا مرة واحدة.

وفي النتائج التي توصل إليها من عمله القيم الجليل قال:
وإني أرجو أن تكون دعوة الذهبي أُجيبت بما صنعت، وأسال الله سبحانه الهدى والسداد، والعصمة والتوفيق.

وما أبغي أن أتمدح بعملي أو أفخر به، ولكني أستطيع أن أقول: إن في بعض ما حققت من الأسانيد قد حللت مشاهل، وبينتُ دقائق، وصححت أخطاء، فاتت على كثير من أئمة الحديث السابقين، لا تقصيرًا منهم، ولا اجتهادًا مني، ولكن هذا الديوان السامي-كما سماه الحافظ الذهبي- وإن مفتاحًا لما أُغلق، ومنارًا يهتدى به في الظلمات، وكان للناس إمامًا، حين وُفق رجل لخدمته، وحين حققت أحاديثه تحقيقًا مفصلاً.

ويُعتبر عمل الشيخ أحمد شاكر -رَحِمَهُ اللهُ- مقربًا للمسند وميسرًا للإستفادة منه لولا أن المنية عاجلته (ت 1377 هـ) قبل تحقيق الأمنية وإتمام المسند، فلم يخرج منه إلا ما يقارب ربع الكناب، كما أنه لم يكمل عمله في سنن الترمذي أيضًا.

35 - الموسوعة الحديثية الكبرى:
إن آخر الأعمال العلمية المنجزة حول "المسند" هو التحقيق الذي قامت به "مؤسسة الرسالة" العامرة؛ ضمن "الموسوعة الحديثية الكبرى". وهو مشروع قد اعتزمت هذه المؤسسة الميمونة بعون الله وتوفيقه على أن تتولى إصداره، مبتدئة بـ: "مسند الإمام أحمد"، وتالية ببقية الدواوين الأخرى، كالصحيحين والسنن الأريعة، وغيرها من كتب السنة المسندة مما دونه المحدثون الثقات خلال القرون الخمسة الهجرية الأولى؛ ما طبع منها وما لم يطبع، متبعة في ذلك أمثل مناهج التحقيق الذي يعتمد على الأصول الخطية المتقنة الموثقة، وضبط النص وترقيمه، وسلامته من التحريف والتصحيف، ووضع الفهارس الميسِّرة للإفادة منها بأقرب الطرق.

وقد نشأت هذه الفكرة لدى موسسة الرسالة خطوة جديدة على الطريق الأصيل، والمنهج الإسلامي الواضح الذي سلكته في العناية بالتحقيق والطباعة والنشر للكتب النافعة والهادفة إلى إصلاح الأمة، وبما أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وأنه إنما صلح أول هذه الأمة بالتمسك بكتاب الله وسنة نبيه الخالية عن شوائب التشويه والتغيير، والدس والوضع، فقد رأت أن الطريق إلى صلاح آخر هذه الأمة ونهضتها والسبيل إلى إيجاد وعي إسلامي صحيح لدى أبنائها، بعيد عن الأهواء العاصفة، إنما يتمثل في إخراج أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضمن إطار موسوعة حديثية كبرى تنتظم كتب السنة.

ويعتبر "المسند" أول كتاب في طريق تحقيق هذا المشروع الجليل، وباكورة السعد في إنجاز هذه الموسوعة المنشودة.

وقد عهدت مؤسسة الرسالة في القيام بمثل هذا العمل ذي الأهمية والخطورة من حيث إنه يتطلب كفاية واقتدارًا وصرفة بالصناعة الحديثية وطول مراسها، عهدت بذلك إلى ثلة من الأساتذة الذين لهم باع في هذا الشأن.

ولم يكن "المسند" ليحتل الصدارة في السعي في إنجاز هذه الموسوعة اعتباطًا، ولا وقع عليه الإختيار بضربة لازب، بل إن لتقديمه على غيره ما يبرره من الأسباب، ذلك أنه ما من حديث -غالبًا- إلا وله أصل في هذا "السند" فعليه مدار السُّنة، وهو يكاد يستوعبها، ويالتالي فالقيام بتحقيقه سيوفر كثيرًا من الجهود في القيام بتحقيق كتب السنة الأخرى. أضف إلى ذلك أن الهيكل الذي يتم وفقه صنع هذه المعلمة الحديثية الكبرى يقوم على جمع حديث كل صحابي على حدة على طريقة أصحاب المسانيد، لأن ذلك يحقق الإستقراء التام، وهذا ما يساعد عليه المسند الحنبلي غاية المساعدة.

وتتمثل الجهود التي صُبَّت في هذا العمل الجليل في ثمانية أمور:
- توثيق النص بالمقابلة بين النسخ الخطية والمقارنة مع المطبوعة.
- ضبط النص ضبطا قريبًا من التمام.
-التنبيه على الملاحظات المتعلقة بالسقط والتحريف والتصحيف في المطبوع.
- تخريج أحاديث الكتاب من "الصحاح" و"السنن" و"المسانيد" و"المعاجم"، وغيرها من المظان بقدر ما تيسر، مع محاولة الإستيعاب والتقصي، مع الإحالة على مواضع تكرر الحديث بلفظه أو بمعناه في المسند نفسه.
- الحكم على أسانيد الأحاديث.
- التعليق على بعض المواضع بما يستدعيه المقام من تفسير لفظ غريب، أو توضيح معنى مستغلق.
- ترقيم الأحاديث مع ترميز المكررات، وزيادات عبد الله ابن الإمام، ووجاداته، وما رواه عن أبيه وعن شيخ أبيه أو غيره.
- صناعة فهارس لشيوخ أحمد وابنه عبد الله، والصحابة، والرواة، والأحاديث.
نسأل الله أن يجزل المثوبة لكل من أسهم في هذا المشروع العلمي الكبير، إنه سميع قريب مجيب.
 
------------------------------------
(1) قال الحافظ ابن حجر في "تعجيل المنفعة" ص 233: والأصل في المسند الأحمدي إيراد الأحاديث المرفوعة لا أقوال الصحابة فمن بعدهم.
(2) مقدمة الطبعة الجديدة للمسند الصادرة عن مؤسسة الرسالة ص: 63. نقلاً عن "ترتيب أسماء الصحابة" بتحقيق الدكتور عامر حسن صبري. وقال الحافظ ابن حجر: وكان الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- لم يرتب مسانيد المقلين فرتبها ولده عبد الله فوقع فيه إغفال كبير من جعل المدني في الشامي ونحو ذلك. اهـ. مقدمة تحقيق "أطراف المسند" ص 55، نقلاً عن "المعجم المفهرس" لإبن حجر.
(3) يتكون المسند الحنبلي على ما ذكره الحافظ ابن حجر في "أطراف المسند" 1/ 173 من ثمانية عشر مسندَ صحابي:
1 - مسند العشرة وما معه.
2 - مسند أهل البيت، وفيه: مسند العباس وبنيه.
3 - مسند عبد الله بن عباس.
4 - مسند ابن مسعود.
5 - مسند أبي هريرة.
6 - مسند عبد الله بن عمر.
7 - مسند عبد الله بن عمرو بن العاص.
8 - مسند أبي سعيد الخدري.
9 - مسند أنس بن مالك الأنصاري.
10 - مسند جابر بن عبد الله الأنصاري.
11 - مسند الأنصار.
12 و 13 - مسند المكيين والمدنيين.
14 - مسند الكوفيين.
15 - مسند البصرين.
16 - مسند الشاميين.
17 - مسند عائشة.
18 - مسند النساء. 
(4) وفي مقدمة تحقيق "أطراف المسند" ص 61 ذكر المحقق أمثلة من أربعة أحاديث مما خرجه من زيادات القطيعي في "المسند".
(5) البرنامج والفهرس والمعجم والمشيخة والثَّبَت، موضوعها واحد في اصطلاح المحدثين، وهو الكتاب الجامع لأسماء شيوخ المُحدث ومروياته عنهم، إلا أن أهل المشرق يستعملون كلمة ثَبَت ومعجم ومشيخة، وأهل المغرب والأندلس يستعملون كلمة الفهرس والبرنامج.
(6) من مقدمة ابن عساكر في كتابه "ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج حديثهم أحمد بن حنبل في المسند" ص 29 وما بعدها.
(7) قال الحافظ الذهبي: فإنه محتوٍ على أكثر الحديث النبوي، وقلّ أن يثبت حديث إلا وهو فيه. اهـ. المصعد الأحمد ص 23.
(8) لم يكن "سنن ابن ماجه" معدوداً في جملة الأصول الستة إلى أواخر القرن السادس وبعده بقليل، وأول من أدخله مع السنن الثلاثة أبو الفضل ابن طاهر المقدسي صاحب "شروط الأئمة الستة".
(9) هذا القول المروي عن الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ-، فيه نظر، ويتطلب أولاً تحقيق مدى صحة نسبته للإمام أحمد، وعلى فرض ثبوته، فإن الحجة فيما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن لم يكن في "المسند"، والإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- كغيره من الأئمة ليس معصوماً، فقد يفوته شيء من الأحاديث، وقد يثبت عند غيره ما لم يثبت عنده، أو يطلع عليه.
(10) قال السيوطي في "تدريب الراوي" 1/ 172: قال العراقي: وأما وجود الضعيف فيه فهو محقق، بل فيه أحاديث موضوعة جمعتها في جزء، ولعبد الله ابنه فيه زيارات فيها الضعيف والموضوع.
(11) نقله عه ابن الجزري في "المصعد الأحمد" ص 23. وفي "السير" 13/ 525 كلام قريب منه.
(12) توفي الذهبي -رَحِمَهُ اللهُ- سنة (748 هـ).
(13) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 90، المنهج الأحمد 4/ 115. قال ابن حُميد في "السحب" 2/ 841: وعددها (363) حديثاً. 
(14) يعني بذلك كائنة تيمور الشهيرة التي عاث فيها فساداً في دمشق سنة (803 هـ).
(15) لم يذكر السادس، والغالب أنه البيهقي في سننه الكبرى.
(16) سمى الأول "كشف الأستار عن زوائد البزار" والثاني "المقصد العلي إلى زوائد مسند أبي يعلى الموصلي". والثالث "البدر المنير في زوائد المعجم الكبير".
(17) وقال ابن حُميد في "السحب الوابلة" 2/ 735: وقد رأيت في رحلتي سنة (1281 هـ) في مدرسة شيخ الإسلام الشيخ أبي عمر منها -أي مؤلفات ابن زكنون- الكثير الطيب، منها شرحه للمسند في مئة وسبع وعشرين مجلداً.
(18) سماه "فتح الباري"، وهو مطبوع محقق.
(19) المدخل ص 474. وهو الذي كان جلّ اعتماد الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم عليه في إخراج الفتاوي لإبن تيمية.
(20) وهو فن ابتكره الحفَّاظ المتأخرون للجمع بين عدة مصنفات في الحديث ولفهرستها وتقربيها. والأطراف جمع طرف، وطرف الحديث هو الجزء الدال على بقيته، أو العبارة الدالة عليه، مثل حديث الأعمال بالنيات، وحديث الخازن الأمين، وحديث سؤال جبريل.
وكتب الأطراف: هي كتب يقتصر مؤلفوها على ذكر طرف الحديث الدال عليه، ثم ذكر أسانيده في المراجع التي ترويه بإسنادها، وبعضهم يذكر الإسناد كاملاً، وبعضهم يقتصر على جزء منه فقط. لكنها لا تذكر من الحديث كاملاً، كما أنها لا تلتزم أن يكون الطرف المذكور من نص الحديث حرفياً.
وتفيد هذه الطريقة في الكشف عن أسانيد الحديث الواحد، ومَنْ أخرجه من أصحاب المصادر الأصول، والباب الذي أخرجوه فيه. 
(21) تنظر بقية منهج المؤلف في "أطراف مسند الإمام أحمد" 1/ 106.
(22) كذا في النسخة المطبوعة، بدار الكتب العلمية.
(23) كذا في النسخة المطبوعة، بدار الكتب العلمية، ولعلها: أرومه، بمعنى أقصده.
(24) الكواكب السائرة 2/ 225، وقال ابن بدران في "المدخل" ص 473: سماه "در المنتقد من مذهب أحمد". 
(25) ذكرت وفاته -رَحِمَهُ اللهُ- في الصفحة 212 من نفس الجزء.
 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
بحوث علمية
  • بحوث في التوحيد
  • بحوث فقهية
  • بحوث حديثية
  • بحوث في التفسير
  • بحوث في اللغة
  • بحوث متفرقة
  • الصفحة الرئيسية