صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







التأقلم مع عالم يكسر فيه البترول حاجز المائتي دولار!!

محمد حسن يوسف

 
سجلت أسعار البترول الخام والحبوب ارتفاعات قياسية بسبب استمرار التعطش العالمي تجاه الوقود في زلزلة أركان أسواق الوقود والمنتجات الزراعية.
وقد توالى الارتفاع في أسعار البترول لتصل إلى مستوى قياسي غير مسبوق يبلغ 126.2 دولار للبرميل خلال الأسبوع الثاني من مايو 2008 – وهو ضعف المستوى الذي كان عليه في العام الماضي – بما يعد تتويجا لأسبوع كانت قفزات الأسعار خلاله بمعدل 10 دولار، لتذكي حدة المخاوف من معدلات أعلى للتضخم في مواجهة المعدلات المنخفضة للنمو.
وهكذا نجد أن هذا العام الذي بدأ بتساؤلات للناس عما إذا كانت أسعار البترول ستصل في نهاية الأمر إلى 100 دولار للبرميل، فنرى الآن بعض التجار يراهنون على الوقت الذي ستكسر فيه الأسعار حاجز المائتي دولار للبرميل!!
وقادت القفزات المتلاحقة في أسعار البترول كذلك إلى استخدام المنتجات الزراعية مثل الحبوب وفول الصويا في الوقود الحيوي، الأمر الذي أدى لتفاقم التضخم في أسعار الغذاء وزيادة حدة نقص الإمدادات الغذائية في أنحاء العالم.
إن ارتفاع أسعار البترول عن 125 دولار للبرميل، مع التوقعات بإمكانية أن يكسر السعر حاجز المائتي دولار للبرميل – إن ذلك لأكبر دليل على أننا أصبحنا أكثر اعتمادا ومن أي وقت مضى على هذا الذهب الأسود. وقد لا يكون من المحتمل أن يكسر البترول حاجز المائتي دولار أو يظل فوق ذلك الحد في أي وقت قريب، ولكن إذا حدث ذلك فسوف تعاني اقتصادات العالم منه بشدة.
ويكمن السبب وراء الارتفاع المتزايد في سعر البترول والذي بلغ عشرة أضعاف ما كان عليه منذ أقل من عشر سنوات في الطلب الذي زاد بإطراد ( ويأتي معظمه من الصين والهند ) في الوقت الذي لم يزد العرض فيه بنفس المعدل. وتختلف هذه الحالة عن أزمة السبعينات من القرن الماضي، والتي كان منشؤها من نقص الإمدادات المعروضة من جانب الدول المصدرة للبترول كورقة للضغط على دول العالم من جراء الممارسات الإسرائيلية. ولكن حيث إن سائقي السيارات والحافلات لا يمكنهم التوقف بسهولة عن التنقل أو السفر، والذي يتم بوسائل تستخدم كميات كبيرة من البترول، فإن حدوث عجز ما ولو صغير في جانب العرض يمكن أن يؤدي إلى تحركات كبيرة في أسعار البترول.
لقد أدى الجمود في جانب العرض والطلب لجعل الأسواق أكثر تقلبا. ويظل سعر التسليم الفوري للبترول للمعاملات الحالية أعلى من سعر التسليم الآجل في المستقبل. ويعني هذا وجود المخاوف بشأن الإمدادات من البترول في الأجل القصير، في حين توجد بعض الشواهد بأن المضاربات وقلق المشترين هو الذي أدى بالأسعار إلى الارتفاع. ويمكن لأسعار التسليم الفوري أن ترتفع بشدة في الأجل القصير، ولكنها من غير المرجح أن تعود إلى المستويات المنخفضة والمستقرة التي كانت عليها لبعض الوقت قبل ذلك.
ولأسعار البترول المرتفعة عدة آثار اقتصادية من وجهة نظر الدول الغربية: فسوف تصبح الدول المصدرة للبترول أغنى على حساب الدول المستوردة، بمعنى أن الدول المنتجة في الشرق الأوسط يمكنها أن تشتري سيارات ألمانية أكثر، أو ملابس فرنسية أكثر، أو سندات خزانة أمريكية أكثر في مقابل كل برميل تصدره من البترول. أما الدول المصدرة فيكون عليها أن تشتري كميات أقل من جميع الأشياء بهدف الحفاظ على مستويات استهلاكها من البترول. ولكن هذا لا يحدث أبدا على إطلاقه!! فدائما ما تقوم الدول المستوردة بزيادة أسعار منتجاتها زيادات كبيرة لتعويض الزيادات الحادثة في أسعار البترول وامتصاصها وحرمان الدول المصدرة من التمتع بآثارها!! كما أن قيام الدول المصدرة باستثمار فوائضها المالية في بنوك وبورصات الدول المستوردة دائما ما يحرم الدول المصدرة من المزايا الحقيقية لارتفاعات أسعار البترول!!
ومن ناحية أخرى، يمكن لأسعار البترول المرتفعة أن تتسبب في تواصل معدلات التضخم – على الرغم من عدم حتمية حدوث ذلك. فيجب أن تُواجه الزيادة في سعر البترول بالانخفاض في أسعار السلع الأخرى التي يقل الطلب عليها نتيجة لتلك الزيادة. ولكن إذا لم يتم تكييف الأسعار بسهولة، أو إذا حاول العمال تعويض تكلفة البترول بالمطالبة بزيادة الأجور، فإن هذا يؤدي لإذكاء حدة التضخم، بما يعني حدوث موجات تضخمية تنتشر بسرعة على المستوى العالمي من دولة لأخرى!
وفي الأجل الطويل، تواجه المعدات كثيفة الاستخدام للبترول احتمال الاستغناء عنها وتخريدها، بما يعني ضرورة تكيف الصناعات والانشطة الاقتصادية لتلك الزيادات الحادثة في أسعار البترول. وبذلك فيمكن أن يقل العمر الزمني المقدر لاستخدام جميع المعدات الزراعية ومحطات الطاقة التي تدار بالغاز. وتؤدي هذه التحولات إلى حدوث خسائر اقتصادية حقيقية.
على أنه حتى الآن، لم يتأثر الاقتصاد العالمي بالارتفاعات الحادثة في أسعار البترول. وحتى الآن أيضا، فإن المناقشات تدور حول التخفيف من شأن هذه الارتفاعات في الأسعار، بمعنى محاولة تجنب أن تتسبب في حدوث أضرار اقتصادية للاقتصاد العالمي. وربما يكون عدم وجود آثار مباشرة لارتفاعات أسعار البترول حتى الآن نتيجة لأن الدول الغنية تنتج حاليا سلعا أكثر كثيرا لكل برميل من البترول عما كان عليه الوضع في السبعينات من القرن الماضي. ربما يكون ذلك صحيحا في الوقت الراهن، ولكن في المستقبل كلما ارتفعت الأسعار، كلما قلت صحة هذه الاحتمالات. حيث سيشهد الجزء المخصص من الناتج الاقتصادي الذي يكون على الدول المستوردة إنفاقه على البترول ارتفاعات درامية.
وبالنسبة للدول الغنية، سوف يلقي سعر البترول البالغ 125 دولار للبرميل بظلال كثيفة على النمو الاقتصادي. أما بالنسبة للدول الفقيرة، فإن هذه الزيادات تعني مزيدا من الفقر، خاصة إذا ما تزامن ذلك مع الزيادات التي تشهدها أسعار مواد الطعام. وسوف يكون المطلب الرئيسي للدول الغربية والمنظمات الدولية بلا شك هو العمل على زيادة المعروض من البترول استجابة لتلك الضغوط الحادثة، والضغط على الدول المصدرة للاستجابة لذلك، وسيكون المبرر الرئيسي لذلك هو أنه إذا لم تقم الدول المصدرة بزيادة المعروض من البترول، فسوف يصبح التوقع بأن يكسر البترول حاجز المائتي دولار هو الأكثر احتمالا. ولاشك أن ذلك سينتج عنه آثار اقتصادية سيئة للغاية، بالإضافة إلى توترات دولية، وأزمات في العملة لبعض الدول الفقيرة.

8 من جمادى الأولى عام 1429 من الهجرة ( الموافق 13 من مايو عام 2008 ).

 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية