بسم الله الرحمن الرحيم

 رسالة إلى سكان مكةأرسل الموضوع إلى صديق


أخي الحبيب أختي المؤمنة : لا تظنن أن الرسالة إلي المقيم الملازم بأرض الحرم فقط ، وإنما هي لكل مسلم ومسلمة علي أي بقعة في أنحاء الكون كله ، فإن الله عز وجل قال :" سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ " .
قال شيخ المفسرين الطبري :" وعن المسجد الحرام الذي جعله الله للناس الذين آمنوا به كافة لم يخصص منها بعضا دون بعض " وقال :" سواء العاكف فيه وهو المقيم فيه؛ والباد ، في أنه ليس أحدهما بأحقّ بالمنـزل فيه من الآخر " ، وقال :" كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل مكة بأحق بمنـزله منهم ، وكان الرجل إذا وجد سعة نـزل . ففشا فيهم السرق ، وكل إنسان يسرق من ناحيته ، فاصطنع رجل بابا ، فأرسل إليه عمر: أتخذت بابا من حجاج بيت الله ؟ فقال: لا إنما جعلته ليحرز متاعهم " .
وقال القرطبي :" ليس المقيم فيها أولي من الطارئ عليها " .
وقال السعدي :" المسجد الحرام الذي ليس ملكاً لهم ولا لآبائهم ، بل الناس فيه سواء ، المقيم فيه ، والطارئ إليه " فالكلام هنا للناس جميعاً ، ليس لسكان مكة وحدهم .
أولاً : إن الله الكريم المنان قد منّ علينا بنعمة كبيرة عظمي ألا وهي هذا البيت الحرام ، قال الشيخ سيد قطب - رحمه الله - :" ولقد كان هذا المنهج الذي شرعه الله في بيته الحرام سابقاً لكل محاولات البشر في إيجاد منطقة حرام ، يُلقي فيها السلاح ، ويأمن فيها المتخاصمون ، وتُحقن فيها الدماء ، ويجد كل أحد فيها مأواه . لا تفضلاً من أحد ، ولكن حقاً يتساوي فيه الجميع " وقال :" وهكذا سبق الإسلام سبقاً بعيداً بإنشاء واحة السلام ، ومنطقة الأمان ، ودار الإنسان المفتوحة لكل إنسان " . فلله الحمد وله المنة والكرم والجود.
ثم إن من فضله وجوده علينا أنه سبحانه جعل في هذه البقاع المباركة من الثواب الزائد ما لا يحصيه إلا الله عز وجل ففضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة كما في الحديث الصحيح .  (
انظر حديث رقم :4211 في صحيح الجامع )
وكلنا يعرف مكانة وعظم هذا البيت ، وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم لهذه البقعة المباركة مكة شرفها الله ، قال :" ما أطيبك من بلد و أحبك إليّ و لولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك . (
صحيح  انظر حديث رقم :5536 في صحيح الجامع )  وإن ‌أول مسجد وضع في الأرض المسجد الحرام . (صحيح  انظر حديث رقم : 2579 في صحيح الجامع)
وفي فضلها أيضاً قال - بأبي هو وأمي – صلي الله عليه وسلم :" ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة و المدينة " (
صحيح  انظر حديث رقم : 5430 في صحيح الجامع ) . وقال أيضاً صلي الله عليه وسلم :" لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام و مسجدي هذا و المسجد الأقصى " (صحيح  انظر حديث رقم : 7332 في صحيح الجامع) . فإن هذه البقعة المباركة لها فضل كبير وهبة واسعة من الله عز وجل .

 ولكن أخي .. أختي : أحذر .. أحذري .. إن حُرمة هذا البيت العظيم كبيرة وعظيمة كما قال الله عز وجل :" وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ " قال سيد قطب :" والقرآن الكريم يهدد من يريد اعوجاجاً في هذا المنهج المستقيم بالعذاب الأليم (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) فما بال من يريد ويفعل ؟ إن التعبير يهدد ويتوعد علي مجرد الإرادة زيادة في التحذير ، ومُبالغة في التوكيد ، وذلك من دقائق التعبير " .

وكان جماعة من الصحابة يتقون سُكني الحرم خشية ارتكاب المعاصي والذنوب فيه : منهم ابن عباس وابن عمرو بن العاص وكذلك كان عمر بن عبد العزيز يفعل ، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول :"الخطيئة فيه أعظم . ورُويّ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال :" لأن أخُطيء سبعين خطيئة - يعني بغير مكة - أحبّ إليّ من أن أُخطيء خطيئة واحدة بمكة . وعن مجاهد قال:" تُضاعف السيئات بمكة كما تُضاعف الحسنات ، وقد تعظم وتُضاعف بشرف فاعلها وقوة معرفته بالله وقُربه منه ، فإن من عصي السلطان علي بساطه أعظم جرماً ممن عصاه علي بعد . قال الضحاك بن مزاحم : إن الرجل ليهمّ بالخطيئة بمكة وهو في بلد آخر ولم يعملها ، فتُكتب عليه . وكان لعبد الله بن عمرو فسطاطان: أحدهما في الحلّ ، والآخر في الحرم ، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحلّ ، فسُئل عن ذلك ، فقال: كنا نحدّث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل : كلا والله، وبلى والله . ومعنيّ بالظلم في هذا الموضع كلّ معصية لله - فما من معصية وإن صغرت إلا وهي ظلم - ، وذلك أن الله عم بقوله ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) فهو على عمومه . فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: ومن يرد في المسجد الحرام بأن يميل بظلم، فيعصي الله فيه، نذقه يوم القيامة من عذاب موجع له " . وقد قال الرسول صلي الله عليه وسلم :" الكبائر تسع : أعظمهن إشراك بالله و قتل النفس بغير حق و أكل الربا و أكل مال اليتيم و قذف المحصنة و الفرار يوم الزحف و عقوق الوالدين و استحلال البيت الحرام : قبلتكم أحياء و أمواتا . (حسن  انظر حديث رقم : 4605 في صحيح الجامع)

ومما يُعلمك بشدة قبح المعصية ثمّ وتعجيل عقابها ، ولو صغيرة ، فقد ذُكر أن بعض الناس وضع يده علي يد امرأة فالتصقتا وعجز الناس عن فكهما حتى دلّهم بعض العلماء أنهما لا يرجعان إلي معصيتهما ويبتهلان إلي الله ، ويصدقان في التوبة ، ففعلا ذلك ففُرج عنهما ، وقصة أساف ونائلة مشهورة ، وهي أنهما زنيا فمسخهما الله حجرين ، ولا يغرنك أنك تري من يعص ثم يُنظر ولا يُعاجل بالعقوبة ، لأن العاقل لا ينبغي له أن يُغرر بنفسه ، وليس المغر لنفسه بمحمود وإن سلم ، وربما عُجّل الله لك العقوبة دون غيرك ، فإنه لا حجر عليه تعالي ، وعلي أن تعجيل العقوبة قد يكون بما هو أشنع وأقبح وهو مسخ القلب وبُعده عن الحق وغوايته بعد هدايته ، وقد وقع لبعض من نعرفه ، وكان علي هيئة جميلة ، وفضل تام وتصوير بالغ ، أنه زلّ فقبَّل امرأة عند الحجر - علي ما حُكي - لكن ظهرت آثار صدق تلك الحكاية فمُسخ مسخاً كُلياً وصار بأرث هيئة وأقبح منظراً وأفظع حالة ، بدناً وديناً وعقلاً وكلاماً ، ولما همّ أصحاب الفيل علي تخريب البيت أرسل الله عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول ، أي دمرهم وجعلهم عبرة ونكالاً لكل من أراده بسوء . فإن الله عز وجل قد تولي حفظه وصيانته من الكافرين المعتدين كما قال صلي الله عليه وسلم :" يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم ثم يُبعثون على نياتهم ( صحيح  انظر حديث رقم : 8114 في صحيح الجامع ). فنعوذ بالله سبحانه من الزلات ، ونسأله سبحانه وتعالي أن يعصمنا من الفتن إلي الممات ، إنه أكرم كريم ، وأرحم رحيم .

ولولا ضيق المقام ، وخوف الفضيحة وطلب الستر بسطت أحوالهم ، ولكن في الإشارة ما يُغني عن العبارة ، ولكن قصدت بذلك أن الإنسان ربما أغتر فظن ما يري من عدم تعجيل العقوبة الظاهرة أنه لا يُعاجل بشيء وليس كما ظن ، بل لا بد لمن تمادي علي ذلك أو قدم عليه آمناً أن تُعجل له العقوبة الظاهرة أو الباطنة ، هذا قبل عذاب الآخرة الذي أشار سبحانه وتعالي إلي عظمته ، بل وإلي عظمة عذاب الدنيا أيضاً بقوله :" وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ "
قال الإمام القرطبي : تكون المعصية معصيتين ، إحداهما بنفس المخالفة ، والثانية بإسقاط حُرمة البلد الحرام ؛ وهكذا الأشهر الحُرُم سواء .والإنسان يُعاقب علي ما ينويه من المعاصي بمكة وإن لم يعمله ، وهو قول قوم من أهل التأويل منهم الضحاك وابن زيد ، ورُويّ عن ابن مسعود وابن عمر أنهم قالوا : لو همّ رجل بقتل رجل بهذا البيت وهو ( بعدن أبين ) لعذبه الله . قال الإمام القرطبي : هذا صحيح .
وسُئل الإمام أحمد: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة ؟ قال : لا ، إلا بمكة ، لتعظيم البلد .

المصادر :
1- جامع العلوم والحكم للإمام ابن رجب الحنبلي .
2- الزواجر عن اقتراف الكبائر للإمام ابن حجر المكّيَّ الهيثمّي .
3- في ظلال القرآن لسيد قطب . 4- تفسير الطبري .
5- تفسير ابن كثير . 6- تفسير القرطبي .
7- تفسير السعدي . 8- فقه السنة للشيخ سيد سابق .

الفقير إلي عفو ربه ومغفرته : محمد عمران .
[email protected]


أهكذا يفعل ضيف الله في حرم الله !؟

الصفحة الرئيسة      |     الرسائل الدعوية