صيد الفوائد saaid.net
                                                                             
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • المكتبة الصوتية
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات
  • - القصص
  • مقالات
  • - فتاوى
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    من حديث النفس!

    موسى محمد هجاد الزهراني

     
    عجباً لهذه الدنيا ؛ كم أسعدت وكم أشقت ؛ تملأ البيوت تارة ضحكات وقهقهات ؛ ثم لا تلبث أن تملأها بكاء ونحيباً .
    كم هي أيام الفرح والمسرات ؟! لو أننا حسبناها لألفيناها قليلة بالنظر إلى أيام الكدر والأحزان .
    كم مرة استنـزفت من العين دموعها ؛ وأدمت مراراً القلوب . لا يدوم لها فرح ؛ ولا يكمل فيها مرح ..
    جُبلت على كدر وأنت تريدها  *** صفواً من الأقذاء و الأكدار
    ومكلف الأيام ضد طباعها .. *** متطلب في الماء جذوة نار ..
    التفَتَ إلى الوراء .. ليهرب من هذا الواقع النفعي المادي الذي يحكم حياة الناس اليوم ؛ فلا يحبون ولا يبغضون ولا يوالون ولا يعادون إلاَّ من أجل الدنيا ورغباتهم وأهوائهم . وليس (.. بعض) الصفوة منهم ببعيد . ترى أحدهم يبالغ في وصف محبته لفلان في الله – على حد زعمه – ثم تكتشف أن بينهما قاسماً مشتركاً تجاذبا من أجله فغلّفا طبيعة علاقتهما بقول أحدهم " أحبك في الله !" ولست أعمم ؛ لكنني لا أرضى أن أشابه النعام الذي (..اتهموه) ظلماً أنه يدس رأسه في التراب ؛ وأؤمنُ بقول الرسول صلى الله عليه وسلم (...وأن يحب المرء لا يحبه إلاّ لله !). وهذه حقيقة رأيناها.
    التفتَ إلى الوراء ..إلى الماضي البعيد؛ فإذا شريط العمر المليء بالذكريات يُنشر أمامه ؛ وإذ به يرى طفلاً يمسك بيد أبيه في شدة البرد القارس ؛ تذهب صورتهما تارة ؛ وتتضح أخرى ؛ يغطيها الضباب الكثيف المنحدر من رؤوس الجبال الشامخات بُعيد صلاة الفجر . رآهما يقفان على الطريق العام الذي لم يكن سوى تراب ؛ ولم تمتد إليه يد الحضارة المعاصرة المزعومة اليوم التي عبدت الطرق وأفسدت القلوب ! ؛ يقومان على أقدامهما برهة من الزمن ؛ فإذا تعبا جلسا في تحفز ؛ ينتظران سيارة يعطف عليهما صاحبها ؛ فيأخذهما معه بالأجرة البخس ريالات معدودة ؛ وأحياناً بلا ريالات وإنما حملهما ابتغاء الأجر والمثوبة من الله ؛ كحال أكثرهم في ذلك الزمان.
    يلبثان على حافة الطريق الدقائق الطوال ؛ وربما قضيا ساعة أو أكثر حتى تكاد الشمس تنشر على الدنيا أشعتها الذهبية ؛ فتبدد شيئاً من ذلك الضباب الذي غشي بردائه الكون؛ يكاد البرد يجمد أطراف الصبي لولا أنّ والده أدخله تحت (..جُبّته) الغليظة المصنوعة من الصوف الجيد ؛ ليبقى هو وحده يعاني لفح البرد على وجهه الوقور المُزيّن بلحية بيضاء جميلة يتخللها بعض الحناء.
    ثم .. يقدّر الله تعالى لهما من ينال أجرهما فينتشلهما من هذا الزمهرير ؛ فيُركبهما وقد بدا البِشْرُ على مُحياهما ؛ فرحاً بإدراك سوق يوم ( الخميس ) من كل أسبوع الذي يأتيه الناس من كل فج عميق ؛ كلٌ يحمل معه بضاعته القديمة ينقلها على الدواب ؛ ليبيعها فيعود بما كسب ؛ قوتاً لعياله .
    وصل الركب إلى السوق ؛ قضوا به الساعات الطوال بحثاً عن أرخص بضاعة ؛ أو انتظاراً لأجودها ؛ ثم قضي أمرهم .
    يعود الصاحبان ؛ الأب الرؤوف ؛ والصبي الصغير ؛ من السوق بما جلباه ؛ يحمل الثقيل منه الأب ؛ وأخف من الخفيف يحمله الطفل ذو الجسم النحيل . يقفان تارة أخرى على حافة طريق العودة حتى يأتي من يعيدهما إلى المنزل في قريتهما التي تبعد عن السوق (ثلاثين كيلاً )كيلومتراً تقريباً ولكن زمن المرور بها يتجاوز الساعتين حينئذٍ(1) .
    تستقبلهما أمُّ الصغير قبيل العصر ؛ تنزل البضاعة الثقيلة من على كتفي الأب ؛ ثم تتفرغ لتقبيل صغيرها وضمه على صدرها بشوق ولهفة ؛ وتمطره بسيل من القبل الحارة ؛ ممزوجة بكلام الدلال المعتاد ؛ وتضع يدها على جبينه تتلمس حرارته لئلا يكون مريضاً أو متعباً من طول الطريق .
    سألته عن رحلته إلى السوق ؛ أخبرها بما رآه ؛ لكنه للأسف ! يتكلم بلسان ثقيل ؛ وعيناه تكادان تقعان على خديه من شدة التعب وغلبة النوم ؛ فمنذ ليلة البارحة لم ينم إلاّ غفوات قليلة ؛ استيقظ في ليلته مرات عديدة ؛ يمشي فيها على رؤوس أصابع قدميه حتى يصل إلى باب البيت بحثاً عن حذاء أبيه ليتأكد هل لازالت في مكانها أم أنه استقلها وذهب إلى السوق وحده؟! 2لم يكن يجرؤ على أن يطل برأسه إلى مكان نوم أبيه ؛ فهكذا تعلم وأمثاله من الصبيان في ذاك الزمان.
    أدركت أُمَّه رحمةٌ وشفقةٌ به ؛ ممزوجةٌ بضحكةٍ من الأعماق لمنظر عينيه الناعستين اللتين تنفتحان حيناً ؛وتُغلقان أحياناً أخرى؛ في حركة لا إرادية ! فأذنت له بالنوم ؛ فذهب في نوم عميق ..
    أيقظته قُبلةٌ طبعها أبوه على خده ؛ يريد إيقاظه برفق ليتناول طعام العشاء بعد مغرب ذلك اليوم ؛ كعادة الناس يومئذٍ . قام خجلاً ؛ وقبَّل رأس أبيه وكفَّه ؛ وخدَّ أُمِّه ؛ وجلس بينهما ؛ حضر أخواه الصغيران ؛ فلما قضوا أكلهم ؛ جاء دور اللعب ؛ ثم استمع الصبية الصغار إلى مغامرات أخيهم الشيقة ؛ كيف أنه استيقظ قبل الفجر ؛ وذهب مع أبيه إلى السوق ؛ وكيف أنه من شدة اهتزاز تلك السيارة التي استقلاها وتمايلها على ذلك الطريق الجبلي الغير ممهد ؛ أحس أن الدنيا كلها تدور به وهو قابع بين الركاب كالعصفور المنزوي على نفسه من الزحام ؛ وإذ بمعدته تدور في بطنه كالكرة ! فلم يكن أمامه إلاَّ أن يفرغ ما فيها في عمامته (..شماغه) التي يبست من كثرة الأتربة العالقة بها من جراء اللعب في تلك الأودية؛وسط تأفُّفَات الركاب ؛ومواساة والده له برفق ؛ لأنه رأى دمعتين تترقرقان في عينيه الصغيرتين يوشك أن تخرجا من الإحراج .إلى آخر تلك الرحلة العذبة العذاب .
    * * *
    رأى تلك السنوات .. وكأنها أوراق أمام عينيه؛ كلما قلب ورقة ؛ ظهرت له أخرى .
    رأى ذلك الصغير .. يدخل المدرسة الابتدائية وأهله يكاد الفرح يعصف بهم ؛ وهم يرون ابنهم يذهب إلى المدرسة سيراً على قدميه ؛ هاهي ثمرة تعبهم على تربيته قد ظهرت ..
    ورأى الصغير مرة ..وأبوه يحفظه القرآن الكريم ؛ في منزلهم القديم المبني من الحجر ؛ حتى إذا قرأ ما حفظه .. أدخل والده يده في الحقيبة التي كان الصغير يستقلها إلى المدرسة ؛ لكي يستخرج منها كتاب (الهجاء ! ) ..فَفُجِأَ بـ(عقرب كبيرة ! )سوداء اللون ؛ داخل الحقيبة تسللت من بين تشققات الجدار وألقت بنفسها بين الكتب ؛ بحثاً عن الدفء! ففزع الصبي ودخله الرعب لما رآها في يد أبيه ؛ الذي ألقاه في سرعة خاطفة وتمكن بحمد الله من قتلها ! ثم التفت إلى ولده والدموع تسابق كلماته :
    كيف لو أنك أنت الذي أدخلت يدك ؟ أين أبحث عنك بعدها ؟!

    * * *
    كبر الصغير ! والتحق بالدراسة المتوسطة .. وكان يناله من أبيه كل ليلة مبلغ (..عشرة ريالات ) لم يعلم إلاَّ اليوم كيف كان أبوه يحصل عليها ؛ رغم فَقْرِه المُدقِع ؛ فلا تجارة لديه ولا عمل .. فقدكان يستيقظ قبل الفجر ليذهب إلى الجبال الشاهقة ؛ فيقوم بقلع الأحجار وتكسيرها ليبيعها للناس الذين كانوا يبنون بيوتهم في ذلك الزمان منها‍!.
    …حمل شهادة ( الكفاءة) ثم سافر بحثاً عن العمل ؛ توظف ؛ وتمر الأيام ؛ فيتزوج من امرأة صالحة ؛ ثم يواصل تعليمه (الثانوي) ليلاً ..رزقه الله بنتاً .. وثانية .. ثم حملت زوجته ؛ فكان أبوه يحدثه أنه رأى في المنام أنه رزقه الله ولداً .. أشهر قلائل وإذ بالرؤيا تتحقق ؛ ورزق بمولود أسماه (محمداً)!! .. فرح به جده فرحاً شديداً ..وكان يداعبه بكثرة .. ويجلب له الهدايا .. ومرة قدم له (..فراشاً صغيراً) لسميِّهِ فقط! ..
    ثم .. يقدر الله ويمرض هذا الوالد مرضاً شديداً .. فيزوره ابنه الذي أبعدته عنه الغربة اثنتي عشرة سنة .. كان يسأل ابنه بشغف عن أحواله وأحوال أهله .. و..محمد !
    كان في شدة المرض أحرص ما يكون على الصلوات ؛ فلم يكد يفوته فرض ؛ لدرجة أنه هو الذي كان يوقظ ابنه(هذا ) لصلاة الفجر .. وكان الابن يوقظه مراراً لغلبة المرض عليه ..تحسن حاله .. فيما يبدو .. استأذنه ابنه الذي أصبح الآن يدرس منتسباً في إحدى الجامعات في السفر إلى مقر عمله ودراسته ؛ فأذن له ولسانه يلهج بالدعاء له ؛ وقال له:- ( اذهب وفقك الله .. أنا بخير والحمد لله ) فقبله .. بين عينيه .. وهو يشعر أنه اللقاء الأخير بينه وبين أبيه ..
    فلما سافر .. لم يفجأه إلاّ اتصال من أخيه يخبره فيه باشتداد المرض على أبيهم ..حزم متاعه ثم سافر بالطائرة .. مدة الرحلة ( ساعة وثلاثة أرباع الساعة ) وكأنها سنوات والله ..!
    فلما وصل سألهم عن أبيه .. فقالوا له : نقل إلى المستشفى .. ورأى الوجوه تعلوها الكآبة .. ذهب إلى المستشفى ؛ ألقى عليه نظرة الوداع الأخير وهو لا يشعر به ، فقد دخل في غيبوبة ..
    وفي صباح اليوم التالي .. جاءه الخبر أن ( حبيبه ) قد أسلم روحه إلى بارئها ..رحمه الله .
    .. مزّق الحزن قلبه ؛ فلم يستمتع به كبيراً مثلما استمتع به صغيراً .. اثنتا عشرة سنة قضاها بعيداً عنه ؛ على أمل العودة ..و...
    نام تلك الليلة ؛ دس رأسه في مخدته ؛ هرباً من أحداث النهار التي أخذت منه أباً ملأ عليه كل حياته.
    استيقظ كعادته لصلاة الفجر ؛ ذهب من تلقاء نفسه إلى فراش أبيه ليوقظه لصلاة الفجر .. فلم يجد الفراش في مكانه .. ثم تذكر أنهم دفنوه بالأمس بأيديهم ..فانفجر بالبكاء .. حتى ظن أن أضلاعه ستقفز من صدره ..
    * * *
    هذه هي حياته .. قضاها بحلوها ومرها .. بعذبها وعذابها .. وقد بلغ اليوم الثالثةو الثلاثين من عمره .. فأين المستقبل الذي كان ينتظره من صغره ؟! وترك من أجله الأب والأم. هاقد أصبح اليوم حاضراً ؛ ولم يعد مستقبلاً ؛ فأين هو هذا المستقبل المزعوم ...

    =======
    (1) أما اليوم .. فربع ساعة غالباً

     

    اعداد الصفحة للطباعة    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    موسى الزهراني

  • مـقـالات
  • قـصـائـد
  • بحوث علمية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية