صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    الحرب في صفوف وتحت راية الأمريكان .. في شريعة الرحمن

    د/ ربيع بن محمد الدسوقي


    في هذا المنعطف الخطير من تاريخ الأمة الإسلامية وفي هذا الوقت العصيب الذي تداعت عليها الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها.. يستشعر المتأمل في واقع المسلمين عامة والمتابع لمجريات الأحداث على الساحة العراقية بخاصة، لماذا يتأخر النصر عن المسلمين؟ ويدرك - وربما أكثر من أي وقت مضى- أن أعظم معوق لإحراز النصر لأمة الإسلام هم المنافقون، وكيف أضحوا - بعد أن اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً وباعوا دينهم لطواغيت الإنس وشياطين الجن- غصّة في حلوق المجاهدين الشرفاء، وشوكة في طريق المدافعين والمناضلين والساعين لتحرير أرضهم وديارهم، وكيف صاروا هم أخطر أثراً وأشد ضرراً على الإسلام وعلى أمة الإسلام من أعداء الإسلام قاطبة، وأضحى مكر عدو الله وعدو المؤمنين لا يساوي بجانب مكرهم شيئاً .. كما يلحظ كيف يتزلفون ويذلون أنفسهم ويفصّلون منها نعالاً وأحذية في أرجل أهل الكفر، ينفذون مخططاتهم ويقومون بما يعجز الأعداء عن القيام به بل ويكفونهم في كثير من الأحيان مئونة الاقتتال، يستجلبون عطفهم ورضاهم ويطلبون منهم العون لقتل ذويهم وبني قومهم، ويوالون ويعادون عليهم ويحبون ويكرهون لأجلهم، ولا نبالغ إذا قلنا أنهم في سبيل جلب رضاهم يساهمون بشكل فعال في تخريب بلادهم وتدمير اقتصادهم وإهلاك حرثهم ونسلهم، ناهيك عن دورهم المشبوه في حجب نور الله وإقامة دينه والتمكين في مقابل ذلك لأعداء الإسلام.
    يلمس المتابع لما يجري على أرض الرافدين وكل غيور على عروبته حريص على دينه، حجم الضرر الناتج عن أولئك الذين أصبحوا دمىً تحركهم أمريكا كيف تشاء، وكيف يسارعون في أهل الكفر يتكلمون بلسانهم ويتقدمونهم ويفدونهم بأنفسهم ويسهلون لهم مهمتهم في تكريس الاحتلال وفي قتل المسلمين وتعذيبهم وكشف عوراتهم واغتصاب نسائهم حتى صاروا حقراء حتى عند من قدموا ذلك لهم وفعلوه لأجلهم .. كما يلحظ كيف أضحوا عقبة كأداء في تحقيق موعود الله بالتمكين وسبباً مباشراً وحقيقياً في تأخير ما أوجبه الله وأحقه على نفسه في قوله: (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين)، وما وعد به عباده المؤمنين في قوله: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً).
    ولقد أوضح لنا القرآن الذي ما ترك فيه رب العزة سبحانه شاردة ولا واردة إلا وأودعها فيه، و(الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)، أوضح أن أبرز علامات المنافقين وأخص ما يميزهم عن غيرهم هو ولاؤهم للكافرين ولأعداء الدين، وذلك في مواضع عديدة نذكر منها قوله جل جلاله في سورة النساء الآية الثامنة والثلاثين والتاسعة والثلاثين بعد المائة: (بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً. الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين)، كذا بمجيء صفتهم بطريقة الموصول ليفيد علة استحقاقهم العذاب الأليم، وأنهم اتخذوا الكافرين أولياء وآثروا صحبتهم في مضادة المؤمنين والتربص بهم، لا لقناعتهم بما هم عليه من كفر، وإنما ليَقوُوا بهم- فيما استشعروه في نفوسهم- من ضعف، ويَعزوا بهم من ذل .. ظناً منهم أن أعداءهم هم الأعزاء الأقوياء وأنهم بذلك يدفعون عن أنفسهم وعمن يوالونهم من أهل الكفر شر أهل الإيمان المتوقع منهم، وهنا يأتي الاستفهام المنبئ عن التوبيخ والإنكار (أيبتغون عندهم العزة) "إيماء- على حد ما ذكر الطاهر بن عاشور- إلى أن المنافقين لم تكن موالاتهم للمشركين لأجل المماثلة في الدين والعقيدة"، وإلا لهان الخطب في اتضاح أمرهم وانكشاف طويتهم، بل اتخذوهم ليلتمسوا منهم ما لا يملكونه مما أخبر الله عنه في قوله: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون.. المنافقون/ 8)، وفي ذلك نهاية التجهيل والذم لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ومن ثم أتي جواب الله على هؤلاء بأسلوب التأكيد في قوله: (فإن العزة لله جميعاً)، إذ "لا عزة إلا به لأن الاعتزاز بغيره باطل، كما قيل: من اعتز بغير الله هان.. وهذا الكلام يفيد التحذير من مخالطتهم بطريق الكناية"أ.هـ
    وتأتي هذه البشارة التهكمية- المنبئة بالسخرية والاستهزاء والمناسبة لتهتكهم بأهل الإيمان- عقب نداءين محببين للمؤمنين أحدهما يأمر بالعدل الذي يعم الأحوال كلها، إذ العدل في الحكم وأداء الشهادة على وجهها على ما جاء في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم)، هو قوام صلاح المجتمع الإسلامي، والانحراف عنه إلى الجور مفض إلى فساد متسلسل، وما ذلك إلا لأن العدل يقتضي عدم محاباة الظالمين، تماماً كما يقتضي عدم مجاراتهم أو الركون إليهم ولو كانوا من أهلنا أو من أهل ملتنا أو حتى من أقرب الناس إلينا (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون .. التوبة/ 23)، (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون .. الممتحنة/9)، فما بالك بمن لم يكتف بمحاباة وتولي الكافرين ممن ليسوا بأهلنا، حتى شاركهم في بغيهم على المسلمين فجمع في نفاقه واقتراف ما نهى الله عنه بين ظلم نفسه، والركون إلى أهل الكفر، ومقاتلة أهل الإيمان .. والنداء الثاني: يأمر بما هو جامع لمعاني القيام بالقسط والشهادة لله (يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل)، وما ذلك إلا ليداوموا على ما أمر الله ويحذروا مآرب ما يخل به.
    وجاء عقب تلك البشارة التهكمية سالفة الذكر وفي معرض إقامة الحجة، نداء ثالث لأهل الإيمان يصب في نفس الإطار ويحذر من موالاة الكافرين بعد أن شرح دخائلهم وطريقة استحواذهم على المنافقين بقصد أذى المسلمين، (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً)، وهذه آية جامعة للتحذير من موالاة أهل الكفر على اختلاف مللهم وبما فيهم أهل الكتاب، ومن موالاة المنافقين الذين تظاهروا بالإيمان ولم يوالوا أهله بل ناصبوهم العداء وراحوا يطيعون فيهم اليهود والنصارى، فهي تشهير بالنفاق وتحذير من الاستشعار بشعاره والتدثر بدثاره، وتسجيل على المنافقين أن لا يقولوا: كنا نجهل أن الله لا يحب موالاة الكافرين، لذا كان التذييل الذي مراده أنكم إذا استمررتم على ذلك جعلتم لله حجة واضحة على فساد إيمانكم.
    وهنا يأتي الحسم لمصير هؤلاء الذين استهانوا بتحذير الله ولم يبالوا به: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً. إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله) فلم يشُبْه بتردد ولا تربص بانتظار من ينتصر من الفريقين فإن كان للمؤمنين (فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)، أي وصولاً إليهم بهزيمة أو غلبة.
