صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • فوائد وفرائد
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    ديمي ... حب أول

    د. محمد الحضيف

     
    كنا قد فرغنا لتونا من إحدى فقرات المؤتمر ، وبقى على موعد صلاة الظهر أقل من الساعة . اقترحت عليه أن نتناول كوبين من القهوة بالحليب ، مع قطعة من الكيك ، لنضع عن كاهلينا شيئا من العناء ، الذي فرضه ضغط البرنامج ، الذي بدأ مع ساعات الصباح الأولى . استحسن الفكرة ، فتوجهنا إلى الفندق ، حيث مقر إقامتنا .
    في البهو الأرضي أخذنا زاوية قصية ، منحنا انعزالها بعض الخصوصية ، و كثيرا من الهدوء الذي نحتاجه . كنت قد تعرفت على مصعب في مؤتمر سابق ، فاستمرت العلاقة بيننا ، رغم بعد المسافة ، وقويت ، لتتحول إلى صداقة حميمة .
    مصعب في العشرينات ، برونزي اللون ، شعره أسود فاحم ، و يكسو وجهه لحية خفيفة ، تضفي عليه مسحة من السكينة والوقار ، رغم صغر سنه . في ظلال عينيه يتوارى حزن لا يفصح عن نفسه ، ويمنع من السؤال عنه حياء ، جعل من مصعب قليل الحديث ، وجعل من يعرفه يتردد في الدخول في مغامرة لاستكشاف دخيلتة .
    لم نتكلم كثيرا ، لكن مذاق القهوة الساخنة اللذيذ ، وهدوء المكان ، جعلاني أبادر (مصعب) ، عندما رأيت في محياه علامات الاسترخاء ، والاستغراق في لحظات تأمل عميقة ، لأسأله عن أصعب موقف مر به خلال السنوات الخمس ، التي مضت على وجوده هنا ، في الولايات المتحدة الأمريكية ، كشاب نشط في حقل الدعوة إلى الله .
    خيل إلى ، حينما صعد نظره في ، كأنما قد سألته عن أمر كان يفكر فيه ، لحظة السؤال .. فقال ، و كأنه يدفع عن نفسه تهمة :
    ـ عفا الله عنك ، وأي مواقف تستحق أن تسجل لشاب صغير مثلي ، إلا أن يكون سؤالك استفهاما عن شئ بلغك عني .
    كانت عيناه تقولان شيئا قطعا ، وأحسست بالحرج من الطريقة التي رد بها علي ، ومن نظرته إلي فسكت . مرت لحظات من الصمت بيننا ، تشاغلت فيها بتحريك الملعقة داخل كوب القهوة ، الذي بقي فيه نصفه ، وتلهى هو ، بصف مكعبات السكر فوق بعضها في الطبق الذي أمامه . ثم فجأة قال لي :
    ـ كأني لم أكن لطيفا في الرد على سؤالك ..؟
    ـ لا .. لكن يبدو أنني لم احسن طريقة صياغة السؤال ، أو ربما أنني أقحمت نفسي في شأن خاص .
    ـ لا ... ليس أي منهما ، لكن .. و ( تردد لحظة ) أسألك بالله هل بلغك شئ عني..؟
    ـ لا والله ، أنت عندي فوق الشبهات ..
    أطرق قليلا ، ورأيت سحابة داكنة تظلل وجهه ، ثم رفع رأسه وقال :
    ـ أنت تعرف مكانتك عندي ، وسأحدثك حديثا من أعجب ما مر بي .. :
    في العام الماضي مررت بتجربة .. كان الفصل الدراسي يلفظ أنفاسه أو يكاد . هذه هي المحاضرة الأخيرة ... قبل الامتحان النهائي ، وكان أستاذ المادة ، " مناهج البحث " ، قد وعدنا أن يستكمل في هذه المحاضرة ما بدأه في المحاضرة السابقة ، من شرح لأهم عناصر المادة . وكما تعلم ، نحن الذين نتحدث الإنجليزية لغة ثانية ، يهمنا جدا ، مثل هذه المحاضرات المركزة ، رغم وطأتها الثقيلة على الذهن .
    كنت مستغرقا تماما في الاستماع للدكتور ، والكلمات تخرج تباعا من فمه ، مثلما يقذف بركان حممه . في هذه اللحظة ، وصل (طالب) متأخر – لم ألق له بالا – وصار يخترق الصفوف ، حتى أخذ مقعدا بجانبي . لم أره ، لكني لمحت خيالا ، وسمعت صوت تحريك الكرسي . تأكدت أنه جلس في الكرسي المجاور ، حينما طلب الدفتر الذي أسجل فيه ملاحظاتي . أعطيته إياه ، دون أن أنظر إليه ، أو حتى أسأله ، لماذا .. ، لأني كنت منشغلا بتدوين ما يقوله الدكتور .
    كان الدكتور قد أنهى كلامه ، حينما سمعت (الطالب) الذي جلس بجواري يقول :
    ـ أريد أن استعير دفترك .. بالمناسبة أنت مسلم ..؟
    ألتفت إلى مصدر السؤال ، الذي كان مفاجئا لي ، لتصطدم عيناي بمفاجأة أكبر . لقد كان الذي جلس بجواري ، وطلب دفتري ، فتاة في غاية الجمال . كانت تقلب بين يديها لاصق من ذلك النوع الذي يوضع على مؤخرة السيارة ، والذي يحمل عبارات مثل :
    " اقرأ القرآن .. آخر وحي نزل من السماء " ، أو " الإسلام آخر الديانات السماوية .. تعرف عليه " .
    كان اللاصق ، مع أوراق أخرى عن الإسلام ، موجود ضمن دفتر محاضراتي ، الذي طلبت الاطلاع عليه . قلت لها ، وأنا أحاول ترتيب دفتري :
    ـ نعم أنا مسلم .
    كان الدكتور يجمع أوراقه ليغادر القاعة ، حينما بادرتني بسؤال آخر قائلة :
    ـ بالمناسبة ما هو الإسلام ..؟
    كنت مرتبكا ، مشتت الذهن ، بين الإجابة على سؤالها ، والدخول معها في حوار ، رغم ما وقع في قلبي منها ، وبين شعوري ، من جهة أخرى بالمسئولية ، بتبيان ما هو الإسلام لها .
    كانت المفاجأة التي شلت قدرتي على التفكير ، هي أنني لم أتوقع موقفا كهذا . فأنا رغم مرور ثلاثة أشهر على الفصل الدراسي ، لم أر هذه الزميلة مرة واحدة ، لأني آتى آخر الناس ، قبل موعد المحاضرة بلحظات ، وأقبع في آخر مقعد في القاعة ، واخرج أول الناس لحظة انتهاء الوقت المخصص للمحاضرة ، دون أن أنظر في وجوه الطلاب الذين يشاركونني المكان . بين هذين الوقتين ، أكون مشغولا بتسجيل ما يقوله الدكتور ، أو التفكير بشأن من شئوني الخاصة خارج الجامعة .
    كانت تنتظر إجابتي على سؤالها ، وهي واقفة على رأسي ، وقد خلا المكان ، إلا مني ومنها . قلت وأنا أحاول أن أتخلص من الموقف الذي وضعتني فيه :
    ـ الموضوع يحتاج إلى وقت ، لكني أستطيع أن أعطيك بعض المنشورات التي تجيب على بعض تساؤلاتك .
    ردت بسرعة ، قائلة بأن لديها الوقت لتسمع مني ، إن لم يكن لدي مانع . أسقط في يدي ، فقلت :
    ـ نعم .. لا بأس ..
    فأسرعت تقول :
    ـ ما رأيك لو نجلس في الكافتيريا ، وأدعوك إلى كوب من القهوة ..؟
    شعرت بحرج شديد ، وتساءلت في نفسي : ماذا لو رآك أحد ، و أنت مع هذه المرأة ؟ من سيصدق أنك تعرض عليها الإسلام ..؟ ومن سيصدق أنها هي التي ابتدأتك بالسؤال ..؟
    لم تنتظر ردي ، وظنت أن صمتي علامة الرضا والموافقة ، فقالت :
    ـ أشكرك على قبول الدعوة .
    سرنا إلى الكافتيريا و أخذنا مكانا نائيا ، بعد أن طلبنا قهوتنا . وشرعت أحدثها عن الإسلام . أثناءها كنت أتوقف لحظات عن الحديث ، لأتيح لها فرصة السؤال عن نقاط محددة . كانت تسأل .. و كانت أسئلتها تدور حول قضايا لا علاقة لها مباشرة بالموضوع ، وأقرب ما تكون استجلاء لطبيعة شخصيتي ، وطريقتي في التفكير . لاحظت كذلك ، أنها تدون كل ما أقول .
    عند هذا الحد أنهيت الحديث ، واعتذرت ، متعللا بارتباطي بموعد سابق .
    حين هممت بالانصراف قالت :
    ـ كيف أعيد لك أوراقك ..؟ لقد نسيت أن تخبرني بعنوانك ...
    في واقع الأمر لم أنس ، ولكني لم أشأ أن تعرف أين أسكن . قلت :
    ـ أنا لا أبقى في البيت كثيرا .. سأكون غدا في المكتبة ، وباستطاعتك أن تتركيها لدى الموظف في قسم الإعارة .
    حملت نفسي ، وأنا أنوء ، ليس بذلك الحشد من الكتب ، التي تزدحم بها حقيبتي ، بل بوجع صرت أحسه يجثم على قلبي .
    صرت معذب بين قلبي وضميري ، يتجاذبني أمران : هواي الذي يزين لي الحديث مع هذه الفتاة باسم الدعوة ، وعقلي الذي تصيح به نفسي اللوامة :
    أنظر ما تصنع أنت تحوم حول الحمى توشك أن ترتع فيه .. ألا إن حمى الله محارمه .. ألا إن حمى الله محارمه ...
    كنت قد وصلت سيارتي ، فألقيت بجسدي على المقعد ، و وضعت رأسي على المقود . أحسست أني أتنفس بصعوبة . احتقنت عيناي بالدموع ، لكني لم أبك . وضعت المفاتيح ، وبدأت بتشغيل السيارة .
    في هذه اللحظة انطلق صوت القرآن نديا من جهاز التسجيل ، الذي كان في وضع التشغيل . يا الله ذاك الجفاف الذي كاد يخنقني ، وحاصر الدمع في عيني ، يتبدد على صدى النداء الخالد ، كلام الحق سبحانه ، فتدفق الدمع من محاجري حارا ، وصرت انشج مثل الأطفال . استغفرك ربي .. هذه شيطانة تعرضت لي ، سأطردها من خاطري ، سأجتثها من قلبي . آه يا قلبي .. ساعدني يا رب .. ساعدني .. فإن قلبي مصاب .
    نمت ليلتي تلك ، بعد أن صليت وتري ، وتضرعت بين يدي الله ، أن ينصرني على نفسي والشيطان .
    من الغد كنت في المكتبة في مكاني المعتاد ، في قاعة الإطروحات الجامعية ، التي تتصل عبر ممر ضيق بالجزء الخاص بالكتب التي نفدت من السوق ، ولم يعاد طباعتها . إما لأسباب قانونية ، أو لأن موضوعها قد تجاوزه الزمن .
    أفضل هذا المكان لهدوئه ، ولأن قلة من الطلاب يجلس فيه ، بسبب قدم المبنى ، وتهالك الطاولات ، كما أني أظن أن قليلا من الطلاب ، يتحمل نظرات باحث كبير السن ، لا يفارق ذلك المكان ، منذ عرفت الجامعة ، وعثرت صدفة على هذه الزاوية النائية في المكتبة . هذا الرجل يظل يحدق في أي قادم جديد إلى المكان ، وتزداد نظراته حدة عند أي صوت يحدث ، حتى ولو كان رفيف تقليب صفحات كتاب .
    استقريت على مقعدي ، وألقيت ابتسامة على رفيقي الباحث ، الذي حدجني بنظرة من خلف نظارته ، وبادلني ابتسامة بابتسامة . لقد اصبح بيني وبينه عقداً غير مكتوب ، قائم على الإقرار بحق كلينا في المكان . ربما بعد أن نسي في إحدى المرات محفظته ، فعثرت عليها ، و أعطيته إياها . فقال لي ، بعد أن فتشها أمامي ، ولم أكن أنا أعرف ما بداخلها ، أنت رجل أمين . كما أظن أني ملكت قلبه ، عندما أعطيته مرة فطيرة حمص . فقال بعد أن أكلها ، على جوع فيما يبدو ، إنها لذيذة ، أنت رجل لطيف .
    كان قد مر علي ثلاث ساعات تقريبا ، وأنا منهمك بالمذاكرة ، فلم أقم من مكاني ، وكان تركيزي جيدا . ربما كان هدوء المكان سببا من الأسباب . إحساسي بأهمية المادة وانسجامي معها سبب آخر .
    كنت في حال من السكينة النفسية لم أشعر بها من قبل ، حتى أنه لم يرد على خاطري أي من الأحداث والمواقف ، التي مررت بها خلال الأيام الماضية . طافت هذه الأفكار بسرعة في ذهني ، فابتسمت ابتسامة رضا عن نفسي ، وأنا ألقي نظرة متثائبة على الساعة ، التي عادة ما أجعلها تتمدد أمامي بكسل .. أحيانا ، وبقلق في أحايين أخرى .
    (مرحبا) ..
    هكذا خيل إلى أني سمعت . لم أرفع رأسي من الكتاب ، وقلت لنفسي بدأت الأوهام تعتريك ، لم لا أرتاح قليلا ، وأقرا بعض الصحف .. ؟
    (مرحبا) ..
    مرة أخرى .. كأنه صوتها ، رفعت رأسي ، وقلت مذهولا :
    ـ ديمي ..؟
    ـ هل أزعجتك ..؟
    (يا إلهي لم أكن واهما) ...
    ـ كيف عرفت مكاني يا ديمي ..؟
    ـ لم يكن صعبا .. شخص مثلك ، من السهل على من هو مثلي ، أن يعرف مفتاح شخصيته .هل نسيت أن تخصصي الفرعي علم نفس .. أه عفوا .. نسيت أن أخبرك ذلك . أنا بالمناسبة ، أدون في دفتر ملاحظاتي كل شيء عن الأشخاص الذين التقي بهم . هل يزعجك أن تعلم أني فعلت الشيء نفسه معك .. ؟ أرجو أن تعتبر سلوكي الغريب هذا ، نوعا من الفضول الأكاديمي .
    كنت أنظر إلى وجهها و أحس أنني أزداد تعلقا به ، وهي تحدثني بتلك الطريقة الواثقة . قلت وأنا أشعر بالقلق النفسي يتسرب شيئا فشيئا إلى نفسي :
    ـ ديمي كيف جئت إلى هنا .. ؟
    قالت مازحة:
    ـ وأنا واقفة .. ؟
    أشرت لها بالجلوس ، ورميت بابتسامة على شريكي في المكان ، الذي يبدو هو الأخر مستغربا من هذا الضيف المفاجئ ، وهو الذي لم يعهد لدي ضيوف أو زوار من أي نوع ، منذ أن جمعنا هذا المكان ، طوال سنوات الدراسة الثلاث الماضية ، ناهيك أن يكون (ضيفا) بهذا المستوى .. وبدا أنه أدرك الحرج الذي أنا فيه ، فمنحني ابتسامة من نوع مختلف جدا هذه المرة .
    نظرت إليها مستفهما ، انتظر أن تخبرني كيف استدلت على مكاني .. قالت :
    ـ أنت شخص جاد ، لديك اهتمامات خاصة . ربما بتأثير من الثقافة التي تنتمي إليها ، علاقاتك النسائية محدودة ، ولا يبدو أنك تسعى إلى شئ من ذلك . ضع هذه المعطيات في جانب . الأماكن الأخرى في المكتبة تكثر فيها الحركة ، ويكثر فيها تحرك الطالبات . نحن البنات نحب الاستعراض ، حتى في الأجواء الأكاديمية . النتيجة ، بناء على ما سبق ، ستكون في مكان مثل هذا . طبيعي أني لم آت إلى هنا مباشرة ، ولكن بعد مسح سريع للأماكن الأخرى ، تأكدت أنك إن كنت في المكتبة فلابد أن تكون في مثل هذا المكان .. توقعاتي صحيحة ، أليس كذلك .. ما رأيك ألست خبيرة (سايكولوجية) جيدة .. ؟
    هززت رأسي بالإيجاب ، وأنا اسحب من أعماقي آهة دوت في أذنيها .. قالت :
    ـ أنت متعب ؟
    ـ نوعا ما ..
    ـ هل أستطيع أن أفعل لك شيئا ..؟
    ـ لا .. شكرا ، أشعر فقط بشيء من الإجهاد . .
    (لماذا جئت يا ديمي .. أنا هارب منك) .. قلت لنفسي . يا ربي ساعدني ، فأنا اغرق أكثر فأكثر في لجتها . لم يعد لصوتها ، ووقع كلامها ، نفس الأثر كما كان لقاؤنا لأول مرة . الآن أريدها أن تبقى ، أريدها أن تتكلم .. ساعدني يا إلهي . انقطعت خواطري على صوتها تخاطبني :
    ـ أريد أن اعتذر ، لأني لم احضر أوراقك ...
    ـ ما دامت الحالة هكذا ، لم يكن هناك حاجة لكي تأتي ، وتشقي على نفسك ، فأنا أستطيع أنتظر يوما أو يومين ..
    ـ لا .. فأنا قد وعدتك أن أحضرها لك ، ولم أرغب أن أخل بوعدي .. إضافة إلى أني أود أن استكمل معك الحديث عن الاسلام ، إن لم يكن في ذلك ازعاج لك ..؟
    قلت وأنا أحاول أن أصرفها ، خاصة وأن الشعور بالذنب قد بدأ يشدد الخناق علي :
    ـ هل هناك شيء محدد .. ؟
    ـ هناك موضوعان ، وأعذرني فيما لو جرحت شعورك ، بعبارة لم أحسن استخدامها ، فأنا أحدثك بناء على الصورة النمطية للإسلام في ذهني ، والتي تراكمت ، ليس نتيجة تجربة شخصية ، ولكن من خلال التعرض لوسائل الإعلام .
    سكتت ، فنظرت إليها منتظرا أن ، تخبرني ماذا تريد أن تقول ..
    قالت ، وعيناها على عيني :
    ـ هل هناك مكان للتسامح والحب في الإسلام .. ؟
    طأطأت رأسي ، وتذكرت أني لابد أن أديم النظر إليها وأنا أحدثها ، مجيبا على سؤالها . هكذا هو العرف في ثقافتها ، و إلا كنت قليل أدب ، ومحتقر للطرف الآخر ، الذي أتحدث معه . يا إلهي ماذا أصنع ؟ لقد أصبح النظر إليها يعذبني مرتين . يعذب قلبي ، الذي تاه في فضاءات وجهها ، الذي أبدعت قدره الخالق في تصويره ، ويعذب نفسي التي تعلم أنها ترتع في حرام .
    يا إلهي ساعدني فإن قدمي تزل : هل أطيع نفسي وشيطاني ، الذي يتمسح بالعرف في ثقافتها .. وبالدعوة . أم أطيع نداء ضميري ، الذي يقول لي ، بل يصرخ بي :
    " إنك في دروب الغواية سائر " ؟ هل حقا يعنيك أن تحدثها عن الإسلام ..؟ أم يعنيك أن تتلذذ برؤية مواقع الجمال في وجهها العاجي الصغير . تطل على وجنتيها المتوردتين ، ثم تتأمل هاتين الشفتين القرمزيتين ، ثم تبحر في عينيها الزرقاوين ". ظنت أني حينما طأطأت رأسي ، وأطلت السكوت ، أنها قد أساءت لي بسؤالها ، فقالت :
    ـ أنا جد آسفة ، لم أتعمد أن أسئ إليك ، ولم أقصد أن انتقد الإسلام ، أو اتهمه بشيء .. ربما كان يجب أن أقول : كيف ينظر الإسلام للحب والتسامح ، مقارنة بثقافات أخرى .. ؟ أو ربما كان سؤالي سخيفا تماما ، ولا معنى له ...
    رفعت رأسي فالتقت عينانا . كان الشعور بالحرج ، والاحساس بالذنب ، قد صبغ وجهها بحمره ، فاستحال إلى شئ آخر مذهلا . عيناها انكسرتا بتذلل ، فأضافتا إلى ذلك كله مشهدا استولى علي ، فقلت بألم ظاهر :
    ـ ديمي يكفي ..
    فاستعبرت .. وقالت بصوت يتهدج :
    ـ سامحني ..
    ـ أنت لم تفعلي أي خطأ .. أنا فقط كنت أفكر بالطريقة التي أجيب بها على تساؤلاتك .
    كان مستحيلا أن تستمر عيناي معلقتان بوجهها . أي تبرير سيكون خداعا وغشا ، لا علاقة له بدعوة ، أو بتأليف قلب .. قلت لها :
    ـ ديمي هل تسمحين لي أن لا أطيل النظر إلى وجهك .. ؟ هناك مبررات لها علاقة بثقافتي .. وهي قطعا لا تنطوي على أي مضامين سلبية .. قد تأتي مناسبة أخرى ، وأوضح لك لماذا . وافقت .. وبدأت الحديث ..
    حدثتها عن التسامح كقيمة من قيم الإسلام الكبرى ، كما دلت على ذلك النصوص من القرآن والسنة . وعرضت لمواقف الرسول صلى الله عليه وسلم ، كتطبيق عملي لتلك النصوص . موقفه صلى الله عليه وسلم من قريش يوم فتح مكة ، حينما قال لهم : "اذهبوا فأنتم الطلقاء" . وأخذتها في سياحة في تاريخ أمتنا العريق .
    كنت بين وقت وآخر ، اختلس نظرة لوجهها ، لأرى وقع كلامي عليها . كان التأثر باديا عليها ، لكن لم أكن أعلم يقينا ، هل ذلك بسبب ما أقول ، أم تفاعلا مع صوتي ، الذي بدا مجهدا ، حزينا ، وأحيانا متوسلا .. أن تقول : آمنت بدينك واتبعت الرسول (صلى الله عليه وسلم) ..
    أم تراها أشفقت علي .. و هي ترى وجهي قد شحب ، حتى خلت أن الدم غاض منه ، وفاض في محياها ، الذي يزداد جمالا كلما ، ازدادت ألما ..
    سكت .. ثم نظرت إليها ، وقلت :
    ـ هذا ما لدي ..
    ـ عظيم .. رائع ، ماذا عن الحب .. ؟
    ـ آه الحب .. لم لا نؤجل ذلك إلى وقت آخر يا ديمي .. ؟
    كنت أريد أن ارتاح ، أن أضع حدا لهذا الأمر ، الذي لا أراه يقودني إلا إلى متاهة .. كلما سرت فيها .. أغرتني في التوغل أكثر . "ما أنا ولهذه المرأة " " أقول لنفسي . إن كانت تريد الإسلام ، فقد حصلت على ما يضع قدمها على الطريق إليه " .
    لماذا وقت آخر ..؟ لم لا أقول لها لا وقت لدي ، فكري بما تحدثنا به ، واتصلي بالمركز الإسلامي لمزيد من المعلومات . هل أعترف بعجزي ، بل خوفي من أن أقول لها ذلك ..؟
    لا .. لا أظن إلا أنني سأتوقف عند هذا الحد ، قبل أن أصل لمرحلة أكون فيها عاجزا عن فعل أي شئ تماما ..
    قطعت حبل أفكاري و قلت :
    ـ ديمي .. أنا بحاجة إلى أوراقي في أقرب فرصة ، ليس لدي وقت كاف لتغطية المقرر ، والامتحان كما تعلمين بعد ثلاثة أيام ، ولدي امتحانات أخرى ..
    ـ عفوا ،يبدو أني أضعت وقتك ، و أزعجتك جدا بتصرفاتي الحمقاء ، لم أدرك كم أنت مشغول ومتعب ...
    قالت معتذرة .. ثم أضافت :
    ـ ما رأيك لو نذاكر مقرر الدكتور اندرسون .. (مناهج البحث) معا 0 أستطيع أن أنفعك كثيرا في الإحصاء ، بحكم دراستي لعلم النفس .. و أنت ستفيدني في النظريات ، وهو ما لاحظته ، من خلال تعليقاتك المهمة على محاضرات دكتور فريدمان .
    يا إلهى هل أنا بحاجة لعرض مثل هذا ..؟
    قلت لها :
    ـ لا .. لا أظن أني سأفيدك .. فأنا طريقتي في الدراسة متعبة ، لمن لم يعتد عليها ..
    ـ كما تشاء .. أين ستكون الليلة لأحضر لك أوراقك ..؟
    فاجأني سؤالها ، فقلت :
    ـ آه ... الليلة سأذهب لشراء بعض الأغراض الشخصية من مركز (رينبو كلر مول) 0 ردت بسرعة :
    ـ جيدا جدا ، المكان قريب من حيث أسكن ، متى ستكون هناك ..؟
    ـ بين السادسة والسابعة ..
    تعمدت أن لا أعطيها وقتا محددا ، حتى أجعلها تغير رأيها في شأن مقابلتي ، رغم حاجتي الماسة لأوراقي .. قالت :
    ـ ما رأيك لو نتقابل الساعة السابعة وعشر دقائق في مقهى (الكيف دوماسيه) في الطابق الأول ، على يمنيك وأنت خارج من المصعد ؟
    اتفقنا على المكان والوقت .. وانصرفت ، لتتركني مع همومي وأوجاعي ، التي صارت تتضاعف بعد كل لقاء أراها ، وأحدثها فيه ..
    ألقيت بيدي على جانبي الكرسي ، وأسدلت رأسي على كتفي ، وتنفست نفسا عميقا . لم ْأنتبه إلا على صوت (مارك) ، شريكي في المكان ، الذي انتشلني من حالة تفكير عميق ، استرسلت فيه .. قال :
    ـ لابد أنه كان موضوعا ساخنا ..؟
    ألتفت إليه ، وتذكرت أني نسيت كل شئ ، حين حضرت ديمي ، بما في ذلك مارك الذي يزعجه أي شئ . قلت مجيبا على سؤاله ، الذي لا يخلو من خبث :
    ـ لا بد أنك تحملت كثيرا يا مارك ، فمعذرة ..
    حاولت العودة إلى دروسي مرة ثانية ، لكن أنّى لي ذلك . قلبت الكتاب مرة ، ومرتين ، وثلاث ، دون فائدة . أصبح رأسي مملوءا بها . بوجهها .. وبصوتها .. واليوم أضيف إلى ذلك بكاؤها ، وعبرتها .. إذ تخنق صوتها المتهدج .. فتحيله إلى شيء خرافي ...
    الساعة تقترب من الواحدة .. لم يبق على صلاة الظهر كثيرا . فكرت أن أذهب إلى المركز الإسلامي ، أقرأ شيئا من القرآن ، وأصلي الظهر جماعة ، مع من يكون موجودا من الإخوة . لا شك أني سأرتاح مع كلام ربي ، وفي بيت من بيوته ، ومع اخوة لي ، تذكرني بالله رؤيتهم ..
    هكذا قلت لنفسي ، وأنا أجمع كتبي وأوراقي ، وساعتي الممددة على الطاولة . عندما حملت أوراقي ، وشرعت بالمسير رمقت مارك بنظرة ، فبادرني قائلا :
    ـ الإنسان يحتاج إلى الراحة والهدوء ، بعد كل مرة يلتقي بواحدة منهن ..
    ـ ماذا تقصد ..؟
    ـ النساء طبعا .. لذلك تراني قد تخلصت من هذا الصداع . أنت شاب .. أنا أفهم ذلك ، لكن حاول أن تتلافى مثل هذه الأشياء .. في فترة الامتحانات على الأخص ..
    ـ شكرا مارك ..
    قلت ، وأنا استدير منصرفا ، ثم تمتمت في نفسي :
    الأمر أكبر مما تتصوره ..
    وصلت المسجد .. قرأت ما تيسر ، وصليت . لكن .. لم يكن هناك مجال للحديث مع أحد . الكل مشغول بالامتحانات . صحيح أنني أكثر راحة من ذي قبل ، لكني أشعر بالم في داخلي . خرجت من المسجد ، و توجهت إلى منزلي . حين دخلت ، رميت بكل شيء على طاولة الطعام ..عند المدخل ، و وجدت صعوبة في خلع حذائي . سحبت نفسي و تهالكت على الأريكة في الصالة .
    حينما تغشاني النعاس .. و بدأ جسمي يفتر .. دق الهاتف ، رفعت السماعة ، فجاءني الصوت ناعما .. يقول :
    ـ هذا أنت
    قلت بإحباط :
    ـ ماذا ..؟
    ـ أوه .. آسفة لابد أنه رقم خطأ .. !
    للحظة داخلني ألم شديد ، ظننت أنها هي ، وسيطر علي هم واحد ، كيف عرفت
    رقمي ..! سحبت سلك الهاتف ، ورميت بنفسي على فراشي . أريد شيئا واحدا .. أريد أن انساها .. لعل الله أن يلهمني شيئا في منامي ، يخلصني من هذا البلاء .
    نمت نوما عميقا لساعتين أو اكثر . هذه أول مرة أنام فيها .. منذ تعرضت لي هذه
    ( الساحرة ) ، دون أن تكدر أحلامي الكوابيس . استيقظت وصليت العصر ، ووقفت طويلا بين يدي خالقي .
    غدا الجمعة يوم مبارك ، وفيه ساعة استجابة . سألح على ربي بالدعاء ، ففي قلبي من تلك المرأة شئ كثير ، رغم أني أدعي خلاف ذلك . لن أذهب إلى المكتبة ، أو إلى أي مكان آخر . لقد صار يخيل لي أنها ستطلع لي في كل مكان .
    تناولت كتاب الإحصاء ، وبعد قليل وجدت أن لا فائدة من معالجة هذا الإحصاء اللعين . كيف يقول عبد العزيز ، عن هذه المادة الكريهة ، أنها رياضة العقل ..؟! رياضة ..؟! هذا تمحك بالكلام لا معنى له . أليس عجيبا أن تتمكن ديمي من هذه المادة الثقيلة المعقدة ، وهي الفتاة اللعوب ، التي أقرب ما تكون للدمية البسيطة ، المعدة لكل أنواع الترفيه واللعب ، منها إلى ( كائن ) مهيأ للتعامل مع مسائل عقلية جامدة ..؟
    كيف يجتمع وداعة ورقة ديمي .. وتعقيد الإحصاء وثقل ظله ..؟ هل هذه من نبوءات الشاعر العربي القديم ، الذي قال :
    ضدان لما اجتمعا حسنا .... والضد يظهر حسنة الضد .
    إذا كان حسن ديمي أمر مفروغ منه .. أين الحسن في الإحصاء ..؟ آه ... يبدو أن هذا الإحصاء سيحولني فيلسوفا .
    رياضة ..؟ سامحك الله يا عبد العزيز ..
    هل قلت رياضة ...؟! وجدتها .. سأتصل به ، يا رب ليته يكون موجودا .
    ـ ألو .. السلام عليكم ، كيف الحال يا رياض ، هل أزعجتك ..؟ جزاك الله خيرا .. وأنا كذلك آنس بسماع صوتك .. لدى مشكلة بسيطة ... لا .. مجرد أزمة مع مادة الإحصاء .. وحيث أن سلطتك عليها نافذة ، فإني آمل أن تنصفني منها ...! شرط .. ما هو شرطك ..؟ الله أكبر... أنت أروع من أحتكم إليه .. تمكنني من عدوي الإحصاء ، وتعشيني كبابا ، سآتيك خلال دقائق .. هل أحضر معي شيئا .. غير الإحصاء طبعا .. ثلج وكولا ..؟ حسنا مع السلامة ..
    شكرا يا عبد العزيز لولا كلمتك (رياضة) ، لما تذكرت رياض ...
    ربي .. هل هذه بوادر النصر على الشيطان ... على الهوى .. على فتنه ديمي ، التي تكاد تسحب قدمي ..؟ ربي إن موعد لقاءها يقترب ، وأنا أقاوم .. ما دمت بعيدا عنها ، لكني حالما أراها تغلبني نفسي .. ، ما يعذبني يا ربي ، أن كل هذا يحدث باسم دعوتها إلى الإسلام . ربي كانت نفسي تحدثني أن ألجأ إلى ديمي لتساعدني في الإحصاء ، فلجأت إليك ولم تخيب رجائي ، ربي الوقت يمضي بسرعة .. فكن معي يا ربي .
    قضيت وقتا ممتعا مع رياض . شاب من خيره الاخوة أدبا ، وخلقا ، وعلما . متزوج وأب لطفل .. شعرت بحرج ، إذ لم أكن أعلم بأن زوجته قد عادت من بلدها ، بعد أن اضطرت لملازمة والدتها المريضة لفترة من الوقت ، بقى رياض خلالها لوحده .
    قلت لرياض معتذرا :
    ـ لقد سطوت على وقت غيري .. فلم أكن أعلم أن الأهل قـد عادوا .
    قال بروح الدعابة ، التي لا تفارقه :
    ـ لقد رأت أم الحارث ، يعني زوجته ، أن نتعشى معاً يوما دون يوم ، حتى توطن نفسها على طبيعة الحياة ، بوجود زوجة ثانية .
    قلت له مازحـا :
    ـ اعتقد أنها ضحكت عليك ، ما دامت المسألة مجرد فكرة .
    ـ لا ... فأنا اتبع معها سياسة الخطوة خطوة . لقد كسرت الحاجز النفسي ، تجاه وجود امرأة ثانية معنا ، أي (حقها في الوجود) ، نحن الآن في مرحلة التطبيع ، أي إمكانية التعايش في مكان واحد ، أي تحت سقف مظلة (إقليمية)..، أقصد بيت واحد ... !
    ضحكنا ، ثم أضاف :
    ـ يحسن بنا أن نغير الحديث ، فالحلا و الشاي لم يصلا بعد من عند أم الحارث ، ولا نريد أن نقع ضحايا مقاطعة من أي نوع .
    شرح لي رياض الإحصاء كأحسن ما يكون ، وأحسست أن مغاليق المادة فد انفتحت لي ، وانزاح عن صدري عبء كبير ...
    صلينا المغرب ، وأكرمني رياض وأم الحارث بكأس من الزنجبيل . كنت ساكنا جدا ، وأنا أحمل الحارث لأقبله ، استعدادا للخروج . طعم الزنجبيل الدافئ اللذيذ ، وابتسامة الحارث العذبة ، وعبارات الود والمجاملة ، التي أغدقها علي رياض ، هي آخر ما كنت أظن أني سأحمله معي من هذه الأمسية الجميلة .
    كنت أنظر إلى ساعة الحائط ، التي تشير إلى السادسة والنصف ، حينما وضعت الحارث بعد أن طبعت قبلة على جبينه ، و كنت .على وشك أن أهم بالخروج ، عندما قال لي رياض ، بدون مقدمات :
    ـ مصعب .. ألم تفكر في الزواج ..؟
    امتقع لوني وارتبكت .. قلت في نفسي : (هل تراه لاحظ علي شيئا .. هل رآني معها .. ؟) أجبت ، وأنا أحاول أن أبدو طبيعيا :
    ـ تكلمت مع الوالدة بهذا الشأن ..
    قال ضاحكا ، وهو يضغط على يدي :
    ـ إذن الإشاعة التي تقول أنك ستتزوج أمريكية ليست صحيحة ..؟!!
    جف حلقي ، ونظرت إليه بشك ، وقلت بصوت متقطع :
    ـ إشاعة .. أية إشاعة ..؟
    ضحك وقال :
    ـ رأيتك أنا و عبد الرحمن ، تتحدث مع العميدة كارولين ديفز ، عميدة شئون الطلبة الأجانب .. فقال عبد الرحمن ، لو يضحي مصعب ، ويتزوج هذه العجوز ، لقدم خدمة عظيمة لجمعية الطلبة المسلمين .
    شعرت كأنما سكب علي ماء بارد ، ولم أحس بشيء من حولي سوى يد رياض ، التي ما زالت ممسكة بيدي ، و صدى ضحكته المجلجلة ، التي أطلقها بعد تعليقه الساخر ، على حديثي مع عميده الطلاب الأجانب .. ابتسمت ابتسامة مرة ، وأنا اسحب يدي من يده مودعا كنت وأنا أجر خطواتي ثقيلة إلى السيارة ، أحس كأني ناهض الساعة من فراش المرض . لقد أرعبتني يا رياض بمزحتك الثقيلة ، كيف لو كان التي رأيتموني أحدثها تلك ( الساحرة ) ، هل كنتم ستقولون يقدم خدمة جلى للإسلام ..؟! هل ستكون الإشاعة ، (التي ما كانت) .. أنني سأتزوجها .. أم شيئا آخر ..؟
    على أية حال (جاءت سليمة) ، كما يقولون في الأمثال . هل هذا إنذار لي من ربي بأنه مازال يستر علي ، رغم إصراري على فضح نفسي . يا ربي ساعدني ، فإني أشعر أني ازداد ضعفا كلما ازداد الوقت اقترابا .
    وصلت (الكيف دوماسيه) متأخرا عشر دقائق ، وكنت أمني نفسي أن لا أجدها ، بعد هذا التأخير . حينما وضعت قدمي على مدخل المحل ، رأيتها جالسة على إحدى الطاولات . كنت عازما على أن لا أنجر معها في أي حديث ، أن آخذ أوراقي وأمضي .
    لم يبد أنها متضايقة من تأخري ، بل إنها بادرتني ، بعد أن وصلت إليها ، بالتحية والاعتذار ، قائلة :
    ـ أنا آسفة ، لقد تأخرت عليك ، لقد وصلت الآن .. لعلك جئت ولم تجدني على الموعد الذي اتفقنا عليه ..؟
    لم تكن صادقة ، فالقهوة في كوبها باردة ، ولم يبقى منها إلا أزيد من النصف بقليل ، وكان واضحا أنها وصلت إلى هنا على الموعد ، أو ربما قبله بخمس دقائق ، لكنها أرادت أن تلطف الجو بهذا التبرير المهذب ..
    قلت :
    ـ لا .. أنا الذي تأخرت ، لارتباطي بموعد سابق .. أنا آسف .
    ظللت واقفا ، بانتظار أن تعطيني أوراقي لأنصرف ، لكنها لم تفعل ، بل قالت :
    ـ ألا تجلس ..؟
    ـ أنا مستعجل .. ومشغول كما تعلمين .
    نظرت إلى نظرة ملؤها استعطاف ، وقالت :
    ـ لقد طلبت لك كوب قهوة ، وأعدك .. لن يكون هناك أحاديث ، من أي نوع ..
    جلست دون أن أتكلم .. جاءت القهوة ، قالت :
    ـ دعني أخدمك .. ما مقدار السكر ..؟
    ـ مكعبين ..
    ـ حليب ..؟
    ـ نعم ..
    خفقتها بالملعقة ثم قدمتها لي .
    ـ شكرا ..
    خيم علينا الصمت ، أكره مثل هذه المواقف .. لكن ماذا أصنع ، لا أستطيع أن أتمادى اكثر ، العلاقة تنحو في اتجاه لم أعد أسيطر عليه ، مهما بررت لنفسي نبل الغاية . شعرت هي بالإحراج .. قالت :
    ـ أطلب لك شيئا تأكله .. أنا سأطلب لنفسي (كروسون) ..؟
    ـ لا .. شكرا ..
    قالت ، محاولة دفعي للكلام :
    ـ كيف الإحصاء ..؟
    ـ ممتاز ..
    ـ حقا .. هذه أخبار سارة ، كنت أنوي أن أعرض المساعدة .
    ـ أحد الأصدقاء ساعدني ..
    ردت بلهجة لا تخلو من الغيرة :
    ـ لابد أنها صديقة خاصة ..
    أجبت بحزم :
    ـ إنه صديق ..
    خجلت .. و قالت :
    ـ من بلدك .. ؟
    ـ نوعا ما .. إذا اعتبرنا الوطن العربي الكبير بلد واحد ..
    علقت .. وهي تفرج عن ابتسامة مترددة :
    ـ هذا الكلام كأنه سياسة ، وأنا لا افهم في السياسة كثيرا ..
    ابتسمت ابتسامة باهتة ، دون أن أعقب ، ونظرت إلى ساعتي ، ففهمت ما اقصد .. فقالت :
    ـ تريد أن تذهب ، كنت قد نويت أن أدعوك إلى مطعم (هاي رووف) .. إنهم يقدمون عرضا خاصا ، ليلة كل جمعة
    ـ .. يؤسفني أن لا أكون قادرا على تلبية دعوتك ، فقد تعشيت عند أحد الأصدقاء قبل أن آتيك .. كما أني مشغول كما أخبرتك من قبل ..
    ثم أضفت ، محاولا تعزيتها لرفضي دعوتها ، وتعاملي معها بهذه الطريقة الرسمية جدا :
    ـ تستطيعين أن تذهبي الليلة وحدك .. وآمل أن تتاح لنا الفرصة معا .. مستقبلا ..
    رأيت الانكسار والخيبة على وجهها ، وهي ترد علي بأسى :
    ـ العرض مفتوح لشخصين فأكثر فقط .. وعلى أي حال ، لن أموت جوعا في هذه المدينة المليئة بالمطاعم الرديئة ، التي تفتح أبوابها باستمرار ، للخائبين أمثالي ...
    نهضت .. و توجهت لأدفع ثمن القهوة و الكروسون ، الذي لم تأكله .. رمقتني بنظرة عتاب ، و قالت :
    ـ أنت ضيفي .. رغم اني مضيفة ثقيلة الظل ..
    طأطأت رأسي ولم أرد . دفعت ثمن القهوة ، ثم اتجهنا معا إلى مواقف السيارات ، دون أن يحدث أحدنا الآخر . شعرت بتأنيب ضمير على هذا الجفاء ، الذي عاملتها به ، وقبل أن نفترق ، كل إلى سيارته ، التفت إليها ، و قلت :
    ـ ديمي سامحيني ..
    نظرت إلي بعينين تفيضان بالألم .. وقالت :
    ـ لا شيء ألبته ..
    حينما ركبت سيارتي انتبهت إلى الكيس الذي حملني إياه رياض ، والمملوء بما بقى من عشائنا . أسرعت بالسيارة في اتجاهها ، وحينما حاذيتها ناديتها :
    ـ ديمي ..
    التفتت ، وكأن صوتي هاتف نزل عليها من السماء . كانت تبكي ، فانقبض قلبي ، لكني تحاملت ، وقلت :
    ـ معي طعام لذيذ جدا ، يحتاج إلى تسخين فقط ، اعتبريه اعتذارا غير كامل ، على تصرف فج ..
    إنداحت على صفحة وجهها دوائر من السرور ، فأخذته ، وهي تقول :
    ـ اقبله .. ليس على إنه اعتذار .. إنه شيء أكثر من ذلك .. طابت ليلتك ، وأمل أن يحالفك التوفيق في امتحاناتك .. إلى اللقاء يوم الاثنين ، في امتحان الدكتور اندرسون .
    في أعماقي لم أكن مرتاحا للطريقة التي تم بها اللقاء ، نفسي تنازعني إليها ، فكرت أن اعتذر لها يوم الاثنين . لكن عن ماذا .. يقول لي عقلي هذه المرة .. ؟ .
    وساوس النفس والشيطان تقول لي : (قد تأثم بتنفيرها من الإسلام) . في قرارة نفسي أعلم أنه الهوى والرغبة فيها لذاتها ، وإن كان مع حظ النفس شيئا للإسلام ، فلا بأس . لو كان رجلا ، أو حتى امرأة قليلة الحظ من الجمال ، اكنت تتعب كل هذا التعب ..
    اكنت تلوم نفسك .. كل هذا اللوم .. ؟
    حين وصلت البيت كان الصراع داخل نفسي قد بلغ مني مبلغة ، بكيت .. بكيت كثيرا ، بكيت حينما تذكرت ، أنني الليلة حدثتني نفسي أن أضع يدي في يدها ، و أقول لها وداعا . داهمني شيطاني بفكرة أن ملامسة يدي لكفها ستطفئ هذه النيران المشتعلة في جوفي ، وأن الرغبة المتقدة في داخلي ستخبو ، بمجرد أن أحس بنبضها ينتفض في كفي ..
    نحن هكذا نتوتر أمام كل تجربة جديدة ، أو مغامرة مجهولة .. كان هذا حديث نفسي ..
    " كف يا شيطاني " . هذه آخر صيحة دوت في داخلي ، حينما تراجعت عن تلك الفكرة السيئة .. في تلك اللحظة أيضا .. تذكرت (خالد) ، عندما قرأ سورة النازعات ، يوم صلى بنا العشاء قبل أسبوعين 0 تذكرت خالد ، عندما عجز عن إكمال السورة لأكثر من عشر دقائق .. بعد أن غلبه البكاء وهو يقرأ :
    " وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى "
    ظل خالد يرددها ويغلبه البكاء 0 لم أبك في حياتي مثل تلك الليلة 0 كان صوت خالد الندي يكاد يتشقق عندما يصل إلى قوله تعالى : "مقام ربه" .
    يا لهول الموقف .. ثم حينما يصل إلى :
    "ونهى النفس عن الهوى" .. يخيل إلى أن كل ما فيه يبكي . كنت أبصر جسده كله يرتعش ، لحظة ينطق لسانه بكلمة الهوى . يشرق بالدمع ثم ينتحب نحيبا يصدع الجبال الصم . وعندما جذب من أعماقه الآية التي تليها :
    " يسألونك عن الساعة " شهق شهقة حسبت روحه تخرج معها .
    خالد رجل رباني ، بكاء ، يستشعر الموقف بين يدي المولى سبحانه . وإذا بكى ، وكثيرا ما يفعل ، يذيب جلاميد الصخر . آه يا خالد ليت لي قلبك .. ليت لي رهافة إحساسك . ليته لي .. حتى أخاف مقام ربي ، و أنهي نفسي عن الهوى . ليت لي .. حتى أكون كما قلت :
    من استشعر الموقف هان كل شئ من أمر الدنيا في عينيه .. حتى لو كانت ديمي بكل فتنتها وإغوائها .
    مر علي ساعتان وأنا على هذه الحالة ، بكيت حتى خلت أني اغتسلت كلي بدموعي . أحسست أن الدمع الحار ، الذي سال غزيرا من مآقي ، قد غسل كل العناء في قلبي ، صليت خلالها العشاء ، كما لم أصلى مثل تلك الصلاة في حياتي . شعرت كم تكون الصلاة لذيذة حينما يكون القلب مشرعا لنداء السماء ، وكم تكون الصلاة ذات معنى حينما لا تستشعر حولك إلا الموقف .. والصحف تتطاير .
    يا الله أي عالم علوي كنت تسبح فيه يا خالد ، وأنا أطارد سرابا .. وهما .. شيطانا . أأبلغ ما تبلغه ، وأنا ألهث خلف المحسوس ، الفاني الذي سيأكله الدود ، قبل أن يخالطه التراب ، وأنت الذي تحلق في اللا محسوس ، في السرمدي .. في تلك الآفاق النورانية .
    ما الجسد يا خالد إلا امتداد للدوني ، للحضيض ، للأرضي ، لذلك حري به أن يجعل من يتطلع إليه ، ويلبي رغباته أن يلتصق بالأرض ، لماذا .. ؟ لأنه انسلخ من العلوي ، واتبع هواه .. اتبع هواه يا خالد .. فكان ماذا ..؟ كان من الغاوين .. ولم يكن من الدعاة الهداة .. رحماك يا رب .
    مرت أيام نهاية الأسبوع سريعة وعادية 0 ذاكرت جيدا ، حيث لم أغادر البيت إلا قليلا ... أوقات الصلوات فقط . مطعم أبو أيمن السوري قدم لي حلا مثاليا ، من خلال وجبة المقبلات والمشويات اللذيذة ، التي تكفل بإيصالها ، دون مبالغ إضافية ، إلى المنزل . وهي معاملة خاصة للملتزمين ، كما يقول أبو أيمن ، الذي يشعر بعظيم الامتنان لهم ، لحفظهم أبناءه وأبناء المسلمين ، من خلال المدرسة التي تشرف عليها جمعية الطلبة المسلمين ، والمعسكرات التربوية التي تقيمها .
    غدا الاثنين امتحان الدكتور اندرسون لمناهج البحث ، أشعر أني مستعد له جيدا ، فقط احتاج أن أنام مبكرا ، لاستيقظ نشيطا .. سأصلي وتري أول الليل وأنام .
    الاثنين يوم مبارك ، قررت أن أصومه ، فالجو بارد ، وعملا بالسنة ، وتحسبا لمفاجآت لا أعلمها . والصوم كما قال صلى الله عليه وسلم (وجاء) ، وأنا لا احتاج الوجاء و (الحماية ) ، كما أحتاجها في هذه الأيام ، وفي امتحان الدكتور اندرسون بالذات .
    بقى على الامتحان نصف ساعة ، حينما عزمت على التوجه للجامعة . لم أتوقع أن يكون الثلج بهذه الكثافة ، لحظة ألقيت نظرة من النافذة ، و الثلج يتساقط ، و ارتأيت أن أصلى الفجر في شقتي . بدأت أزيح الثلج عن طريق السيارة ، وحينما انتهيت ، و ظننت أن الطريق سالكه ، اكتشفت أن إحدى العجلات معطوبة . ليس اتساخ الأيدي ، و الملابس ، وبرودة الجو ، هو المزعج فقط ، في مثل هذه المواقف .. لكن أن يكون بانتظارك ، بعد كل هذا امتحان . ما أن بدلت الإطار المعطوب بآخر صالح ، وحاولت تشغيل السيارة ، حتى باءت محاولاتي بالفشل ، ثم أكتشف في الأخير ، و يا للسخرية .. أن السيارة فارغة من الوقود .
    وصلت قاعة الامتحان متأخرا عشرين دقيقة ، استقبلني الدكتور أندرسون بابتسامة عريضة ، وهو يشير لي بأن آخذ مقعدا . اندفعت إلى داخل القاعة ابحث لي عن مكان ، ولم انتبه إلى أحد الطلبة ، الذي قد مد رجليه أمامه ، فعثرت ووقعت على وجهي وتناثرت أشيائي . حينما استقريت في مكاني أخيرا ، رأيت الدكتور اندرسون ما زال مبتسما . قلت معتذرا :
    ـ هذا اليوم ليس لي يا دكتور اندرسون .
    رد مازحا :
    ـ لابد أنك كنت تجرف الثلج ، أو أن إطار سيارتك قد تنسم هواؤه ...
    وهذه هي الأعذار التي يسوقها الطلاب عادة ، حينما يتأخرون .
    قلت :
    ـ إنك لن تصدقني يا دكتور اندرسون ..
    ـ ماذا .. ؟
    ـ بالإضافة إلى ما ذكرت ، فقد اكتشفت أن سيارتي قد نفد وقودها ..
    أطلق ضحكة مدوية ، وقال :
    ـ لن يغلبك أحد يا مصعب .. ويأتي بمثل ما جئت به 0
    شرعت بالإجابة على الامتحان ، لكن القلم لا يكتب . يخط حرفا أو اثنين ، ثم يمتنع . عالجته بشتى الطرق دون فائدة . استنتجت أني حينما تعثرت برجلي الطالب ، و وقعت ، والقلم في يدي ، ضربت ريشته الأرض فانثلمت .
    لاحظ الدكتور اندرسون حيرتي فجاء مستفهما . فأخبرته بمشكلة القلم ، وسألته أن يعيرني قلمه ، فذكر لي أنه اعارة لطالب آخر .. نسي قلمه .
    قلت للدكتور اندرسون :
    ـ ألم أقل لك أن هذا اليوم ليس لي ..
    ابتسم ، وقال :
    ـ لا عليك سنحل المشكلة ..
    سأل الطلاب إن كان هناك أحد معه قلم آخر ، يمكن أن يعيره لشخص ، يبدو أنه نثر الملح من فوق طاولة الطعام . وهو اعتقاد شعبي بين الأمريكيين ، تقوم فكرته على أن من يكب الملح ، يلازمه النحس طيلة يومه .
    لم يرد أحد من الطلبة ، رغم تكرار السؤال ، إذ قليل من الطلاب من يحمل معه أكثر من قلم . كان الدكتور اندرسون على وشك أن يطلب مني أن أغادر القاعة ، لأبحث لي عن قلم ، حين ارتفعت يد أحد الطلاب في أول القاعة . قالت الطالبة :
    ـ عندي حل بدائي ، لكنه ينفع في مثل الظروف ..
    ثم قامت بكسر قلمها المرسم إلى نصفين ، وبرت أحدهما ، و أعطته للدكتور اندرسون ، الذي أعطاني إياه بدوره ، وقال مازحا :
    ـ لا أعتقد أن أحدا تشاركه الآنسة ديمي بمرسمها ، يمكن أن يقول هذا اليوم ليس لي ..! إنها ديمي إذن ، يدفعها القدر من جديد في طريقي ، ماذا يخبئ لي هذا اليوم من مفاجآت ..؟ تطاولت ، وبهزة من رأسي ، وابتسامة خفيفة ، شكرت ديمي .
    كان متوقعا أن ينتهي الوقت ، قبل أن انتهى من الإجابة على جميع الأسئلة . لم يبق إلا أنا والدكتور اندرسون ، الذي قال :
    ـ أنا مضطر أن أغادر ، عندما تنتهي أعط ورقة الإجابة لسكرتيره القسم ..
    لاحظ أني محرج ، فقال :
    ـ لا داعي للحرج .. فأنا أثق بك .
    هذا التعامل ينعدم في بلادنا مع الأسف ، حيث الأمانة صارت نادرة ، وقيم الثقة ، أحيانا غير موجودة . دائما أسال نفسي ما الذي يبقى هذا الوحش الأمريكي الجبار ، رغم مظاهر الظلم والفساد الكثيرة المنتشرة فيه ...؟ إنه قطعا ، ليس القوة المادية المجردة وحدها . فالله سبحانه قد قص علينا أحوال أقوام اشد قوة ، أهلكهم ، (فهل ترى لهم من باقية) ..؟ . إن مثل هذه القيم ، وأخرى يطول الحديث عنها ، هي التي مازالت تحافظ على الإمبراطورية الأمريكية من الانهيار .. حتى يأتي أمر الله .
    لماذا عدمت مثل هذه السلوكيات الجميلة في مجتمعات المسلمين ..؟ ألا يكفيها التخلف المادي الذي يطبق عليها ..؟ لماذا لم يبق مسموعا سوى صوت النفاق .. وصار الإسلام ، الذي هو مصدر هذه الفضائل جميعها ، مطية يركبها كل أفاك ، ليحقق من خلالها أهدافه ..؟ كل همه أن يملأ جيبه ، ويشبع بطنه و .. و أشياء أخرى . صار الإسلام .. شعارا فقط . يردده السياسي ، ويلوكه شيوخ السوء ، وتشدو به جوقة النفاق .
    ماجت هذه الخواطر في بالي للحظة ، وأنا أرقب الدكتور أندرسون يغادر القاعة ويتركني لوحدي .
    أكملت الإجابة على الامتحان ، ولملمت أوراقي ، وتوجهت خارجا ، لأجدها قبالتي ، عند الباب :
    ـ ديمي .. ماذا تفعلين هنا ..؟
    ـ كنت انتظرك لقد ..
    قاطعتها :
    ـ تريدين القلم ..؟
    ـ هل أنت جاد ... لا تكن سخيفا لقد قلقت عليك ، ماذا صنعت في الامتحان ..؟
    ـ أظن الأمور على ما يرام ،
    ـ ماذا ستفعل الآن ..؟
    ـ سأعطى أوراق الامتحان للسكرتيرة ..
    ـ و بعد ذلك ..؟
    ـ سأذهب إلى البيت لاستريح ، ثم أذاكر لامتحان أخر لدى بعد غد ..
    ـ هل لديك بعض الدقائق لنتحدث عن أشياء سبق وسألتك عنها ..؟
    ـ لا .. لا أظن أني أستطيع ألان ..
    تبادلنا النظرات ، ورأيت في عينيها رجاء ..
    ـ آمل أن تتفهمي وضعي ..؟
    لم ترد علي .. واستمرت تنظر إلى ، وفي يدها إصبع شوكولاته ، فمدته لي ، فقلت :
    ـ شكرا لا أستطيع أن أكله ..
    ـ لانه مني ..؟
    ـ لا .. ولكنني صائم اليوم ... عفوا لابد أن أذهب الآن ..
    وانصرفت .. و حينما سرت بضع خطوات نادتني قائلة :
    ـ مصعب .. هل أستطيع أن أسألك سؤالا ..؟
    التفت ، وكانت واقفة في مكانها .. تقلب إصبع الشوكولاته في يدها ، بشيء من القلق ..
    قلت :
    ـ ماذا ..؟
    ـ هل حقا يهمك أمري .. أقصد هل يهمك أن أعرف الحقيقة عن الإسلام .. أو جزء من الحقيقة ..؟
    فاجأني السؤال ، وشعرت بقلبي ينقبض من الألم . هل أنا أسأت التقدير في تعاملي معها ، وتوهمت أشياء لم تكن موجودة إلا في خيالي ..؟
    لم يكن لدي وقت لأناقشها ، تقدمت نحوها ، وقلت :
    ـ اليوم الاثنين ، وبعد غد الأربعاء لدي امتحان في المساء .. يوم الخميس سأكون حرا من أي ارتباط .
    ـ حسنا .. نلتقي الخميس ، في نفس الوقت ، ونفس المكان ...
    ـ أي مكان ، وأي وقت تقصدين ..؟
    ـ الساعة السابعة مساء .. في (الكيف دوماسيه) ..
    ـ لا بأس ..
    ثم سحبت إصبع الشوكولاته من يدها ، وأضفت :
    ـ سآخذ هذا وآكله .. حينما أفطر بعد مغيب الشمس ..
    ما كدت أنهي كلامي ، حتى اكتسحت وجهها موجه من السعادة ، وانشق ثغرها عن ابتسامة رضا ، تدفقت من بين ثناياها ، مثل جدول ماء صغير ينساب من بين حصيات مرمر...
    و لم تعلق بشيء ..
    ـ مع السلامة ..
    قلت لها .. ثم استدرت منصرفا ..
    بعد أن صليت فجر يوم الخميس ، نمت إلى حدود الساعة العاشرة . منذ اشهر لم أنم إلى هذا الوقت ، بسبب ضغط الدراسة . قررت ايضا أن اطبخ لي فطورا ، وهو ما لم افعله طول الفترة الماضية ، إذ اكتفى بالمربيات ، و الأجبان ، والبيض المسلوق .
    سأصنع فطورا له مذاق خاص ، (بيض شكشوكة) . هذا أول شيء تعلمته شقيقتي حصة ، وعلمتني إياه ، حينما عزمت على السفر للدراسة .
    حصة تصغرني بعامين ، وقبل سنتين وبينما كنت في زيارة الأهل ، أشفقت على والدتي ، لما علمت أن كل أكلي تقريبا من المطاعم ، لأني لا أجد الوقت الكافي للطبخ . حصة اقترحت حلا للمشكلة ، أن أتزوج . ومضت خطوة إلى الأمام في هذا المشروع ، حينما تكفلت باختيار الفتاة المناسبة .
    انشغلت بترتيب بيتي عامة النهار . لقد انقلب البيت رأسا على عقب ، بسبب حالة الطوارئ التي فرضتها الامتحانات . لقد بدأ الموعد مع ديمي يقترب ، و صرت أشعر بالتوتر . انطلقت بسيارتي ، و وصلت إلى مركز ((رينبو كلر مول)) ، قبل السابعة بقليل ، لأقابل ديمي صدفة عند مدخله 0 ركبنا المصعد إلى الدور الاول ، وحينما دخلنا (الكيف دو ماسيه) ، خيل إلى أني أدخله لأول مرة . في المرة الماضية لم ألاحظ فخامة الأثاث ، وتناسق الألوان . هناك أيضا موسيقى .. تدندن بصوت خافت . شعرت بانقباض ، المكان حالم جدا ، وهو أليق بتناجي العشاق ، منه بالدعوة إلى الله ، قلت بتوتر :
    ـ المكان غير مناسب ..
    ـ لماذا .. ؟
    ـ موسيقى وأضواء خافته ، نحن لم نأت لنتحدث عن (روميو وجوليت) ..
    شعرت بالحرج وقالت :
    ـ ماذا تقترح ..؟
    ـ نغير المكان ..
    ـ هل كنت ترى أن نذهب إلى مكدونالدز ، وغيره من الأماكن المشابهة ، حيث يتجمع ذلك النوع من الشباب والبنات الذي تعرفه ..؟
    لم أرد .. فأضافت :
    ـ ما رأيك أن نذهب إلى منزلي ..؟
    فقلت بسرعة :
    ـ لا .. لا ..
    قالت :
    ـ منزلك ..
    ـ غير مناسب ..
    لقد أحرجتني جدا ولم تترك لي الخيار ، وبقيت لحظات مترددا ، ثم قلت :
    ـ لا أريد الموسيقى ..
    توجهت إلى مدير المحل ، وتحدثت معه قليلا ، ثم عادت وعلى وجهها ابتسامة ، وقالت :
    ـ لن يكون هناك موسيقى ..
    قادنا أحد العاملين في المقهى إلى ركن هادي ، وبدون موسيقى ..
    ـ كيف .. ؟
    .. سألتها ..
    ـ انهم يتحكمون بالتوزيع الصوتي .
    أخذنا أماكننا ، وتبادلنا الحديث بسرعة عن الامتحان ، حتى جاءت القهوة ، رشفت شيئا من قهوتي ، وسألتها :
    ـ هل هناك شئ محدد تودين السؤال عنه ..؟
    أصلحت من جلستها وقالت :
    ـ لعلك تذكر أني سألتك من قبل عن شيئين ، أحدهما كان التسامح ، والآخر الحب .. وهو الذي لم تتح لنا الفرصة لنتحدث عنه .. أنا أعني كيف ينظر الإسلام إلى الحب ..؟
    لم أدر بما أجيبها .. لكني أذكر أني بدأت هكذا :
    ـ لم يعل الإسلام شيئا مثلما أعلى من شأن الحب ، حتى أنه ربطه بالرب سبحانه وتعالى وجعل الله عز وجل ، هو الغاية التي ينتهي إليها الحب ، أيا كان نوعه . الإسلام حينما فعل ذلك ، أراد أن يجرد الحب من كل رباط محسوس ، ومن كل رغبة ، أو شهوة بشرية آنية ، تتلاشى لحظة تحققها ، ليجعله متصلا بالله مباشرة . فالحب فيه سبحانه ، أسمى درجات الحب ، ولا يتحقق إيمان بشر ، إذا لم يحب الله والرسول صلى الله وعليه وسلم ، ولا يتحقق إيمانه .ز كاملا ، إذا لم يحب لأخيه المسلم ، ما يحب لنفسه .
    لقد صار كل حب في الإسلام ، غايته الحب في الله . وحينما يؤكد الإسلام على هذا الجانب ، فإنه يهدف إلى تجاوز المادي إلى الروحاني .. و الأرضي إلى العلوي السماوي .
    كيف ... قد تسألينني ..؟
    إن المادي والأرضي ينتهيان إلى الفناء ، أما الروحاني والعلوي فمصيرهما الخلود . أليس الزواج بين رجل و امرأة هو نتيجة حب ، بشكل من الأشكال . تأملي كيف ينظر الإسلام لأنواع الحب التي تؤدي إلى نشوء علاقة بين رجل و امرأة ، تقود إلى الزواج . المال أولا ، ثم الجمال ، (أي ميزات الجسد ) ، ثم المكانة الاجتماعية . وأخيرا الدين .. بما يعني من تمثل لكافة القيم العليا ، التي جاء بها الإسلام ، وفي مقدمها ، حب الله سبحانه ، من خلال تنزيهه بالتوحيد ، وأن لا يشرك معه أحدا . الإسلام يثمن عاليا الحب الأخير ، لأن غايته الله سبحانه ،و ينعي على الفرد تطلعه للأنواع الأخرى . الأنواع الأخرى .. مادية .. زائلة .. مصيرها إلى الفناء : المال يفنى ، والجسد يبلى ، والمكانة الاجتماعية تزول .
    لأن الحب طبيعته هكذا ، فإنه يقاوم عوامل الفناء ، بل هو يتجدد باستمرار .. إنه يستمد حياته من الذات العليا ، التي هي مصدر الخلود . إن من طبيعة المادي أنك حينما تمتلكه تزهد فيه ، لأنه يفتقد لخاصية التجدد والتسامي ، التي يملكها الروحاني . أضرب لك مثالا : ألسنا نشتهي الطعام اللذيذ ، وحينما نملكه .. نمله ونزهد فيه . السنا نعشق الجمال ، فإذا ما أدركناه تطلعنا لآخر غيره .
    انظري .. حسن التعامل ، الأدب ، الأخلاق ، الرحمة ، التعاون . ألسنا إذا ما وجدناها في إنسان تعلقنا به ، و كلما أزداد تمثلا لهذه الخصال ، زاد تمسكنا به . الإسلام تعامل مع هذين النوعين .. المادي و الروحاني ، على أساس من قدرة كل نوع على منح السعادة ، لأكبر عدد ممكن من الناس ولأطول مدة ممكنة .
    الجمال مثلا ، يمكن أن يمنح السعادة والمتعة لشخص واحد فقط ، هو ذلك الذي يباشر الجمال .. بطبيعته المحسوسة ، بشكل أولى ، ولمدة محدودة ، هي الفترة الزمنية التي يكون فيها محتويا على عنصر الحياة والحيوية ، قبل أن تأتي على نضارته عوامل الزمن . بل إن الطبيعة المادية المحسوسة له ، تجعل الاستمتاع به ، مرهون بلحظة المباشرة ، أو اللذة الآنية .
    على الجانب الأخر ، خذي الأخلاق كمعادل لجمال الروح ، بما تحويه من رحمة ، وعطف ، وتعاون ، وأدب ، وغيرها من الخصال الحميدة . كم من الناس تمنحهم السعادة ، دون أن يكون لعامل الزمن أثر على امتدادها في عمق الزمان ، أو يمنع من شمولها و تمددها عائق المكان . الحب من هذا النوع يتجاوز الجسد .. ليعانق الروح في افقها السرمدي .
    جمال الروح يمكن أن يوجد في الرجل ، وفي المرأة ، وفي الأبيض و الأسود ، والشيخ والطفل . أما الجمال المادي .. في الجسد ، المحسوس .. فلا . إنه امتياز خاص ، لفئة محدودة من الناس اختارها الله ، لحكمة يعلمها هو سبحانه . الحب على أساس من الروح يا ديمي ، يفتح المجال واسعا للترقي في مدارج الكمال ، فارتباط الروح بالذات العليا ، يمنحها القدرة على الإبداع والتسامي .. والزيادة . فنحن نستطيع أن نكون اكثر رحمة ، وأكثر عطفا ، وأكثر تسامحا ، مرة بعد مرة ، مدفوعين بالحب الأسمى .. حبه سبحانه وتعالى . لكننا لا نستطيع أن نكون أجمل ، و أجسامنا لن تكون اكثر نضارة ، و أنفاسنا لن تكون أطيب رائحة .. في كل مرة ، لأن الجسد مرتبط بالأرضي ، الفاني .
    جدير بحب كهذا يا ديمي ... أن يؤول للزوال .
    أظن أني قلت هذا الكلام ، وأشياء أخرى . المؤكد أن الذي كان يتكلم ليس لساني فقط ، بل جوارحي كلها 0 لا أدرى كم كوبا من القهوة شربت وأنا أتكلم . كنت أنظر في وجه ديمي ، بين وقت وآخر ، فأحس إنها معي بكل جوارحها . بل كانت نظراتها .. يخيل إلي ، أنها تحاول أن تنفذ إلى أعماقي . كنت شابكا كفي لبعضهما ، ويداي ممددتان على الطاولة أمامي حانيا رأسي ، حينما سمعتها ، تقول بصوت واهي النبرات :
    ـ هذا أجمل شئ سمعته في حياتي ..
    استغرقتني لحظات تفكير ، لم انتبه خلالها إلا وكفاها تطبقان بهدوء على كفي .. شعرت بخدر يسري في أوصالي ، ودفء يجتاحني ، حتى أحسست ذلك في حرارة أنفاسي . لوهلة استسلمت دون مقاومة لهذا الوضع . في قرارة نفسي ، كنت أشعر بعطش شديد .. لشيء لا أدري ما هو . ربما السكينة والهدوء .. والكف الذي استريح عليه .
    هل المرأة تملك كل هذه القدرة على التوغل في الأعماق . أم هذا شئ خاص بها وحدها ..؟ كنت في حالة استكانة تامة حين سمعتها تناديني :
    ـ مصعب هل أنت بخير ..؟
    رفعت رأسي ، وتأملت وجهها الذي يضج أنوثة وفتنة ، وأبصرت يدي بين يديها . يا إلهي
    ماذا صنعت .. ؟ وتذكرت خالد وبكاؤه .. ودوت كلماته بعنف في :
    " من استشعر الموقف هان في عينيه كل شئ " .
    أحسست كأنما تيارا كهربائيا يسرى في جسدي ، ويهزني بعنف ، فسحبت يدي بسرعة فضربت كوب القهوة ، فاندلقت القهوة الحارة علي ، وصرخت من شدة الألم ، فانفعلت هي وصرخت كذلك ، وهي تصيح :
    ـ أنا آسفة .. أنا آسفة ..
    أسرع عامل المقهى باتجاهنا ، إثر سماع الأصوات ، وقام بمساعدتي في تنظيف ملابسي ، واحضر لي مرهما لعمل إسعافات أولية . كان واضحا أني احتاج إلى علاج عاجل ، لذلك نصحنا بالذهاب إلى المستشفى بسرعة . أصرت أن تأخذني بسيارتها إلى المستشفى . في الطريق .. ظلت تبكي ، وتعتذر أنها لم تقصد .
    أجريت الإسعافات اللازمة ، وعدنا إلى سيارتي ، بناء على طلبي ، رغم أنها كانت لا ترى أن أقود السيارة بنفسي . تأكدت الآن أني مصاب منها ، ليس في يدي ، ولكن في قلبي . لم أتحرك حينما انحنت لترخى رباط يدي ، فلامس شعرها وجهي . لقد فعلت تلك اللمسة فعل السم في جسدي ، أنا الآن ضعيف المقاومة .. أنا الآن في خطر .
    افترقنا بعد أن وعدتها أن أتصل بها ، لأطمئنها على حالتي الصحية . قالت ، وهي تمسك بيدي ، لتساعدني على ركوب السيارة :
    ـ ساكون قلقة إن لم تفعل .. لابد أن تتصل بي ..
    لم أبد مقاومة تذكر .. بل لم أبد أية مقاومة ، وهي تضع يدها على جبيني ، و تؤكد علي ، بنظرات ملؤها الرجاء ، أن لا أنسى الاتصال بها ...
    توجهت إلى بيتي ، وصرت أتأمل النهاية التي انتهت إليها علاقتي مع هذه الفتاة . تذكرتها وهي تبكي ، ونحن في طريقنا إلى المستشفى . كانت تقول : " لن أسامح نفسي إن أصابك أذى" .. و كررت أكثر من مرة عبارة : " أنا أحبك ، ولم اقصد أن أؤذيك" .. كانت هذه الكلمات تنغرس في وجداني عميقا .
    بدأت الأفكار السيئة تراودني ، أثار لمسة كفيها ما زال يسرى نبضها في سائر جسدي
    . نعومة راحتيها ، ودفئهما .. لم تفارقا خيالي إلى الآن ..شعرها يتراءى لي كسبائك من ذهب . حينما وصلت إلى باب شقتي كرهت الدخول ، ولمت نفسي أن رفضت عرضها ، بأن تأتي معي لتطمئن علي . دخلت المنزل وإذا بالهاتف يرن ، لا أتوقع أحدا معينا ، رفعت السماعة ، جاءني صوته من الطرف الثاني هادئا ، رخيما ، حزينا :
    ـ السلام عليكم .. كيف حالك ..؟
    ـ من .. خالد ، أهلا بهذا الصوت ..
    ـ رأيت فيك رؤيا البارحة .. فقلقت عليك ..
    شعرت بانقباض وقلت :
    ـ خيرا إن شاء الله ..؟
    ـ خير ..
    قص علي الرؤيا .. ثم سألته :
    ـ وماذا عبرتها ..؟
    ـ تنجو من فتنة ..
    و أضاف :
    ـ هل تتعرض لمشكلة في الوقت الراهن ..؟
    أحسست بالخوف وقلت بسرعة :
    ـ من أي نوع .. ؟ لا .. لا .. أبدا والحمد لله ..
    ودعني و دعا لي . إنه رجل ملهم .. ينظر بنور الله . ظلت عبارته : تنجو من فتنة .. تتردد في ذهني مرة بعد أخرى . هذه بشارة .. قلت في نفسي : اللهم نجني .
    مر علي يومان لم أغادر فيها البيت ، خشية أن يسألني الاخوة عن سبب الإصابة في يدي . تخلفت عن صلاة الجماعة .. واشعر بالذنب لذلك . لم أتصل بديمي كما وعدتها ، رغم أني أفكر بها معظم الوقت ... تناقض لم استطع أن أحله .
    كيف انعتق من هذه الدوامة ..؟ سألت نفسي . بدأت أفكر بالاتصال بها ، حتى لا أعطي صورة سيئة عن الإسلام .. هكذا زعمت لنفسي . ماذا لو قالت سآتيك ..؟ بدأت تلح علي الفكرة .. أن أكلمها .. وكدت استسلم لها ، ثم وجدت أنى إن بقيت في شقتي فإني حتما سأتصل بها ، ولن أمانع أن تأتي عندي . ثم ..؟ آه .. هذا هو السؤال ..
    وصل الصراع في نفسي إلى أقصاه ، فقررت أن أخرج . قلت ، أذهب إلى المركز الإسلامي ، فقطعا سأجد بعض الاخوة ، وهناك ، سأتسلى بهم ، وأظل بعيدا ، حتى لا أقع ضحية لتداعيات النفس الآثمة .. الأمارة بالسوء ..
    خرجت ، وحينما كنت أهم بركوب سيارتي ، سمعت صوتا يناديني ، فالتفت إلى مصدر الصوت كالملدوغ ...
    ـ يا الهي إنها هي .. كيف عرفت مكاني ..؟
    شعرت بقلبي يهبط إلى قاع أحشائي ، وهي تنزل من سيارتها متجهة نحوي ، تتلفع بجاكيت خفيف تتقي به برد ديسمبر القارس .. قالت :
    ـ انت تسكن هنا ..؟
    تلعثمت ولم أشأ أن أكذب ، وقلت :
    ـ نعم .. كيف وصلت إلى هنا ..؟
    ـ جئت لزيارة صديقة لي تقيم في نفس البناية .. ويبدو أن أمرا طارئا حدث ، فاضطرها للخروج ، فتركت لي ملاحظة على باب منزلها تخبرني فيها إنها ستعود بعد ثلاثين دقيقة .. وأنا كما ترى ، انتظر عودتها في هذا البرد القارس .
    قالت عبارتها الأخيرة ، وهي ترمقني باستعطاف ، فأدركت انها تريد ملجأ من البرد ، ريثما تعود صاحبتها . ران بيتنا صمت ، لم أدر كيف اقطعه ، وكنت خلالها أقلب أفكارا كثيرة ، معظمها سيء . و رغم أني ملتحف بمعطف ثقيل ، فقد شعرت ببرودة تدب في جسمي ، ولم يحل الطقس البارد جدا ، دون تقافز حبات من العرق على جبيني . كنت انظر إليها تتأملني أتصبب عرقا في هذا البرد ، وهي تنكمش من شدته .. فبادرتني قائلة :
    ـ أنا آسفة .. أنت خارج ، وأنا قد أخرتك .. معذرة على هذه البلادة ..
    كان وجهها أصفر شاحبا من شدة البرد .. قلت لها :
    ـ لا .. أبدا ، ليس هناك شئ مهم ..! لم لا تنتظرين عندي في شقتي ، إلى حين عودة صاحبتك ، ونتناول خلال ذلك قهوة تشيع الدفء في أطرافنا التي تكاد تنكسر من هذا الزمهرير ..؟
    لم أكد أقول ذلك حتى تدفق الدم في وجهها الشاحب ، فاستعاد نضارته ، وقالت :
    ـ أنا أشعر بامتنان عظيم للطفك الكبير .. كما أنني متلهفة لاستكمال نقاشنا السابق .. ثم أضافت .. وأستطيع أن ألغي موعدي مع صديقتي .. إذا تطلب الأمر ذلك .
    إنها دعوة مفتوحة بلا جدال .. حدثت نفسي ، وأنا انصرف وإياها راجعين باتجاه شقتي ، التي لم تكن تبعد سوى خمسين خطوة عن موقف السيارات . داخلني هم كبير ، وزاد خفقان قلبي ، وكنت خلال ذلك في صراع نفسي عظيم ، جعلني في شغل عن حديثها الذي لا أدري ما كنهه .
    تقول لي نفسي : أليس هذا ما تريد .. أليس هذا ما كان حديث نفسك ، خلال اليومين الماضين ..؟ هاهي قد جاءتك تسعى على قدميها .. أنت لم تذهب إليها ، بل أنت لم تدعها .. إنها فرصة ، والله غفور رحيم . اجلس معها ، وإن جاء العرض منها فليس ذنبك ، أنت قد قاومت و ابن آدم ضعيف ، والله سيعذرك ...!
    ويجيء صوت الضمير الحي : حذار فهذا هو البلاء العظيم .. أين الخوف من الله .. أين الدعوة إلى الله ..؟ كيف إذا جيء بك يوم القيامة ، ورفعت على رؤوس الأشهاد ، وقيل من هذا .. فتطاولت أعناق من قد يكون عرفك في هذه الدنيا فيقولون : هذا نعرفه .. هذا الداعية إلى الله مصعب . فيقال : لا .. هذا الزاني مصعب . يا إلهي أنت أرحم بي أن أصير إلى هذا المصير .
    كنا في منتصف الدرج على بعد خطوات من باب شقتي ، حين تعثرت وسقطت ، لشدة الاضطراب الذي انتابني ، بسبب الصراع الداخلي العنيف . ساعدتني على النهوض .. كنت شاحبا ، غاض الدم في وجهي ، أتصبب عرقا ، وأطرافي ترتجف ، قالت لي :
    ـ أنت متعب بجد ..؟
    ـ نوعا ما .. ديمي أنا لا أستطيع أن أبقى معك .. أنا مرتبط ، ولا بد أن أذهب ..
    شعرت بالخجل ، وقالت :
    ـ لقد احسست بأني أحرجتك .. كم أنا غبية ، أنا اسفة جدا ، سأذهب 0
    ـ لا .. لن تذهبي ، بل ابق وانتظري صديقتك في منزلي ، واعتبري نفسك في بيتك .. اصنعي لنفسك قهوة .. وإن كنت جائعة ، ورغبت في الأكل ، فلا تترددي .. فالثلاجة ، والمطبخ تحت تصرفك .. وإذا خرجت تأكدي من أن الباب مغلق ، وضعي المفتاح في صندوق البريد رقم 7 في المدخل الرئيسي للبناية ..
    قالت وفي عينيها علامات استفهام كثيرة :
    ـ هل أنت متأكد ..؟
    هززت رأسي موافقا ..
    عادت لتسألني :
    ـ هل تحتاج إلى مساعدة .. هل تستطيع أن تقود السيارة بنفسك .. ؟
    ـ نعم ..
    هل أنت متأكد بأنك ستكون بخير .. ؟
    ـ نعم .. ثم أضفت في سري .. " إذا كنت بعيدا عنك " 0
    أمسكت يدي بيديها ، و دمعتان حائرتان في عينيها ، و قالت :
    ـ مصعب أنا أحبك ..
    تسمرت عيناي في وجهها الطفولي ، و الألم يفتك بقلبي .. و قلت :
    ـ و أنا كذلك .. لكني يجب أن أذهب ..
    سحبت يدي من يديها ، و انحدرت مع الدرج ،و حينما حانت مني إلتفاتة ، و أنا في آخر الدرج ،كانت ما زالت هناك ... الدمعتان من خلفهما عيناها الزرقاوان ، بدتا كموجتين انكسرتا على شاطئ لازوردي ...
    و أنا ..
    مثل صياد أدركه الغروب ..
    على شاطئ موحش ..
    شباكه فارغة ..
    قلبه فارغ ..
    إلا من رحمة الله ...

    المصدر : http://www.alhodaif.com/
     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    قصص مؤثرة

  • قصص الرسول
  • قوافل العائدين
  • قصص نسائية
  • قصص منوعة
  • الحصاد المر
  • مذكرات ضابط أمن
  • كيف أسلموا
  • من آثار الدعاة
  • قصص الشهداء
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية