صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







تعليقا على تفجير مسجد الطوارئ بأبها في 10/ 1436هـ:
أربعة أصول قبل التكفير

د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه
@khojah10


بسم الله الرحمن الرحيم


أربعة أصول هي مقاصد للشريعة، لو رعاها أناس حق رعايتها، لما تجرءوا على سفك الدم الحرام في بيوت الله، جهلا بشروط التكفير وأحكامه، حتى أنزلوه بمن شاءوا عدوانا وظلما، متحملين في ذلك الإثم العظيم مرتين: مرة بالتكفير، وأخرى باستحلال الدم.

فأما الأصل الأول فهو: الرحمة الإلهية السابقة. فالرحمة موجبة للعفو والمغفرة والثواب، وهي مقدمة على الغضب الموجب للعقاب والانتقام، كالمريض يعالج بـ: الوقاية، والحمية، ثم الدواء، ولا تكون الجراحة المؤلمة إلا آخرا، حين تعجز الحلول الرحيمة كلها، وفي الحديث الشريف: (آخر الدواء الكي). كذلك في القانون الإلهي، وفق الرحمة المقدمة، فلا يؤاخذ عباده بالعذاب والانتقام إلا بعد نفاد الأعذار كلها، وله قال صلى الله عليه وسلم: (لا أحد أحب إليه العذر من الله تعالى، من أجل ذلك أرسل الرسل). البخاري/ التوحيد/باب: لا شخص أغير من الله.

وأدلة تقديم الرحمة على العقوبة في النصوص أنواع متعددة:

فأولا: أنها سابقة غالبة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ - وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ - وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي) . البخاري/التوحيد/ باب: في الذات والنعوت.
وفي رواية عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : (إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي) . البخاري/ التوحيد/ باب: قل شيء أكبر شهادة.

وثانيا: أنها واسعة شاملة، والعذاب مقيد، قال تعالى: {قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء}. فقد أخبر أن الرحمة لكل خلقه، كل بحسبه، أما العذاب فعلى فئة، معلقة بالمشيئة الإلهية؛ بمعنى أن هذه الفئة قد يرحمها أيضا.

وثالثا: أنها علة إرسال الرسل: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}. فهذا حصر وقصر لعلة الإرسال في الرحمة، وهي شاملة عامة لكل من يصدق عليه الكون تحت وصف العالمين.

ورابعا: أنه يقدم العذاب الأدنى الأخف درءا للأشد: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون}. ولو كان له قصد في عذابهم أو كانت العقوبة مقدمة؛ لأخذهم بالأكبر ابتداء، لكنه أخرها لعل فيما دونها عبرة، ثم لا يؤاخذهم بها إلا بعد نفاد الأعذار: {فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين* فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين}. فهؤلاء قوم فرعون، وكان قبل ذلك ينزل بهم شيئا من العذاب الأدنى، لكنهم ما اعتبروا: {وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون}
وفق هذا الأصل الأصيل، فالحكم على شخص من الناس بعينه بالكفر والخروج من الملة، يجب أن يكون مؤخرا لامبتدأ به، بل حين الاضطرار إليه، بعد أن لا يبقى عذر يمكن أن يعتذر به، فترى الغلاة في التكفير، يتخطون هذا الأصل ويقفزون عليه جهلا؛ ليقعوا على العقوبة والعذاب ابتداء فيكَفِّروا.

الأصل الثاني: اليقين قبل الحكم.
فمن نتائج الأصل الأول: أن الحكم لا يكون إلا بعد اليقين التام، وهذا أصل كذلك، فإن القضايا المؤخرة يراد بها ألا تأتي إلا بعد الفحص والتأكد، وهذا هو اليقين. واليقين في حال الإنسان لا يكون إلا بمعرفة باطنه، وهو غير ممكن إلا بالعلامات والإشارات الظاهرة في: حركاته، أو أقواله، أو أفعاله. فإذا أظهر شيئا يكشف عن باطنه نظرنا فيه، فإن كان مشتبها غير صريح في الكفر، وكلنا أمره إلى الله تعالى، وأعرضنا عنه، كما أمرنا الله تعالى أن نفعل مع المنافقين فيما يظهر منهم من مشتبهات القول والفعل: {فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا* أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا}.
فأما إن كان البادي من هذا الإنسان صريحا في الكفر، فهاهنا خطوات أخر: يوعظ، ويعلم من الدين ما جهل، ثم يستتاب، وتقام عليه الحجة. وكل ذلك عن طريق أولي الأمر: العلماء، والأمراء. ذلك في مسلم يشهد الشهادتين، فلا يكفر فيستباح دمه بالظن والتخمين:
عن أسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: (بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحُرَقَةِ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَكَفَّ الْأَنْصَارِيُّ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (يَا أُسَامَةُّ! أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟، قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا. فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ). البخاري/ المغازي/ باب: بعث النبي أسامة إلى الحرقات.
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ). البخاري/ المغازي/ باب: بعث علي وخالد.
وعن عبادة بن الصامت قال: (دَعَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَايَعْنَاهُ ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ ). البخاري/ الفتن/ باب: قول النبي..
ففي كل ما سبق اشترط اليقين التام؛ لإنزال حكم الكفر والقتل بالإنسان، وهو لا يكون إلا بمعرفة ما في القلب، ولا تكون تلك المعرفة إلا بإقامة الحجة.

الأصل الثالث: الكفر كفر الباطن.
فالأصل الثاني أنبأ عن هذا؛ فاشتراط التيقن قبل الحكم معناه: وجوب التعرف على ما في القلب من إيمان وكفر. وفي القرآن آية تنبؤ أن الكفر لا يكون إلا بعد انشراح الصدر به، قال تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم}. قال ابن عباس: "الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم".
وعليه: فمهما بدا على اللسان أو الجوارح من كفر، فلا يلزم منه كفر القلب أيضا. فقد يظهر الكفر مضطرا مكرها، أو جهلا، كما أن المنافق يظهر الإيمان وهو في باطنه كافر؛ أي العكس.
فالأصل حال الصحة والسلامة التوافق ما بين الظاهر والباطن إيمانا وكفرا، لكن في حالات مستثناة يقع التخالف، حال الاختلاف هذا هو ا لمانع من تكفير من فعل كفرا فظهر منه، بل يؤخر للتحقق والتيقن من قلبه؛ إذ قد يكون: مضطرا، مكرها، أو جاهلا.
لكن ثمة أنواع من الكفر يفعلها الإنسان يجزم معها كفر باطنه بلا بحث ولا تحقق؛ وهو ما إذا جحد وجود الله تعالى، أو ربوبيته، أو ألوهيته، أو النبوة، أو المعاد. فهذا لا يعذر فيه بجهل؛ لأنه لا يصدر إلا من قلب خال من الإيمان تماما لم يدخل الإسلام قبل ذلك ألبتة.

لكن من فعل شركا في العبادة مع كونه يشهد الشهادتين ويؤمن بأركان الإيمان الستة، فهذا لايكفر حتى يحصل اليقين من وقوع الكفر في قلبه، وهذا ما يكشف عنه:

الأصل الرابع، وهو: إقامة الحجة.
وهو يكون بإثبات الشروط وانتفاء الموانع، وهي سبعة:
أولا: ثبوت العقل، وانتفاء الجنون وشبه الجنون من مرض نفسي ونحوه.
الثاني: ثبوت التكليف، وانتفاء الصغر. ودليلهما قوله: (رفع القلم عن: المجنون حتى يفيق، والصبي حتى يدرك).البخاري/المحاربين/ باب: لا يرجم المجنون.
الثالث: ثبوت العلم، وانتفاء الجهل. دليله قوله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}.
الرابع: ثبوت العمد، وانتفاء الخطأ.
الخامس: ثبوت الذكر، وانتفاء النسيان.
السادس: ثبوت الرضا، وانتفاء الإكراه. دليلها قوله: (إن الله وضع عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه). ابن ماجة/الطلاق/ باب: طلاق المكره.
السابع: ثبوت التبين، وانتفاء الاشتباه. دليله قوله: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}.

تلك الشروط قد لا يختلف عليها، إلا أن بعض الناس خالفوا في شرطي: الجهل، والتبين. فمنهم الذي زعم أن الجهل مرفوع بالفطرة، وأن الحجة على العباد قامت بما فطرهم عليه من معرفته، وقد أخطأ في هذا، فلو أن الحجة قامت بالفطرة، لما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب.

ومنهم الذي زعم أن الجهل مرفوع بالعلم، وأن العلم بالإسلام أصوله ونواقضه قد وصل لجميع الناس، وهذا يرده الواقع، فطوائف من المسلمين هم مسلمون اسما وأرضا فحسب، لا يعرفون من الإسلام شيئا. وهذا عرفه من لقي أمثال هؤلاء في كثير من البلاد الإسلامية.

أما شرط التبين، فمعناه: أن السماع بالإسلام وأصوله ونواقضه وحده لا يكفي في قيام حجة الله على العباد، حتى يفهموا ويتبينوا ما فيه فيدركوا. وهذا الشرط عارضه بعض الناس أيضا، فزعم أن مجرد السماع بالإسلام كاف لقيام الحجة، ولا يشترط الفهم والتبين. وهذا معارض لصريح القرآن؛ الذي نص على أنه جاء تبيانا، فالرسل لم يرسلوا لمجرد التبليغ، بل للتفهيم، قال تعالى: {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين}، وقال: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى تبين لهم أنه الحق}.

ثم بين سبحانه أن الكافرين الذين استحقوا العذاب، لم يستحقوه إلا بعد أن فهموه وتبينوه، فقال: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم}. وقوله: {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم}. ثم شهادة الكافرين على أنفسهم حين يأخذهم العذاب في الدنيا، وفي الآخرة تبين أنهم عرفوا وتبينوا، ولم يحتج أحدهم على الله تعالى أنه لم يفهم ولم يتبين، قال تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا، قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين* ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون}. فقد نفى أن يؤاخذهم على غفلة، وهو أرحم الراحمين، والمؤاخذة بالسماع وحده دون تبين وفهم، ما هي إلا مؤاخذة على غفلة، وهو ينافي مقاصد الشريعة ورأسها الرحمة الإلهية، وينافي العدل الإلهي.

أما ما استدل به هؤلاء - على عدم اشتراط التبين - من مثل قوله تعالى: {أفمن زين له سوء عمله}، وقوله: {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}. فليس معناه: أنهم لم يتبينوا الحق، بل سمعوه وفهموه، لكنهم آثروا هواهم واستحسنوا كفرهم، يدل عليه مثل قوله تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق}.

ذلك أنهم لما أعرضوا عنه مع معرفتهم به وتبينهم له، عوقبوا بأن زين لهم سوء عملهم، والجزاء من جنس العمل.

* * *
 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
د.لطف الله خوجة
  • محمد صلى الله عليه وسلم
  • المرأة
  • التصوف
  • الرقاق
  • الآخر
  • معالجة
  • وصية
  • قطرة من الروح
  • الصفحة الرئيسية