صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







حول (الدستور) في الدولة الإسلامية (10)
الجمعة 01/03/2013

د. سعد بن مطر العتيبي


بسم الله الرحمن الرحيم


مما مضى يتضح جلياً أنَّ حقيقة الدستور الإسلامي لا يختلف فيها مؤمنان بالإسلام عقيدة وشريعة، ويعلمان معنى ما يؤمنان به على حقيقته؛ ولهذا نجد دعاوى إنكاره إنَّما تصدر من خصوم الإسلام أو ممن يجهلون حقائقه..

كما يتضح جلياً أنَّ علماء العصر، قد بذلوا جهوداً مشكورة في صياغة مشاريع لدساتير إسلامية معاصرة، وأسهموا في صياغة نظم أساسية إسلامية، تجمع بين الثابت الدستوري، والمتغير الدستوري المتفرع عنه، والذي لا ينفصل عن محور الثابت منه..

وقد تعمدت البدء بالجانب العملي، لأنَّه ردّ فعلي على جهالة المنكرين، وجواب عملي على أسئلة المتسائلين..


وأمَّا جانب الفقه الدستوري، فلا يخلو كتاب ولا مدونة من مدونات الفقه الإسلامي العامة، ولا تفسير من تفاسير آيات الأحكام ولا شرح من شروح كتب الحديث- فضلا عن كتب السياسة الشرعية الشاملة - من بحث الموضوعات الدستورية
؛ بل أدخل جزء منه في كتب العقيدة الإسلامية عند أئمة أهل السنة والجماعة .. ومع أن الدستور الإسلامي يُصنّف في القرون الماضية في إطار ما يعرف بالدستور المرن، الذي لم يدون في صيغة وثيقة دستورية؛ لرسوخه، و وجوده في ضمير الأمة، وتطبيقاتها الدستورية الصحيحة- إلا أن الحكَم في تطبيق الدستور الإسلامي هو القضاء الشرعي، الذي لم يكن يستثني قضية دستورية من النظر- وإن خرج على ذلك ظلمة الزعماء - فقد كان القضاء هو الضمانة العملية للتطبيق، وهو ما سأفرده بحديث لاحق إن شاء الله تعالى ..

وهذه حقيقة يعرفها من درس الشريعة ودرس القانون الدستوري
، وإن جهلها بعض الشرعيين ممن يجهلون المعنى المعاصر لـ(الدستور)، فضلا عن القانونيين الوضعيين الذين لم يدرسوا الشريعة ولم يطلعوا على ما كتب في الموضوع، وهو ما بينه الدكتور/عبدالناصر العطار في المقال السابق..

  
ولا ينقضي عجبي حين أجد شخصيات غربية غير مسلمة- فضلا عن الشخصيات الغربية المسلمة- تعلم من حقائق الدستور الإسلامي ما ينكره بعض المنتسبين لبعض الكليات الشرعية!

وهنا أستحسن ذكر شخصية يهودية الأصل، غربية المنشأ، درست الإسلام فاعتنقته، ولم تلبث أن ألّفت مؤلفا في الدستور الإسلامي، يتعمق في الفهم، فيفيض إعجاباً بالدستور الإسلامي، فيتجلى إيمانه بمبادئه ومسائله، ليسهم في مؤلف خاص به، هو : (منهاج الإسلام في الحكم) فيضع النقاط على الحروف في جملة من كلياته، ليكشف لمن حرفهم بعضُ ما بلغهم من بني قومه! كيف أنَّ الحق ما هرب منه المنحرفون، لا ما هرولوا إليه!!

لقد جلّى ليبولد فايس رحمه الله قضايا مهمة تتعلق بالنظام السياسي الإسلامي وما يضادّه، بلغة عصرية واعية؛ بل يمكن القول: لقد كان ليبولد فايس رحمه الله (المشهور بمحمد أسد) من أوائل من نبهوا إلى ضرورة النص في تدوين أي دستور إسلامي: على منع أي قانون وإبطال أي نظام يتعارض مع نصوص الكتاب والسنة؛ فقد قال رحمه بعد أن ذكر جملة من الأحكام الدستورية الثابتة:

" على الرغم من أن هذه الأحكام الشرعية التي أشرنا إليها ستضل راسخة في أساس بنيان الدولة الإسلامية مهيمنة على عملها..."، ثم يُبيّن رحمه الله أنَّ طبيعة تلك الأحكام الدستورية، تفتح المجال لنا نحن المسلين، لننظم ونسنّ " ما قد نحتاج إليه من الإجراءات اللازمة لإدارة شؤون الدولة؛ ولهذا لا بدّ لنا من أن نضيف بأنفسنا القوانين الملائمة لزماننا ومقتضيات حياتنا، شريطة أن لا نبيح لأنفسنا سنّ قوانين تتعارض مع نصّ الشريعة أو روحها . وقد حذّرنا الله من ذلك فقال :
)وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم[؛ وعلى هذا فإنَّ دستور الدولة يجب أن ينصّ على أنّ أية قوانين إدارية –سواء كانت ملزمة أو آذنة في أي أمر من الأمور- لا تصبح سارية المفعول إذا وجدت متناقضة مع أي نصّ من نصوص الشريعة" .

وقد تعمّدت أن أورد هذا التقرير السياسي الشرعي لهذا المفكر المخضرم
، وأنقل عن عالم غربي كان يهودياً فأسلم، ثم لم يجد عناء في فهم الفقه الدستوري الإسلامي ومبادئه، ليكون من منظريه المتشبعين بالإيمان بعدالته وتفوقه؛ تعمدت ذلك مع كثرة الفقهاء الدستوريين الشرعيين، ليتضح الفرق بين من درس الفقه الدستوري الإسلامي من مصادره ثم تحدث عنه، وبين من لم يقرأ شيئا في الفقه الإسلامي، أو قرأ عنه من غير مصادره، أو من طريق خصومه والجهلة به، فكان ريشة في مهب الشبهات الواهية أمام أبجديات الأحكام الدستورية الشرعية..

وإلى لقاء في مقالة تالية إن شاء الله تعالى ..

----------------------

المصدر
 

 



حول (الدستور) في الدولة الإسلامية (1)
حول (الدستور) في الدولة الإسلامية (2)
حول (الدستور) في الدولة الإسلامية (3)
حول (الدستور) في الدولة الإسلامية (4)
حول (الدستور) في الدولة الإسلامية (5)
 حول (الدستور) في الدولة الإسلامية (6)
حول (الدستور) في الدولة الإسلامية (7)
حول (الدستور) في الدولة الإسلامية (8)
حول (الدستور) في الدولة الإسلامية (9)
حول (الدستور) في الدولة الإسلامية (10)
حول (الدستور) في الدولة الإسلامية (11)
حول (الدستور) في الدولة الإسلامية (12)
 



 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
د.سعد العتيبي
  • مقالات فكرية
  • مقالات علمية
  • أجوبة شرعية
  • الصفحة الرئيسية