    وفي سياق مماثل للنظم الوارد بسورة النساء، وفي ثنايا التصريح في سورة المائدة بكفر النصارى الذين قالوا: (إن الله هو المسيح ابن مريم) والذين قالوا: (إن الله ثالث ثلاثة)، وبلعن اليهود الذين (عصوا وكانوا يعتدون) والذين هم (أشد الناس عداوة للذين آمنوا)، والتنويه بكذب مقولة هؤلاء وأولئك (نحن أبناء الله وأحباؤه) .. يستمر حديث القرآن وتحذيره من مؤازرة أهل الكتاب أو التعاون معهم أو إحسان الظن بهم فضلاً عن مناصرتهم في قتال المسلمين وفتح المجالات أمامهم لتحقيق مآربهم، وذلك حتى لا يفصل أحد ممن خالط بشاشة الإيمان قلبه بين من هم بين ظهرانينا ويناصبوننا العداء ويقتلون منا الطفل والمرأة والعجوز في العراق وأفغانستان وفلسطين وغيرها من بلاد المسلمين، وبين من ناصبوا من قبلنا ممن سبقونا بالإيمان العداء أيضاً، أو يشكك في مشروعية قتال هؤلاء أو أولئك عندما ينحازون لحرب المسلمين، أو يتهاون تحت أي مبرر في شأن التحذير والنهي عن موالاتهم .. يتواصل حديث القرآن عن ضعاف النفوس- فيما يشبه أن يكون درساً قاسياً في أيامنا لجميع مرضى القلوب من المسلمين حكاماً ومحكومين- وعما يظهرونه من خوف وهلع لبشر أمثالهم تكون نتيجته في نهاية المطاف الندم لكن بعد فوات الأوان حيث لا ينفع الندم، وما يبدونه تجاه من (لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة) من ود ووفاق يطمّع فيهم أعداء الإسلام ممن (بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر) ويصل بهم إلى حد أن يجعل منهم أداة طيعة يضربون بها أهل الإيمان، ومن حب ووئام عادة ما يكون على حساب مبادئ الإسلام، ومن تفان وإخلاص دائما ما يكون ثمنه دماء المؤمنين وأشلاء ضحاياهم واحتلال بلادهم، إذ في ذلك لا محالة ضرر وأي ضرر.
    ويمهد سبحانه لكل ذلك- حتى لا يعمى الأمر أو يختلط لدى المذبذبين بين هؤلاء وأولئك، وحتى تتميز لديهم بالدليل القاطع والحجة البينة صفات أهل الإيمان الذين لا يجوز التعدي عليهم ولا تسليمهم ولا خذلانهم ولا معاداتهم ولا مناصرة عدوهم، عن صفات أهل النفاق الواضح أمر نفاقهم بمسارعتهم في أهل الكفر، والبين أمر موالاتهم لعدو الله وعدوهم- بالإفصاح عمن تجب موالاتهم ومناصرتهم والوقوف بجانبهم ومؤازرتهم وعدم تسليمهم أو خذلانهم، فيقول في محكم آياته بأسلوب الحصر والقصر موجهاً خطابه لمن بقي منهم على الإيمان وجهل حقيقة أمره: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.. المائدة/ 55)، فموقع هذه الجملة- على ما أفاده أهل التفسير- موقع التعليل للنهي عن معاونة أعداء الله أو اتخاذهم أولياء من دون المؤمنين، إذ الأصل أن تكون ولاية أهل الإيمان لله ورسوله مقررة عندهم بموجب ما أظهروه من إسلام، وبالتالي يكون ولاؤهم للمسلمين لأن من كان الله وليه لا يكون أعداء الله أولياءه، وتفيد هذه الجملة تأكيد النهي عن ولاية اليهود والنصارى.. فهي جملة خبر مستعمل في معنى الأمر، والقصر المستفاد فيها من (إنما) قصر حقيقي وهو من قبيل قصر الصفة على الموصوف، وإجراء صفتي (يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة) وكذا جملة (وهم راكعون) للثناء عليهم، ومعنى أن يكونوا أولياء للذين آمنوا أن يناصرونهم ويعاضدونهم ويكونون منهم ومعهم ضد عدوهم كالبيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، فهو في معنى قوله تعالى: (والمؤمنون بعضهم أولياء بعض).
    ويجئ هذا الأسلوب القصري على غرار ما جاء في سورة المائدة عقب نداءين محببين لأهل الإيمان، أولهما: أتي بعد تهيئة النفوس لقبول النهي عن موالاة أهل الكتاب الذين بدت محاولاتهم في تضليل المسلمين والنيل منهم، فيشبه من تولاهم في استحقاق العذاب بواحد منهم (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم)، كذا في صورة الشرط والجواب، وقد استحق هذا الذي أضحى واحداً منهم أن يكون كذلك لأنه كما ذكر القرطبي "خالف الله ورسوله كما خالفوا، ووجبت معاداته كما وجبت معاداتهم، ووجبت له النار كما وجبت لهم، فصار منهم أي من أصحابهم"، فإنه ومن كان على شاكلته على حد قول الآلوسي: "بالموالاة يكونون كفاراً مجاهرين"، "وهذا- كما في تفسير الرازي- تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين"، يقول ابن عطية: "من تولاهم بأفعاله من العضد ونحوه دون معتقدهم ولا إخلالٍ بالإيمان، فهو منهم في المقت والمذمة الواقعة عليهم"، ويدخل فيما ذكره أهل التأويل- بالطبع ومن باب أولى- ما يحدث في أيامنا من مشاركة لهم في حربهم لمسلمي الفلوجة والموصل وأفغانستان وكل من كان على دينهم من أهل الإيمان، ومن إدلائهم على عورات المسلمين، ومن فتح أيٍّ من مجالات بلدان المسلمين برية كانت أو بحرية أو جوية أمامهم، ومن وضْعِ الحواجز ومنع المتناصرين من حربهم، ومن إنفاذ مخططاتهم في إهلاك حرث المسلمين ونسلهم، ومن إضفاء شرعية على الحكومات الموالية لهم .. إلى غير ذلك مما أغرقت الحكومات العراقية المتعاقبة- ولازالت- فيه نفسها حتى الثمالة وتقع فيه الأنظمة العربية والإسلامية وبمساندة أحيانا من علماء سلطاتهم، فإن هذا كله لا يتأتى إلا من ضعاف إيمان ومرضى قلوب (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) والدائرة المخشية هنا هي خشية انقضاض المسلمين على المنافقين، والأرجح أنها خشية "أن يقع أمر من ظفر الكافرين بالمسلمين فتكون لهم- على حد ما ذكر ابن كثير- أياد عند اليهود والنصارى فينفعهم ذلك"، وما ذكره الحافظ هو ما يشهد له في أيامنا سطوة الباطل وهيمنة أهل الكفر كما أنه المتناسب مع واقع المسلمين الآن ومع ضعفهم.
    وتفيد كلمة المفسرين أن قول (نخشى أن تصيبنا دائرة) صدر عن عبد الله بن أبي بن سلول وذلك حين عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتال بني قينقاع الذين كانوا أحلافاً لابن سلول ولعبادة بن الصامت فلما رأى الأخير منزع رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء فقال: (يا رسول الله إني أبرأ إلى الله من حلف يهود وولائهم ولا أوالي إلا الله ورسوله)، وكان عبد الله ابن أبي حاضراً فقال: (أما أنا فلا أبرأ من حلفهم فإني لا بد لي منهم إني رجل أخاف الدوائر)، وما قالاه وفعلاه إنما يمثل الفرق بين أهل الإيمان وأهل النفاق في كل عصر فليس العبرة بخصوص السبب بل بعموم اللفظ، والتاريخ دائماً وأبداً ما يعيد نفسه، ويؤكد موقف ابن سلول، أن المنافق لا دين له ولا عهد وأن تأرجحه بين الإيمان والكفر إنما هو لأجل الدنيا فهي ذاته ودائرته التي يعيش لها ويميل معها حيث مالت ويدور معها حيث دارت.
    وقد اقتضى تحذير أهل الغفلة والنفاق الذين يرجى منهم خيراً، وأملاً في صلاح نفوسهم .. اقتضى تحذيرهم من أعدائهم الذين يبغون صرفهم عن دين الله وودوا لو يكفرون كما كفروا فيكونون سواء، ألا يخرجهم من دائرة الإيمان وأن ينبههم سبحانه من خلال نداء ثان على أن صلاحهم في ملازمة الدين والذب عنه، وأن الله لا يناله نفع من ذلك وإنما يعود نفعه عليهم، وأنهم لو ارتد منهم فريق أو نفر لن يضر الله شيئاً وسيكون لهذا الدين أتباع وأنصار وإن صد عنه من صد (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم).
    كما دعا اعتراض هذا النداء بين ما قبله وبين جملة (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) مناسبة الإنذار في قوله (ومن يتولهم منكم فإنه منهم)، في إشارة إلى أن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء طريق وذريعة مؤدية إلى الارتداد، لأن استمرار فريق على موالاة اليهود والنصارى يخشى منه أن ينسل عن الإيمان فريق، فأنبأ المترددين ضعفاء الإيمان إن هم اختاروا طريق الموالا ة المنهي عنها، بأن الإسلام غني عنهم .. وأتى بجملة (فسوف يأتي الله بقوم.. إلخ)، لبيان أن وعد الله آت لا محالة، ولإظهار الاستغناء عن المنافقين الذين في قلوبهم مرض وقلة الاكتراث بهم، وتطمين المؤمنين بأن الله يعوضهم بالمرتدين خيراً منهم، وطمأنتهم- فيما يشبه المحصلة من ذلك- بأن(من يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون.. المائدة/ 56)، واستغنى هنا عن جواب الشرط وهو الإيذان بوعد الله وبأن هذا الدين لن يعدم أتباعاً بررة مخلصين، بذكر ما يتضمنه للإشعار بأن للشرط جوابان.
    ويتوالى النداء عقب التحذير من موالاة أهل الكفر وضرورة التمسك بموالاة الله ورسوله وكل ما هو منهما بسبب: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين).. ليكون بمثابة التأكيد لمضمون الكلام الذي قبله والتحذير من عدم امتثال ما نهى عنه ولتكون الحجة ألزم فلا يبق بعدها عذر لمعتذر، وفي ذكر الشرط استنهاض للهمة في الانتهاء، وإلهاب لنفوس المؤمنين ليظهروا أنهم مؤمنون لأن شأن المؤمن دائماً الامتثال.
    هذا بعض ما جاء في شأن النفاق والمنافقين في مسألة اتخاذهم الكافرين أولياء من دون المؤمنين، إنما أردنا من خلاله معالجة هذا المرض المفضي إلى تأخير النصر وإلحاق الأذى بالمسلمين، والذي يفتك بالقلوب ويعصّيها حتى يجعلها أقسى على ذوي القربى من الحجارة، وإلا فآيات سورتي التوبة والمنافقون في كشف المزيد من حيلهم ماثلة للعيان، وهي في نهيهم عن اتخاذ الكافرين أولياء أكثر من تعد ونذكر منها قوله عزمن قائل: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء.. آل عمران/28)، وقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون. ها أنتم هؤلاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور .. آل عمران/118، 119)، وقوله: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً .. النساء/ 89)، وقوله: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم.. المجادلة/ 22)، وقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا اعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل. إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون .. الممتحنة/ 1، 2).
    فما العذر بعد ذكر هذه الأدلة الساطعة والبراهين القاطعة، لأناس تزيوا بزي العلماء جعلوا الشبهات طريقهم، والصد عن سبيل الله بسبق إصرار وترصد دأبهم، والخروج على إجماع الأمة في وجوب دفع من داهم بلداً من بلاد المسلمين ديدنهم، وطرح صحيح المنقول من الكتاب والسنة الموافقين لصريح المعقول في إخراج من أخرج المسلمين من ديارهم سبيلهم، والمبالغة في تصوير قوة أعدائهم بقصد إخافة أهل الإيمان منهم وإيجاد مبرر للقعود وخذلان إخوانهم عدتهم، والتشكيك فيما يفعله المجاهدون في سبيل الله من صد أعداء الإنسانية والإثخان بهم في الأرض والصبر على مقاتلتهم والأخذ بثأر أبنائهم وآبائهم وأمهاتهم وإخوانهم بضاعتهم؟
    والسؤال الأشد إلحاحاً والذي يفرض نفسه على كل من يحمل السلاح في وجه الأهل وأبناء الوطن الواحد مع أعداء الإنسانية ومدعي- كذباً وزوراً وبهتاناً- حقوق الإنسان وتحرير العراق ورافعي شعارات الحرية والديمقراطية في الوقت الذي يقتلون ويهلكون ويدمرون كل شيء .. ما يكون النفاق إن لم يكن ما ذكره القرآن من المسارعة في نجدة ونصرة هؤلاء اليهود والنصارى، وإن لم يكن التزلف والتقرب والمساعدة والمساندة والمعاونة بشكل أو بآخر والمشاركة لأولئك المحاربين الذين جاءوا من كل حدب وصوب ليهتكوا العرض ويسلبوا الأرض ويقتلوا النفس ويهلكوا الحرث والنسل؟ وما يكون الرأي في تلك الجرائم التي فاحت وشاع أمرها والتي لم يرتكبها في حق أهليكم وإخوانكم وأبناء جلدتكم سوى الأمريكان والبريطانيين ومن حالفهم من معشر يهود ومن أهل الصليب؟ وأين أنتم وقد رفع هؤلاء شعار الصليب وأقروا بأن حروبهم (صليبية) واعترفوا أن العراق ستكون عاصمة دولة ربيبتهم المزعومة من النيل إلى الفرات؟ أين أنتم يا جنود الحرس الوطني والشرطة العراقية من دينكم الذي يحرّم قتل النفس المسلمة، ومن وعيد ربكم القائل في قرآنكم (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً.. النساء/ 93)، ومن تحذير نبيكم القائل (من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة كتب بين عينيه آيس من رحمة الله)، والقائل: (لا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)، والقائل: (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً)، والقائل: (إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليك كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا)، ومن إجماع المسلمين على حرمة سفك دم المسلم ولو أكره القاتل وهدد بالقتل .. أين ذلك كله مما تفعلونه طواعية بحجة أكل العيش وعدم وجود فرص عمل؟ وهل هذا العمل الذي تتقاضون من أجله حفنة من الدولارات وتحرمون لأجله رحمة الله وجنته وتسهمون فيه بشكل مباشر أو غير مباشر في الإضرار بدينكم ووطنكم وأهليكم فتقتلون لأدائه طفلاً أو امرأة أو تحمون به مستعمرة أو تفادون من خلاله كافرًا أو تنتهكون به حرمة إلخ، يُعدّ في أي عرف وفي أي ملة وعند من له عقل أو ضمير عملاً شريفاً؟، وكيف تهنأون به وتقتاتون منه أنتم وأولادكم وقد دفعتم ثمنه دماء ذكية بغير حق ومساجد هدمت وحرمات انتهكت سواء كان ذلك بفعلكم أو بمعاونتكم؟ وإذا كان الصليبي الذي أشرك معه اليهودي والذي أتيتم أنتم لتشاركوهم في حرب إخوانكم وبني قومكم، جاء ليحقق هدفه في نهب ثروات بلادكم وقبض أثمان نفطكم وأخذ خيرات وأقوات أبنائكم، فما هدفكم أنتم وأين خدمتكم لدينكم وأين جهادكم في سبيل ربكم وأين دفاعكم عن عرضكم وذبكم عن نساء أهليكم، وأين نخوتكم ورجولتكم وقد جاءتكم الفرصة سانحة بعد أن دهم العدو أرضكم واغتصب زوجاتكم وأخواتكم وأمهاتكم وبناتكم وعماتكم وخالاتكم وبناتهن، أو فعل مثل ذلك في نساء إخوانكم في الدين والوطن؟، وألا كان حرياً بكم بدل أن تمكنوا لهذا المغتصب الآثم والمعتدي المجرم أن تسهموا مع إخوانكم في دفعه فتبتغون بذلك الأجر من الله وتدخلون معه في تجارة رابحة قال عنها (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها النهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم. وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين. يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله .. الصف/ 10- 14).

    وهاكم يا أبناء ديننا وعروبتنا ويا كل من يحمل السلاح في وجه أهله وبني قومه ليحارب به مع أعداء الإنسانية، وكل من يكرس للاحتلال عن طريق انتخابات:
    1) مزيفة ومحكوم عليها بالفشل الذريع ومطعون في نزاهتها وتصب في خدمة المحتل ولا تمثل الحقيقة من قريب أو بعيد، وتدور في ظل قانون إدارة الدولة المرسوم بقلم الاحتلال لكون المفوضية المشرفة عليها مؤتمرة بأمر الحاكم المدني (بريمر) رقم 92 بتاريخ 4/ 5/ 2004، ورقم 96 بتاريخ 4/ 6/ 2004 ولكونها في ظل احتلال مباشر ..
    2) وبديلة عما شرعه الله وأجمع عليه أهل العلم سلفاً وخلفاً من جهاد العدو ودفعه بالقوة وإخراجه من بلاد المسلمين..
    3) ومعلوم سلفاً نتائجها وما ستسفر عنه من حتمية أن يكون المنتخبون ممن يوالون وينصاعون لسياسة وأوامر من يمسك بزمام الأمور وليس هنا إلا أمريكا التي اغتصبت الأرض والعرض ..
    4) وغير مرتبطة بإنهاء الاحتلال ولا حتى بوضع جدول زمني لإنهائه، بل هي لتكريسه ولا أدل عل ذلك مما صرح به (بلير) في واشنطن بتاريخ 13/ 11/ 2004 من "أن القوات الأمريكية والبريطانية لن تنسحب من العراق تحت أي ضغوط"، وقال: "لقد أوضحت طوال الوقت أنني لن أذعن في هذا الأمر أو أتراجع .. لن أتزحزح عن موقف أؤمن به"، وأضاف: "أن جورج بوش لن ينسحب هو الآخر من العراق تحت الضغط بالطريقة التي انسحبت بها إدارات أمريكية سابقة من لبنان والصومال"، ومن جانبه قال بوش: "إن الدعم الدولي للانتخابات العراقية المرتقب إجراؤها في يناير أمر أساسي"، ولا تعليق ..
    5) وتكون ذريعة في إنجاح خطة العدو وإغرائه بتكرارها في بلاد إسلامية أخرى، والرامية إلى خداع العالم وإيهامه كذباً وزوراً أنه يفي بالتزاماته بالقرار 1546 وأنه حقق للشعب العراقي ما كان يحلم به من نشر الحرية والديمقراطية وبناء دولة جديدة واعدة متناسياً جرائمه التي ارتكبها ولا يزال والتي يجب ألا تمر دون عقاب ..
    6) وحسْب القول بحرمتها في هذه الآونة إصرار أهل النفاق على إجرائها ليخلعوا على أنفسهم أو على من كان على شاكلتهم صفتي الديمومة والشرعية ..
    7) وحرمان من يمثل البلاد بحق من المجاهدين الشرفاء ومن أهل الحل والعقد الأمناء لانشغالهم بالواجب الشرعي المنوط بهم والواجب على جميع أهل البلاد المشاركة فيه ..
    8) والاعتزام على وضع دستور للبلاد دائم وقائم على قوانين كفرية تحرم الحلال وتحل الحرام ولا تعبر عن التوجهات الحقيقية للشعب العراقي ..
    9) وإقامة ديمقراطية مفصلة على مقاس المصالح الأمريكية ومبنية على القهر والظلم والبطش والعدوان وملطخة بدماء الأبرياء وأشلاء الضحايا ..
    10) وإشاعة حرية قائمة على الفوضى والتعذيب وآتية عن ظهور الدبابات وعن طريق الأباتشي والقنابل المحرمة ..
    11) وتحقيق مصالح المحتل التي على رأسها الحفاظ على هيبته التي تحطمت على يد المقاومة، والتغطية على انتكاساته وتدني معنوياته، والاستحواذ على نفط العراق وثرواته، وإسكات الانتقاد الدولي عما يرتكبه من جرائم حرب، والعمل على تفتيت وحدته وإغراقه في بحر من الدماء فيما بين مؤيد ومعارض على غرار ما هو جار الآن في أفغانستان وكما جاء في قوله: (ودوا ما عنتم)..
    12) واستبقاء الأوضاع على ما هي عليه الآن وإلى ما لا نهاية رغبة في فرض العدو هيمنته وثقافته على العالم العربي والإسلامي وتمشياً مع سياسته في إضفاء الشرعية على احتلاله وإنشاء حكومته العميلة المرتقبة على أمل تصفية المقاومة داخلياً ومحاصرتها عربياً ومن ثم السعي في تحقيق حلمه الكبير في بناء شرق أوسط جديد ..
    13) وكسب الوقت بغية التمكين لإرساليات التبشير ولشراء اليهود للمزيد من أرض العراق وتحقيق حلم إسرائيل الكبرى.

    هاكم فيما ذكرنا نماذج وبعضاً مما جاء في صحفهم وبشهادتهم وعلى ألسنتهم (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة): أفردت جريدة (روبنز بنورث) الأمريكية على صدر صفحتها الداخلية قصة اغتصاب 5جنود أمريكيين للفتاة العراقية ( س ) التي كانت متجهة لسوق البصرة لشراء احتياجات منزلها مخلفة وراءها طفلتين، وفي نهاية المقال يتساءل الكاتب الأمريكي: "أي أمن وأمان وديمقراطية أراد بوش أن يحققها في البلد العربي المسلم إنه يريد شيكاغو ثانية .. يريد أن يصرف أنظار مواطنيها عن دينهم وعبادتهم .. يريد بث الرعب وإنهاء حياتهم المستقرة"، كما ذكر الكاتب الأمريكي (ديفيد كول) عملية بشعة قام بها أربعة جنود أمريكان كانوا مخمورين يدخنون الماريجوانا ضد أسرة المواطن ( ص ح ز ) الذي اقتحموا منزله في ساعة متأخرة من الليل، ولما لم يجدوا ما يسرقونه التقط أحدهم ذراع الزوجة البالغة من العمر 27 عاماً ولديها طفلان، وبكل قسوة اختطفوها من بين أحضان طفليها الصغيرين اللذين كانا يرتعدان خوفاً وهلعاً من أصوات بنادق المحتلين، ثم اقتادوها بعد أن أشهروا السلاح في وجه زوجها الذي حاول دفعهم فأصابوه ليسقط مدرجاً في دمائه وسط بكاء طفليه.. الكاتب الأمريكي (وليام بود) لم يكن أقل صراحة وهو يروي في صحيفة (ويست بومفريت) الأمريكية في صدر صفحتها الأولى تحت عنوان (الاغتصاب الديمقراطي) تفاصيل جريمة بشعة ارتكبها جنود الاحتلال ويقول: "إن بوش قد ترك لجنوده أن يفعلوا ما يحلو لهم مع ضحايا سجنه الكبير في العراق، ترك (كول) و(ديفيد) اللذين يتميزان بالعدوانية الشديدة والهمجية يغتصبان نساء عراقيات بلغ عددهن وقتها26فتاة وضحية، يقومان بعد الثامنة مساءً باختطاف ضحيتهما من شوارع العاصمة دون تبرير ويجردانها من ملابسها أولاً ثم يُقدمان على تصويرها وإرسال هذه الصور المشحونة بأوضاع مخلة إلى أصدقائهما للاستمتاع بها وكأنهما ما حضرا إلى العراق إلا لهذا، فقط بنادقهم هي التي تتحدث وتتكفل بإسكات أي ضحية وبث الرعب في المحيطين بهم، عشرات الشكاوى وصلت إلى رؤسائهما ولم يتخذوا ضدهما أي إجراء يمكن أن يمنعهما عن هدفهما"، ويضيف الكاتب الأمريكي منتقداً: "هذه ليست ديمقراطية، يكفي تحقيق بعض الأهداف كالبترول والتوسع من أجل مصلحة الأعوان ولترحل أمريكا وترحم نساء وأطفال وشيوخ العراق".
    فكيف- وهذه شهادة بعضهم- يتأتى لأبناء العراق الحبيب ولجنود شرطته وحرسه الوطني وللأنظمة العربية الذين مكنوا لأولئك الأوغاد أن يسكتوا عن هذا دون ما احتجاج فضلاً عن أن يغضوا الطرف عنه بل ويتعاونوا مع فاعليه وينفذوا مخططاته التي منها ضرورة إجراء انتخابات تحت نير هذا احتلال غاشم لا يبقي ولا يلوي على شيء.
    ولم يكن (بود) الذي ذكرنا شهادته هو آخر من انتقد الاحتلال وندد به فقد انتقده (وليام أركلين) وأفرد على صدر صفحات (ويست بومفريت) جرائم حرب لجنود أمريكان ارتكبوها في العراق، وذكر- بعد أن ندد بعمليات النصب والسلب التي يقومون بها- قصة جنود أمريكان راحوا يفتشون أحد المنازل فقام الأب والأم بحمل الطفلتين (زينب) و(هاجر) لتوسيع المكان أمامهم فشاهدوا قطعاً ذهبية بأذنيهما وبقسوة قاموا بانتزاع الصغيرتين من أحضان الأبوين وجردوهما من المشغولات الذهبية وحين تأخرت عملية تجريد الطفلة (هاجر) من قرطها انتزعه بشدة ليصيب الطفلة بجرح قطعي ولم يستطع أحد من أفراد الأسرة حمايتها خوفاً ورعباً من السلاح الفتاك الذي يحملونه واكتفى الأب (محمود) بوضع يده على أذن طفلته حتى لا يهدد نزفه حياتها"، والحمد لله أن نجا ونجتا من هلاك محقق، والمآسي في مثل ذلك وفي غير ما بلد لا تعد ولا تحصى.
    وعن قتل المدنيين المتعمد حدثوا ولا حرج، وفي إطار الحديث عن بعض حوادث قتلهم وعن حجم الخسائر في الأرواح والضحايا التي سقطت على أيدي أولئك الذين يحصون عدد قتلاهم بالواحد- في الوقت الذي فيه لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة- نكتفي هنا بما أكدته مؤسسة مدنية قامت بمسح المستشفيات والمقابر والأسر العراقية من وجود آلاف المصابين ومن أن أكثر من 5000عراقي من المدنيين لقوا مصرعهم في الفترة ما بين 20/ 3/ 2004 وحتى إعلان انتهاء العمليات الرئيسية في1/ 5 يعني في غضون شهرين فقط، ناهيك عن عشرات المئات من القتلى التي تسقط بشكل يومي عند كل مداهمة لمدينة على نحو ما جرى ولا يزال في الموصل والرمادي وبعقوبة والفلوجة وغيرها، فماذا يا ترى تكون حصيلة القتلى منذ بداية وطوال فترة الاحتلال إلى يومنا هذا؟ يجيب عن هذا التساؤل (مارك ريزيكه) مؤسس منظمة اجتماعية أجنبية الذي صرح عندما سؤل عن عدد الضحايا المدنيين: "إن الجيش الأمريكي لا يتعقب أثر هذه الأشياء ولا يهمه عددها"، وكان مسئولون عسكريون قد أوضحوا أنه لا توجد لديهم أرقام دقيقة أو تقديرات عن عدد القتلى والجرحى من المدنيين العراقيين حيث قالت المتحدثة الرسمية لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) (جان كامبل): "إننا لا نحتفظ بالقائمة"، وبالطبع يغيب عن أمثال هؤلاء ما جاء في الحديث: (لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا)، وقوله عليه السلام: (لو اجتمع أهل الأرض على قتل مسلم لأكبهم الله جميعاً في النار).
    لكن التبعة واللائمة تقع في المقام الأول على أهل النفاق الذين مكنوا قوى التحالف من إعمال القتل في أهليهم وذويهم رغم ما يتعرض له أولئك المنافقون أنفسهم، ورغم عجز قوى التحالف البيّن عن إحراز نصر بدونهم، الأمر الذي يؤكد إمكانية انتهاء الاحتلال منذ بدايته لولا مباركة أولئك المنافقين الذين قدموا على طائرات المحتل وظهور دباباته واستعانوا به بل وطلبوا- ولا يزالون- ذلك منه صراحة، كما يفسر إصرار أمريكا إزاء ضراوة المقاومة وشدتها ورغم فداحة ما تتكبده كل يوم في العدد والعدة.. على إجراء انتخابات بأي شكل .. لتخرج من هذا المستنقع الآسن وذاك الفخ الذي نصبته لنفسها وقد حفظت ماء وجهها .. ولتوقع أهل البلاد مع الحكومة التي ارتضتها لتحقيق مصالحها في بركة من الدماء.. ولتقف هي فيما بعد موقف المتفرج بعد أن توهم العالم أنها أدت مهمتها ووضعت العراق على بداية طريق الحرية والديمقراطية، فإياكم يا أبناء عراقنا الحبيبة وإنفاذ مخططاتها.
    ولعله قد وضح الآن أن ما سبق أن ذكرنا بعضه مما يفعله أعداء الله وأعداء الإنسانية ومما جاء في فلتات ألسنتهم وهو قليل من كثير، مقصوده إقامة الحجة على أهل النفاق الذين يجدّون في البحث عن أسباب يغطون بها جرائمهم في حق دينهم ووطنهم وأهليهم وقد وجدوها بالفعل فيما يردده أضرابهم من المرجفين خارج المدينة وداخلها من تسمية المقاومة العراقية إرهاباً وتسمية تخريب البلاد وتدميرها ودكها إعادة إعمار .. وفيما أوحى لهم به أعداء الإنسانية من ضرورة ضبط الحدود وعقد مؤتمرات لدول الجوار للغرض ذاته ولمنع العناصر الأجنبية المتسللة (وهم لا يعنون بالطبع قوى البغي والعدوان الذين أتوا من أقاصي بلاد الدنيا وأدانيها عبر محيطات العالم وأجوائه ليحاربوا عرباً مثلهم ومسلمين في عقر دارهم ويغتصبوا نساءهم ويهلكوا حرثهم ونسلهم، ولا أولئك المرتزقة الذين أتوا بهم لتحقيق نفس هذه الأغراض من العجم، بل يقصدون بها حفنة من شباب البلاد العربية المجاورة عز عليهم أن يتركوا إخوة الإيمان وأصحاب الجنب الذين وصى الإسلام بهم وأمر بنصرتهم) .. كما وجدوها في إطلاق عبارات (متمردين) و (مسلحين) و(قوى الظلام) إلخ، (ويعنون بهم أهل البلاد التي احتلت أراضيهم وتهدمت بيوتهم ودمرت مساجدهم وأجهز على جرحاهم) .. ووجدوها كذلك فيما منّاهم به أهل الكفر من إشاعة الحرية وإقامة الديمقراطية وفي تهيئة المناخ الملائم لإجراء انتخابات علم سلفاً ما يكون مصيرها ومن سيحظى بها على غرار ما حدث في أفغانستان والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.
    ومقصود ما ذكرنا كذلك، بيان أن ما يجري من مدافعة بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ما هو إلا سنة من سنن الله التي أخبر عنها في قوله: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين .. البقرة/ 251)، وقوله: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب .. البقرة/ 214) .. وما هو إلا قتال في سبيل الله أمر الله به وأوجبه كما جاء في قرآن المسلمين (كتب عليكم القتال وهو كره لكم .. البقرة/ 216)، (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً. الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً .. النساء/ 75، 76) .. وما هو إلا ابتلاء منه سبحانه لعباده المؤمنين ليعلم من ينصره ورسله بالغيب على ما جاء في قوله: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب .. الحديد/ 25)، وقوله: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم .. محمد/ 31)، وليميز به بين أهل النفاق وأهل الإيمان ويبين به درجته لدى كلِّ حتى لا يدعيه أي أحد كما جاء في قوله: (وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين .. العنكبوت/ 11)، وقوله: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين .. آل عمران/ 142) .. ما هو إلا لبث روح الأمل لدى عباده المؤمنين لكونه اقتراب لما وعدهم به في قوله: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلكم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم .. النور/ 55) .. وما هو إلا تحقيق لما ساقه الله في قوله: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل .. آل عمران/ 173)، وقوله: (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد .. آل عمران/ 12)، وقوله: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون .. الأنفال/ 36)، والنبي في قوله (تتداعى عليكم الأمم .. الحديث) .. ما هو إلا إجمال لما حدث في مكة على يد أبي جهل وأضرابه ولما حدث في أحد وبدر، هو (ليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء .. وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين.. آل عمران/ 141)، (وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون .. آل عمران/ 167).
    ولا ينبغي أن نتهاون أو يفوتنا التنبه لما كشفت عنه آية آل عمران الأخيرة من جعل أهل النفاق أقرب للكفر من الإيمان، وما أكثر ما زاوج القرآن بينهما، ولنتأمل في ذلك قوله تعالى: (إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً.. النساء/ 140)، وقوله: (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم .. التوبة /68)، وقوله: (الأعراب أشد كفراً ونفاقاً.. التوبة/ 97)، وقوله: (ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً وإن قوتلتم لننصرنكم .. الحشر/ 11)، كما لا ينبغي أن يفوتنا أمر الله لنبيه بجهادهما معاً- كذا دون تفرقة- وذلك في قوله: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم .. التوبة/ 73 والتحريم/ 9)، ونصحه بعدم طاعتهم والسير في ركابهم (ولا تطع الكافرين والمنافقين .. الأحزاب1، 48).. وعلى غرار ذلك ولخطورة ما عليه أهل النفاق زاوج القرآن كذلك بينهم وبين المشركين في قول الله تعالى: (ليعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات .. الأحزاب/ 73) وقوله: (ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات .. الفتح/ 6)، وفي ذلك من شديد غضب لله على هذا الصنف من الناس- كما لا يخفى- ما فيه.
    كما شهدت آي الذكر الحكيم بفسادهم (ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون .. البقرة/ 12)، وكذبهم (والله يشهد إن المنافين لكاذبون .. المنافقون/1)، ووسمتهم بالفسق والخروج عن طاعة الله (نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون ..التوبة/ 67)، وقلة الفقه والعلم (ولكن المنافقين لا يفقهون.. لا يعلمون.. المنافقون/ 7، 8)، وبظنهم بفعالهم القبيحة أنهم (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون..البقرة/ 9)، وأنهم العون الوحيد للكفر والكافرين.. وبأن نفاقهم لا يظهر إلا في وجود قوتين متصارعتين يتذبذب بينهما على ما هو عليه الحال الآن خلافاً لعصر الخلفاء الذي خمدت فيه قوة الكفر .. وأوضحت أنهم لخفائهم أخطر في حربهم المسلمين من الأعداء الظاهرين وأن أخطر ما في حربهم للإسلام سهولة الاستحواذ على عقول البسطاء من عامة المسلمين ثم نشر الفتنة بألوانها بينهم وأن شخصاً واحداً يستطيع أن يفسد الآلاف من هؤلاء السذج كما استطاع ابن سلول حين رجع بثلث الجيش في غزوة أحد على سبيل المثال، ومسيلمة الذي أفلح في إفساد عقيدة عشرات الألوف من أهل اليمامة، وابن سبأ الذي استطاع أن يصدع كيان الأمة بعد مقتل عثمان .. كما أفصحت آيات الذكر الحكيم عن تحالفاتهم مع جميع أطياف الكفر لكونهم- من الناحية المادية وحسب نظرتهم للأمور- الأكثر عدة وعتاداً ولكون صحبتهم- من وجهة نظرهم- أخف ضرراً وأيسر عبئاً.. ولم تعذرهم فيما أقدموا عليه من جرائم في حق دينهم وذويهم لا في الدنيا حيث الذلة والاستكانة ولا في الآخرة حيث العذاب المهين في الدرك الأسفل من النار يوم القيامة.. ووصفتهم بالحرص على الدنيا والإرجاف والكبر والبخل والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف والتكاسل عن الصلاة إشاعة الفاحشة في المؤمنين والخوف منهم وبكثرة الحلف وأظهرت مدى خطورتهم وعداوتهم لأهل الإيمان في عصر لم يجرئوا فيه على حمل السلاح في وجوههم، بل ونزل فيه قول الله تعالى: (هم العدو فاحذرهم) كذا بأسلوب القصر المفيد أنهم العدو البالغ العداء لا غيرهم، وبأنهم في الدنيا في قلق نفسي لا يستقرون على حال (يحسبون كل صيحة عليهم .. المنافقون/4)، الأمر الذي يعكس ما في بواطنهم من وساوس وتصورات لأنهم متلبسون بجرائم من الكذب والبهتان فهم لذلك على حذر دائم، ومع احترافهم الكذب والحذر الشديد سرعان ما ينكشف بهتانهم (إن الله مخرج ما يحذرون ..التوبة/64)، ولا يهنأ لهم مقام (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورون فيها إلا قليلاً .. التوبة/ 60).
    وفي نور الذكر الحكيم وعلى ضوء ما أفادته آياته المحكمات وأشارت إليه السنة الصريحة والعقل الصحيح أفتى أهل العلم بجواز قتل المسلم الذي تترس به العدو إذا تحقق في قتله الخلوص إلى العدو فما بالك بمن قاتل من المنافقين دون العدو، وضحى بنفسه في سبيله، كما أفتوا بأن التحرج من قتال أهل النفاق إنما كان في حال عدم مساهمتهم في قتال وقتل أهل الإيمان واكتفائهم في معاداة المسلمين بحرب المؤامرات والدعايات "حتى لا يستغلوا ذلك- على حد ما ذكر د/ عبد الحليم حفني في كتابه (أسلوب القرآن في كشف النفاق ص71)- في الدعاية لمصلحتهم ضد المسلمين"، أما مع مواجتهم المسلمين وتعاونهم في ذلك مع العدو فلا فرق بينهم إذاً وبين أهل الكفر على ما أفاده ابن القيم في (مفتاح دار السعادة ص 76) وكما أفاده إجماع المفسرين فيما سقناه لهم في آيات سورة المائدة سيما وقد جمع القرآن بين الفريقين وأمر الله نبيه بمجاهدتهما معاً، وأفاده كذلك كلام الشيخ سيد سابق في كتابه فقه السنة 3/ 75 حيث نص على "أن حكم القرآن في هؤلاء الذين يتعاونون مع الاستعمار وأعداء العرب والمسلمين بيّن واضح، وأن ذلك خيانة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم وأنهم لم يراعوا حق الإسلام ولا التاريخ، ولا حق الجوار ولا حق المظلومين، ولا حق حاضر هذه المنطقة ولا حق مستقبلها، وهؤلاء الخونة بتصرفهم هذا قد باعوا أنفسهم للشيطان، وسجلوا على أنفسهم الخزي والعار خزي الدهر وعار الأبد".
    وقد حدا ما ذكرنا بـ 29عالماً من علماء السعودية يمثلون غيرهم من العلماء وكذا بعلماء المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالأزهر الشريف لأن يصدروا فتواهم التي تقضي بعدم جواز قتال رجال المقاومة الذين يقومون بواجبهم في صد وإخراج المحتل ولا الاعتداء عليهم وبعدم جواز التعاون مع أعداء الإنسانية أو تنفيذ مخططاتهم التي يدخل فيها بالطبع تنظيم الانتخابات التي تكرس احتلالهم أو تمكن لهم وبعدم جواز اتخاذهم أولياء أو مدهم بالمعلومات تحت أىّ ظرف من الظروف .. ففي خطابهم المفتوح إلى الشعب العراقي المجاهد دعا علماء السعودية فيما يشبه الإجماع إلى التحلي بالإخلاص والتخلي عن المطامع الدنيوية وحظوظ النفس والمصالح الشخصية والحزبية والفئوية، ونصحوا فيما يشبه وضع النقاط على الحروف بأنه في ظل هذا الوضع القائم الذي يمر به أخوة الإيمان والعروبة في العراق البلد الشقيق وفي ظل الظروف الصعبة الداعية إلى الانقسام وقيام حكومة مهيمنة تابعة للمحتل وحتى يأتي وعد الله بالنصر، يجب
    أولاً: "التعاون وإمضاء العدل والإنصاف فيما بينكم, ورفق بعضكم ببعض, وتجنب أسباب الفتن وموجباتها التي تطل برأسها في هذه المرحلة الحرجة، ومن أعظم أسباب الفتن التعاند وإعجاب كل ذي رأي برأيه, وأن يظن بنفسه الصدق والصواب وبالآخرين الريبة وسوء النية، وهذا يمهد للحرب التي ينتظرها الكثيرون من خصوم هذه الأمة, ويسعدهم أن تقع بأيدينا لا بأيديهم.
    2- ثم إن من شروط النجاح فهم الظرف والمرحلة والواقع الذي يعيشه الإنسان فهماً جيداً، فإن أي طموح أو تطلع لا يعتد بالرؤية الواقعية، ولا يقرأ الخارطة بكل تداخلاتها وتناقضاتها وألوانها، فإنه يؤدي به إلى الفشل، وإذا كان الله تعالى قال: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ .. الأنفال/ 60)، فإن أعظم القوة هي قوة العقل والنظر والرؤية الاستراتيجية، وأكثر الإشكالات تأتي من جهة اختلاف الرؤية للواقع وعدم تمثله بشكل صحيح, أو من النظر إليه من زاوية واحدة, أو من التعويل على صناعة المستقبل دون اعتداد بالحاضر, أو إدراك لصعوباته، وهذا شأن يعز إدراكه على الكثيرين، ويحتاج إلى رؤية جماعية ذات معايشة وفهم ودراية ودربة وتعقل وتجربة.
    3- ولا شك أن جهاد المحتلين واجب على ذوي القدرة، وهو من جهاد الدفع, وبابه دفع الصائل, ولا يشترط له ما يشترط لجهاد المبادأة والطلب، ولا يلزم له وجود قيادة عامة، وإنما يعمل في ذلك بقدر المستطاع، قال تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم)، وهؤلاء المحتلون هم - ولا شك - من المحاربين المعتدين الذين اتفقت الشرائع على قتالهم حتى يخرجوا أذلة صاغرين بإذن الله، كما أن القوانين الأرضية تضمنت الاعتراف بحق الشعوب في مقاومتهم.
    وأصل الإذن بالجهاد هو لمثل هذا، كما قال سبحانه: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ علَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ .. الحـج/ 39)، وقد قرر سبحانه سنة التدافع التي بها حفظ الحياة وإقامة العدل وضبط الشريعة، فقال: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ.. الحـج/ 40)، فالمقاومة إذاً حق مشروع، بل واجب شرعي يلزم الشعب العراقي الدفاع عن نفسه وعرضه وأرضه ونفطه وحاضره ومستقبله ضد التحالف الاستعماري كما قاوم الاستعمار البريطاني من قبل.
    4- لا يجوز لمسلم أن يؤذي أحداً من رجال المقاومة, ولا أن يدل عليهم فضلاً عن أن يؤذي أحداً من أهليهم وأبنائهم, بل تجب نصرتهم وحمايتهم.
    5- يحرم على كل مسلم أن يقدم أي دعم أو مساندة للعمليات العسكرية من قبل جنود الاحتلال، لأن ذلك إعانة على الإثم والعدوان، أما ما يتعلق بمصالح البلد وأهله- من توفير الكهرباء والماء والصحة والخدمات وضبط المرور واستمرار الأعمال والدراسة وديمومة المصالح العامة ومنع السرقة ونحوها- فلا بد من السعي في توفيرها بحسب الإمكان.
    6- من مقررات الشريعة الثابتة المستقرة- التي لا خلاف عليها بين أهل الإسلام- حفظ دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم.
    ولم يرد في القرآن وعيد على ذنب بعد الشرك كما ورد في وعيد من قتل مؤمناً متعمداً، قال الله سبحانه: (وَمَن يَقْتُل مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا .. النساء/ 93)، وفي صحيح البخاري عَن ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم: (لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ ، مَا لَمْ يُصِب دَمًا حَرَاماً)، ولسنا نعرف لغة أقوى وأوضح وأصدق في إقامة الحجة وقطع المعذرة عن المتأولين والمتحايلين والمتساهلين وأكثر حفظاً لدماء المسلمين وأعراضهم من هذه اللغة النبوية المحكمة، ولهذا يجب أن يحفظ هذا الأصل الذي هو حقن دم المسلم، وتحريم ماله وعرضه وعدم فتح باب التأويل في ذلك.
    7- من المصلحة الظاهرة للإسلام والمسلمين في العراق وفي العالم ألا يستهدف المستضعفون ممن ليسوا طرفاً في النـزاع، وليست دولهم مشاركة في الحملة العسكرية على العراق كمن يقومون بمهمات إنسانية أو إعلامية أو حياتية عادية لا علاقة لها بالمجهود الحربي [ويضيف كاتب هذا المقال: بأن ذلك مشروط بألا يكونوا في مهام قتالية أو تبشيرية لكونهم حينذاك في حكم المحاربين الذين لا حرمة في دين لدمائهم]، وقد قال تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)، وقد ثبت في الصحيح أن النبي- صلى الله عليه وسلم- ترك قتل المنافقين وعلله بقوله صلى الله عليه وسلم: (لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابهُ)، [ونضيف: أن ذلك مشروط كذلك بألا يشاركوا العدو في حربه، فإن المنافقين- على حد ما ذكر ابن القيم في مفتاح دار السعادة ص 76- لم يكونوا يقاتلون المسلمين- كما يفعل منافقو أيامنا- بل كانوا معهم في الظاهر، وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم. أ.هـ يعني على عكس ما تفعل شرطة وحراس مصالح وجنود أمريكا وحكومتها العميلة تماماً، وما تقرر هنا هو ما أفاده أهل التفسير فيما سقناه لهم سلفاً لأنه ما كان أحد منهم في زمن النبي وأصحابه ليجرأ أن يرفع بذلك رأساً أو يشارك أهل الكفر علانية في حرب، وإلا فالإجماع على جواز قتل من تترس بهم العدو ممن لم يحاربوا فما بالك بمن يشارك العدو بسلاحه].
    8- إن المحافظة على وحدة العراق مطلب حيوي وضروري، وهناك أصابع خفية تحاول إيقاد نار الفتنة, وتمزيق العراق إلى طوائف, وإثارة المعارك الداخلية بين الشيعة والسنة, أو بين الأكراد والعرب، ومثل هذا الاحتراب الداخلي -الذي قد ينجر إليه المتسرعون من كل فئة- ضرر ظاهر وخدمة مجانية لليهود الذين يتسللون إلى العراق، ولقوى التحالف التي توظف الخلاف في ترسيخ سيادتها, وتسليط كل طرف على الطرف الآخر يقتل رموزه, ويفشي أسراره، والمحصلة النهائية أن كل فئة تقول: الأمريكان خير لنا من هؤلاء، ولهذا يجب أن يتواضع العراقيون جميعاً على أن حقهم أن يعيشوا بسلام – تحت راية الإسلام- بعضهم إلى جوار بعض، وهذا وضع تاريخي مرت عليه قرون طويلة, وليست هذه الفترة الحرجة من تاريخ العراق بالفرصة الذهبية التي يطمع كل طرف أن يوظفها لصالحه، والأولوية في هذه المرحلة هي لترسيخ وحدة البلد والمصالحة الداخلية وتجنب أسباب الفتنة والاحتراب, وكف بعض الطوائف عن بعض، فهذه مصلحة مشتركة.
    9- إذا استطاع أهل الإسلام عامة والمنتسبون إلى الدعوة خاصة أن يتجهوا إلى الإصلاح والبناء والإعمار المادي والمعنوي والأعمال الإنسانية والتربوية والعلمية والمناشط الحيوية, وكانوا قريبين من نبض الناس ومشاعرهم, متصفين بالحلم والصبر وسعة الصدر، وتركوا خلافاتهم جانباً - إذا استطاعوا ذلك - فسيكون لهم في بناء البلد وإعماره وقيادة مؤسساته تأثير كبير، والبلد الآن في مرحلة تشكل وتكون, والأسبقية مؤثرة، خصوصاً إذا صحبها إتقان لفنون الإدارة والتدريب العملي والعمل الجماعي المؤسسي، لذا يجب الاستفادة من المساجد والمدارس وغيرها في توجيه الناس ومخاطبتهم واستثمار وسائل الإعلام، من الإذاعات والقنوات الفضائية والصحف والمجلات، وإقامة الدروس والمحاضرات والحلقات على هدى وبصيرة وعلم وتأسيس صحيح، بعيداً عن التحيز والهوى والموقف الشخصي والحزبي، وبعيداً عن إقحام الناس في الانتماءات الخاصة والمواقف الضيقة، والخلافات المذهبية التي تؤدي إلى الشتات والفرقة والاختلاف والتطاحن.
    10- ونوصي إخواننا المسلمين في العالم بالوقوف إلى جنب إخوانهم في العراق بالدعاء الصادق والتعاطف والتراحم والنصرة قدر الإمكان، كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم خصوصاً وهم يشهدون معاناتهم في قبضة المعتدين بالقصف العشوائي والتدمر والقتل الأعمى الذي طال معظم مناطق العراق، ولعل من آخرها ما نشهده اليوم في مدينة (الفلوجة) الصامدة المنصورة- بإذن الله- وما حولها، ونوصيهم بإعانة إخوانهم بالرأي السديد والنظر الرشيد المتزن البعيد عن التسرع والاستعجال, وأن يكفوا عن إطلاق الفتاوى المربكة ذات اليمين أو ذات الشمال مما يتسبب في اضطراب الأمر بينهم، ونوصيهم بمؤازرة الشعب العراقي في محنته الأليمة، وأن تسارع الجمعيات والمؤسسات الخيرية إلى السعي في سد حاجة العراقيين للغذاء والدواء واللباس وضروريات الحياة.

    نسأل الله أن يحفظ شعوب الإسلام في العراق وفلسطين وفي كل مكان, وأن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً، والله أعلم وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه والحمد الله رب العالمين. وختم بيانهم التاريخي بتوقيعاتهم التي نسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناتهم يوم القيامة.
    = كما تدارس مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف ما يجري في عالمنا العربي والإسلامي من أحداث جسام، وما يمتلئ به واقعنا المعاصر من نذر الشر والدمار الذي يصنعه جنون القوة التي تدوس بأقدامها كل القيم والأعراف الدولية التي جاهدت البشرية، وضحت في سبيلها عبر التاريخ بالأنفس والأموال، وعاشت تعاني لإعلانها و الالتزام باحترامها.. تدارس المجمع هذه الأحداث، واستصحب ما يحيط بعالمنا العربي و الإسلامي من نذر الدمار والشر التي تمثلها الحشود العسكرية مدججة بأقوى وأخطر آلات الدمار.
    وأيقن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف أن أمتنا العربية و الإسلامية بل وعقيدتنا الدينية (الإسلام) هي هدف أساسي لكل هذه الحشود العسكرية التي تستهدف ملايين البشر من أبناء أمتنا، وتستهدف كذلك عقيدتنا وكافة مقدساتنا، وكل ما يملكه عالم العرب والمسلمين من مصدر الثروة والقوة، متمثلاً هذا كله في مرحلته الأولى ضربَ العراق واحتلال أرضه وامتلاك ثروته الوفيرة من النفط، وأيقن المجمع أن هذا الإصرار على ضرب العراق ما هو إلا مقدمات لضربات أخرى تستهدف بقية الوطن العربي الذي أعلنت القوى المعادية للإسلام و العروبة أنها بعد السيطرة على العراق ستعيد تقسيم وترتيب الأوضاع في المنطقة العربية بما يحقق المصالح الأمريكية والإسرائيلية ويُنهي مقاومة الشعب الفلسطيني.
    وفي ضوء ما سبق يعتقد الجميع أن العدوان على العراق واقع لا محالة، وهنا وبمنطق و شريعة الإسلام أنه إذا نزل العدو في أرض المسلمين يصبح الجهاد فرض عين على كل مسلم و مسلمة، لأن أمتنا العربية والمسلمة ستكون أمام غزوة صليبية جديدة تستهدف الأرض والعرض والعقيدة والوطن.
    وبناء عليه فإن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف يدعو العرب والمسلمين في كل أنحاء العالم أن يكونوا على استعداد للدفاع عن أنفسهم وعن عقيدتهم، وأن يعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا، ويكونوا فوق ما يحيطهم من خلافات حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، ويدعو المجمع جميع العرب والمسلمين في كل أنحاء العالم ألا يهنوا وألا يضعفوا أمام هذا العدوان لأن الحق تبارك وتعالى متكفل بنصرة دينه وإظهاره على الدين كله، وختاماً يذكر المجمع بقوله تعالى: (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز).
    الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، السيد أبو الوفا عجور.
    ونستطيع بعد ذلك القول: بأن هذه الفتنة التي أطلت برأسها وتمثلت في الاحتلال الأمريكي وتحالفه البغيض للعراق وما أحدثه أولئك المجرمون القتلة أعداء الحرية والديمقراطية والإنسانية في تلك البلد المسلم، من دمار وخراب طال الأرض والشجر والإنسان، ومن سفك دماء وحصد لا نقول لأرواح عشرات الآلاف من الأبرياء بل لمئات الآلاف، وقتل جرحى واغتصاب نساء واعتداء على أطفال، وانتهاك حرمات وتدنيس مقدسات وهدم مساجد ونهب متاحف وسرقة آثار، وارتكاب جرائم حرب واستخدام أسلحة دمار شامل وقنابل محرمة دولياً بلغت مئات الآلاف من الأطنان، واحتلال لأرض الغير بالقوة عن قصد وبعد تفادي أسباب ذلك والعلم به، واستعمال لأعمال أقل ما توصف به أنها أعمال بلطجة وهمجية، وعصف بما يدين هذه الأعمال البربرية من قرارات دولية، وإعلان بأن ما ذكر يأتي في إطار حرب صليبية، وفرض لعقيدة النصارى عن طريق مبشرين، واستحضار لليهود وإعطائهم الحق في حرب وقتل وتعذيب المسلمين وشراء أراضيهم في كركوك والموصل وأربيل تمهيداً لتطويق بلاد المسلمين ولتحقيق حلمهم من النيل إلى الفرات، وسماح لآلاف من جنودهم ولعشرات من حاخاماتهم للمشاركة في هذه الحرب القذرة، وعدم إخلاء الشوارع والمناطق الساخنة من جثث المسلمين وتركها تتعفن وتصبح مرتعاً لكلاب أتوا بها لهذا الغرض، وتقطيع أطباء أمريكيين لأوصال وأعضاء القتلى وبعض الجرحى العراقيين بقصد المتاجرة بها وبيعها للمرضى وللمراكز الطبية في أمريكا على ما أفادته تقارير أجهزة الاستخبارات الأوربية مؤخراً، وحرمان الجرحى من مواد الإغاثة الطبية سعياً إلى التخلص منهم، وتدمير العديد من المستشفيات والعيادات، ونهب محتوياتها أحيانا وضرب العاملين فيها حتى من الأطباء، وفرض أشخاص غير مرغوب فيهم ولا يمثلون هذا الشعب المقهور، وإكراه على اتباع نظم انتخابية تمهيداً لتعيينهم ولفرض أمر واقع على نمط ما جرى في تجربة أفغانستان، واصطناع ديمقراطيات مفصلة ومعدة سلفاً لتحقيق مصالح المحتل، وتداعي الأمم الكافرة من كل حدب وصوب، ومنع شباب المسلمين- في الوقت ذاته- من مناصرة إخوانهم في الدين، وتبجح بإمرار كل ذلك بحجج كاذبة ودعاوى مختلقة يقومون بأنفسهم بتفنيدها ويقرون- لكن بعد فوات الأوان وبعد تحقيق الهدف منها وبعد ارتكابها عن عمد- بخطئها .. ونضيف لما ذكرنا ما وقع من إدانةِ خبراء وعسكريين ومختصين من نفس دول الاحتلال، ومن اعترافات صريحة منهم ولأكثر من مرة بخطأ هذه الحرب، ومن تظاهرات اندلعت من جميع دول العالم وفي قلب الدول المشاركة، ومن سحب بعض هذه الدول لقواتها بعد أن أدركت خطأ هذه الحرب ..إلخ.
    كل هذه الأمور جعلت ليس أبناء العراق فحسب بل المسلمين في كل بقاع الأرض في المحك وأمام اختبار صعب (فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله)، فهل إلى خروج من هذا النفق المظلم وطريق النفاق المسدود من سبيل غير سبيل الجهاد؟ وهل من ملبٍ للنداء وتائب مقلع عن نفاقه معتصم بربه مشمر لرائحة الجنة مدافع عن دينه وأرضه وعرضه؟ هذا أملنا وليس لنا أمل سواه (إن المنافين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً . إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله واخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً . ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكراً عليماً.. النساء/ 145:147)، (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.. آل عمران/ 126)، (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.. يوسف/ 21).
     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    بلاد الرافدين

  • الفلوجة
  • رسائل وبيانات
  • في عيون الشعراء
  • من أسباب النصر
  • فتاوى عراقية
  • مـقــالات
  • منوعات
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية