صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







الشذوذ العاطفي

الدكتور عصام بن هاشم الجفري


الحمد لله المحمود بجميع المحامد تعظيماً وتشريفاً وثناءً،المتصف بصفات الكمال عزّة وقوة وكبرياءً ، به نصول وبه نجول وبه نؤمل دفع الكروب شدة وبلاءً ، ودرء الخطوب ضنكاً ولأواءً وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له أنزل علينا القرآن هدى وضياء ، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله أعظم العالمين طهراً ونقاءً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم وسار على نهجهم اهتداء واقتفاء وسلم تسليماً كثيراً.أمابعد:فاتقوا الله عباد الله وأبشروا بالخير في الدنيا والآخرة يقول ربكم سبحانه وتعالى في محكم التنزيل:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا()وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}([1]).
أمة الطهر والعفاف العاطفة أمر فطري جبلي في الإنسان فمن الطَبْعي أن تكون هناك علاقة عاطفية بين الأب وأبنائه وبين الأم وأولادها وبين الإخوة وبين المسلمين بعضهم بعضاً ، ومن الطَبْعي أن تجد المرأة ميلاً عاطفياً تجاه الرجل ، وأن يجد الرجل ميلاً عاطفياً تجاه المرأة فقد أخبر الله عن ذلك بقوله : {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}(2). هذه العاطفة رحمة من الله فهي أساس بناء الأسر والمجتمعات والأمم ، ولكم أن تتخيلوا كيف تعيش أسرة فُقدت العاطفة بين أفرادها لا شك أنها تكون حياة رتيبة مملة، وبدون ذلك الميل العاطفي من الرجال تجاه النساء ومن النساء تجاه الرجال لا يتصور أن تقوم أسرة أوأن تبنى حياة ، ذلك الميل العاطفي يكون رحمة متى ما وضع في إطاره الصحيح فالرجل يميل بعاطفته تجاه زوجته ومتى ما مال بعاطفته نحو غيرها كان ذلك شذوذ في العاطفة وانحراف عن مجالها الطَبْعي الذي رسمه لها الخالق جل شأنه،وكذلك الأمر بالنسبة للنساء فمن الطَبْعي أن تميل المرأة بعاطفتها إلى زوجها ولكنها متى ما مالت بتلك العاطفة إلى غير زوجها كان عندها انحراف وشذوذ عاطفي وهكذا ..، ولكن الشذوذ الأعظم والانحراف الأخطر هو أن تنحرف هذه العاطفة وتشذ لتنحدر إلى مستوى تترفع البهائم عن الوصول إليه وصورة ذلك الشذوذ القذر والانحراف السيئ هي أن يحب الرجل مثله من الرجال لا حب أخوة وصداقة وإيمان بل حب شهوة وقذارة وابتذال، وكذا أن تحب المرأة مثلها من النساء لا لغاية سامية ولكن لأغراض سافلة؛ هذه الصورة من الانحطاط هي التي تترفع عنها الحيوانات والبهائم فهل رأى عاقلاً في حياته حماراً أعزكم الله يتودد إلى حمار مثله ويخطب وده شهوة فيه، أو أتاناً تتودد إلى أتانٍ مثلها لنفس الغرض السيئ، هذه الصورة القبيحة المنتنة أخذت تتفشى في العالم فأصبحنا نسمع بأن هناك جمعيات للوطيين والسحاقيات أعزكم الله وأصبح منهم وزراء ومسؤولين يتباهون بشذوذهم، وأصبحوا يطالبون بحقوق لهم مزعومة فلا إله إلا الله أي انتكاسة تعيشها البشرية وأي انحطاط أخلاقي وعاطفي أصابها، ولكنها دول كفر وليس بعد الكفر ذنب، لكن المصيبة التي تقض المضجع وتذهل العقل وتدمي القلب ما تتناقله بعض الألسن من أن ذلك الشذوذ والعياذ بالله بدأ يبحث عن مكان له في مجتمعنا المؤمن الطاهر العفيف، وقد بدأت تُلحظ آثار خطواته في رسائل الجوال وبطائق التهنئة والمناسبات المتبادلة بين الشاب وصديقه ، والفتاة وصديقتها حيث تحتوي تلك الرسائل والبطاقات على عبارات غزل ماجنة لا يقولها الزوج لزوجته أو الزوجة لزوجها إلا في أوقات وأماكن معروفة،بل تعدت ذلك إلى عبارات جنسية بذيئة يستحي أن يقولها الرجل لزوجته أو الزوجة لبعلها، وهي عبارات تدور بين رجل ورجل أو امرأة وامرأة ! وتعظم المصيبة يوم أن يكون ذلك الشذوذ العاطفي القذر بين أستاذ وتلميذه أو بين مدرسة وطالبتها! وإن المرء ليتساءل حيرة أما عاد أمامنا ما نقلد فيه أمم الكفر إلا الانحطاط الأخلاقي والعاطفي؟.أمة الهدى والبصيرة لعلي أضع بين يديكم على سبيل الإجمال أبرز ما رأيته مسبباً لوقوع الشاب أو الفتاة في مثل هذا المنزلق الخطر ؛ الخواء الإيماني فالقلب الذي خلا من حب الله وحب رسوله  صلى الله عليه وسلم  ، القلب الذي خلا من نور القرآن وحلاوته يكون كالبيت الخرب المظلم الذي تأوي إليه كل شبهة ورذيلة ، إهمال الوالدين للتربية والتوجيه وترك الأولاد كالسنابل تميل بها أي ريح حيث مالت ، الجفاف العاطفي في الأسرة؛ حيث لا تجد البنت أو الابن ضمة إلى صدر حنون أو كلمة ثناء تشبع عاطفته وبالتالي تجده يبحث عنها فأول ما يجدها يركن إليها وإن كانت منحرفة من مثيل ، كثرة المشاكل الزوجية والشجارات المنزلية التي تحول البيت إلى جحيم لا يطاق، سن المراهقة فأغلب ما يحدث ذلك فيها حيث تكون العواطف في قمة تأججها وفورانها،كثرة مثيرات الغرائز ومهيجات العواطف في الحياة اليومية؛ فما من يوم يمر في حياة الشاب أو الشابة إلا وهو يرى على الأقل مسلسلاً أو فيلماً يحكي قصة حب واحدة تحتوي على كلمات ونظرات وحركات تفجر بركان الشهوة في صدر ذلك الشاب الغض أو الفتاة اليافعة ، ناهيك عن أثر المجلات الساقطة والأغنيات الهابطة والقنوات الفاجرة وكلما اقترب الشاب أو الفتاة من تلك المثيرات كلما اشتعل أكثر فيبدأ بالتفكير في كيفية التنفيس من ذلك البركان فينظر أول ما ينظر للجانب الطبعي وهو الميل نحو الجنس الآخر فيخاف ويخشى العواقب فيتجه بكل قوته ناحية الجنس المثيل لأنه آمن من وجهة النظر الاجتماعية فلا ينكر أحد على شاب أن يسير مع شاب أو يختلي به في نزهة أو غرفة وهكذا..تبدأ خطوات الشيطان، ولذا فإن تأخير زواج الشاب وعضل البنات في البيوت هو من بين أبرز الأسباب لتلك المشكلة، تربية الأولاد على الميوعة فقصات الشعر والبنطال وغيرها من التشبه بالنساء أو بالساقطين من الكفرة تغرس في الولد القابلية لأن يتمثل دور الأنثى مع رجل مثله ، والأسباب أيها الأحبة في الله كثيرة عديدة ولكني أود أن أذكر موقفاً حصل معي يتبين معه كيف يلبس شياطين الإنس والجن على البسطاء والمغفلين الأمر ويقنعونهم أن الأمر لا يعدو مشاعر حب أخوية بريئة جاءني شاب من الذين لا يسمح لهم أهليهم بالخروج من البيت والاحتكاك والتعرف بالمجتمع وما فيه ، ثم لما بلغ سناً معينة في أوجه الشباب خرج للعمل فتعرف على شاب قذر خبر تلك الأمور فاستطاع الشاب القذر أن يحتويه بالكلمات المعسولة لا سيما وأن الشاب الأول كان يعاني من جفاف عاطفي في منزله ، فانساق الأول خلف الثاني وتولدت في قلبه عاطفة قوية نحوه حتى أصبح لا يطيق فراقه- على حد قوله- ولكنه لفطرته الطيبة بدأ يدرك أن هناك أمراً غير مناسب فجاء يسألني ويقول نحن نخلو ببعض ويقبل بعضنا بعض ويتغزل كل منا في الآخر ولكنا لم نصل إلى الفاحشة فهل ما نعمله حرام،فلما بينت له الحكم ذهب لصاحبه ليحذره فأجابه إن شيخك مخطئ فليأت بآية أو حديث على حرمة ذلك فالمحرم هو إتيان الفاحشة فقط أما ما نفعله فهو علاقة أخوية بريئة! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(3).

الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى يجزي أهل الوفاء بالتمام والوفاء ، وسلام على عباده الذين اصطفى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يرتجى ولا ند له يبتغى وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً النبي المجتبى والحبيب المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأطهار الحنفاء.أما بعد فاتقوا الله عباد الله واحرصوا على إبعاد أبنائكم وبناتكم عن تلك المواطن المنتنة، ومن سبل ذلك تخفيض المشكلات في المنزل للحد الأدنى وأن لا تكون قدر الإمكان أمام الأولاد،نشر العلاقة العاطفية الحميمة بين أفراد الأسرة، مراقبة أوراق وجولات الأولاد ذكوراً وإناثاً ومتى ما لوحظ شئ من عبارات الغزل فيها يتم تحذيرهم والتنبيه عليهم عدم ترك الفتاة تذهب لصديقتها وحدها وتمضي معها الساعات الطويلة ولكن لا بد أن تكون بصحبة أمها، ولا يترك لهن الخلوة الطويلة حتى ولو في البيت،وكذا الأمر بالشاب فلا يترك له الحبل على الغارب يخرج مع من يشاء ويعود متى شاء ، وقبل كل شئ وبعده دفع الأولاد ذكوراً وإناثاً نحو الرفقة الصالحة التقية النقية وتعظيم الله سبحانه وتعالى في قلوبهم والحرص على أن يحفظوا ولو شيئاً من القرآن،ثم اللجوء إلى الحفيظ العليم بالدعاء لهم أن يحفظهم الله من كل بلاء ومكروه. 

--------------------------
([1]) الطلاق:2،3. (2) آل عمران:14.(3)النور:21. 
 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية