صيد الفوائد saaid.net
                                                                             
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • المكتبة الصوتية
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات
  • - القصص
  • مقالات
  • - فتاوى
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    لا تصادق طبيب أسنان !!

    موسى محمد هجاد الزهراني

     
    مسكينٌ الذي يصادق طبيب أسنان! . كلما رآك مبتسماً ؛ تُريه الدُّر المنظومَ بفيك ؛ تأمَّلَ أسنانك طويلاً لا لكي يملأ عينيه من جمالها ويتخيلها عقداً من اللؤلؤ والمرجان ؛ بل لكي يقرر بعدها أن يستضيفك في عيادته ويلجمك ساعة أو أكثر لا يسمع منك كلمةً واحدةً عربيةً فصيحةً ! وإنما يسمع التأوهاتِ والتألم الذي يقطع الفؤاد . فطبيبُ الأسنان كما يقال : هو الذي يأكل رزقه من أفواه الناس .
    * * *
    هذا ما حدث لي تماماً ؛ فقد كنتُ في أمنٍ وأمانٍ ؛ يجري علي رزقي كما أشتهي ؛ أفتحُ فمي لأري المصلين جمال ما بداخله كما أشاء . وأريه المارة في الطريق وأُخرج منه كلمة رقيقة حروفها ( السلام عليكم .. كيف الحال ) .. كما أشاء . آكل ما أشاء كما أشاء متى أشاء . حتى قدر الله تعالى أن أتناول مكبر الصوت ليلة من الليالي بعد صلاة العشاء وأعظ الناس بكلمة خفيفة قصيرة كان أملي فيها أن أنقلهم من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ؛ ولم أكن أعلم أنني سأنتقل من سعة المسجد إلى ضيق غرفة طبيب الأسنان التي لا تتسع إلاَّ لشخصين ونصف الثالث .
    كلما مر بنا في طيات الكلام طرفة ضحك منها الحاضرون وابتسمت أنا ؛ تأملني صاحبي الذي كان أمامي تماماً ؛ وجهه مقابل وجهي ، وبعد أن قضيت كلامي ؛ وصليت على الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ سلّم عليّ كعادته وقال لي :
    - أرى لك سنّاً تلوح منه نقطة داكنة اللون ..
    - أين هي ؟!
    - في فمك طبعاً ..
    فظننت أن الناس كلهم رأوا ما رأى صاحبي ؛ فتركت يديه وهرعت إلى منزلي مسرعاً .. طرقت الباب .. ففتح لي بعد لأْيٍ ؛ ومن غير سلام ولا كلام و لا عتاب ؛ توجهت للمرآة لأرى المصيبة التي غيرت لون وجهي وامتقع منها حتى أصبح كقشرة الليمون الصفراء ! فإذا بي أجدني أنا أنا لم أتغير .. وعددت أسناني فإذا بها كاملة العدد والعدة ؛ قلَّبت أصابعي داخل فمي فلم أفقد منها شيئاً ؛ ثم تذكرت النقطة التي أشار إليها صاحبي ؛ وإذا هي أيها الأفاضل لا تكاد تُرى بالعين المجردة ؛ ولا تُرى إلا بعين البازي أو المجهر المكبر ! فكيف رآها صاحبي في المسجد بعد العشاء .. لا أعلم ! فلربما أن الله يعطي أطباء الأسنان من نور البصيرة ما ليس عند الشافعي تلميذ وكيع بن الجراح رحمهما الله ! . فهان الأمر عليَّ ؛ وقلت إن توقف الأمر عند هذا الحد فأنا قابل لتلبية دعوته زيارته في عيادته ! . ودعتُ أهلي ثم انطلقت إليه يحدوني الشوق والفرح ؛ على أمل أن أخرج من عيادته وبفمي ثنايا فاطمة بنت عبد الملك زوج عمر بن عبد العزيز رحمهم الله جميعاً ! ..
    * * *
    استقبلني صاحبي استقبال الفاتحين ؛ ثم أشار إليَّ فنزعتُ ( غترتي) من على رأسي ؛ وأشار إليّ أخرى أن استلق على هذا السرير ؛ فاستلقيت على سرير متعرجٍ متحفزاً كالخائف ؛ وبدأ صاحبي غفر الله له ! يُدخل في فمي ملاعقه وسكاكينه تلك وأنا فاغر فمي لا أنبس ببنت شفة وأنىّ لي ذلك ؟! وحمل في يده آلة محددة الرأس لها صوت يشبه صوت الحفار الذي كنا نراهم ونحن صغار يحفرون به الجبال الشم الرواسي ليشقوا فيها الأنفاق طرقاً للسيارات ؛ فأردت أن أُلهيه عني بأي شيء حتى أطلق ساقيَّ للريح فلم أنجح . فوضع حفَّاره المشؤوم ذلك على النقطة السوداء المزعومة في سني وبدأ يحفر ( الله وكيلك ) .. هل جربتم أن تحكوا حديدة خشنة بأطراف أسنانكم بشدة لمدة دقيقة واحدة فقط ؟!.جربوا لتعيشوا موقفي . ظللت على هذا الحال أكثر من ثلث ساعة لا يطلق سراحي إلاَّ للمضمضة إذا شاء ولا يعلم أنني أحياناً أتمضمض سراً ثم أبتلعه مكرهاً؛وكثيراً ما تقع أصابع يده في فمي بالخطأ فأغتنم الفرصة فأطبق عليها أسناني بقوة ثم أعتذر إليه بالإشارة علَّه يفهم ويرحمني ؛ فإذا به يفهم ولا يرحم !.
    بعد لأيٍ شديد قال لي : الحمد لله وضعنا لك الحشوة ! ولا تحتاج الآن إلاَّ إلى تنظيف لأسنانك كلها على الطريقة الطبية عند أخينا ( فلان ) طبيب طيب ! صديق لي أيضاً يبعد عن عيادته متراً واحداً .
    حاولت أن أختلق عذراً لأعاوده مرة أخرى لا أعلم متى تكون فلم أفلح ؛ فأُرسلت إلى الأشعة وبعدها ... مكثت غير بعيد فإذا بالصديق الآخر يأتيني ويأخذ بيدي ويجرني وهو يقهقه ؛ ولأنه كان بديناً طويلاً مقارنة بي فقد سحبني بلا استئذان فكنت في يده كطفل عمره ثلاث سنوات ! فأدخلني في تلك الغرفة الواسعة جداً حتى إن من سعتها لا يستطيع الداخل إليها إلاَّ أن يصعِّر جسمه كاملاً لا خده فحسب ليتمكن من الدخول!. قال لي مثل قول صاحبه من قبل : ( تشابهت قلوبهم ) استلق هنا ..
    ورحم الله صاحبي الأول في جنب هذا .. كدت أبكي فتذكرت أن عمري قد أناف على الثلاثين بسنتين ! فبكيت في داخلي !.
    أما صاحبي فلا يني يحدثني عن خُطبي وكلماتي في المسجد والتلفزيون وأخذ يمدح رجلاً مجنزاً بين يديه في حالة لا يعلمها إلا الله وحده .. ثم أتبع ذلك كله بضحكة مجلجلة تبعث الموتى من قبورهم !. أكثر من نصف ساعة يعمل في فمي أعمالاً إرهابية بحق ؛ لم يترك لي سناً آمل أن آكل به غدائي إلاَّ طرقه و وشره وحفره ثم بشرني بما لم يبشرني به صاحبي الأول بأنني محتاج إلى تخديرٍ ! تأمل ! صباح الغد ليتمكن من تنظيف بقية الأسنان .
    * * *
    فما رأيكم أيها السادة ؛ أذهب إليه أم أستعير رجلاً أدفع له مرتب شهر ونصف ليذهب نيابة عني ؟.
    وكيف سيكون حالي لو صادقت طبيباً مختصاً في أمور النساء والولادة ! ماذا كان سيتفتق عنه مُخُّه العبقري تجاهي؟!!.
    ثم إنني نسيت فلم أخبركم عن قِدم صداقتي مع أطباء الأسنان . فلذلك قصة طريفة هل تريدون أن أقصها عليكم ؟ السكوت علامة الرضا ! فاسمعوا إذاً :
    كنت تلميذاً في الصف الخامس الابتدائي ؛ وكان أخي الذي يصغرني بسنوات طريحَ الفراش ؛ لا يستطيع حراكاً ؛ ذلك أن سوس الأسنان قد فعل فيه فعلته ؛ فانتفخ خده من ألم ضرسه ؛ فأعفته أمي من المدرسة طيلة ذلك الأسبوع ؛ فذهبت إلى المدرسة وحيداً حزيناً ؛ مشياً على الأقدام ؛ وفي الفسحة المدرسية وبينما كنا نرتع ونلعب ؛ استدعانا أحد المدرسين وكان من أشد الناس علينا [1] ؛ وأخبرنا عن قدوم طبيب أسنان للمدرسة ؛ لعلاج من يحتاج إلى علاج ؛ فعلمتُ أنْ قد جاء الفَرَج ؛ وقفزت بذاكرتي إلى أخي المستلقي على قفاه في البيت من ألم ضرسه ؛ وقلت في نفسي :
    بشراك ! قد جاءك الدواء يا أخي !
    أخذَنا معلمنا الدكتاتور ! فصفنا صفاً واحداً كالبنيان المرصوص ؛ كالمحكوم عليهم بالإعدام في المصطلح السياسي المعاصر ؛ فأخذَ الطبيب يمرُّ علينا واحداً تلو الآخر ونحن واقفون كالأصنام ! لا نهمس ولا نتنفس ؛ نتبادل الابتسامات الصامتة والنظرات الحذرة ؛ وحواجبنا مرتفعةٌ عن أعيننا في فرحٍ يشوبه خوفٌ غامض !؛ وأعطانا الأوامر القاسية بأن يفتحَ كلٌّ منَّا فاه ؛ وبدأ من غير تشخيص ولا استخارة ولا استشارة ؛ يخلع ضرس هذا ويطلب علاجاً لهذا ؛ حتى بلغني واحسرتاه ؛ فرأى في فمي ضرساً أسود لم يعجبه منظره ؛ أما أنا فلا أذكر منه شكوى أبداً . ولأن الدكتاتور كان واقفاً بجواره ؛ فلم أقدر على إفهامه بأنني لا أريد إلاَّ علاجاً لأخي فحسب ! واكتفيت بالنظر إليه بعينين كئيبتين يتقاطر منها الدمع .. لكن بلا جدوى . وبلا استئذانٍ أدخل آلته تلك (كماشته ) في فمي وانتزع ذلك الضرس فكأنما نزع قلبي من بين أضلعي ! فسمح لي معلمي تكرماً منه هذه المرة بالبكاء بالصوت الرَّنان .
    ثم عدت إلى بيتي وجمعت على والدتي مصيبتين ؛ فما كان منها إلى أن أضجعتني بجوار أخي وألبستنا ( رداءً ) واحداً ....! .
    * * *
    أفليس لي الآن أن أنال منهم على الأقل بقلمي ....؟!.
     

    ================
    [1] -  أحيل على التقاعد كما علمت . وفقه الله في الدنيا والآخرة وسامح الله جميع مدرسينا السابقين ؛ فقد كانوا والله نعم الرجال .


     

    اعداد الصفحة للطباعة    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    موسى الزهراني

  • مـقـالات
  • قـصـائـد
  • بحوث علمية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية