صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • فوائد وفرائد
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    دور العلماء والدعاة في الشدائد والفتن

    اضغط هنا لتحميل الكتاب على ملف وورد 

    د.أمير بن محمد المدري


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله الجواد الكريم الشكور الحليم، أسبغ على عباده النعم ودفع عنهم شدائد النقم وهو البر الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الفضل العظيم، والخير العميم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى الكريم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيراً، وبعد ..

    فإن الدعاة إلى الله هم طليعة صلاح الأمة، ومبتدأ هدايتها، ودليلها إلى طريق الله الذي هو طريق العز والنصر والتمكين، وطريق الفوز في الدنيا والآخرة. وهم للناس كما الشمس للأرض يذكّرونهم حين ينسون، وينبهونهم حين يغفلون، ويقوّمون مسيرتهم حين ينحرفون. يوجهونهم، ينصحونهم، يُبصّرونهم بشتى الوسائل والأساليب المشروعة السمعية والمرئية والمكتوبة.

     ودور العلماء والدعاة يزداد أهميةً وأثراً في حياة الناس وقت الأزمات والشدائد والفتن، إذ حينها يلتمس الحيارى ما يُثبّتهم، ويبحث الخائفون والقلقون عمّن يذكّرهم بمعية الله تعالى والثقة به سبحانه، فما موقع العلماء والدعاة والمصلحون في الأحداث، وما جهودهم في دفع البلاء، كيف يكون خطابهم الدعوي، وما إسهاماتهم الإيجابية حين تقع الفتن والشدائد؟


     واعتقد أنه يتمثل دورهم في التالي: 


    أول: تأكيد سُنة الابتلاء:
     

    فهي سنةٌ ماضية في الأولين والآخرين، قال تعالى:  ﴿الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:  1-3]. وكلما عظُم الإيمان عظُمت الفتنة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  «أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ، ثم الصالحون، ثم الأمثلُ فالأمثلُ، يُبتلى الرجلُ على حسب إيمانه، فإن كان في دينه صلابةً زِيد له في البلاء» [أخرجه أحمد والبخاري وغيرهما، صحيح الجامع:  [1/333]].


    ثاني: التخفيف عن الناس:
     

    على الداعية أن يخفف عن الناس ويشد من أزرهم، فليس من المحبب أن يأتي أحدنا ليتحدث لهم طوال خُطبته أو محاضرته عن الوضع السياسي ويقوم بتحويل الخطبة والمحاضرة إلى نشرة سياسية ونحن ندرك بأنهم ينامون وهم مشبعون من السياسة وكأن الواحد منهم يجثم على صدره جبل من الهموم، فيزداد بذلك حُزناً وهماً، فلابد لنا من أن نلتفت لهذه الأمور ونتلمس مواطن الشدة والبأس التي تحل بهم، وكثيرة هي الشائعات التي تشيع وقت الأزمات فتفتك بالناس، خاصة إن لم يكن هناك دور بارز للدعاة لدحضها وتفنيدها وتقوية رباطة جأش الناس، وتثبيتهم.


    ثالث: فقه الواقع:

     
    الخطاب الوعظي المحض هو أمر محمود، ولكن عند النوازل والشدائد لا يكون مجدياً، فحينها نكون بحاجة إلى خطاب يعالج المتغير الحاصل، وأذكر هنا من الواقع مثالاً، فقد قام أحد الدعاة يخطب الجمعة في ذروة تأثر الناس باغتيال العدو الصهيوني للشيخ/ أحمد ياسين شيخ المقاومة في فلسطين ، فأخذ يبيّن للناس بعض الأحكام الفقهية الطهارة وغيرها، مما جعل غالب الحضور يمتعض منه ومن خُطبته، فلكل مقامٍ مقال. فعلى العلماء والدعاة أن يعوا أن خطبة الجمعة فرصة عظيمة لهم لتربية الناس وحثهم على مواجهة الأزمات بالثبات واليقين، ويكونوا عوناً لهم على مواجهة الحزن والشدائد والخروج منهما أشداء.

    رابع:
     خطاب يجمع الشمل:  
    من الملاحظ أن حزبية بعض الدعاة والعلماء باتت تُلقي بظلالها على فاعلية الخطاب الديني في وقت الأزمة، وهذا خطأ، فبدلاً من أن تخفف من حدة هذه الأزمة أصبحت تؤججها، فبدلاً من أن يكون الداعية سبباً للتألف والوحدة يكون سبباً للفُرقة والتنازع وتوسيع شرخ الخلاف في المجتمع، ولذا على الداعية العمل على جمع الشمل ورأب الصدع بإصلاح ذات البين، مهما افترق الناس، فيجمع بينهم، وهذا ما أمره الله به.  


    خامس: الربط بين المصائب والمعاصي:

     
    وهي سُنة وقدَر حكم الله به وهو خير الحاكمين، ذلك هو الصلة بين المصائب والمحن والمعاصي والذنوب وعقوباتها وآثارها، والتقصير في طاعة الله وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولو كان ذلك في خير القرون الذين قيل هم في (مصاب أُحد):  ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران من الآية:  165]، وفي الآية الأخرى:  ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى من الآية:  36].

    فحين تحلّ المصائبُ تدعونا بالقوة إلى أن نفتشَ في أحوالنا، ونتهمَ أنفسَنا اتهاماً لا يحبطُ ولا يقعدُ بها عن العمل، لكنه يصحح ويرشد المسيرةَ، وفي صحيح البخاري عن أنس -رضي الله عنه-:  "إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا، هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- مِنَ المُوبِقَاتِ" [أخرجه البخاري؛ ح:  [6492]].


    سادس:  عدم القعود والعزلة:

     
    من الناس من يتخذ من (الفتنة) وسيلةً للغياب عن المشهد حين تقع النوازل، ويُعفي نفسه من جهادِ الكلمة، وقولِ الحق، ودفعِ الباطل، فإذا ما بان للمسلم وجه الحق فلا يجوز له أن يتخلف عن البيان وفي وقت حاجته، وبما يقتضيه البيان (من حكمة، ومراعاة للمصالح والمفاسد، ولا شك أن هناك عُزلةٌ مشروعةٌ أخبر عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن لمن؟ ومتى تكون؟ وكيف؟ هذا هو المهمُ، إذ قد يتصور عالم، أو داعية، أو قادرٌ على المساهمة في دفع الشر وإقرار الحق. . أنه معذورٌ باعتزالِ الفتنة، والغياب عن الأحداث. . وتلك قضيةٌ بين العبد وربه، فإذا ما اشتبهت على الإنسان الأمورُ إلى درجةٍ لا يعرف فيها أين يكون الحق؟ وأين يوجد الباطلُ؟ وأشهدَ اللهَ على ذلك، بعد تحري الأسباب الممكنة؛ فهنا قد يسوغ للإنسان أن يعتزل، كما فعل بعض الصحابة حين الفتنة الواقعة بين المسلمين. لكن الأصل الاختلاط بالناس، والمساهمة بالدعوة والإصلاح، ودفع المنكرات، قال جل شأنه:  ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء من الآية:  11]، و قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» [(صحيح الجامع:  [6651]].

    سابع:  العناية بمحكمات الدين وأصوله:
     

