صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    خواطر طبيب مبتعث

    محمد بن جمال حولدار
    @Mohammad_Holdar

     
    بسم الله الرحمن الرحيم


    الجزء الأول من #خواطر_طبيب_مبتعث
     

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبد الله سيد الأولين والآخرين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد:

    * ففي ربيع الأول من عام واحد وثلاثين وأربعمائة بعد الألف أكرمني الشيخ المحدث عبد العزيز الطريفي @abdulaziztarefe سدده الله بدعوتي لزيارته في بيته وكان هذا قبيل سفري للبعثة. وحين أخبرته بسفري أوصاني بتدوين رحلتي وكان عتبه أنه على مر السنين خرج كثير من المبتعثين ولم يدونوا شيئا يذكر، بينما الغربي يخرج رحلة واحدة يدون فيها ما رآه من تفاصيل. كانت هذه الوصية من الشيخ ثبته الله على الحق بداية التفكير الجاد في تدوين بعض ما يمر علي وكذلك طلب بعض الأفاضل والمشائخ الكرام تدوين بعض ما كنت أذكره لهم مما رأيته.

    * ولأنها خواطر فسيكون تدويني من عفو الخاطر دون الالتزام بترتيب معين أو بالرجوع للمراجع العلمية أو التاريخية عند كل تغريدة لكن لن يخل هذا بدقة المعلومات إن شاء الله. ما يكون في تغريداتي من صواب فمن الله وحده صاحب المن والستر الجميل وما يكون فيها من خطأ فمن النفس والشيطان والله ورسوله منه بريئان.

    * اتخاذ قرار بالابتعاث إلى بلد غربي ليس بالسهل، هذا يعني مفارقتك لوالديك وصحبتك ومراتع الصبا، وفوق هذا تفارق صوت الأذان والفضيلة تقدم قوما أهل كتاب تختلف معهم في الدين والفضيلة، بل كثير منهم رمى بدينه وراء ظهره واتخذ العلمانية دينا له بل والإلحاد، نعوذ بالله من الخذلان.

    * القدوم إلى بلد كغريب فيه رهبة ولا شك، فالغريب يشعر بتوجس ووجل ويخشى من العنصرية، وتذكرت العمالة الذين يأتون بلادنا سعيا للرزق ما أخرجهم من ديارهم وديار آبائهم بل وما تركوا أسرهم وأطفالهم إلا رغبة في لقمة العيش لمن يعولون فلك أن تتخيل القهر والظلم حين يلاقون سوء المعاملة فوق ما جاؤوا بسببه من الفاقة ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    * كندا تقع أقصى شمال غرب الكرة الأرضية حيث يحدها شمالا القطب الشمالي وجنوبا الولايات المتحدة الأمريكية وشرقا المحيط الأطلسي وغربا المحيط الهادي. هي من أكبر دول العالم مساحة فمساحتها تساوي مساحة أوروبا عدا روسيا ومع هذه المساحة الشاسعة لا يكاد يجاوز عدد سكانها 35 مليون نسمة. ولعل هذا والله أعلم سبب تساهل كندا في الهجرة على الأقل إلى ما قبل أحداث سبتمبر لتعويض النقص الحاصل في عدد السكان وبالتالي تعويض الكفاءات والإنتاج الاقتصادي، فمن المعلوم أن الأسرة الكندية غالبا لا تزيد عن طفلين أو ثلاثة أطفال ناهيك عمن يعزف عن الزواج أو صاحب ميول شاذة ولذا عددهم في تناقص. وعلى ذكر أحداث سبتمبر كان السعوديون يدخلون كندا دون الحاجة لاستصدار تأشيرة حتى وقعت الأحداث.

    * المجتمع الكندي مجتمع خليط الأعراق والأجناس والأديان وتكاد تكون كندا من أكثر دول العالم في تعدد الأعراق والثقافات. والشعار الذي يرفعه الكنديون عاليا شعار حرية التعبير وحرية الأديان واستفاد المسلمون من هذا في إنشاء المراكز والمدارس الإسلامية والمساجد وبعض المساجد بقبة ومنارة كأنك في بلد إسلامي إلا أن الأذان لا يرفع.

    * وكذلك للمسلمات حرية غطاء الوجه دون مضايقات (عدا في محافظة كيوبيك الفرنسية ولعل الكلام يأتي عليها لاحقا) وبعض النساء لربما لبست عباءة الرأس السوداء والقفازات دون مضايقة. وأذكر أنه في عام 2011 أو 2012 كانت أخت منقبة تتسوق مع أطفالها وهجمت عليها امرأة في العقد الخامس من العمر أرادت أن تنزع نقابها عنوة. تم القبض عليها من قبل الشرطة وحكم عليها القاضي بالخدمة في مركز اجتماعي وفضل أن يكون مركزا إسلاميا حتى تتعرف على عادات المسلمين. لكن هذه الحرية ولعدم انضباطها أدت إلى مشاكل لعل الله ييسر الحدث عنها.

    * مدينة تورنتو (عاصمة محافظة أونتاريو) تكاد تكون المدينة الأولى عالميا من حيث التعدد الثقافي حيث يوجد بها ما يقارب 150 لغة! ولا يكاد يوجد للعنصرية فيها بشكل سافر أمر يذكر. تعتبر تورنتو من أهم المدن الاقتصادية في كندا حيث سوق العمل وكثير من الكنديين حتى الأطباء يستقر بها للعمل وهي تقع وسط جنوب كندا ما يقارب 120 كيلو شمال شلالات نياجرا الشهيرة.

    * من مظاهر الإغراق في حرية السلوك أن كندا أول دولة –إن لم أكن واهما- شرعت للزواج المثلي بنظام فيدرالي يسري على جميع المحافظات دون استثناء بحيث يكون زواجا رسميا بعقد رسمي، وفي كل صيف يجتمع الشواذ من أنحاء شتى في مدينة تورنتو في مهرجان كبير ويستعرضون فيه شذوذهم. مما ذكره أحد الإخوة ممن له عقود في المدينة أنهم كانوا سابقا إذا مروا من أمام الناس رمى عليهم الكاثوليك الطماطم وغيره اعتراضا على تصرفاتهم أما اليوم فلا مجال للاعتراض فسبحان مقلب الأحوال ونسأله السلامة والعافية.

    * سألت مرة أحد الاستشاريين الكنديين الأقحاح عن قيمة العذرية في المجتمع فكان جوابه باختصار ما لم تكن الفتاة تنتمي لثقافة تحتم عليها الحفاظ على بكارتها كأن تكون مسلمة فإنها لا قيمة لها وغالبا لا تتخرج الطالبة من الثانوية إلا وقد فقدت بكارتها ولا تتزوج إلا وقد أقامت بعلاقات محرمة مع عدد من الرجال.

    * مما أذكره وصعقني وتألمت له أياما أني في أول أيامي في تورنتو كنت في قسم الطوارئ وطلب مني الكشف على رجل كبير في السن. ذهبت لأراه وأنا معتاد أن كبار السن في السعودية غالبا لا يأتي المستشفى إلا مع أحد أبنائه أو أحفاده برا به، وأنا بهذا الانطباع لما رأيت هذا المريض سألته بعفوية أين أبناؤك وأنا أتألم كيف لكبير سن بهذا المرض يأتي لوحده ويرجع لوحده لدور العجزة retirement home أو دور الرعاية التمريضية nursing home وحصل نفس هذا الموقف مع عجوز وسألتها نفس السؤال بعفوية. مع مرور الأيام صار عندي تصور واضح أن كبير السن متى ما "انتهت صلاحيته" وأصبح غير قادر على القيام بواجبات الحياة اليومية فعليه الذهاب لدور العجزة لأن أبناءه الذين تعب لأجلهم وهم أطفال مشغولين في حياتهم بما هو أهم من أبيهم أو أمهم! كنت أسمع عن التفكك الأسري وعقوق الوالدين في الغرب لكن أن ترى هذا بعينك فهو مؤلم والله. رب ارحم والدي كما ربياني صغيرا وارزقني برهما ورضاهما.

    * أحد الأطباء السعوديين الفضلاء جاء للتخصص الدقيق في الطب النفسي وكان يقدم حالة لعجوز منومة في المستشفى وقت الكريسمس وكانت تنتظر بحرقة أن يكلمها أو يزورها ويهدي لها هدية بمناسبة عيدهم. كانت القصة عادية جدا للكنديين فلم تثر شفقتهم إلا أن أخانا وهو يقدم الحالة للفريق النفسي بدا عليه التأثر واضحا من تصرف الابن المشين مع أمه. إلى هذا اليوم والاستشارية والتي كانت ترأس الفريق ذلك اليوم وهي ذات مناصب كبيرة في مستشفاها متأثرة بتأثر أخينا من العقوق. بينما هذا الابن العاق لم يقم سوى بممارسة حقه بعدم القيام بما لا يجب عليه أصلا في المجتمع الغربي!

    * قد يقول قائل أن مجتمعات المسلمين لا تخلو من العقوق والجواب أن الفرق الجوهري أن العاق في المجتمع المسلم منبوذ ويحتقر لفعله بل ربما رفع أمره للمحكمة، أما في المجتمع الغربي فالأصل أنه ليس من الواجب على الابن أو البنت البر بالوالدين والأصل إرسالهم لدور العجزة، والله المستعان.

    * من أشد المواقف التي مرت بي قبحا و"قرفا" أني كنت في أحد المستشفيات الجامعية في لقاء شهري فكرته أن يقدم أحد الاستشاريين حالة صعبة مرت به ليبين كيف تعامل معها أو ليطلب المشورة. قامت استشارية متخصصة في الطب النفسي للحوامل بتقديم حالة امرأة في الأشهر الأخيرة من الحمل وكانت مصابة بقلق شديد. قصة هذه المرأة تبدأ من ذكرين من المحامين تزوجا بعضهما وبعد فترة من الزواج نمت عندهم مشاعر الأبوة! ورغبا في الحصول على طفل ولكن كيف السبيل إلى ذلك! وقع اختيارهم على هذه المرأة وهي امرأة متزوجة ولديها أطفال ولا ترغب في الإنجاب ولكن لا مانع عندها من أن تكون "وعاء للحمل" بمقابل ثم تعطي المولود لهذين الذكرين، وعملية الحمل لهذا الغرض تسمى surrogacy . بقيت المشكلة كيف سيحصل الحمل. اهتدى تفكيرهم لأخذ مني أحدهم وبويضة أخت الآخر وتلقيحها وزرعها في رحم المرأة، وتم لهم ما أرادوا. ولأنهم محامون تم توقيع وثيقة قانونية بأن المرأة ليس لها الحق في الجنين أو الإجهاض والحق بالكامل يرجع للذكرين في التصرف بالحمل. بعد أشهر من الحمل تبين أنها حامل بتوأم وهذا كان صاعقا لأحد الذكرين لأنه لم يرغب إلا بطفل واحد وزاد الطين بلة أن أحد الجنينين لديه متلازمة نسيت الاستشارية اسمها ومن مشاكلها عيب خلقي في القلب يستلزم عملية عاجلة بعد الولادة مباشرة وبعدها تكون حالة الطفل مستقرة. أصر أحد الذكرين أو كلاهما على أن تقوم المرأة بإسقاط الجنين المريض ولكن ولأنها تشعر بحركتهما جاشت عندها غريزة الأمومة ورفضت رفضا قاطعا الإسقاط. هنا ثارت ثائرة الذكرين إذ ليس لها الحق قانونا الاعتراض وعرضا عليها الذهاب لأمريكا للإسقاط في عيادات خاصة إلا أنها أصرت على الرفض فهدداها برفع الأمر للمحكمة كون الحق لهما! وهكذا ظلت المرأة في قلق طوال فترة الحمل فهي ليس لها القدرة المالية لتعيين محام يدافع عنها وانتهى المطاف بالذكرين بعدم تصعيد القضية وعند الولادة تم أخذ الطفل المريض لغرفة العمليات ومن بعدها إلى دور التبني لعله يجد من يتبناه والطفل الآخر قامت بالسلام عليه والبكاء قليلا ومن ثم تسليمه للذكرين.

    طوال سماعي للحالة وأنا في غثيان يعلم به الله، وقد ذكرت هذه القصة لمغزى لعلي أتعرض له لاحقا، نسأل الله العافية والسلامة.

    أكتفي بهذا القدر ولعل الله ييسر الإكمال في وقت لاحق, اللهم ثبتنا على دينك حتى نلقاك.

    سبحانك الله وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك
     



    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
     

    وأبدأ معكم بالجزء الثاني من #خواطر_طبيب_مبتعث
     

    * المستشفيات -في نظري- إحدى المرايا التي تعكس للمرء صورة عن واقع المجتمع وثقافته وعلاقة أفراد الأسرة ببعضهم، والطب النفسي يتميز بأنه أدق "المرايا" التي تَخبُر واقع المجتمع لطبيعة التخصص حيث من أساسيات أخذ التاريخ المرضي سؤال المريض عن حياته الشخصية والاجتماعية ومع كثرة من تسألهم تتحدد لك معالم المجتمع وثقافة القوم.

    * الشعب الكندي لطيف بطبعه فمن أكثر الكلمات التي تسمعها منهم Thank you حتى في الأشياء البسيطة مثل فتح الباب أو أخذ الكيس من المحاسب...الخ و sorry حتى لو لم يحصل خطأ يستوجب الاعتذار. مما لاحظته في كندا حجم "المساحة الشخصية" التي يحيط بها الناس أنفسهم، فالسؤال عن الأمور الشخصية كالانتماء الديني والتوجه السياسي يعتبر تدخلا مستغربا في الشؤون الشخصية ما لم يسبقه وطيد علاقة، بخلاف جيرانهم الأمريكان إذ من الطبيعي أن تسمع السؤال هل أنت جمهوري أو ديموقراطي كما حدثني بذلك أحد الاستشاريين الكنديين. مما هو ملاحظ كذلك بشكل واضح اعتماد الكنديين أسلوب الحوار مع أطفالهم فمهما كان الطفل صغيرا وطلبه في عرف الكبار "تافها" يسعى الوالدان لمناقشة الصواب من الخطأ ومحاولة إقناعه.

    * النظام الكندي يمنع ضرب الأطفال منعا باتا وإذا وجد الطبيب أو المعلم أو غيرهما ممن له علاقة بالطفل ما يُشعر بتعرض الطفل للتعنيف وجب عليه قانونا إبلاغ جمعية حماية الطفل وإلا تعرض للمسائلة. ولذا مهما بلغ حنق الوالدين على الطفل لا يعنفانه بالقول فضلا عن الفعل لئلا يرفع أحد من المارة أمرهم لجمعية حماية الطفل والتي لها الصلاحية الكاملة ابتداء بفتح ملف للطفل ومتابعة الحالة حتى التأكد من عدم وجود خطر على الطفل وانتهاء بأخذه من والديه وإبقائه عند أسرة أخرى لها استعداد لرعاية الأطفال foster family، وقد يسمح لهما بزيارته أو لا بحسب الحالة. إذا بلغ الطفل السادسة عشرة من عمره لم يعد لجمعية الحماية دور وعليه أن يرجع إلى والديه أو أن ينتقل إلى ملجأ للمشردين shelter أو إذا تيسر له الانتقال إلى إحدى بيوت "الرعاية" -إن صح تقريب معنى group home- حيث يجتمع فيها عدد ممن لا عائل لهم ويشرف عليهم موظفون تعينهم الحكومة. وكما أن القانون يمنع الوالدين من ضرب الطفل فهو لا يمنعهما من طرده من المنزل كأن تكون الأم "عازبة" لا تستطيع تربية الابن بسبب ظروف مادية أو بسبب سلوك الطفل وعليها أن تتصل بجمعية حماية الطفل ويتم أخذه منها!

    * المتأمل في نظام حماية الطفل يجد أنه وفّر حماية كبرى للطفل خاصة إذا كان الطفل يتعرض لأذى متكرر أو إهمال، كأن يكون أحد الوالدين أو كليهما من المدمنين على المسكرات ويكون دور الطبيب وغيره سهلا في حماية الطفل بدلا من تركه يقاسي الأذى والضرب بل والاعتداء الجنسي أحيانا. في المقابل خفف هذا النظام من هيبة الوالدين وسلطتهما فغاية ما يستطيعان فعله مع الطفل هو منعه بالترغيب.

    * هذا ليس بمشكل –غالبا- ما قبل سن المراهقة إذا الأصل في هذه المرحلة العمرية أن يطيع الطفل والديه وأحيانا لو هددهما بتبليغ حماية الطفل قابلوه بتخويفه بأنه سيؤخذ منهما ليعيش مع أناس آخرين فيخاف الطفل. مشكلة المشاكل حين يبلغ الطفل أو الطفلة سن المراهقة والتمرد، وسأبين بعض الأمثلة على ذلك بحول الله.

    * المتأمل في الثقافة الكندية يلحظ تضخيم مصلحة الفرد حتى لو كان على حساب الأسرة أو الجماعة وله آثار سلبية على الأخلاقيات إن كان هذا التعارض بشكل غير مباشر، والحد –تقريبا- لحرية الفرد هو الضرر المباشر على الآخرين فحرية الفرد تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين.

    * مما يميز المجال الطبي في كندا التشديد خصوصية المريض وسرية معلوماته الطبية، فلا يحق للطبيب مشاركتها مع أي أحد دون إذن المريض إلا في استثناءات ضيقة. مما يتصل بهذا الموضوع وما ذكرناه عن المراهقة والتمرد فالقانون يلزم طبيب الأسرة أو أي طبيب (طبيب الأسرة هو بوابة المريض للخدمات الصحية، وللحصول على الخدمات التخصصية لا بد من إحالة من طبيب الأسرة) إذا بلغ الطفل 14 عاما ألا يخبر أحدا بأي معلومة تخصه حتى لو كان المخبر والديه إلا بإذنه. فمن حق الفتاة ذات الأربعة عشر ربيعا مثلا أن تطلب من الطبيب وصفة لحبوب منع الحمل –يمنع صرفها دون وصفة طبية- وطلب العلاج من الأمراض الناتجة عن الزنا ولا يحق للوالدين معرفة شيء عن هذا البتة دون إذنها.

    * إذا بلغ الابن أو الابنة 18 عاما فهما بحكم النظام بالغان يحق لهما فعل ما يشاءان ولا يحق للوالدين الاعتراض على شيء من سلوكياتهما. فمن حق الفتاة إذا بلغت السن القانوني أن تخرج مع عشيقها أو عشيقتها (إذا كانت من أهل الشذوذ) "للنوم معه" ولها أن تنجب منه إن شاءت فهذا حق شخصي يكفله القانون ولا يحق لهما منعها منه البتة، بل ولها الحق في إجهاض الحمل دون معرفة أحد. ولو ثارت غيرة والدها فمنعها أو ضربها فكل ما عليها أن تتصل بالشرطة على الرقم 911 ويتم إلقاء القبض على الوالد المكلوم، وتوضع الكلبشات في يده ويقتاد لمخفر الشرطة للتحقيق معه –جسده في المخفر وقلبه يتميز من الغيظ والهم- ومن ثم إحالته للمحكمة (قد تختلف الإجراءات القانونية لكن هذه صورة عامة لها). طيب ماذا لو كان الوالد مسلما ودينه يحرم الزنا؟ أليس من حقه ممارسة حق من أبسط حقوقه وأهمها وهو المحافظة على عرضه؟ أليست كندا بلدا يحترم تعدد الثقافات وهذا في صلب "ثقافة" الوالد التي يرغب في تنشئة أبنائها عليها؟ الجواب ببساطة نعم كندا بلد يحترم التعدد الثقافي لكن مصلحة الفرد وحريته الشخصية تطغى على مصلحة الأسرة وبالتالي من حق الفتاة فعل ما تشاء وليس من حق الوالدين إلزام الفتاة بما يعتقدانه، أضف إلى هذا أن مفهوم العرض والشرف والغيرة على الأعراض غير معروف عند الغرب! اللهم أدم على بلاد المسلمين نعمة الإسلام والفضيلة.

    * كم سعمت من بعض الآباء ممن هاجر إلى كندا السؤال بتألم "ما هذا القانون الذي يمنعك من تربية أبنائك ومنعهم مما يضرهم" مع أن هؤلاء الآباء على غير الملة الحنيفية.

    * من المتعارف عليه اجتماعيا أن على الابن أو البنت مغادرة المنزل إذا بلغ الثامنة عشرة من العمر ليلتحق بالجامعة ويبقى بسكنها حتى لو كان منزل أهله بنفس المدينة، وفي حال رغبته البقاء مع أهله أو رغبت البنت البقاء مع أهلها لا نكير على الأهل أن يطلبوا إيجارا شهريا مقابل السماح بالإقامة.

    * مع هذه الثقافة التي تشجع على الاستقلال التام عن الأهل منذ المراهقة وفي المقابل المطالبة بدفع الإيجار للوالدين يقرر كثير من الأبناء مغادرة المنزل والعيش في سكن الجامعة أو مع العشيق أو العشيقة حياة الأزواج.

    * ولذا حين يكبر الابن ويكبر معه والداه لا يكبر معه وازع البر بهما بل على العكس تكون طلباتهما عبئا عليه. كيف لا وقد تربى طيلة عمره على أن طلباته "حق مكتسب" على والديه تلبيتها بينما ليس عليه مسؤولية تجاه والديه إلا ما "يتكرم" به عليهما. ولذا كما ذكرت في الجزء الأول من هذه الخواطر أن الوالدين يبقيان في بيتهما معززين مكرمين طالما لهما القدرة الجسدية على القيام باحتياجاتهما اليومية، ومتى ما أصابهما الضعف والوهن أو أقعدتهما الأمراض المزمنة فمصيرهما دور العجزة لأن من أفنيا أعمارهما وأموالهما لأجله "مشغول" عنهما بما هو "أهم"! نعوذ بالله من الخذلان.

    * في إحدى ليالي شتاء تورنتو قارسة البرد قبل أشهر قريبة كنت مناوبا بالمستشفى وطلبني طبيب الطوارئ على به أخبرني عن والدين أحضرا ابنتهما ذات الأربعة عشر ربيعا ويرغبان في تنويمها قسرا لأنها هربت من البيت لتنام مع صاحبها. بعد وقت طويل من التقييم ظهر أن أهل البنت من ذوي اليسار حيث أنها تدرس في مدرسة خاصة والمدراس الخاصة مكلفة، وكذلك وفّرا لها جلسات للعلاج النفسي على حسابهما الخاص ومع هذا فالبنت تشتكي من تسلط والديها وتضييقهم عليها وأنها تكرههم لهذا السبب. قابلت الوالدين على انفراد فإذا بالسواد يعلو وجوههما وبلغ سيل الاستياء الزبى وجاوز الربى. تبينت منهما أن كل ما يطلبانه منها أن تسلمهم الجوال أيام الدراسة قبل وقت النوم، وألا تتأخر في الرجوع للمنزل في نهاية الأسبوع وألا تخرج مع فلان وفلان من السيئين إلا أنها ترفض الانصياع لأوامرهما المذكورة أعلاه وهذا ما يجعلهما في نظرها "متشددين ومتسلطين". هما يعلمان وقوعها في الزنا مع عدد من الشباب ومع إيمانهما بالحرية الشخصية إلا أن هذا العمر صغير جدا على النشاط الجنسي ويكسو وجوههما العار من سلوك ابنتهما الشبيه بالعاهرات والعياذ بالله.

    * في الليلة التي أتوا بها للمستشفى أصرت البنت على الخروج من المنزل للنوم مع صديقها الذي يبلغ الثامنة عشرة من العمر. البنت كذبت على والديها بأنها ذاهبة لصديقتها للمساعدة في رعاية رضيع تلك الأسرة baby sitting بينما والداها يعلمان كذبها ورغبة في النوم مع صديق ولذلك منعاها من الخروج. أصرت الفتاة على رغبتها وخرجت دون علمهما وكان جوالها مع والديها إذا لم تستطع أخذه والوالدان لا يعلمان عند من ذهبت تحديدا وجن جنونهما. بعد تتبع للرسائل والاتصالات اهتديا لمنزل الصديق الذي ذهبت إليه وطرقت الأم الباب بشدة وهمت بضرب الصديق لولا أن تمالكت نفسها وكادت أن تبلغ الشرطة عليه إذ كيف لبالغ أن يزني بقاصر، أما زنا البالغين بالتراضي فهو حلال زلال في عرف المجتمع. تم إفهام الوالدين أن هذه مشكلة سلوكية لن يفيد معها التنويم لقسم النفسية ولكن عليها مواصلة جلسات العلاج التي تحضرها حاليا وتوصيات أخرى.

    * بقي سؤال المليون دولار كما يقال ويريدون إجابة عاجلة عليه وهو كيف لهما أن يوقفا هذا السلوك المشين؟ إن رجعوا بها للبيت فستهرب منه قريبا وتستمر في نفس السلوك حتى يصيبها مرض جنسي والقانون لا يمنعها من هذا السلوك ولا الشرطة تقف معهم.

    * لم يكن لهما بد من استخدام الحيلة التي ذكرتها أعلاه ولكنها لم تكن حيلة بل تهديدا صادقا من قلب متوجع مكلوم بأنها إن لم ترضخ لشروطهما المذكورة أعلاه فسيطردانها من البيت للعيش مع من في عمرها بأحد الملاجئ أو دور الرعاية، خياران أحلاهما مر لكل أبوين ولا حول ولا قوة إلا بالله! أدركت الفتاة أن الأمر جد ّوكل ما تعيشه من نعيم ودلال ستفقده فوعدت والديها بالالتزام بكل الشروط.

    غادروا الطوارئ عائدين لمنزلهم وعدت إلى غرفة المناوبة أتأم هذا الحال البئيس. بالله ما قيمة الحضارة وابنة الإنسان وفلذة كبده وعنوان شرفه ترتكب من الفواحش ما تشاء ولا يستطيع ردعها إلا بخيار أشد وهو الطرد من المنزل، كالمستجير من الرمضاء بالنار.

    ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما.

    * في أحد الأيام طُلبَ مني استشارة في العناية المركزة للنظر في حال مريض شرب شيئا من المسكرات والمخدرات –تبين فيما بعد أن عشيقته غشته ووضعتها له في العصير دون علمه- وضرب برأسه في جدران الشقة ونزف ولم يكن بوعيه. التفاصيل كثيرة لكن شاهد القصة أن المريض في آخر العقد الثالث من عمره وأتى والده ذو الشيبة الكبير يزوره وهو في غاية القلق –كأي أب- عليه وعلى صحته. ذكر الوالد أن ابنه يعاني من الصرع وأن ما حصل في نظره بسبب الصرع والابن المريض اعترض على هذا التفسير وتضايق الابن من أبيه جدا. سألني الأب بعض الأسئلة ليستفسر أكثر فاعتذرت له بلطف بأنه لا بد لي من استئذان ابنه حفاظا على خصوصية معلوماته الطبية بحسب ما يقتضيه النظام. تفهّم الأب على مضض وبدأ يناقش ابنه قلقا على صحته واحتد النقاش بينهما فما كان من الابن إلا أن قال لأبيه "اخرس"!!

    * يا الله يا لطيف يا ستير، كيف تجرأ هذا على والده؟ أهذا جزاء والد أتى لزيارة ابنه خوفا عليه ورجاء حياة هانئة له؟ عشرات الأسئلة في رأسي وأنا أتأمل حال الوالد الذي "أخرسه" ابنه وهو يغادر العناية المركزة غاضبا من ابنه الذي لم يقدر حرصه وفوق هذا أهانه.

    * يتقطع قلب المبتعث من بعده عن والديه ويتمنى قربهما لخدمتهما بالنفس والمال وهذا يهين والده أمام الملأ!! في عرف هذا المجتمع غاية ما يقال عن هذا التصرف أنه "أساء الأدب" مع والده فحسب، ولن يترتب على هذا إجراءات قانونية بالطبع.

    رب ارحم والدي كما ربياني صغيرا. اللهم أطل أعمارهما على صحة وعافية وحسن عمل ومنّ عليهما بفضلك ومنّك بالنظر إلى وجهك الكريم.

    أكتفي بهذا القدر، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل وثبتنا على دينك حتى نلقاك راضٍ عنا غير غضبان.

    سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك
     

    وكتب
    محمد بن جمال حولدار
    لعشر مضين من جمادى الأولى لعام خمسة وثلاثين وأربعمائة بعد الألف
    @Mohammad_Holdar


     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    الطبيب الداعية

  • مكتبة الطبيب
  • أفكار دعوية
  • الطبيب الداعية
  • الطبيبة الداعية
  • بين الواقع والمأمول
  • استفتاءات طبية
  • الطب الإسلامي
  • الفقه الطبي
  • مقالات منوعة
  • خواطر طبيب
  • صوتيات ومواقع
  • دليلك للأفكار الدعوية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية