صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • فوائد وفرائد
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    التأصيل الشرعي للدعوة في المجال الطبي

    د.عصام بن عبد المحسن الحميدان
    الأستاذ المساعد بقسم الدراسات الإسلامية والعربية
    جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران

     
    الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعــد:
    فإن الدعوة إلى الله تعالى من أشرف المهمات وأوسع طرق الخير ، قال سبحانه ( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين ) [فصّلت : 33].
    وشرَّف الله تعالى رسوله بهذه المهمة ، فقال: ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرةٍ أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) [ يوسف : 108 ]

    ولمعرفة الحكم الشرعي للدعوة في المجال الطبي ، وفضلها ، وأساليبها ، لا بدّ من بيان بعض المقدمات:
    الأولى : أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم كان طبيباً للقلوب والأبدان ، فقال سبحانه (وننزِّل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين) [الإسراء : 82] ، وقال ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظةٌ من ربكم وشفاءٌ لما في الصدور ) [ يونس : 57].
    وقد عالج النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم أدواء الناس النفسية والجسدية والعقلية . وانظر كتب الطب النبويّ لتجد الأمثلة الكثيرة على علاجاته عليه السلام.
    وهذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم.
    وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم قدوة للناس جميعاً كما قال سبحانه (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً) [الأحزاب:21].
    فإنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم قدوة للأطباء على وجه الخصوص ، لأنه قام بمهمتهم ولو على نحوٍ ما.
    ولذا يذكر الأطباء المسلمين القدماء في صدر كتبهم من أسباب شرف مهنة الطب أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم قام بها ولو على نحوٍ ما.
    ومن الأنبياء الأطباء أيضاً إدريس عليه السلام (اسمه في التوراة خنوخ ولقبه هرمس): ذكر أنه أول من تكلم في الطب ، فإن صحّ هذا كان إمام الأطباء الدعاة. ( إخبار العلماء بأخبار الحكماء لابن القفطي: 2 ، طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل :5).
    الثانية : أن الطبيب المسلم هو أحد المكلَّفين والمخاطبين بالتوجيهات الربانية والنبوية ، وكل أمرٍ أو نهيٍ في كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم فإنها تتناوله ، ومنها الدعوة إلى الله تعالى ، فالطبيب عندما يقوم بها فإنه ينفِّذ التوجيهات الموجَّهة إليه كمسلم قبل أن يكون طبيباً.
    وكما يتم الالتزام بشرف المهنة وأخلاقياتها ، فإنه يلتزم بالتوجيهات الربانية من باب أولى.
    الثالثة : أن وجود المتخصصين في طب الأبدان واجب كفائي ، وثوابه عند الله تعالى عظيم إذا خلصت النية ، قال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني :" فرض الكفاية أفضل من فرض العين لما فيه من نفي الحرج عن الغير"(الأشباه والنظائر لابن الوكيل:1 /112).
    وقد خصص صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم بعض الأطباء والطبيبات من الصحابة للقيام بهذا الواجب.
    وأرشد باستشارة بعض الأطباء كالحارث بن كلَدة الثقفي طبيب العرب، فأرشد سعد ابن أبي وقاص أن يأتيه كما روى ابن إسحاق (إخبار العلماء بأخبار الحكماء لابن القفطي: 112، وطبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل : 54).
    فالطبيب قائمٌ على ثغرةٍ من ثغور الدين ، فإن الفقهاء ذكروا أن الضروريات التي فرضها الله تعالى على العباد خمس ، وعليها قام الدين ، وهي :
    حفظ الدين ،وحفظ النفس ، وحفظ العقل ، وحفظ المال ، وحفظ العرض .(الموافقات للشاطبي:1 / 38، 3 / 46).
    ففي الطب حفظٌ للنفوس ، وللعقول بعلاجهما ،وحفظٌ للأعراض بالتحذير من الأمراض، وكشف الاعتداءات الجنسية ، وحفظٌ للدين؛ لأن الدين لا يقوم إلا بنفوس العقلاء.
    الرابعة: أن المرض قدَر الله تعالى على عباده يبتليهم به ، فمنهم من يصبر ومنهم من يجزع، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم بالتداوي ، فقال :" ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله "(رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه).
    فمن واجب الطبيب أن يقدِّر اختلاف الناس في استقبال المرض ، ويعامل كلاً منهم بما يناسبه.

    لمـاذا أدعو ؟ :
    *
    لما لها من فضل وشرف : قال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم " لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم " (رواه البخاري ومسلم عن سهل الساعدي رضي الله عنه).
    وقال ابن القيم : الشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته وقوفه في الصف ساعة وجهاده أعداء الله أفضل من الحج والصوم والصدقة . والعالم الذي قد عرف السنة والحلال والحرام وطرق الخير والشر مخالطته للناس وتعليمهم ، ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح (المنطلق للراشد).

    * لأنها فرض : وهذا يقودني إلى بيان حكم الدعوة إلى الله تعالى ، وقد ذكر أكثر العلماء أن الدعوة إلى الله تعالى فرض كفاية ، وهنا نحتاج إلى أن نوضِّح معنى فرض الكفاية في حق المكلَّفين بالدعوة : قال الشاطبي :" قد يصح أن يقال إنه – أي فرض الكفاية – واجبٌ على الجميع على وجهٍ من التجوُّز ؛ لأن القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة ، فهم مطلوبون بسدِّها الجملة ، فبعضهم هو قادر عليها مباشرة وذلك من كان أهلاً لها ، والباقون وإن لم يقدروا عليها قادرون على إقامة القادرين ، فمن كان قادراً على الولاية فهو مطلوب بإقامتها ، ومن لا يقدر عليها مطلوب بأمر آخر ، وهو إقامة القادر وإجباره على القيام بها من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " ( الموافقات : 1 / 178 )
    ، والحقيقة أن الكفاية لم تتحقق حالياً بإقامة الدعوة إلى الله تعالى من قبل الدول والهيئات والأفراد ، بدليل أننا نرى كثيراً من المسلمين يتنصرون ويضلُّون بسبب الدعوات الدينية المختلفة التي تنتشر بينهم.
    وأيضاً : فإن كثيراً من المسلمين في بقاع الأرض لا يزالون يطالبون بقدوم الدعاة إليهم ، ولم يقم المسلمون بإجابتهم.
    وأيضاً : فإن كثيراً من الدعاة القادرين على الدعوة ليس لديهم من المال ما يكفي للقيام بنشر الدعوة ، ولو توفَّر المال الكافي لبعض الدعاة والمؤسسات الإسلامية الدعوية لتحوَّل حال العالم !
    فإنه لا يوجد حالياً قناة فضائية إسلامية دعوية تقوم بها الكفاية وتخاطب العالم بلغاتٍ مختلفة ، ولا يوجد المال الكافي لنشر الإسلام في ربوع أفريقيا المتعطشة بالرغم من وجود الدعاة ، ولا يوجد الاهتمام الكافي لصدّ هجمات التنصير عن المسلمين في إندونيسيا وروسيا وشرق أوربا.

    وبالمقابل نقرأ عن جهود المنصرين في العالم:
    قال د. عبد الرحمن السميط :" في مدينة غارسيني في كينيا يوجد 8 كنائس بينما لا يوجد شخص واحد من سكان المدينة الأصليين غير مسلم ! " (رحلة خير في أفريقيا : 37).
    وقال :" من الأمور التي تأثرت بها عند زيارتي لمركز إغاثة من المراكز الأوربية أني رأيت فتاة تدير هذا المركز في ريعان شبابها لم يتجاوز عمرها الرابعة والعشرين ، وعندما سألتها عن سبب وجودها هنا ، ذكرت أنها تقوم بأعمال الإغاثة والإشراف على المركز ، فسألتها : أين كانت من قبل ؟ فذكرت أنها كانت في جنوب السودان في منطقة أكثر صعوبة بكثير من عملها الآن ، بدون كهرباء ولا ماء ! فيها الكثير من البعوض والحيوانات المفترسة وخشونة طباع الناس ، فسألتها : لماذا هي هنا ؟ فقالت : من أجل الخدمة الإنسانية.وهي لا تتلقى إلا راتباً بسيطاً جداً كمصرف جيب " (رحلة خير في أفريقيا : 80)