     محكمات الدين لا يسع المسلم إلا التسليم لها، والعمل بها، وعلى المصلحين والدعاة أن يُعنوا بها ويرسخوها لعامة الأمة وخاصتها، ويجعلوا منها ميداناً رحباً للحديث والتأليف، والشرح والبيان؛ إذ هي أقصر الطرق وأنفعها للبلاغ والإقناع، وهي أعظم حجة لقطع الطريق على أهل الريب؛ "فتوحيدُ الله بالعبادة، والتسليمُ لشرعه، وتحريمُ الشرك، ومحبةُ الرسول -صلى الله عليه وسلم- وطاعتُه، وتثبيتُ أركان الإسلام والإيمان والإحسان، وحفظُ الضرورات الخمس (الدين، النفس، المال، العرض، العقل)، والولاءُ للمؤمنين والبراءةُ من المشركين، وإحقاقُ الحق، وزهوقُ الباطل، وتحريمُ الظلمِ والإثمِ والزنا والخمر والربا وسائرِ الفواحش، والأمرُ بالأخلاق الفاضلة من العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى. ونحو ذلك من محكمات في الدين لا تقبل المساومة والجدل، وتمثل (أم الكتاب) كما قال تعالى:  ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران من الآية:  7]، والأمُ هو الأكثر والأصل". [انظر؛ أصول الجصاص:  [1/373]، أصول السرخسي:  [1/165]، عن عابد السفياني في المحكمات؛ ص:  [16]]. هذه المحكمات تتأكد الحاجة لبيانها وتعميمها كلما كانت الظروف داعيةً لها في أزمان الشدائد والفتن.


    ثامن: تعميق الوعي بالحق:
     

    فتلك مهمةٌ كبرى لأهل الإيمان، سلكها المرسلون وأتباعُهم، وأعلنوها لقومهم عبر (مصطلحات، وقيم، ونداءات، وتحذيرات متكررة) تملأُ آياتِ القرآن الكريم، وحين يختلط على الناس الحقُ أو شيءٌ منه، فلا بد للعلماء والدعاة من البيان والبلاغ، ولا يجوز كتمانُه:  ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [آل عمران:  71]. إنه ميثاقٌ عظيمٌ أخذه الله على أهل الكتاب:  ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران من الآية:  178].

    ومع بيان الحق لا بد من كشفِ الباطل، ورفعِ التلبيس والتدليس، وكشفِ الكذب، وفضحِ الخونة، واستبانةِ سبيل المجرمين، وأشدُ ما يكون التلبيس حين تقع الشدائدُ والمحنُ، وتحل الفتنُ، فيُصوّر الباطلُ حقاً وعكسه، والمعروفُ منكراً ونقيضه. . وهكذا. . ومن هنا تتحتمُ مسؤولية كشف الباطل والمبطلين (بسيماهم) وهو الأصل، أو بأسمائهم وأفعالهم إذا لزم الأمر، وقد جاء الإنكار في القرآن الكريم صريح:  ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [آل عمران من الآية:  79].


    تاسع:  نصيحة ولاة الأمر:
     

    من قرأ التاريخ بعمق وجد علاقةً بين صلاح الراعي وصلاح من حوله، ووجد أثرَ ذلك في العدل والاستقرار والرخاء، كما يشهد التاريخ على أثر بطانة السوء على أُولي الأمر في حصول الفتن، وانقسام الناس، ونزع الثقة، وتأرجح الطاعة المشروعة، والمصلحون أقدر الناس على قراءة التاريخ، وبيان آثار القطيعة بين العلماء والأمراء، وأحرى الناس بنصح الأمراء، وتحذيرهم من بطانة السوء، وشؤم المنتفعين لأنفسهم على حساب مصالح المجتمع والدولة.


    عاشر: بين المشاغلة والدعوة:
     

    لا بد من (مشاغلةِ أهلِ الباطل) والاستمرار في الإنكار عليهم مشاريعهم الإفساديةِ والتغريبيةِ، وفتح الملفات كلما ظنوا أنها أُغلقت واستقرت، وبأرقى الوسائل، وأنجع الطرق، فتلك مدافعةٌ مشرعةٌ ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة من الآية:  251]، ومع المشاغلة لا بد من استمرار سوق الدعوة، وعدم التوقف عن مشاريع الخير، وطرح المبادرات إثر المبادرات، فتلك تعطي فرصاً لانتشار الخير، وتمنحُ فرصاً للراغبين في عمل الخير، وتؤسس لأعمال ومشاريع مستقبلية يصعب تجاهلها أو إلغاؤها، وهي في النهاية من أمضى وسائل محاربة الباطل وتحجيم المبطلين.


    حادي عشر: حرب الإعلام:

     
    معارك اليوم تعتمد الإعلام، وتتكئ على آلاته الحديثة، وقنواته واسعةُ الانتشار، بالغة الأثر. . ومن هنا فلا بد لأصحاب الحقِ أن يأخذوا بنصيبهم الوافر من هذه الآلة المؤثرة في المعركة، فيدعموا (القائم المفيد)، وينشئوا (الجديد)، ويهتموا بوسائل الاتصال المجتمعية الحديثة، حتى تكون هذه وتلك عوناً لهم على بيان الحق، وكشف الباطل، وفي النهاية سيكون لهذا الإعلام دورٌ في محاصرة ترويج الباطل عبر آليات ووسائل إعلام فاسد، يعتمد الكذب وتزوير الحقائق، وفتنة الناس.

    ثاني عشر:  الفأل الحسن ورفع المعنويات:
     

    فالفألُ الحسن دائماً وفي زمن الشدائد بالذات، نهج الأنبياء عليهم السلام وأتباعِهم، وخاتم المرسلين -صلى الله عليه وسل- قال لصاحبه:  ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة من الآية:  40]، وأُوحِي إليه:  ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ [الروم من الآية:  60]، وفي سيرته العملية دروسٌ في الفأل وحُسن الظن، يكفي من ذلك أنه في غزوة (الأحزاب) وزلزلة أهل الإيمان يَعِدُ أصحابَه حين الاستعداد للمعركة وهم يحفرون الخندق بفتوحات ستكون في الشام، وفارس، واليمن، وفي نهاية المعركة يبشر المسلمين ويعدهم على أثر الهجمة الشرسة للأحزاب ويقول (متفائلاً) بمستقبل زاهرٍ للإسلام والمسلمين:  «الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم»، [فتح الباري:  (7/397)].

    إن على أتباع المرسلين من العلماء والدعاة أن يبعثوا هذه الروح المتفائلة دائماً، ويخبروا الناس بحقيقة الفجر السَّاطع الذي لا يأتي إلا بعد شيوع ظلمة الليل، لا سيما حينما تنقبض النفوس وتصاب بالإحباط على أثر الضربات والصدمات المتتالية، وأن يربطوا الناسَ بخالقهم، فلا يقع شيءٌ في هذا الكون إلا بإذنه.

    ثالث عشر:  الدعاء سلاحٌ متين: 
    حث الناس على الاكثار منه؛ فبه يُكثر القليل، ويُهزم الجمعُ، ويتهاوى الظلمُ، وينتصر المظلومون، وطالما فرّطنا في هذه العبادة والعبودية لله «إن الدعاء هو العبادة» [رواه الأربعة وصححه الترمذي]، به استنصر المرسلون، وبه كشف اللهُ الضراءَ، ومنادي السماء يقول:  ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر من الآية:  60]، والرحمن يذكّرنا برفع البأساء ويقول:  ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا [الأنعام من الآية:  43].


    رابع عشر:  دور الدعاة في التثبيت:
     

    إن للدعاة دوراً كبيراً في تثبيت الناس على الحق وفي وقت الأزمات والمحن، والمطلوب من الدعاة أن يُذكّروا الناس بالله وبعظمته وأنه هو الذي يرفع ويُخفض، وهو الذي بيده كل شيء وهو يرفع أقواما ويذل أقواما، وان الله تعالى قادر على كل شيء، وأن عظمة الله تعالى إذا سيطرت على قلوب الناس فإن الإنسان بعدها سيستخف بكل القوى التي تهدد أمنه ومستقبله ويبقى الاعتماد على الله تعالى.

     
    وعلى الدعاة والعلماء في هذا الباب:

    ·
    أن ينشروا بين الناس ثقافة التبشير وأن يبتعدوا عن ثقافة التنفير والتحبيط والتخويف وأن العاقبة للمتقين، وأن الغلبة لهذا الدين وأن يمنحوا الناس الأمل كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم.
    ·
    بثّ الأمل وبث المبشرات التي تربط القلوب بالله -عز وجل- واليقين الراسخ بأن النصر حليفنا إذا نحن تمسكنا بديننا.
    ·
    الوقوف عند أحاديث الفتن وتأمّل فقهها، واقامة الدروس والمحاضرات في الثبات وعوامله.
    ·
    أحاديث عن الانحراف عن صراط الله المستقيم ومخاطره.
    ·
    العلم والحذر من فتنة الشبهات والشهوات.
    ·
    الإكثار من قراءة سير الثابتين، وفي مقدمتهم الأنبياءُ والصالحين،قال تعالى:  ﴿وكُلًا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود:  120].
    · قبل ذلك وبعده لا بد من سؤالهم وإلحاحهم على ربهم بالثبات أسوةً بمن سلفهم:  ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:  8].

    خامس عشر:  تصحيح المصطلحات وقلب التهم
    :
     ثمة مصطلحاتٌ يتلاعب بها المبطلون، ويُوصف بها البرآءُ من الناس، وفي كل حينٍ تُرحّلُ التهمُ إلى آخرين، حتى تتم محاصرةُ الأخيارِ، بل المتدينين بشكل عام، بهذه الألقاب المثيرة للمجتمع، مثل مصطلحات (التطرف)، و(الأصولية)، و(الإرهاب)، وهكذا من مصطلحات جديدة تروّج الآن، وما من شك أن (الإرهاب) منه محمودٌ كما في قوله تعالى:  ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال من الآية:  60]، ومنه مذمومٌ، وهو ما تجاوز به المرءُ حدودَ الله، وأرهب خلقَ الله بغير حق. وكذا (التطرف) مذموم لكن بشقيه (الغالي، والجافي). وهكذا تُحرّرُ المصطلحات، ويُمنع تلاعبُ أهل الريب فيها وتصديرها. ومن الجميل كذلك ومع تحرير المصطلح أن يُقلبَ على أهل المنكر منكرُهم، وتُرد إليهم بضاعتُهم، ويوصفون بما يستحقون، ومصطلح (الاسترهاب) مصطلح قرآني ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ [الأعراف من الآية:  116]، وهذا المصطلح (الاسترهاب) خليق بمن يتهمون بغير حق، ويُرهبون بلا برهان، فهل نسوّق لهذا المصطلح الشرعي الغائب عن الساحة؟


    سادس عشر:  تصبير الناس:

     
    من المعروف أن للمصيبة المفاجئة روعة تزعزع القلب وتزعجه، فإن صبر المصاب لحظة وقوع الصدمة انكسرت حدتها وضعفت قوتها، فيهون عليه استمرار صبره بعدها؛ لأن المصيبة تَرِد على القلب وهو غير مُوطن لها فتزعجه، وهى الصدمة الأولى، وأما إذا وردت عليه بعد ذلك توطن لها، وعلم أنه لا بد له منها فيصبر، لكنه يكون مضطرًا هنا، وهذا الصبر الاضطراري غير محمود ولا ثواب عليه، ولهذا يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-:  «إنما الصبر عند أول صدمة»[ أخرجه البخاري (7154)، ومسلم (926)]. وعلى المصاب أن يعلم أن حظه من المصيبة ما يحدث له، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد وأبي هريرة -رضي الله عنهما- أنهما سمعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:  «ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن، حتى الهم يهمه إلا كفَّر الله به من سيئاته»[ أخرجه مسلم (2573)]، والوصب هو المرض، والنصب هو التعب.

    سابع عشر:  حث الناس على التقرب إلى الله والإقبال على القرآن:

     
    فلا بد لنا أثناء المحن والشدائد من أن نحسن صلتنا وعلاقتنا بالله، فله سبحانه ومن أجله يقف الدعاة المواقف التي تُعرِّضهم للمحن، والله وحده المعين والرابط على القلوبِ والمثبت لها، ووسائل التقرب والالتجاء إلى الله كثيرة ولا نستطيع أن نُحصيها هنا، ولكن كل واحد منا أدرى بنفسه وبعيوبها وبما يُصلحها، فيجب عليه الإكثار من الوسائل المعينة له على القربِ من الله. والقرآن العظيم الوسيلة الأولى وهو مصدر للتثبيت والعون في المحنة، وهو حبل الله المتين، والنور المبين، مَن تمسَّك به عصمه الله، ومن اتبعه أنجاه الله، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم.

    ثامن عشر: بث الإيمان في القلوب:
      

    في الأزمة تُقبل القلوب على خالقها، وعلى الدعاة أن يضخوا في القلوب معاني الإيمان والتوكل والرغبة والرهبة والإنابة والتوبة. إن الأزمة لا تخلو من فتنة وظلمة وجفاف وتيه، وفي الإيمان نور وغيث وهداية، وهذا ما أرشد إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وفعله وأكد عليه بقوله:  «العبادة في الهرج كهجرة إلي»[ أخرجه مسلم (2948)]. والإيمان أمان، فالله تبارك وتعالى يدافع عن الذين آمنوا، فبقدر الإيمان تكون المدافعة، وبقدر الإحسان تكون المعية، وبقدر العبادة تكون الكفاية.


    تاسع عشر:  تعميق أواصر الأخوة ووحدة الصف:

     
    فأهمية الأخوة عمومًا لا يمكن الجدال والمناقشة فيها، فما بالنا في أوقات الشدائد والابتلاءات، فنكون أحوج وأشد حاجةً لها، فالأخوة تعين على الثبات على المحن، وتعين في اللحظات الحاسمة حين يجد الإنسان من يعينه ويذكره، ويكون من العوامل المعينة على تثبيته، ولنعي الأساليب الخبيثة التي يحاول البعض استخدامها لإثارة الفرقة بين الدعاة، أو على الأقل لإبعادهم عن أهدافهم السامية وتشتيت جهودهم. نحتاج إلى رص الصفوف والقلوب والجهود، ونحتاج إلى نشر أدب الخلاف وفقه الأخوة مع قاموس نظيف للألفاظ، ونحتاج إلى النصح والتصحيح، وبيان الحق والصبر على ذلك، فالمقصود الاجتماع على الحق، والله يقول:  ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران:  103]، وأول ما نحتاج إلى الالتفاف حوله ورص الصف معه العلماء العاملون، والمجاهدون المؤمنون، والدعاة الصادقون، نحتاج إلى ترشيد الجهود، إلى التسامي عن المعارك الهامشية حول اسم أو رمز، أو المجادلة عن حظ النفس باسم الدفاع عن الدين أو الأنانية الفكرية الضيقة في (أنا) الفردية أو (نحن) الحزبية، كذلك نحن بحاجة إلى التسامي عن توزيع التهم، فلا نشق الصف بتعيير الآخر بشق الصف.   

    عشرون : عدم الالتفات والاهتمام بما يُشاع ويُثار من تُهمٍ وأكاذيب:
     

    وهذا من واجبات الدعاة توعية الناس به:  ألا يثيروا القلاقل بين إخوانهم في الصف بما يسمعوا من أراجيف مردود عليها، ولكن عليهم التبين والتوثق من أولي الأمر أولًا، ثم يكون رأيهم بعد ذلك، قال تعالى :  ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إلّا قَلِيلًا [النساء:  83]. وهذه ليست دعوةً لكبت الآراء وتحجيمها؛ ولكنها دعوة لنفقه الأولويات في مواجهة الأزمات، فالأولى هو وحدة الصف وتماسكه أثناء الأزمة، ثم ليكن بعد ذلك تقييم وتقويم وإبداء الآراء بحرية ووضوح وشفافية، ولكن ليس في وقت المحنة والأزمة، فهذا يكون بعدها أولى وأوجب، ولنوحد الجهود والطاقات، ولا ننجر نحو ما يريده البعض منا من التركيز على قضايا فرعية وخلافية وجدلية؛ لتشتيتنا عن قضايانا الكبرى ومهامنا العظيمة.


    الحادي والعشرون : توضيح الدين:
     

    في الأزمات يكثر السؤال والقيل والقال، ويفجر الموقف الواحد ألف سؤال وسؤال، وتلتفت الأمة إلى العلماء ليسمعوا الكلمة، والكلمة هنا غالية، قد تكلف الإنسان رأسه أو وظيفته، وحينئذ فلا بد من قيام لله بتوضيح الدين، خاصة إذا مست الأمة في عقيدتها، وشوش التوحيد، وهمشت الثوابت، ونطق الرويبضة، وقد تكون المسألة بغاية الوضوح وقت الرخاء، فإذا وقعت الواقعة فكأنما غشيتها غمامة! ولا يكفي مجرد التنظير لهذه المسائل، بل يجب تنزيل هذه الأحكام الشرعية على ما يلائمها من الواقع بكل رسوخ وتحقيق كما فعل علماؤنا الأفاضل.


    الثاني والعشرون : استشعار الأزمة:
     

    تمر الأزمة بالأمة، فلا يبالي الداعية بما كان وما يكون، لم يتغير جدوله، ولم يعد نفسه، ولم يضع بصمته في صفحة الأزمة، ولقد عرض للأمة نازلة توجب الاشتغال بما هو أعظم من نوافل التحديث، وأعظم من ذلك أن ترى ذا العلم وذا الدعوة يرى الأزمة تركض إليه وإلى قومه ولم يحرك ساكنًا، ليس لغفلة أو جهالة أو لعجز فيُعذر؛ بل تعاميًا وتماوتًا.


     الثالث والعشرون : استنهاض الهمم:
     

    على الأمة أن تستنهض هممها، وأن تشكلها بل تفجرها تفجيرًا؛ لأن السيوف والقنابل قبل أن تقصف الرءوس تقصف الهمم، واستنهاض الهمم بالآية والحديث، وبالخطبة وبالقصة، وبالشعر وبالموقف الشجاع، كما فعل عبد الله بن رواحة -رضي الله عنه- في مؤتة، شجّع الناس وأيقظ هممهم، وذكّرهم أنه إما الشهادة أو النصر، فقال الناس:  والله صدق ابن رواحة، وكيف واجه المظفر قطز رحمه الله التتار، وشجع الناس وسما بهممهم حتى هزموا الأعداء شر هزيمة.


    أخيرا :

    أخي الداعية
    :  تفاءل، فِر إلى الله، وأبشر، اثبت وثبِّت، ازرع الإيمان ووضّح الدين، اهتم وأشعل الهمة، رص الصف وفعّل الأمة، وانشر الوعي المبين تفز برضا رب العالمين.

    وفقنا الله وإياك لطاعته وخدمة دينه، وجمعنا وإياك في دار كرامته، ولا تنس كاتب هذه السطور من دعوة بظهر الغيب، وإن كان من صوابٍ فمن الله، وإن كان من نقصٍ أو خطأ فمن نفسي و الشيطان، ورحم الله من سد الخلل.

    وصلى اللهم على نبينا محمد على آله وصحبة وسلم.  

    د. أمير بن محمد المدري
    اليمن - المهرة

    [email protected].

    واتساب
    :  00967711423239
    الأول من شهر الله المحرم  العام الهجري 1441 هـ
     
    الموافق 31/9/2019م

     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    أمير المدري
  • كتب وبحوث
  • مقالات ورسائل
  • خطب من القرآن
  • الخطب المنبرية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية