صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







هل النظام السياسي في الاسلام ثقافة وهوية أم تشريعات وأحكام؟

د.فهد بن صالح العجلان
@alajlan_f

 
بسم الله الرحمن الرحيم


كان هذا هو السؤال الرابع من الفروق الفسبوكية، والتي أعرضها هنا في الصفحة فيتم النقاش والحوار فيها، وقد كانت صيغة السؤال كالتالي:

ما الفرق بين المقولتين:

الأولى تقول:  (لا نتنكّر للإسلام في النظام السياسي ثقافة وهوية ومبادئ).

والثانية تقول:  (
لا نتنكر للإسلام في النظام السياسي تشريعات وأحكام).


فموضوع البحث يتجه إلى التفريق بين (الثقافة والهوية والمبادئ) وبين (التشريعات والأحكام)،  هل ثمّ فرق بينهما أم أنهما تعبّران عن حالة واحدة؟

لا يفطن بعض الناس للفرق بينهما فيظنها مجرد اختلاف في التعبير والصياغة.
قد يكون كذلك لدى فئة من الناس تقصد معنى صحيحاً وتعبّر عنه بأشكال مختلفة ولا حرج عليها في ذلك فلا مشاحة في الاصطلاحات، لكن ثم فئة أخرى تعني ما تقول وتختار العبارات بعناية لأنها تعرف الفرق الشاسع بين مدلول هذه العبارات.


ما الفرق بينهما؟

أليست الإشكالية في موضوع النظام السياسي هي في (فصل الدين عن الدولة)، وبالتالي فاعتبار الشخص للإسلام في النظام السياسي دليل على إنكاره للعلمانية ورفضه لها، وبالتالي تحكيمه للإسلام والتزامه التام به؟

سيتّضح الجواب حين نفصّل مواقف (الناس)  من اعتبار (الإسلام) في السياسة على درجات:

الدرجة الأولى:
 من يدعو إلى إقصاء الدين تماماً عن الحكم، وأن يقوم النظام السياسي على رؤية وقيم وأصول علمانية بحتة لا يكون للدين أي حضور فيها، فيتعامل مع المجتمعات المسلمة كما يتعامل مع المجتمعات النصرانية أو الوثنية أو الملحدة.

وهذه رؤية استئصالية مكشوفة وواضحة البطلان، ولأنها كذلك أصبحت منبوذة في الوسط الشعبي وفي الوسط الثقافي أيضاً، فلا تكاد تجد أحداً يدعو لهذه الرؤية بمثل هذه الفجاجة، إذ لا يمكن لأي نظام في العالم أن يقوم على إقصاء الموروث والعادات الثقافية للمجتمع، وإظهار الاحتقار والنفي والإقصاء للدين بهذه الطريقة أحرقهم سريعاً فتلاشى مثل هذا الطرح العلماني الفجّ إلا قليلاً، بل صار (بعض العلمانيين العرب) أشدّ الناس حرباً على مثل هذا الطرح.


الدرجة الثانية:
 من يدعو إلى اعتبار الإسلام ثقافة وهوية وقيم وأخلاق لكن من دون أن يكون مرجعاً ومصدراً في التشريع، وهو ما يقوله صاحب (العبارة الثانية) ، فليس للأحكام الشرعية أي إلزام في النظام والقانون العام، إنما يستفاد من أخلاقها وقيمها وأصولها في تعزيز النظام وتقوية الروابط والحفاظ  على الأمن وحث الناس على العمل .. الخ، فهو قوّة دافعة ومحفزة ومشجعة للنهضة والتنمية لكنه ليس تشريعات وأحكام ملزمة.

وهذه الدرجة هي التي يقف عليها كثير من العلمانيين، فاعتبارهم للدين في الدولة يقف عند هذا الحد،  لكن هذا لا يكفي في الخروج من عباءة العلمانية، فالعلمانية وإن اختلفت في تطبيقاتها ودرجة عدائها ومصادمتها للدين إلا أنّ ثم أصول فكرية تتفق عليها جميعاً، أهمها أن لا يكون (الدين) سبباً للتشريع والإلزام، فالدين يبقى في المجتمع كعامل وفاعل ومؤثر لكنه لن يكون قانوناً ونظاماً يفسّر أو يرجع في حريات الناس إليه،  بل أثره في الشأن الفردي والحرية الخاصة فإن وصل إلى أن يكون مضيقاً على أي حرية من حريات الإنسان بمفهومها الليبرالي صار كهنوتاً وحكماً كنسياً ومحاكم تفتيش.

فالسؤال المحوري الذي يظهر (العلمانية) مهما كان مستواها .. هو في معرفة رأي الشخص عن أحكام الإسلام الملزمة في النظام والقانون فإن آمن بها وسلّم فقد برئ من العلمانية دقها وجلها أولها وآخرها، وإن تلعثم أو تلجلج فإنه حيئنذٍ ما يزال متأرجحاً بين هذه الدرجات.

ويمكن أن نضع في الدرجة الثالثة من يقول : 
إن الإسلام جاء بمبادئ وأصول عامة ولم يأت في النظام السياسي بأحكام وتشريعات، فالمطلوب هو العدل والحرية والتعددية والكرامة .. الخ، أما كيف يتم تحقيق هذه المبادئ فهو مما يختلف من عصر لآخر، وليس ثم حكم محدد يجب العمل به، بل (كافة ) الأحكام الشرعية المتعلقة بالسياسة هي (كلّها)  أحكام مصلحية غير ملزمة، المطلوب أن نجتهد في تحقيق المصالح لا أن نلتزم بأحكام معينة، ويجعلون سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وتصرفاته في الإمامة خاصة  بزمنه عليه الصلاة والسلام وغير ملزمة.

وهذه في الحقيقة درجة من درجات العلمانية، ليس لها حضور في الفقه الإسلامي، فالشريعة جاءت بالمبادئ العامة وجاءت أيضاً بالتشريعات والأحكام التفصيلية، ومن يأخذ من الشريعة بالمبادئ العامة فقط فإنه في الحقيقة لم يأخذ من الشريعة بشيء.


كيف؟


لأن المبادئ العامة تتفق عليها كل الأمم والحضارات، فهي فطرية ضرورية، وحين يكون دور الشريعة فقط أن تقرر ما هو فطري فإنها في الحقيقة لم تأت بشيء، فالعدل موجود عند كل الأمم، والرحمة موجودة عند كل الأمم، لا توجد حضارة ولا ثقافة تقول لا نريد العدل ولا نريد الرحمة ولا نريد الإحسان، أبداً لا يمكن أن يوجد هذا، فحين يقول سنأخذ بهذه المبادئ فهو في واقع الأمر لم يأخذ من الإسلام بأي شيء  ،  ومعناه أيضاً أن كل الحضارات قد طبّقت الإسلام لأنها تأخذ بذات المبادئ لكن بتشريعات ومفاهيم تخصهم.


ولأجل هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية  (من استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر)  منهاج السنة5/130 . لأنه في الحقيقة لم يحكم بما أنزل الله، ولا يكفي دعواه التمسّك بالعدل ما دام أنه لم يراعِ التشريعات والتفصيلات المتعلقة به.

نعم، المساحة الواسعة في النظام السياسي هي للاجتهاد والتقدير والمصلحة، ومساحة التشريعات الملزمة ضيقة جداً بالنسبة لما وسّع الله، لكن فرق جذري بين أن نقول (نعمل بالمصالح مطلقاً ولا نأخذ إلا بالمبادئ) وبين من يقول ( نعمل بالمصالح مع أخذنا بالمبادئ والتشريعات).


فمع أن (التشريعات) تبدو قليلة ومحصورة، إلا أن الكثير قد ضاقت نفوسهم ذرعاً بها فأعملوا فيها معاول التأويل والتحريف!


الملفت:
أن حكاية الأخذ بالمبادئ موجودة في كافة الأبواب الشرعية:

فثم من يقول نأخذ في العبادات بالمبادئ فقط، فلا يلزمنا صلاة ولا صيام ولا حج ولا زكاة، بل المهم هو الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم  وإخلاص العبادة لله وأما تفصيل ذلك وكيفيته فكلّ يرى ما هو أصلح له!
وتجدها في باب الجنايات والعقوبات عند من يقول:  العبرة هو في الزجر والتأديب أما كيفية ذلك فلا يلزمنا قطع يد سارق ولا جلد زانٍ ولا قصاص بل هذه تفاصيل نختار ما هو أصلح!
بل حتى في ذات الإسلام جاء من يقول : العبرة هو الإيمان بالله وأما كيفية ذلك وتفصيله فيمكن أن يكون بالإسلام أو بالنصرانية أو اليهودية أو البوذية، المهم أن يقصد العبادة بما يراه أصلح لقلبه!
فهذه صورة منفّرة للأخذ بالمبادئ، لكنها حين تأتي في النظام السياسي تبدو مقبولة وهينة وربما يُظنّ أنها هي النظام السياسي الرشيد!
فالصورة الحقيقية: أن كلّ ما جاءت به الشريعة فهو مطلوب ومهم، ومحاولة إسقاط بعض الشريعة بدعوى الأخذ بما هو أعلى منه وأهم ينافي التسليم للنصوص الشرعية.

يقولون:

 (نأخذ بالكليات دون بالجزئيات)
أو  ( نتجه إلى الأصول وليس الفروع)
أو (نتمسّك بالمبادئ وليس بالتشريعات).
أو ( نعتمد على المقاصد دون الوسائل).


كلّها صياغات مختلفة لمشكلة واحدة، مشكلة نفي بعض الأحكام، ولا يهوننّ في قلبك إنكار أي حكم شرعي مهما كان، ولو كان مجرّد حكم واحد فقط، لأنه إيمان ببعض الكتاب وكفر ببعض.


إذن:

فهي درجات لا تعبّر عن النظام السياسي الإسلامي،

لا يكفي أن يقال ( ثقافة وهوية) فقط.
ولا يكفي أن يقال ( مبادئ عامة) فقط.
بل لابد من الإيمان بالتشريعات والاحكام، والتسليم بها تسليم لأمر الله تعالى (
وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم).

والإيمان بالتشريعات والاحكام إيمان بالمبادئ والثقافة والهوية بداهة، لأن من يحرص على الجزئيات فهو مؤمن بالكليات بالضرورة، وأما العكس فليس بضرورة.


إذن، فالمسلم يسلّم ويؤمن ويعتقد بكافة أحكام الإسلام لا فرق بين حكم وحكم، ولا باب وباب، بل يؤمن بها جميعاً، فليس لديه إلا ضابط واحد فقط : أن تكون صحيحة الثبوت والدلالة عن الله تعالى أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم، وحينها فيؤمن بأن الأحكام الشرعية المتعلقة بالنظام السياسي شأنها شأن بقية الأحكام لا يتجرأ على تأويلها أو تحريفها بسبب أن الثقافة السياسية والحقوقية المعاصرة لا ترتضيها.


وحين نقول : حكم الإسلام فإن المقصود الحكم بكلّ أحكامه، الشاملة لمصالح الدنيا والآخرة، والتي تقوم على العدل والشورى والرحمة والأمانة وغيرها، والتقصير الذي نراه في واقعنا مما لا يستقيم مع أحكام الإسلام يدعونا لضرورة تصحيحه والتواصي عليه وأن يشدّ بعضنا من أزر بعض، لكن من دون أن نتخفف من أي حكم شرعي أو نهوّن من أي تحريف وتأويل للشريعة، فلا يرجى من وراء التحريف أي خير.


فإن قيل: لكن بعض الأحكام  الشرعية لا يمكن تطبيقها أبداً، فالشخص ينظر بواقعية ويتعامل مع متغيرات وأحوال مستجدة.


لا بأس، المهم لا تغيّر الحكم والمفهوم بسبب الحاجة أو الضرورة، قل هذا الحكم لا يمكن العمل به، لكن لا تقل إن هذا الحكم ليس من الإسلام وهو بريء منه والحكم الصحيح هو الآخر الذي أخذت به لأنك مضطر إليه، فلا تجعل الضرورات هي الأصل ومن خلالها تتعرّف على حكم الإسلام، فالشريعة تؤخذ من دلائل الكتاب والسنة وليس من فرض الواقع.


وزبدة ما ذكرته هنا، قد ذكره المشاركون في مناقشة السؤال، وقد كان دوري في ترتيب الفكرة وشرحها وتوضيحها ليس إلا، فلهم جميعاً شكري وتقديري على إثرائهم وإفادتهم.

 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
د.فهد العجلان
  • مقالات
  • السياسة الشرعية
  • سيادة الشريعة
  • محاضرات مفرغة
  • معركة النصّ
  • الفروق الفيسبوكية
  • المؤلفات
  • الصفحة الرئيسية