صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







هل كانت (المقاومة الفلسطينية) سبباً لما حصل في (غزّة) ..؟

د.فهد بن صالح العجلان
@alajlan_f

 
بسم الله الرحمن الرحيم


لن تجد صعوبة في إدراك التعاطف والتأييد الكبير على المستوى الشعبي (للمقاومة الفلسطينية) ولن يتطلّب الأمر دراساتٍ أو إحصائياتٍ لمعرفة أن المتحفّظين على خيار المقاومة في المجتمعات العربية والإسلاميّة هم فئة قليلة، ينقسمون في مجموعتين:
الأولى: من يحملون انحرافات فكرية تقطع عن شرايينهم وصول روح الانتماء والولاء للأمة الإسلاميّة، وتضع في رؤسهم بوصلة تتحرّك بعكس الاتجاه الذي تمليه المصلحة الدينية والنظر الشرعي، فهؤلاء ليس لي مقال معهم في هذه المقالة، إذ المنطلقات المشتركة مقطوعة، والطريف هنا: أنهم يظهرون الندب والحسرة على غزّة، ويزايدون على التيارات الإسلامية تضحيتها بأرواح الناس، مع أن حبر أقلامهم ما جفّ بعدُ من تهكّمهم من روح الثقافة الأممية والاهتمام بالمسلمين في كلّ مكان مما يعيّرون به التيار الإسلامي ويرونه من بقايا الخلافة البائدة، فعجبي كيف نفخ فيهم هذا الروح يوم جاءت مصيبة غزّة؟

الثانية:
من ترى أن المصلحة الشرعية تقتضي كفّ المقاومة عن مدافعة اليهود حتى لا يتعرّض الناس للهلاك على يدي أولئك المجرمين، فالمقاومة غير قادرة على مقاومة إسرائيل فلا بدّ لها من إلقاء السلاح لئلا تلقي بالناس إلى التهلكة، ولهؤلاء الكرام الفضلاء أرسل إليهم هذه الرسائل المقتضبة:

أولاً: أن (النصّ الشرعي) الحاكم بيننا عند النزاع قد دلّ على وجوب الجهاد ودفع المحتلّ (وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل) فحيثما وجد الدليل فالواجب التسليم، وليس معنى هذا أن الدليل الشرعي ينافي العقل والاجتهاد، وإنما هو مريح للعقل، يدلّه على المصلحة بطريق واضح بيّن، إذ مع غياب النصّ ستختلف الأذهان والفهوم ، ويقع التباين والاختلاف، وإذا وجد النص حصل الاتفاق والوئام.

ثانياً: ثمّ إن (الجهاد في سبيل الله) إذا لم يقم في مثل هذه الحالة التي تحتلّ فيها البلاد، وتنتهك فيها الحرمات فلا يمكن أن يقوم جهاد أبداً، وليس في الإمكان حالة يمكن فيها قيام الجهاد، وبالتالي:تكون النصوص الشرعية الدالّة على الجهاد لا معنى لها ولا دلالة فيها، فأضيق صور الجهاد وأوضحها وأقطعها هي في (دفع المحتلّ) عن الأرض الإسلامية فإذا لم يكن ثمّ جهاد في مثل هذه الحالة فلا يوجد ثمّ جهاد إطلاقاً.

ثالثاً: أن المقاومة لا يمكن أن تقوم بدون (تضحيات) و (مصائب) فهذه سنّة الجهاد (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) ومن يؤيد المقاومة ويريدها أن تكون بدون كوارث فهو يجمع بين نقيضين ويفكّر في صورة حالمة، خاصّة في دفع المحتلّ عن أراضي المسلمين فهذه مقاومة باهضة الثمن، لأنك أمام عدو قوي، مسيطر على الأرض، وليس لديه مبادئ ولا قيم، فأي مقاومة ستوجّه إليه لا بدّ أن يقابلها بإثخان في صفوف المدنيين ليفتّ في عضد المقاومة فإن كان فعل العدو هذا سيكون سبباً (لإيقاف المقاومة) فأظنّ أن هذه أكبر (فلسفة ) في التاريخ يمكن أن تسهّل احتلال البلاد، فهو حين يحتلّ البلاد فعلى الجميع أن يسلّم له الأمر وإلا فإنه سينتقم، بل والواجب علينا أن نسلّم لها الأمر من قبل أن يحتلّ الأرض، لأنه سيسحق الناس قبل الاحتلال فلنستسلم لئلا تذهب الأرواح!
وأجزم أن هذه (الفلسفة) لو كانت موجودة في الروح الإسلامية قديماً لزالت كلّ (بلاد الإسلام) عن وجه الأرض!

رابعاً: أن الأضرار المترتّبة على (ترك المقاومة) أضعاف ما في المقاومة من أضرار ومفاسد، فبث روح (اليأس ) و (الاستسلام) و (الخنوع) في الضمير الإسلامي كافٍ في (سحق المسلمين) و (تدمير أراضيهم) و (احتلال بلدانهم) في كلّ وقت، وما يحصل في بلاد المسلمين من نهب واحتلال وذبح هو من ثمرات هذه الروح الخانعة التي ورثناها وربّينا عليها أبناءنا، وأما المقاومة وتعزيز قيم الأنفة والعزّة وبثّ روح التضحية والاستبسال فهي (دماء يسيرة)تبذل في سبيل حفظ جسد الأمة الإسلامية من (النزيف الدائم) الذي تعاني منه.

خامساً: أن ما يحصل من تدمير وهلاك ودمار يصبّ على إخواننا المستضعفين في غزّة ليس هو (وليد الساعة) بل هو ثمرة تقصير وتفريط في القيام بواجب الدفع والمقاومة لهذا الاحتلال، ولو أن الأمة هبّت لنجدة إخوانهم في (أول الأمر) لما حصل ما حصل، فالكارثة ليست بسبب المقاومة الآن، بل بسبب (ترك المقاومة) من قبل.
وهو نتيجة (خذلان) الأمة العربية والإسلامية لنصرة إخوانهم المسلمين، فلو أن الأمة قامت بواجبها- بل ولو علم اليهود أن الأمة قد تقوم بواجبها- لحقنت الدماء والبلاد، لكن المؤسف أن الأمة مع الاحتلال بين (مُعينٍ) أو (متواطئ) أو (عاجز) فاللوم الحقيقي عليهم لا على الصامدين المرابطين.

سادساً: أرأيتم لو أن المسلمين قبل سبعين سنّة، في أول ظهورٍ لنواة هذه الدولة السرطانية، أرأيتم لو أن المسلمين ضحّوا بآلاف الناس في سبيل وأد هذا المولود الخبيث، أترون هذا مغامرة واستهانة بالدماء؟
أم أن الأمة في ذلك الزمان لما جبنت وشحّت عن بذل دمائها في سبيل الدفع عن أراضيها قوي العدوّ واشتدّ عوده، فكم نحتاج الآن من الدماء لنزيل هذا العدوّ؟ فلو كان ثمّ مقاومة مخلصة في ذلك الزمان لحقنت من الدماء التي سالت بعد ذلك وما تزال تسيل، والله يعلم كم سنحتاج من الزمان والدماء والهلاك حتى يتوقّف هذا البلاء ، فهل المقاومة أيها الناس (مسيلة للدم) أم (موقفة لنزيفه)؟

سابعاً: أنّ تحرير الأرض وإعادة المسجد الأقصى من المقاصد والأولويات الضرورية التي لا ينازع فيها أحد – لا أدري عن المجموعة الأولى- وحين نتفق على هذا المقصد، فإن وجود العصابة المؤمنة المرابطة المجاهدة في غزّة خطوة نحو تحقيق هذا الهدف، أعلم جيّداً أن هذه الفئة ليس بمقدورها أن تدمّر إسرائيل بالكلية ولا قريباً من ذلك، لكننا بوجود هذه العصبة قد تقدّمنا (10) خطوات في سبيل (1000) خطوة، وضحينا بالكثير والكثير حتى وصلنا إلى هذا الإنجاز، فهل من العقل والشرع والمنطق أن نخسره ونوقفه ونرجع إلى (100) خطوة خلف، فنتوّهم أننا نحافظ على دماء الناس، ونحن نضحّي بكّل الدماء التي قد بذلت وسنضطر حتى نرجع إلى الموقف الذي كنّا عليه إلى أضعاف أضعاف ما نحن نخاف على ذهابه اليوم.

ثامناً: أن بعض ما تحقّق للفلسطينيين من رجوع شيء يسير من بعض حقوقهم كان بسبب وجود القوة العسكرية التي أرهبت اليهود، وهم بمكرهم لم يتنازلوا عن هذه الحقوق إلا بشرط حماية الأمن الصهيوني الذي يعني وأد المقاومة وإزالة عدّتها، فعجبي أي غباء عند من يتنازل عن سلاحه الذي نال به بعض حقوقه، فإذا سلّمه لليهود فما الذي يضمن له بقاء ما أعطاه اليهود؟
هذا هو الفرق بين مشروع المقاومة الذي يفهم أن السلاح هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الصهاينة ومن يسند ظهورها من الأمم الغربية، وأن الضمان الوحيد لفهم المطالب الفلسطينية هو السلاح، وأما المشروع الاستسلامي فقد خاف اليهود من سلاحه فأعطوه تفاحة ليضع السلاح، فوضعه، وسيأخذ منه اليهود التفاحة!
والفرق: أن إرادة المقاومة الصلبة تقلب الموازين وتأتي بالعجائب، وتصل بعزيمتها ويقينها إلى أبعد مما كانت تطمح إليه، وأما الإرادة المنهزمة المنكسرة فإنها تعجز حتى عن الإمساك مما في يديها!

تاسعاً: يكفي المقاومة، وكافي الشعب الفلسطيني أنه حفظ القضية الفلسطينية من الضياع، فبقيت حيّة متوقّدة في ضمير كلّ الناس، رغم كل المؤامرات والحيل والخطط والإمكانيات التي تهدّ الجبال، ولولا إرادة لا تكسر في روح هذه المقاومة لأصبحت فلسطين كأسبانيا، فهل يفكّر أحد الآن في فتح (مدريد) أو يطالب باسترجاع (برشلونة)؟

عاشراً: ثمّ إني أتساءل عن الحدّ الذي يجب التغاضي فيه عن الاحتلال وعدم إثارته حتى لا يسفك الدماء، فهل يسكت عليه إلى أن يقتل عشرة أو مائة أو ألف، وكلّ حد يضعونه فإنهم سيقعون في ذات المشكلة التي نقموها على المقاومة، لأن أي تحرّك سيجلب الدمار والهلاك، فعليهم إذن أن يبقوا صامتين ولو أدّى ذلك إلى قضاء العدوّ على كامل غزّة، لأنهم لو تحرّكوا حيئنذٍ لربّما غضب فأحرق الضفّة الغربيّة!

حادي عشر: خذ أي كتاب في التاريخ الإسلامي، وقّلب-بيمينك المباركة- صفحات المعارك والبطولات التي بذلت فيها الدماء والمهج في سبيل نصرة الإسلام والدفاع عن أراضيه، وابدأ بعصر الرسالة واستمرّ إلى ستة قرون من الحروب والغزوات، ستفاجأ حين تعلم أن كلّ ما خسره المسلمون في كلّ تلك الحروب عبر كلّ هذه القرون لا يبلغ شيئاً مما خسره المسلمون لما ضيّعوا الدفاع عن أراضيهم واجتاحهم الإعصار التتري الذي حصد الملايين من المسلمين.

أخيراً:
حين يتعلّل بعض المستسلمين بعدم إمكانية الوقوف في وجه إسرائيل، فلهم لو كانوا صادقين في الهدنة سعة ومجال رحب، فالعجز عن المحتلّ يقابله الهدنة معه، وأما الخنوع والاستسلام التام والتسليم لليهود بكلّ شيء فهذا لا علاقة له بعدم القدرة على الوقوف في وجه إسرائيل، بل هو في عدم القدرة أمام الوقوف أمام داعي الحق والصدق والأنفة والكرامة التي تحيا في روح كلّ غيور على دينه محبّ لوطنه.
ولكم في المقاومة حياة يا أولي الألباب لو تعقلون.


صحيفة سبق
11/1/1430هـ
 

 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
د.فهد العجلان
  • مقالات
  • السياسة الشرعية
  • سيادة الشريعة
  • محاضرات مفرغة
  • معركة النصّ
  • الفروق الفيسبوكية
  • المؤلفات
  • الصفحة الرئيسية