    وأضيف بعض الإحصائيات ( أخذت من مجلة الكوثر ):
    -المتفرغون للعمل الكنسي البروتستانتي ( 525 ) مليون شخص.
    -المتفرغون للعمل الكنسي الكاثوليك في أمريكا ( 6063 ) شخص.
    -دخل الكنيسة في شمال أوربا وأمريكا ( 200 ) بليون دولار أمريكي.
    -محطات الإذاعة والتلفاز المملوكة من قبل الكنسية (3400) محطة.

    * لأني محتاجٌ إلى تثبيت نفسي : فبالدعوة يتشجع الإنسان على الثبات على الالتزام ، والحرص على الفرائض والنوافل فيكون رقيباً على نفسه قبل الآخرين.

    * لأن الفساد منتشر : قال د. عبد الرحمن السميط :" ما أسرع ما يتحمس شبابنا لسماع محاضرة أو شريط ولكن ما أسرع ما يفتر الحمال ، بل حتى أولئك الذين جاءوا وزاروا أفريقيا ورأوا بأم أعينهم ما يمكن أن يفعله الإنسان هنا وعاهدوا الله أمامنا أن يجعلوا تحسين أحوال إخوانهم في أفريقيا همهم الأكبر ، لم يستمروا في حمل هذا الهم سوى فترة قصيرة ، فنحن شعوب عاطفية ، ولو توفر لنا بعض المسلمين الذين ينذرون أنفسهم وحياتهم للدعوة في أفريقيا أو لدعم الدعوة هناك كما يفعل أصحاب الديانات الأخرى لانتشر الإسلام في كل قرية من قرى أفريقيا ، ففي الوقت الذي يوجد فيه حولي 4 ملايين مبشر مسيحي متفرغ لنشر دينهم ، أتساءل عن عدد الدعاة المسلمين المتفرغين " (رحلة خير في أفريقيا : 24).
    ويقول أيضاً :" سألنا أحد المبشرين إن كان قد نجح في عمله ، فقال : نعم . فقلنا له : كم مسلماً نصَّرت ؟ قال : أنا هنا منذ عشر سنوات ، وقد استطعت تنصير طفل صغير . فقلنا له : ألا تعتبر هذا فشلاً ؟ قال : بالعكس أنا أعتبر أن ما عمت به منتهى النجاح ، إذ أن العمل في وسط المسلمين ليس سهلاً كما يتصور الآخرون " ( رحلة خير في أفريقيا : 55).

    * لأن فرص الدعوة متاحة للطبيب أكثر من غيره ، فإن أكثر الناس يفتحون أسماعهم للطبيب في كل ما ينصحهم به . وهذا يوجب على الطبيب أن يستفيد من وضعه الاجتماعي في الدعوة إلى الله.

    كيف أدعو ؟ (أساليب الدعوة ) :
    الدعوة القولية:
    المباشرة : وهي النصيحة ، ولها آداب :
    الأول : أن يتأكد من توثيق الكلام الذي يقوله للمنصوح ، قال تعالى ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) – البقرة : 111 - ، وقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم " المتشبِّع بما لم يعطَ كلابس ثوبي زور " ( رواه البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما ).
    الثاني : أن لا يخالف نصيحة نفسه ، قال تعالى ( كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) – الصف : 3

    يا أيُّها الرجـل المعـلِّمُ غــيرَه  *** هلاَّ لنفسـك كـان ذا التعليــمُ
    تصـف الدواءَ لذي السِّقـام وذي الضَّنى *** كيمـا يصحّ بـه وأنت سقيـمُ
    ونراك تُصلِحُ بالرشـاد عقولنــا  *** أبداً وأنت مــن الرشــاد عديــم
    ابدأ بنفسك فانهَهـا عن غيِّـــها  *** فإذا انتـهت عنــه فأنت حكيــم
    فهناك يُسمَع مــا تقول ويشتفى  *** بالقـول منك وينفــع التعليــم
    لا تنهَ عن خلُــقٍ وتأتيَ مثلــَه  **** عـارٌ عليك إذا فعلــتَ عظيـم

    الثالث : مراعاة حال المنصوح : قال عليّ رضي الله عنه " حدِّثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذَّّبَ الله ورسوله " ( روه البخاري )

    * أمثلة على من يمكن نصيحتهم :
    -المتبرجة
    -لابس الذهب من الرجال
    -المدمن
    -غير المصلِّي

    غير المباشرة : كالكتاب ، الشريط ، الملصقات

    الدعوة العملية :
    أهميتها :
    قال د. عبد الرحمن السميط :" عملنا وسط قبيلة اللوكو المسيحية في سيراليون بالعمل الطبي دون دعوة كلامية ، فتأثروا بأطبائنا وسألوهم عن الإسلام واقتنعوا به ، وأسلم اثنان من زعماء القبيلة وأسلمت غالبية القبيلة ، وارتفعت نسبة المسلمين فيها خلال سنة ونصف من 5 % إلى 60 % ، وقمنا ببناء مركز إسلامي بينهم ، يضم مدرسة ومستوصفاً ومسجداً وداراً لتدريب النساء ، وأرسلنا زعماء القبيلة للحج فتأثروا جداً ، وعادوا وكلهم نشاط للدعوة للإسلام " ( رحلة خير في أفريقيا : 26 )

    1 - حسن الاستقبال والتوديع : عن جابر رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم إذا أتاه الوحي أو وعظ قلت : نذير قوم أتاهم العذاب ، فإذا ذهب عنه ذلك رأيت أطلق الناس وجهاً ، وأحسنهم بشراً . حسنه الهيثمي.
    ومن حسن الاستقبال والتوديع الدعاء الصالح له ، ومنه ما ورد في الأحاديث:
    * " أذهب البأس ربَّ الناس ، واشفِ أنت الشافي ، لا شفاء إلا شفاءك ، شفاءً لا يغادر سقماً " ( رواه مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها )
    * " اللهم اشف عبدك ، ينكأ لك عدوّاً ، أو يمشي لك إلى صلاة " ( رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما بإسناد صحيح )
    * " أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك " (رواه الطبراني عن عليٍّ رضي الله عنه بإسناد حسن)
    * أعيذك بالله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد من شر ما تجد " ( رواه الطبراني عن عثمان رضي الله عنه بإسناد حسن )
    ، ويتذكر الطبيب أنه في عيادة مريض ، وعيادة المريض لها أجر عظيم ، قال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم :" من عاد مريضاً شيّعه سبعون ألف ملك كلهم يستغفر له إن كان مصبحاً حتى يمسي ، وإن كان ممسياً حتى يصبح ، وكان له خراف في الجنة " ( رواه أحمد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه بإسناد صحيح)

    2 - إتقان العمل : قال تعالى ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) [ البقرة : 195 ]
    وقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه " ( رواه البيهقي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بسند حسن)
    ، وقال " إن الله كتب الإحسان على كل شيء " ( رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن شداد بن أوس رضي الله عنه )
    والناس يحبون من أحسن إليهم واجتهد في علاجهم وإرشادهم ، ويدعون له ، فإذا كانت سيرته حسنة ، والتزامه ظاهر انعكس ذلك على نظرتهم للدين ، وللمتدينين ، وحرصوا على الاقتداء بهذا الطبيب.
    والنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم عندما بدأ دعوته إلى الله ، كانت الدعوة الجديدة غريبةً على المجتمع المكّي ، وكان يمكن أن تفشل ، لولا أن سيرته الحسنة كانت مسانداً له ودافعاً لكثير من الناس لاتباعه ، وذلك واضح في حديث هرقل مع أبي سفيان كما في صحيح البخاري.

    3 - العلاقات الحسنة : قال فتحي يكن : إن الداعية بحق هو الذي يعيش لغيره لا لنفسه ، وتهمّه سعادة غيره ولو على حساب سعادته هو.
    ويضيف : كان أحد الدعاة الموفقين الذين يتقربون إلى الله بصبرهم على متاعب الآخرين ، وكان له قريب مدمن الخمر مدفوع بالأبواب منبوذ من كل أحد.
    فزار الداعية يوماً ، ففتح له قلبه وبيته وأكرمه ، واعتاد هذا المخمور التردد عليه أسابيع حتى صلح حاله واهتدى إلى الله.
    ثم مرض الداعية وأدخل المشفى للجراحة ، فرابط المهتدي عنده يدعو له ويخدمه ولم يخرج من عنده ، حتى جاء يوماً للدخول ، فمنعه أحد أصدقاء الداعية ، فتشاكسا فصفعه ذلك البوَّاب على وجهه صفعة كانت كافية لأن يعود المهتدي إلى إدمانه وترك طريق الله . ( الاستيعاب في حياة الدعوة والداعية / فتحي يكن : 29 )

    4 – التلطُّف مع الناس : قال تعالى ( ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفر لهم ) [ آل عمران : 159 ]
    وعن جابر رضي الله عنه قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم الظهر والعصر ، فلما سلم قال لنا : على أماكنكم . وأهديت له جرة من حلواء ، فجعل يلعق كل رجل لعقة ، حتى أتى عليّ وأنا غلام ، قال : فألعقني لعقة ، ثم قال : أزيدك ؟ قلت : نعم . فزادني لعقة لصغري . فلم يزل كذلك حتى أتى على آخر القوم . ( رواه ابن ماجه بإسناد حسن)
    قال إسحاق الرهاوي :" على الطبيب أن يوسِّع خلقه ، ويحتمل من المرضى ضجرهم ، وأي كلام سمعه منهم بغير تحصيل لم يحفل به ، وليس ينبغي للطبيب أن يمنع المريض من كثرة ما يشتكيه، فيظهر ضجراً من ذل\ك ، لأنه ربما أورد في كلامه علامات يستدل منها الطبيب على ما ينتفع به ، ويستشهد بها على صحة مرضه " ( أدب الطبيب للرهاوي : 161)
    وأضاف صاعد بن الحسن :" ويكون الطبيب كثير التودد والسلام على من يستحقه ، طويل الروح مبشراً بالخير ضاحك السنّ "
    ونقل عن أبقراط قوله :" أي امرئ أعطاه الله علماً يشفي به المرضى وحباه بذلك ، فبلغ من قساوة قلبه أن لا ينصحهم ولا يشفق عليهم إنه لبعيد من كل خير بعيد من الطب "( كتاب التشويق الطبي : 24 أ )
    قال فتحي يكن : الدعوة ليست منبراً لعرض الأفكار والنظريات ، والداعية ليس مذياعاً يردد الأفكار المجردة فحسب ، بل إن الدعوة والداعية يجب أن ينتقلا نقلة نوعية تجعلهما يعيشان هموم الناس ويحملان بقسط وافر من هذه الهموم.

    فعلى الطبيب أن يسلِّي المرضى ببعض الكلمات الرقيقة المخففة للهموم ، فإن الغمّ النفسي للمريض أشدّ عليه من المرض العضوي ، وهذه بعض الأحاديث:

    * دخل النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم على شابّ وهو في السكرات ، فقال له : كيف تجدك ؟ قال : أرجو الله وأخاف ذنوبي . فقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم :" لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمنه مما يخاف " ( رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه وقال النووي : إسناده جيد).
    * وقال تعالى في الحديث القدسي :" من أخذت إحدى كريمتيه ضمنت له الجنة "
    * و قال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم :" ما من مسلم يصيبه أذى إلا حطّ الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها " ( رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه).
    * وقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم :" إذا كان العبد يعمل عملاً صالحاً ، فشغله عنه مرض أو سفر ، كتب الله له كصالح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم " ( رواه البخاري عن أبي موسى رضي الله عنه)

    5 – احتساب الأجر : المشاركة في علاج فقراء المسلمين في بلاد العالم ، وتخفيف الأجرة عليهم . ومن الأطباء المميزين في هذا الجانب:
    * أبو جعفر أحمد بن إبراهيم الجزار القيرواني : توفي سنة 369 هـ ، كان لا يأخذ أجراً من أحد ، وإنما ينظر في القوارير ، ثم يصف الدواء ، ويحيل المرضى على غلامٍ له قد أعد بين يديه الأدوية ، فيصنعها الغلام ، حتى لا يأخذ من أحد شيئاً.
    ولم يخلد إلى لذة ، ولم يركب إلى سلطان ، وكان يتعفف عن عطاياهم ، وله تآليف في الطب وغيره .( طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل : 88).
    * محمد علي باشا الحكيم المصري : ولد بالمنوفية سنة 1228 هـ ، وقرأ القرآن وتعلم اللغة العربية ، ودرس الطب تحت إدارة كلوت بك الطبيب ، فسبق أقرانه ، ثم أرسله محمد علي باشا إلى باريس لتعلم الطب ، فأتم الدراسة بتفوق وعاد سنة 1253 هـ ، فصار أستاذاً للجراحين والتشريح ، وتوفي سنة 1293 هـ في أثناء خدمته الطبية في الحرب مع الحبشة.
    له كتاب : الجراحة ، وغاية الفلاح في أعمال الجراح.
    كان محباً لوطنه ، دائباً على نشر العلوم ، غيوراً على الفقراء ، طويل الأناة في معالجتهم ، لا يأخذ عليهم أجراً ( المختار المصون من أعلام القرون / محمد بن حسن عقيل الشريف : 3 / 1822 - 1824 )
    * د.مصطفى محمود : الذي أنشأ مشفى خيرياً في مركزه الإسلامي بالقاهرة .

    6 – التواضع : بيان أن الشافي هو الله تعالى ، فالله تعالى هو الطبيب (وإذا مرضت فهو يشفين ) الشعراء : 80 - وسؤال الله التوفيق ، والتخفيض في الأجر على الضعفاء .
    قال الرازي في رسالته :" ينبغي للطبيب أن يعالج الفقراء كما يعالج الأغنياء ، ورأيت من المتطببين من إذا عالج مريضاً شديد المرض فبرأ على يديه ، دخله عند ذلك عجب ،وكان كلامه كلام الجبارين ، فإذا كان كذلك ، فلا وفِّق ولا سُدِّد.
    ويتوكل الطبيب في علاجه على الله تعالى ، ويتوقع البرء منه ، ولا يحسب قوته وعمله ، ويعتمد في كل أموره عليه ، فإذا فعل ضد ذلك ونظر إلى نفسه وقوَّته في الصناعة وحذقه ، حرمه الله البرء " (أخلاق الطبيب للرازي : 38 )

    7 – احترام الأوامر الربانية : مثل أوقات الصلوات ، ووقت الصيام ، ومساعدة المرضى على ذلك ، وغضّ البصر عن الحرمات ، ومعرفة حدود العورات.
    قال إسحاق الرهاوي :" أول الأفعال التي ينبغي للعاقل أن يفعلها بعد قيامه من نومه ونظافة جسمه وحواسه ، هو الصلاة ، فإن الشكر للمنعم والإقرار له بالوحدانية والخشوع بين يديه ، إذ هو العلة لكل خير والقادر على كل فعال من الواجب عقلاً وشرعاً ، وبالتنصل والإقلاع عن العيوب مع نقاء القلوب يمحص الرب الذنوب ، ويجيب الدعوات ، ويوصل إلى كل محبوب ، وذلك يكون في الجزء الأخير من الليل ، ثم يجب على الطبيب أن ينعطف من صلاته إلى قراءة جزء من كتب شرعه إذ هو الآمر له بالخيرات ، والباعث له على الصالحات " ( أدب الطبيب للرهاوي : 160 )

    وســائل الدعـوة :
    1 – المخيمات الطبية : وممن عمل بهذه الوسيلة من الأطباء : د.أحمد محمد الملط رحمه الله : ولد سنة 1917 م في محافظة الشرقية بمصر ، وحصل على بكالوريوس الجراحة ، وشارك في حرب فلسطين سنة 1948 م ، وحصل على زمالة الجراحين الملكية ببريطانيا ، شارك في تأسيس " الجمعية الطبية الإسلامية " التي قامت بأعمال مشكورة في بقاع العالم الإسلامي ، خصوصاً أفغانستان أيام الجهاد الأفغاني ضد الروس ، وكان يقوم بدور الإصلاح بين المجاهدين إضافة للإشراف على المشاريع الطبية هناك.
    واستمرّ في خدمة المسلمين حتى زار المجاهدين المبعدين في مرج الزهور بلبنان ، والمحاصرين في سراييفو بالبوسنة رغم كبر سنِّه ، وتوفي سنة 1995 م بمكة ودفن بها . ( من أعلام الحركة والدعوة الإسلامية المعاصرة / عبد الله العقيل : 365).
    وممن عمل بها د. عادل الرشود الأمين العام لمؤسسة البصر الخيرية العالمية التي تقوم بعلاج أمراض العيون في العالم الإسلامي ، وقد حققوا نجاحات كبيرة والحمد لله في الدعوة إلى الإسلام ، إضافة للعلاج الجسماني.

    2 – الرحلات العلاجية : في بلاد العالم ، على غرار ما فعله الدكتور عبد الرحمن السميط في أفريقيا ،
    وما يفعله النصارى في منظمة " أطباء بلا حدود " ( MSF ) التي يتنمي إليها 2500 متطوع ، في 80 دولة ، و180 مكتب في العالم ( موقع المنظمة على الانترنت ).
    3 – المراكز الإسلامية : كما أسس د.عبد الله الخاطر رحمه الله في بريطانيا المنتدى الإسلامي الذي قام بأعمال جليلة في العالم الإسلامي.

    --------------------------------------
    المصادر والمراجع:
    1 – أدب الطبيب /إسحاق بن علي الرهاوي – تحقيق د. مريزن سعيد عسيري – نشر مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية – الطبعة الأولى 1412 هـ .
    2 – كيف ندعو إلى الإسلام / فتحي يكن – نشر مؤسسة الرسالة – الطبعة الثانية 1394 هـ .
    3 – الاستيعاب في حياة الدعوة والداعية / فتحي يكن – نشر مؤسسة الرسالة – الطبعة الأولى 1403 هـ.
    4 – أخلاق الطبيب / محمد بن زكريا الرازي – تحقيق د. عبد اللطيف العبد – نشر مكتبة دار التراث – الطبعة الأولى 1397 هـ.
    5 – أسس في الدعوة ووسائل نشرها / د. محمد عبد القادر أبو فارس – نشر دار الفرقان – الطبعة الأولى 1412 هـ.
    6 – رحلة خير في أفريقيا / د. عبد الرحمن حمود السميط – الطبعة الأولى 1414 هـ.
    7 – الموافقات في أصول الشريعة / إبراهيم بن موسى الشاطبي – تحقيق عبدالله دراز – نشر دار المعرفة
    8 – الأشباه والنظائر / محمد بن عمر ابن الوكيل – تحقيق د. أحمد العنقري – نشر مكتبة الرشد – الطبعة الأولى 1413 هـ.
    9 – كتاب التشويق الطبي / صاعد بن الحسن – تحقيق ونشر أوتو شبيس.
    10 – إخبار العلماء بأخبار الحكماء / علي بن يوسف القفطي – تحقيق محمد أمين الخانجي – نشر مطبعة السعادة بمصر – الطبعة الأولى سنة 1326 هـ.
    11 – طبقات الأطباء والحكماء / سليمان بن حسان الأندلسي ( ابن جلجل )– تحقيق فؤاد سيد – نشر المعهد العلمي الفرنسي بالقاهرة سنة 1955 م.


    المصدر الإسلام اليوم
     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    الطبيب الداعية

  • مكتبة الطبيب
  • أفكار دعوية
  • الطبيب الداعية
  • الطبيبة الداعية
  • بين الواقع والمأمول
  • استفتاءات طبية
  • الطب الإسلامي
  • الفقه الطبي
  • مقالات منوعة
  • خواطر طبيب
  • صوتيات ومواقع
  • دليلك للأفكار الدعوية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية