صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    سلسلة { اعترافات فتاة } (5)

     
    سلسلة { اعترافات فتاة } (1)
    سلسلة { اعترافات فتاة } (2)
    سلسلة { اعترافات فتاة } (3)
    سلسلة { اعترافات فتاة } (4)
     

    - 29 -

    حتى هي .. كانت تتألم

    - ماذا تريدين أن تطلبي..؟
    - آآآ .. لا أعرف.. وجبة برغر دجاج.. كلا.. كلا.. برغر لحم..


    - .. بدون جبن؟
    - ممم.. لحظة.. كلا.. لا أريد برغر لحم.. أريد قطع الدجاج..


    - يووووه.. هيفاء!! هيا بسرعة نريد أن نطلب الآن..
    - طيب.. اصبري شوي.. خليني أفكر...


    - أففففف.. استغفر الله.. الطلب معك مأساة..
    - لماذا تصرخين علي هكذا ..؟ لم أقل شيئاً..


    فصرخت أريج بقوة وهي تمسك بسماعة الهاتف:
    - وأنا أيضاً لم أقل شيئاً.. هيا اطلبي.. ذبحتينا.. ألا يكفي أنني سأشتري لك على حسابي وأيضاً (تنفخين)؟!


    شعرت بالكره لنفسي وأنا أهان لهذه الدرجة..
    - خلاص.. لا أريد شيئاً.. تمنين بهذه الوجبة.. لا أريدها.. اهنئي بها.. لا أريد منك شيئاً..


    اشتد الصراخ بيننا وخرجت غاضبة من غرفتها.. دائماً تنتهي لحظاتنا السعيدة بسرعة.. وتحل مكانها الشجارات والإهانات وجروح القلب العميقة..

    كانت أريج تكبرني بعامين فقط..
    وكان من المفترض أن نكون صديقتين.. لكن بدلاً من ذلك أجدنا نتحول لندتين على الدوام..


    كانت أريج ذات شخصية قوية باهرة.. فهي دائماً في مركز القوة..
    في المدرسة.. كانت دائماً الأكثر تفوقاً..
    وفي الاجتماعات الأسرية.. كانت محط الأنظار بحديثها.. وبالكلمات التي تلقيها والمسابقات التي تعدها..
    بل وحتى بالأطباق اللذيذة التي تعدها..


    أمام أريج.. كنت لا شيء..
    كنت الأخت الصغيرة التي تظل دوماً طفلة مقارنة بأختها الناضجة..
    حتى قي المدرسة..
    أينما أذهب كان شبح أريج يلاحقني..
    ما أن تدخل الفصل إحدى المعلمات في أول أيام الدراسة.. حتى تبادر بسؤالي: أخت أريج؟؟
    لا يتم تعريفي بهن إلا بأخوة (أريج) المتفوقة..
    حتى لو فكرت أن أكون متفوقة وحاولت بقدراتي – المختلفة عن قدرات أريج – أن اجتهد.. فأنا لا شيء مقارنة بأريج..
    لو حاولت أن أظهر في الإذاعة المدرسية وألقي موضوعاً بشكل عادي كما تفعل البنات.. فسأبدو ركيكة ومضحكة مقارنة بأريج ذات الإلقاء المبهر..


    ضعفت شخصيتي يوماً بعد يوم تحت ثقل شخصية أختي..
    حتى أصبحت أكره الاجتماعات الأسرية.. أكره المدرسة..
    أكره أي مكان تتواجد فيه أريج..
    وذات مرة قررت أن آخذ دورة في معهد للغة الانجليزية..
    كنت فقط أريد أن أجرب الحياة في مكان لا توجد فيه أريج.. وشبحها الذي يحطمني..
    وافقت أمي.. وكذلك أبي..
    وبدأت في الدراسة خلال الصيف..
    كانت المعلمة لطيفة.. ومجموعة الطالبات متناسقة رغم اختلاف أعمارهن..
    بدأت أنسجم وأحب المكان.. وبدأ نجمي بالبزوغ بين هذه المجموعة..
    كنت أعلاهن مستوى.. وكانت المدربة تحفزني كثيراً..
    اعتبرتني نجمة الفصل.. وعينتني مساعدة لها كي أساعد الطالبات على فهم بعض المعاني..
    وكانت هذه المرة الأولى في حياتي التي أشعر بها بأنني مميزة.. و.. فتاة جيدة..
    لاحظت أمي تغير نفسيتي.. وفرحتي بالمعهد والدراسة فيه..
    لكنها لم تكن لتعرف السبب.. ولا لتشعر به أصلاً..


    وذات يوم فوجئت بأريج تدخل علي في غرفتي فرحة.. وتخبرني أن والدي وافق على أن تسجل هي أيضاً معي!!!
    نزل الخبر على رأسي كالزيت الحار..
    لاااا.. حتى هذا!.. حتى المكان الوحيد الذي شعرت فيه بالتميز ستأتي لتنافسني فيه.. ليس هناك فراغ واحد في حياتي يخلو منها؟؟!!
    هل سيلاحقني شبحها حتى هناك..
    رددت عليها بابتسامة صفراء باهتة.. دون أن أقول لها شيئاً..
    لم يكن هناك من داع لأن أتكلم..
    فأنا أعلم أنها هي أيضاً لا دخل لها بما يحصل.. فهي والحق يقال طيبة.. وأنا أعرف ذلك جيداً.. لكني سئمتها.. تعبت من المقارنة بها.. تعبت من محاولة الوصول لمستواها..
    لا أحد يهتم بي حين تكون موجودة.. ولا أحد يحادثني باهتمام حين تتحدث..
    فماذا أفعل..
    أقفلت غرفتي علي وبدأت أبكي.. وأبكي..
    أبكي لأن أحداً لا يشعر بي.. ولا يهتم بمشاعري
    أنا.. لا أمي.. لا أبي.. لا أخوتي.. ولا معلماتي.. أنا أمامهم لا شيء..
    لقد تعبت من التحطيم.. من التهميش.. إلى متى.. إلى متى يستمر ذلك..
    سمعت طرقاً للباب.. وبغضب صرخت..
    - من؟


    - هيفاء.. ممكن تفتحين؟

    - لا أريد أحداً.. أنت بالذات لا أريدك.. اذهبي.. أيتها الأفعى..!

    سكتت أريج تماماً..

    لا أعرف كيف خرجت تلك الكلمات من فمي عليها.. كنت أشعر بالغضب الشديد وأشعر أنها هي السبب في تعاستي.. كنت أتخيلها كأفعى تلتهم كل أشيائي الجميلة..

    ساد الصمت.. حتى اعتقدت أنها ذهبت..
    فإذا بصوتها ينساب من خلف الباب بأسى..
    - خلاص.. خلاص يا هيفاء.. أنا لن أسجل في الدورة..


    يا إلهي.. هذا معناه أنها سمعت بكائي قبل قليل.. وسمعت كلامي وتذمري.. مسكينة...
    لكنني لم أحاول أن أتراجع أو أبدي أي انكسار.. فتحت الباب لها بقوة.. ووجهي أحمر.. والدموع لا يزال أثرها على وجهي..
    - ماذا تريدين؟


    - هيفاء أنا آسفة.. لم أعتقد أن تسجيلي سيضايقك..

    - ما شاء الله؟! الآن.. الآن فقط أحسست بذلك؟.. للتو تحسين بنفسك وأنت تلاحقيني طوال عمري..؟!

    فجأة رأيت الدموع في عينيها..
    - حرام عليك يا هيفاء.. لماذا تعاملينني هكذا؟.. لماذا أنت قاسية علي؟.. دائماً أشعر أنك تكرهينني.. تحتقرينني.. كل الناس يحبونني إلا أنت.. دائماً تشعرينني بنظراتك بأن من العيب أن أكون متفوقة أو نشيطة.. نظراتك الحادة دائماً تربكني وتشعرني أني تافهة وغبية.. حتى أمام زميلاتي.. كثيراً ما أحرج حين أحادثك في المدرسة فأجدك تردين علي بكل برود ولا مبالاة.. لماذا تعاملينني بكل هذه القسوة.. أنا.. أنا .. لم أفعل شيئاً لك..
    كانت دموعها وعبراتها تسبقها وهي تتحدث..


    شعرت بعطف شديد عليها.. هل فعلاً كنت أعاملها بقسوة وكأنها تافهة جداً؟.. نعم.. لقد كنت أفعل ذلك.. لكن لم أعرف أنها تشعر بذلك.. مسكينة..
    جلست تبكي على سريري وقد وضعت رأسها بين كفيها.. فاقتربت منها ومسحت على كتفها..
    - لا بأس.. يمكنك أن تسجلي في المعهد..


    نظرت إلي باستغراب.. وابتسمت..
    - أي معهد أي بطيخ.. لقد نسيته أصلاً..


    فابتسمت وضحكت..

    منذ ذلك اليوم قررنا أن نبدأ صفحة جديدة من علاقتنا ببعضنا.. وتحولنا من ندتين إلى صديقتين.. أصبحت أصارحها بكل ما أشعر به تجاهها وهي كذلك.. ولم تعد هناك الكثير من الآلام المحبوسة في القلوب.. ولا تلك الرسميات والمشاعر الحساسة..

    - ماذا ستطلبين؟
    - برغر دجاج.. كلا لحم..
    - بسرعة ذبحتينا..
    - طيب.. خلاص.. وجبة قطع دجاج..
    - حرام عليك هذه الوجبة غالية.. تعرفين أني سأدفع..
    - لا بأس ادفعي.. فأنا أشتهيها اليوم.. لن يضيع المال الذي تضعينه في بطن أختك..
    - يااااااااالله تستاهلين ولا يهمك.. لكن ترى إذا نقصت الفلوس تدفعين.. طيب؟



    **
    مجلة حياة العدد (61) جمادى الأول 1426هـ
     



    - 30 -


    لا شيء ينتهي.. وبابه مفتوح


    كان يوماً صيفياً حاراً.. وريح السموم على أشدها في الرياض..
    فتحت جود نافذة الغرفة..
    - أفف " اختنقنا" من المكيف!
    قفزت بسرعة لأغلق النافذة..
    - هييييييييه! ماذا تريدين أن تفعلي .. هل جننت؟ تفتحين النافذة في هذا الحر؟
    سكتت ومطت شفتيها ثم رمت بنفسها على سريري بتثاقل..
    - أفففف.. ملل.. ما كنها عطلة.. الناس مسافرة ومستانسة.. وحنا.. هنا.. طفش..
    كنت على وشك أن أتكلم.. لكني آثرت الصمت وأنا أقلب الكتاب الشيق الذي بين يدي..
    أخذت تتقلب في ملل.. ثم قفزت فجأة..
    - فطوم! ما رأيك أن نذهب لبيت عمتي لنملأ المسبح ونسبح مع البنات؟ ما رأيك؟
    مددت شفتي للأمام.. فلم تكن الفكرة تعجبني..
    - كلا .. لا أحب.. تعرفين.. بيتهم مليان شباب.. ولا أضمن أن لا يتلصصون علينا..
    - أفففف.. أنت معقدة ..!
    نظرت إليها بهدوء وقلت وأنا أبتسم..
    - حبيبتي.. كم مرة قلت " أففف" منذ دخلت الغرفة؟!
    - أففففف.. حتى الـ" أفففف" صارت محسوبة علينا!
    وخرجت غاضبة من الغرفة..
    كانت جود أصغر فرد في عائلتنا.. ورغم أن فارق السنوات بيننا لا يتجاوز الست سنوات.. إلا أن الفارق في الشخصية كبير جداً.. والفجوة بيننا واسعة..
    منذ فتحنا أعيننا على الدنيا ونحن نرى أسرتنا مثالا للأسرة الصالحة المحافظة ولله الحمد..
    أمي إنسانة تخاف الله وربتنا منذ طفولتنا على الأخلاق الفاضلة.. وكذلك أبي .. فرغم انشغاله إلا أن تربيته الصارمة والمحبة في نفس الوقت كان لها أثر كبير على استقامتنا ولله الحمد..
    لكن الحال مع جود كان مختلفاً.. فلكونها آخر العنقود كان والداي يدللانها ويعاملانها معاملة خاصة جداً..
    فهي الوحيدة التي كان لها الحق في السهر لساعات متأخرة حتى في أوقات المدارس.. كما أنها استطاعت ببكائها وشكواها المستمرة أن تقنعهما بإدخالها مدرسة خاصة.. وحتى لباسها للأسف.. كانت أمي تنصاع لها وتسمح لها بارتداء ما لم يكن يسمح به لنا..
    غضبنا أنا وأخواتي واعترضنا كثيراً، لكن دون جدوى للأسف.. فقد بدا واضحاً حجم الاختلاف الكبير بيننا.. ففي الوقت الذي نستمتع فيه بسماع أشرطة المحاضرات كانت جود لا تستطيع المذاكرة إلا مع سماع الأغاني ..
    وما يحرق فؤادي هو رضا أمي عنها وعدم معارضتها لها.. حتى والدي كان دائماً يعتبرها طفلة ومسكينة وبريئة..
    والحقيقة هي أن جود كانت بالفعل قادرة على الاستحواذ على قلبيهما.. فهي دائمة الالتصاق بهما.. وتخدمهما بشكل متواصل.. وتدللهما في الكلام.. وتشتري لهما الهدايا.. كانت ماكرة.. أو حنونة.. جداً ..
    حاولت كثيراً أن أنصحها.. أن أوجهها.. لكني يأست منها.. فقد كانت دائماً تصد عني .. وتعتبرني " عقدة" .. ولا تريديني أن أنصحها بأي كلمة..
    وذات يوم طلبت جود من أمي أن تذهب لمدينة الألعاب بصحبة صديقاتها.. وأخذت تلح عدة أيام حتى وافقت لها أمي .. وحين علمت بذلك عارضت كثيراً..
    - أمي كيف تسمحين لها.. ستذهب مع فتيات لا تعرفين أخلاقهن.. أرجوك.. كيف تسمحين لها؟
    لكن أمي كانت تهدئني .. وتقول أن الأمر عادي.. والمكان نسائي ..
    - لكن يا أمي .. هي لا تزال في المرحلة المتوسطة.. كيف تذهب لوحدها؟
    - اذكري الله يا ابنتي .. لا تكوني هكذا.. الأمر بسيط كل البنات يذهبن لوحدهن..
    - أمي أنا رأيت صديقاتها حين ذهبت لمدرستها ذات يوم.. والله يا أمي لو رأيتهن لما ارتحت لمنظرهن.. حتى العباءة لا يعترفن بها.. بل يخرجن شبه كاشفات مع سائقيهن.. كيف تتركينها تخرج معهن..
    - وما دخلها بهن..؟ فاطمة .. خلاص أنهي الموضوع.. " كلها" ساعتين وسوف ترجع بإذن الله.. لم القلق؟
    حاولت وحاولت.. لكن عبثاً..
    فاستسلمت.. وسكتُ على مضض وقلبي يشتعل من الألم.. لأني بدأت أشعر أن أختي ستضيع من بين يدي إن استمر هذا التهاون.. إن لم يكن الآن ففي المستقبل القريب..
    وذهبت.. وهي تضرب الأرض بكعبها وتحدجني بنظرة كلها تحدي وانتصار.. ذهبت وهي ترتدي تلك التنورة الجنز القصيرة ذات الحزام المعدني المتدلي.. والمكياج يملأ وجهها الطفولي ..
    حشرت نفسها في عباءتها الضيقة وخرجت تتمايل..


    **

    كنا جالسين نتناول عشاءنا الخفيف المفضل الخبز واللبن.. حين نظرت والدتي للساعة..
    - غريبة! الساعة تسعة ونصف.. وجود لم ترجع..
    التفت والدي نحوها وقال..
    - لماذا؟.. متى قالت أنها ستعود؟
    - قالت قبل العشاء.. يعني في الثامنة تقريباً..
    - اتركيها فربما استمتعت وتريد اللعب أكثر..
    كنت أنظر لهم وأنا صامتة تماماً.. فقد قررت أن لا أسأل عنها ولا أتدخل بها أبداً..
    صمت والدي قليلاً ثم سأل..
    - مع من قالت أنها سترجع..؟
    - تقول أنها ستعود مع صديقتها.. لديها سائق..
    شعر بأن والدي بدأ يشعر بأن هناك خللاً في الموضوع..
    - الله يهديك يا أم عبد الله.. لماذا لم تقولي لي من قبل.. كيف ترضين أن تعود مع سائق لوحدها.. وهي لا تزال فتاة صغيرة..
    - لا أدري كيف أقنعتني أصلحها الله..
    مضت عقارب الساعة بسرعة مخيفة نحو العاشرة.. ثم الحادية عشرة وجود لم تعد..
    بدأ القلق يتسرب لبيتنا بشكل مخيف..
    وبدأ أبي يصرخ..
    - كيف تتركينها تذهب دون أن تأخذي منها رقم جوال صديقتها.. رقم أهل صديقتها.. أو على الأقل اسم صديقتها..؟؟
    وكادت أمي تبكي وهي تقول..
    - لماذا لم تسألها أنت..؟ ما دخلي..؟ لا تصرخ علي.. يكفيني ما بي الآن..
    أتى أخوتي كلهم.. حتى أخي عبد الله المتزوج تم استدعاؤه من بيته..
    ذهبوا لمدينة الألعاب فوجدوها قد أغلقت أبوابها.. جن جنون أبي وارتفع عليه السكر وانهار.. ونقل للمستشفى ..
    الكل كان يبحث عنها دون جدوى..
    وعند الساعة الواحدة ليلاً.. قام أخي بإبلاغ الشرطة.. لكننا لم نكن نملك خيطاً واحداً يدلنا عليها..
    لا اسم صديقتها.. لا جوال.. لا رقم سيارة.. ولا أي شيء.. فكيف نعرف أين تكون؟ وماذا يفعل الشرطة لنا؟
    بقينا كلنا في البيت نبكي ونصلي وندعو الله.. ولا نعرف ماذا نفعل.. جود مختفية.. وأبي في المستشفى ..
    وعند الساعة الرابعة فجراً.. فوجئنا برقم غريب يتصل على جوال أخي عبد الله..
    وحين رد.. كانت الطامة التي لم نتوقعها..
    كان أحد الأخوة من الهيئة يتصل بأخي ليبلغه بأن أختي قد وجدت مع شاب في سيارة لوحدهما ليلة أمس.. وأنها قد انهارت وأغمي عليها من شدة الصدمة ولم تفق إلا قبل قليل لتعطيهم الرقم..
    حين أغلق أخي الخط.. جلس على الأرض ولف وجهه بشماغه وأخذ يبكي..
    صرخت أمي ..
    - ماذا؟ .. تكلم؟ وجدوها ميتة في المستشفى؟ حادث.. تكلم .. تكلم!
    ومن بين الشهقات أجاب وصوته الرجولي يهتز بقوة مؤلمة.. ولحيته مخضلة بالدموع..
    - يا ليت يمه.. يا ليت..
    كنت أعرف ماذا قالوا له.. كنت أشعر به.. قبل أن يخبرني .. لكني سكت..
    أسرعت أمسك أمي وأذكرها بالله.. وهي تنتفض بقوة بين يدي..
    أسرعت أغسل وجهها فيختلط الماء بالدموع..
    وبعد قليل.. ذهب عبد الله ليستلمها.. بعد أن أقسمت عليه أمي أغلظ الأيمان أن لا يقتلها..
    بعد سويعات..
    دخلت.. وجهها شاحب كالموت.. وقد تركت الدموع خيوطها على وجنتيها..
    كانت ترتجف.. حين رأتنا أسرعت ترمي نفسها عند قدمي أمي ..
    - يمه سامحيني .. والله ما سويت شيء.. والله العظيم.. والله..
    رفستها أمي برجلها بقوة.. وصرخت فيها بقوة..
    - اذهبي لغرفتك.. اذهبي لا أريد أن أرى وجهك يا " ..." .. أبوك يحتضر في المستشفى بسببك.. ليتك مت ولم نر فيك هذا اليوم يا خائنة الأمانة..
    كنا جميعاً نشعر بتقزز غريب منها.. لا نريد أن نكلمها أو حتى نرى وجهها أو نشم رائحتها..
    وفي الغد أخذتها أمي كشيء مكروه لتقوم بعمل تحليل حمل لها.. وهي تبكي وتصيح.. وتقسم بأنها لم تفعل شيئاً.. لكن أمي كانت تريد إذلالها فقط وأن تشعرها بدناءة فعلها الشنيع ونظرتنا لها..
    بقي أبي في المستشفى أياماً وحالته غير مستقرة.. لذا لم نخبره بأمرها بل قلنا له أن حادثاً قد حصل لها.. لكنه عرف.. عرف ذلك من وجوهنا الملطخة بالعار.. ومن بكائنا الذي يحمل رائحة القلوب المجروحة..
    وحين استعاد صحته وخرج.. تأكد تماماً من ذلك حين شاهد كيف أصبحنا نعاملها.. وكيف أصبحت شبه محبوسة في غرفتها.. فلم يعد هو الآخر يحادثها بحرف واحد..
    كنت أشاهد أشياء كبيرة في أبي وقد تحطمت.. كبرياؤه.. رجولته.. فخره بأبنائه..
    لم يعد يخرج.. ولا يجتمع مع الآخرين.. أصبح يفضل الجلوس مع أمي صامتاً على الخروج لأي مكان..
    حزن كبير كان يسود بيتنا.. حتى أخواتي المتزوجات لم يعدن يزرننا كثيراً.. وكأنهن يخشين من مواجهة الحزن والكآبة..


    وذات يوم..
    أحسست أن علي أن أفعل شيئاً.. أن أرفع هذا الحزن المقيت الذي يجثم فوق قلوبنا.. وأن أصلح شيئاً..
    دخلت غرفتها بهدوء.. وجدتها صامتة على سريرها.. جلست قربها.. نظرت إليها..
    - لأول مرة.. هل تسمحين لي أن أسألك..
    لماذا؟
    سكتت طويلاً..
    وحين رأت إصراري بالنظر إليها ابتسمت بحزن هازئة..
    - كنت أعتقد أنه يحبني ..
    - ثم؟
    - حين بدأ رجال الهيئة بملاحقة السيارة فوجئت به يقف بسرعة ويصرخ بي كي أنزل بل أخذ يدفعني بقوة.. ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أقف في منتصف الشارع لوحدي وقد هرب وتركني.. النذل..
    - هل سبق وخرجت معه من قبل؟
    - مرة واحدة فقط.. أخذني من المدرسة وتغدينا ثم أعادني ..
    نظرت إليها طويلاً ثم قلت..
    - .. وما شعورك الآن؟
    - شعوري؟ .. أكرهه.. وأكره نفسي..
    وفجأة.. أخذت تبكي بحرقة وتشهق.. حتى أثارت حزني.. اقتربت منها.. وضممتها لأول مرة منذ شهرين.. ومسحت على شعرها الخفيف الذي تساقط أكثره منذ فترة..
    شعرت بعطف شديد عليها.. ضممتها وأخذت أبكي معها..
    - لا تكرهي نفسك يا حبيبتي .. لا تكرهيها.. باب التوبة مفتوح.. والله سبحانه وتعالى ينتظرك.. ينتظر توبتك ويفرح بها..
    اهتزت بين يدي كحمامة صغيرة وهي تبكي..
    - لكنكم تكرهوني .. خلاص.. لا تريدوني.. لا أحد يريدني حتى لو تبت..
    أمسكت رأسها ورفعته فشاهدت في عينيها جود الطفلة الصغيرة..
    - كلنا سنحبك.. وسننتظرك.. فقط انسي الماضي.. وابدئي من جديد..
    ثم تابعت بهدوء..
    - أنا لا أريدك أن تنسي الماضي من أجلنا.. كلا.. أريدك أن تنسيه من أجلك أنت.. أن تفتحي صفحة بيضاء جديدة مع ربك.. مع خالقك.. إنها علاقتك به.. أصلحي ما بينك وبينه.. وسيصلح كل شيء بينك وبين الآخرين..
    ارتجف صوتها..
    - لكن.. سمعتي .. انتهت..
    ابتسمت لها..
    - من قال ذلك؟ لا شيء ينتهي طالما باب الكريم الرحمن مفتوح.. فقط ندي يديك إليه.. وسترين كرمه ورحمته..
    نظرت إلي لأول مرة في حياتها بتأثر.. ثم ابتسمت وعيناها لا تزالان غارقتان بالدموع..



    **
    مجلة حياة العدد (62) جمادى الآخرة 1426هـ

     


     

    - 31 -

    قصة / شائعة العفيصان

    رائحة الندى



    أمسكت ديمة بيد أستاذة سمر الأخصائية النفسية وقالت وهي تبكي..
    (بربك أي عدل هذا الذي تحدثيني عنه؟! بعد ثمانية عشر عاماً تخبريني..؟! بعد أن بدأت جراحي تلتئم تفتحينها وتؤلميني؟! لماذا في هذا الوقت بالذات؟)


    مسحت دموعها عن خدها..
    (هل تعلمون ما الذي نعانيه؟! هل تعلمون الآلام التي نعيشها؟!)


    تنهدت بحرقة وهي تقول..
    (أعرف أننا لديكم مجرد أرقام وحالات وملفات تدرسونها اجتماعياً ونفسياً! أما آلامنا.. جراح قلوبنا التي لم تذق طعم الحب والحنان فلا تعرفون عنها شيئاً)


    حاولت سمر مقاطعتها والتعليق على كلامها لكنها لم تستطع.. فلاذت بالصمت..

    اقتربت ديمة من المكتب وأمسكت صورة أطفال الأستاذة وقربتها من وجه الأستاذة وهي تقول بهدوء..
    (انظري..
    انظري لصورة أطفالك..
    انظري لعيونهم..
    وقارني بينها وبين عيوننا..
    عيا قارني..
    لتعلمي أن الفرق بيننا كبير.. وشاسع..
    عيون مشبعة بالدفء.. وأخرى محرومة ضائعة تبكي بلا دموع..)
    رفعت عينيها نحو سقف الغرفة بهدوء.. وقالت بهمس..
    في كل ليلة..
    كل ليلة.. أتأمل وجهاً من صنع خيالي..
    أرسم التفاصيل لوجه حبيب وأخط له أجمل عيون.. وأجمل أنف وفم.. أمنحها صوتاً رخيماً دافئاً..
    أجلس في أحضانها.. وأقبلها.. وأتركها تمسح بيدها على شعري..
    تلك الأم.. التي تخلت عني..
    تنهدت ثم أكملت بخيبة أمل.. وهي تنظر للأرض..
    (حقاً لا أحد يعرف ظروفها.. لكن.. لا عذر لها..)
    وفجأة داهمتها موجة غضب وصرخت..
    (لا عذر لها أن ترميني في الدار أتعذب بلا أم أو أب كل تلك السنوات.. لا عذر لها أن تترك فلذة فؤادها بين المربيات المستأجرات.. تقاسي الأمرين.. تتسول من أعينهن نظرة حنان أو حب فلا تجد.. يتغيرن سنة بعد سنة.. فلا تثق في حب مربية خوفاً من فقدانها وذهابها..)


    (لا تكوني قاسية هكذا يا ديمة.. فأنتم ولله الحمد نحظون بالرعاية والعناية والمسؤولون يقومون بزيارتكم و..)

    رفعت ديمة يدها مقاطعة.. وقالت باستخفاف..
    (نعم.. نعم.. يقومون بزيارتنا مرة أو مرتين في السنة، لكن كضيوف شرف ومعهم الإعلاميون لتسجيل الزيارة.. وبالطبع قبل قدومهم يتم تنظيم الأمور حتى يبدو الوضع بلا مشاكل أمامهم!!


    (لا يا ديمة.. لا تتحدثي بهذا الأسلوب السوداوي.. تفاءلي واحمدي الله..

    أكملت ديمة بهدوء غير آبهة بما قالته سمر..
    (في صغرنا.. كنا نعلم أننا أيتام فقط.. كانت لنا كرامة بعض الشيء.. هه.. كان الجهل نعمة لنا.. رغم الألم والحرمان واليتم.. كنا غارقين في عالم الطفولة البريء..
    أما الآن فقد تغير كل شيء.. بدأت مشاكلنا في الظهور.. وكل باحثة أو دارسة نفسية تأتي إلينا تبدأ في إظهار قدراتها وتتعامل معنا كفئران تجارب حتى تثبت صحة نظرياتها!
    نظرت نحو البعيد تسترجع ذكريات قديمة..
    (لا أنسى ذلك اليوم الحزين الذي عرفت فيه حقيقتي وكان عمري اثنا عشر عاماً فقط..
    طبقت علينا إحدى الباحثات النفسيات نظريتها حتى تستكشف رد الفعل.. فشرحت لنا وضعنا الاجتماعي ونحن في ذلك السن..
    حقيقتنا المرة.. أننا.. لقطاء.. أطفال غير شرعيين..
    أي حقيقة أكثر ألماً من هذه؟.. قولي لي..!)
    وانكفأت على وجهها باكية بحرقة..


    لم تعرف سمر ماذا تقول لها.. وأخذت تفكر في هذه النظرية التي وجدت ترحيباً من المسؤولين والمهتمين كدراسة تطبيقية. ولكن إنسانياً.. ألم يفكروا في ألمها؟ ألم يتخيلوا كيف تحطم أنفس هؤلاء الأيتام وأرواحهم الشفافة وهم في ذلك السن الخطر؟ ما جرمهم.. ما ذنب هؤلاء الأبرياء حتى يسقوا العلقم..؟

    قامت ديمة ووقفت أمام سمر.. وأكملت بتلعثم..
    (عندما علمنا بحقيقتنا أول الأمر كنا نلعن تلك الأم التي تخلت عنا.. وعندما هدأت براكين الغضب.. بدأنا نفكر بهدوء.. لم يعد في أعيننا سؤال سوى.. من نكون؟ من أمهاتنا؟ من هي هذه الأم التي رمت بقطعة قلبها في الشارع لتمسح فعلتها الدنيئة؟.. أين هي الآن؟ هل هي موجودة وحية؟ هل تفكر بنا كما نفكر بها؟ أم أنها قد نستنا تماماً؟ هل تحس بما نتعرض له من ألم كل يوم بسببها؟ هل.. هل تحبنا؟
    فيما بعد.. لم نعد نكرهها.. لأننا لم نعرف الحب.. فكيف نكره؟!
    كم تعرضنا في حياتنا للظلم والقسوة... فأي خطأ نرتكبه ولو كان بسيطاً يفسر ألف تفسير وتفسير.. فنحن.. مختلفون عن الأطفال الأسوياء.. نحن.. موطن شك وريبة..
    لم تستطع أن تتماسك فانهارت بالبكاء مرة أخرى..


    اقتربت منها الأخصائية وضمتها إليها ومسحت على رأسها وهي تقول..
    (كل هذه المشاعر تخفينها يا حبيبتي؟)..
    هدأت نفسها وتذكرت السبب الذي من أجله استدعتها الأخصائية.. فقالت..
    (حسناً.. أوافق أن أقابلها يا أستاذة سمر.. لكن بشرط.. أن أراها دون أن تراني.. أريد أن أسمع صوتها.. أرجوك أريد أن أسمع صوتها وقصتها كاملة وبعدها أقرر وأخبرك بموافقتي على لقائها أو لا..)
    قالت سمر (من حقك يا ديمة اتخاذ القرار ولن نجبرك على شيء.. ستأتي صباح الغد بإذن الله.. اذهبي الآن إلى غرفتك.. وخذي حماماً منعشاً ونامي جيداً وسأرسل لك قبل مجيئها صباحاً)..
    حين خرجت من غرفة الأخصائية اتجهت إلى غرفتها فوجدت أخواتها من أسرتها تجمعن هناك.. ارتمت على صدر أختها هناء باكية.. فقالت صباح بتهكم.. (احمدي الله يا ديمة.. فبدل أن تفرحي بهذا الأمر تتأزمين وترفضين؟ حقا أنت غريبة!)
    ثم أتبعت (ليتني في مثل وضعك لرضيت وقنعت.. ولكن هيهات أنا أعلم بوضعي كله.. !)
    ووقفت وهي تؤدي حركات استعراضية.. وتشير بيدها كالمهرج..
    (أنا ابنة السنيورة!.. الجميلة! حاوية القمامة.. القبيحة..!).. وقهقهت ضاحكة بمرارة.. وابتعدت راكضة بعيداً عن المجموعة تكاد تحرقهم بنظراتها الغاضبة..
    نظرن إلى بعضهن نظرات كسيرة.. نعم إن لكل واحدة قصة لا ناقة لها بها ولا جمل.. فهن مجرد ضحايا..


    * * *

    استيقظت ديمة على يد تهزها برفق وصوت يناديها..
    - ديمة.. ديمة.. انهضي حان الموعد ستأتي..!
    أفاقت بعينين ناعستين ذبلت رموشها من كثرة البكاء طوال الليل.. وابتسمت لهناء رفيقة دربها.. السمراء الحنونة..
    - أحقاً يا هناء؟! ستأتي هي بنفسها..؟
    - نعم.. هي ستأتي بعد قليل.. هيا يا كسولة بسرعة.. هيا..
    قامت ديمة بتثاقل فهي لا تملك حيوية هذه الجوهرة السمراء هناء..
    لبست ديمة ملابسها بكل عناية.. ورفعت شعرها الطويل بشكل مرتب.. وارتدت صندلاً خفيفاً.. وبدت رقيقة وجميلة..
    سارت في الممر الطويل المؤدي إلى المكتب الخاص للأخصائية سمر بالقرب من الحديقة الصغيرة..
    لم تكن تشعر بأي مشاعر.. طرقت الباب بكل أدب ثم دخلت.. باغتتها سمر..
    - هيا بسرعة! أخرجي من الباب الخلفي وسأفتح الشباك حتى تسمعي كل ما يدور بنفسك..
    وقفت ديمة خلف الشباك وأحست بحركة وسمعت عبارات ترحيب.. فبدأ قلبها يخفق بشدة.. يكاد يقفز من بين أضلاعها.. فتماسكت ودعت الله أن يعينها..
    وبيدين مرتجفتين سحبت جزءاً من الستارة.. لكنها لم تر شيئاً فالضيفة قد أعطتها ظهرها من الخلف ولم تميزها لأن العباءة تغطيها من أعلى رأسها لأخمص قدميها..
    سمعت سمر تتحدث للمرأة.. ثم سمعت المرأة لأول مرة تتحدث.. بدأت تبكي وتقول..
    (أرجوك يا أستاذة سمر أنا متأكدة أنها ابنتي الحبيبة.. لديها شامة مدورة بحجم الريال المعدني وأنا لدي واحدة بذراعي مثلها..
    رفعت ديمة كم بلوزتها.. وأخذت تنظر للشامة وكأنها تنظر إليها للمرة الأولى وهي ترتعش من التأثر والقلق..
    أخذت الضيفة ترجو سمر أن تراها وتقابلها.. وتقول..
    (أرجوك.. لم يعترف لي والدي إلا منذ فترة بسيطة قبل وفاته.. فاجأني بطلبه السماح مني قائلاً أنه كان يحترق ألماً علي لكنه لم يرد إخباري.. لقد قال لي والدي أن ابن عمي صادق في أنه لم يختطف ابنتي أو يقتلها.. وأعطاني والدي حقيبة سوداء قال أن كل الحقائق موجودة فيها.. قال والدي.. أنه تخلص هو من ابنتي لأنه لم يتحمل أن يترك ابنة من خان الأمانة تعيش معه..
    قال والدي بكل حسرة وندم.. أنه لم ولن يسامح ابن أخيه الذي انتهك عرضي.. عرض ابنته الوحيدة.. لذا أراد أن يتخلص من هذه الطفلة البريئة التي كانت ستلطخه بالعار.. فوضعها أمام دار حضانة الأطفال الأيتام مع رسالة تفيد بأن اسمها ديمة عبد الله..)
    تنهدت قليلاً ثم أكملت..
    (أخبرني والدي أنه كان يزور الدار كل أسبوع ليراها حين كانت طفلة.. كان يزورها بصفة أنه متبرع وفاعل خير.. ألا تعرفينه.. إنه الشيخ أبو محمد الزائر الدائم للأطفال..)
    ترددت ثم قالت بعاطفة شديدة..
    أرجووووك يا أستاذة سمر.. أرجوووك أريد أن أراها الآن.. لم أعد أحتمل.. أريد أن أرى ابنتي)
    وحاولت أن تنهض فلم تستطع فوقعت على الأرض من على كرسيها المتحرك..
    صرخت ديمة من شدة التفاعل مع أمها التي لم تتخيل يوماً أن تكون معاقة.. وأطلت من النافذة.. التفتت الأم إلى مصدر الصوت.. فكأنها تنظر لصورتها في شبابها..
    (إنها ابنتي!!.. ابنتي) قالتها شاهقة.. وأخذت تزحف نحو النافذة بكل ما تستطيع..
    أقبلت ديمة مسرعة من الباب تصرخ (يمه.. يمه).. ومدت يديها نحو أمها تعانقها وتقبلها وتشم رائحتها التي افتقدتها طوال حياتها ولم تعرفها إلا هذا الصباح مع رائحة الندى..
    (عذراً يا أمي لم أكن أعلم بحقيقة قصتك، وحالتك الصحية.. سامحيني لأني لم أوافق على رؤيتك سامحيني)
    صمتت الأم طويلاً إلا من شهقات البكاء ثم قالت..
    (والله يا بنيتي لم يكن لي يد في ما جرى لك.. لقد حملت بك كما علمت بسبب اعتداء من ابن عمي.. وفوجئت باختفائك بعد ولادتك بساعات.. كان قلبي يحترق ألماً طوال ثمانية عشر عاماً وأنا لا أعرف مصيرك المجهول)
    أخذت ديمة تقبل يدي أمها وتمسح بها دموعها.. عاجزة عن الكلام..
    (كلانا يا ديمة ضحية.. فنحن وجهين لعملة واحدة...)..



    **
    مجلة حياة العدد (63) رجب 1426هـ
     



    - 32 -


    شيء جديد.. على وجهي!
     


     

    وقفت وأنا مترددة أمامها..
    - يمه..
    - نعم..
    ردت أمي باقتضاب وهي تمسح مرآة غرفة نومها..
    ابتلعت ريقي وتشجعت لأقول..
    - أريد أن أشتري فستاناً جديداً لزواج خالي فهد.. لو سمحت..
    كانت مستمرة في المسح دون أدنى اهتمام..
    تشجعت مرة أخرى ودقات قلبي تتسارع.. وقذفت قنبلتي:
    - وأتمنى أن أشتري حذاء وحقيبة سهرة صغيرة..!
    نظرت إلي بحدة.. وقالت باستهزاء..
    - لماذا لا تشترين السوق بأكمله؟ هاه؟.. من يسمعك لا يصدق أنك قد اشتريت فستاناً فخماً الصيف الماضي فقط..
    - لكن.. يا أمي.. فستان الصيف الماضي لبسته لأربع مناسبات متتالية.. وزواج خالي لا يعتبر مناسبة عادية.. فأنا ابنة أخت المعرس.. وأحتاج لفستان جديد.. الله يخلييييييييك..
    مطت شفتها بغضب..
    - يا لصغر عقولكن.. من أجل ساعتين فقط.. تردن صرف خمسمائة ريال على فستان جديد.. بنات آخر زمن.. فستانك من أروع ما يكون ولا تحتاجين لفستان جديد..
    ثم عادت للمسح دون اكتراث.. وكأن الأمر مفروغ منه..
    وتمتمت بهدوء..
    - قسط الإيجار والفواتير كلها تراكمت على والدك هذا الشهر.. لا نستطيع..
    بدأت الدموع تلمع في عيني..
    - أمي أرجوك.. لا يمكن أن أحضر الزواج بذلك الفستان.. لا يمكن.. سيكون ذلك مضحكاً! لقد صبرت بما فيه الكفاية.. أنا أحرم نفسي من كل شيء من أجل ميزانيتكم.. والله لقد تعبت من نظرات بنات أعمامي وعماتي.. تعبت من تحمل ذلك..
    كلهن يرتدين فساتين جديدة في كل مناسبة.. وأنا.. دائماً ملابسي مكررة وقديمة.. ورخيصة أيضاً.. !
    بدأت أبكي بحرقة..
    - (لماذا تفعلون بنا ذلك.. إذا لم نلبس ونستمتع في هذا السن فمتى بالله نستمتع ونلبس ما نريد؟ ألا يكفي أنني أحرم نفسي من شراء المكياج الفاخر ولا أشتري إلا من المحلات الرخيصة.. ألا يكفي أني لا أشتري إكسسواراتي إلا من أبو ريالين وشاكلته بينما بنات عماتي لا يشترين إلا أرقى الماركات!!
    إلى متى نعيش في هذا الحرمان؟ إلى متى؟)
    واتجهت مسرعة إلى غرفتي.. متجنبة نظراتها.. وأنا أبكي على حالي رغم أنني كنت أعلم جيداً أن وضعنا المادي لا يسمح.. وأنني كنت أبالغ في كلامي..


    * * *

    منذ صغرنا.. كنت أشعر بأنني لا أستطيع الحصول على ما يرغب به أغلب الأطفال.. فالألعاب لا نشتريها إلا في الأعياد.. وكذلك الملابس والأحذية من النادر أن نشتري الجديد منها دون مناسبة هامة..
    كنت أشعر بكبت شديد.. لكني رغم طفولتي كنت أقدر ذلك لوالديّ فلا أطالبهما بما يرهق كاهلهما.. وكنت أحبس أحلامي ورغباتي الصغيرة في صدري..
    فيما عدا ذلك كنا أسرة متماسكة ولله الحمد.. ولم تكن هناك الكثير من المشاكل سوى ذلك الألم الذي يغتالني بسبب إحساسي أن والديّ ضعيفان ومسكينان وغير قادرين على توفير ما أحتاجه.. كنت أشعر أن سعادتي ناقصة..
    فقد كانت عبارة.. (ما نقدر)، (ما عندنا فلوس!)، (بابا مسكين ما يقدر يشتري لك هذا).. كانت هذه العبارات تغتال فرحتي الطفولية بل وتغتال حتى أحلامي الصغيرة..
    حتى حين كنت أستلقي على السرير.. وأتخيل ما أحلم به من ألعاب وحلوى كثيرة.. كنت أسمع صوت أمي يتردد من بعييييد (ما نقدر)، (ما عندنا فلوس).. فتتهدم قصور أحلامي وتتساقط أراجيح أمنياتي..
    وحين كبرت.. بدأت أشعر بالفرق بيني وبين زميلاتي وقريباتي.. وبدأت النظرات الشامتة تأخذ طريقها للملابس الرخيصة والساعات المقلدة التي أرتديها.. كانت مشكلتي الكبرى هي أن معظم من حولي هم من فئة المقتدرين أو الأغنياء مادياً.. وكنت أشعر بالألم يعتصرني حين تتحدث بنات أعمامي وعماتي عن ماركات ملابسهن كأحذيتهن.. ومكياجهن وعطورهن الفاخرة.. بينما أذوب أنا خجلاً فأشغل نفسي عن حديثهن بمداعبة طفل صغير أو تقليب جريدة قديمة..
    كنت أعتبر نفسي أقل منهن.. فلا أستطيع محادثتهن ولا عقد صداقة قوية معهن تذلك السبب..-


    * * *

    وذات يوم.. سكن جيران جدد في الدور الذي يعلونا مباشرة..
    كانوا أسرة من باكستان.. أم مع ابنتيها إحداهما في سني تقريباً.. وتهم ابنين في باكستان.. أما الأب فيغيب معظم اليوم في العمل..
    ولعدم وجود رجل لديهم في البيت معظم اليوم كنت أستمتع كثيراً بزيارتهم.. وهم كذلك.. فكنت أقضي وقتاً ممتعاً لديهم.. دون ممانعة أمي.. وكنت أتخاطب مع الفتاتين – نسرين وفايزة- بخليط من العربية والانجليزية المكسرة.. ورغم هذا نشأت صداقة قوية بيننا..
    كنت أشعر بشي غريب لديهم..
    فرغم ضعف حالتهم المادية.. ورغم بساطة بيتهم الشديدة.. وعدم وجود الأثاث في بعض الغرف.. لكن بيتهم كان يرفل بسعادة غريبة.. ما شاء الله.. كانت الأم دائماً تحمد الله وكانت تفرح بي إذا رأتني.. وكانت الفتاتان سعيدتين جداً بحياتهما.. ولا يبديان أي تذمر من حالتهما المادية..
    بعد فترة عرفت أنهما كانا يعيشان في وضع مختلف قبل قدومهما.. لذا فهما تشعران أن هذا البيت واسع عليهم.. لكن في نفس الوقت كانت نسرين تتحدث عن بلدها وعن أقاربهم هناك بفرح شديد وتصف لي السعادة التي كانوا يعيشون فيها هناك..
    تعلمت مع نسرين.. أن أفرح بكل ما حولي.. وأحمد الله..
    وحين كنت أشاهد غرفتها.. كانت تعجبني تلك البساطة الرائعة.. وتلك الأشياء الصغيرة الرخيصة في ثمنها الغالية في معناها.. كانت تحتفظ بلعب طفولتها القديمة مصفوفة بترتيب على رفها.. كما كان لديها صندوق معدني ملون جميل تحتفظ فيه برسائلها مع ابنة خالتها.. وكان لديها ألبوم صور تحتفظ فيه بقصاصات من أوراق الصحف والمجلات.. فيه صور جميلة وقصائد..
    حين كنت أدخل غرفتها كنت أشعر أني أدخل عالماً آخر.. غني بأشياء كثيرة.. لذا كنت أفرح..
    وذات يوم زارتني... وشاهدت غرفتي لأول مرة.. فتحت درجي فشاهدت الأعداد الكبيرة من الأكسسوارات التي لدي.. بهتت وقالت..
    - واااو غادة.. عندك كثيييير Jewels ما شاء الله!!
    - إنها مقلدة ليست مجوهرات..
    - أعرف.. لكنها كثيرة.. وجميلة..
    وأخذت تقلب أكسسواراتي واحداً بعد الآخر.. وهي معجبة جداً بها..
    وحين فتحت لها دولابي.. بهرت بالفساتين التي لدي.. وقالت..
    O my Ghada !
    you r a princess..!
    you have wonderful dresses..
    (أوه غادة! أنت أميرة! لديك فساتين رائعة)
    شعرت أن كلماتها أصابت صميم قلبي..
    فساتين أميرة؟!! فساتيني أنا؟!
    معقولة؟!!
    شعرت بالخجل وحاولت أن أقول لها أنها كلها فساتين قديمة ورخيصة.. لكن لم أستطع..
    حين نظرت إليها وهي منبهرة بفساتيني.. شعرت بشيء غريب.. خليط من الخجل والرحمة في نفس الوقت..
    كنت أعلم أن وظيفة والد نسرين كانت جيدة..
    لكن نظراً لكونه يصرف على ولديه اللذين يدرسان الطب.. مع والديه الكبيرين في السن.. وأخته الأرملة.. لذا كان وضعهم المادي فيه شيء من الصعوبة..
    وحين نظرت نسرين لحقيبة مكياجي وأخذت تقلب محتوياتها كانت عيناها تشعان بفرح.. وهي تقول.. أن لدي عدة مكياج مبهرة..
    تلمست مفرش سريري.. وقالت أنه يبدو من النوعية الفاخرة..
    بدت مبهورة بكل ما لدي..
    وقالت.. ما شاء الله يبدو أنكم أغنياء يا غادة.. !
    أمسكت زمام ضحكتي.. لكن بعد قليل شعرت أنها تقول شيئاً هاماً..
    قلت لها نحن أغنياء؟؟ لسنا كذلك.. لكن الحمد لله..
    وقبل أن تخرج فكرت أن أهديها أحد فساتيني القديمة التي أعجبتها.. أمسكته وقدمته لها.... لكنها رفضت تماماً.. وقالت كلا لا يمكن.. الحمد لله لسنا بحاجة لفستان جديد..
    حاولت إقناعها بشتى الوسائل لكنها رفضت بشدة وشكرتني..
    وفي تلك الليلة أخذت أفكر بصدق.. هل نحن أغنياء حقاً كما قالت نسرين؟
    الحمد لله نعيش في بيت يأوينا.. ولدينا ملابس تسترنا.. وطعام يغذينا.. وشراب يروينا.. وحلي تزيننا.. فماذا نريد أيضاً؟
    سبحان الله.. يبقى الإنسان طماعاً ولا يملأ فمه إلا تراب القبر..
    نحن فقط لدينا الحق في أن نقيم أنفسنا كفقراء أو أغنياء.. ونحن من يوحي للآخرين بذلك بتصرفاتنا..
    ومنذ ذلك اليوم قررت أن أعتبر نفسي غنية وأحمد الله وأشكره بدلاً من التذمر..
    وفي زواج خالي فهد.. ارتديت فستاناً من فساتيني القديمة..
    لم يكن علي من شيء جديد سوى قرط فضي متدل..
    وملامح سعادة وقناعة وفخر تطل من وجهي لأول مرة.. وبشكل أثار إعجاب الجميع..



    **
    مجلة حياة العدد (64) شعبان 1426هـ

     


    - 33 -


    لم أهرب هذه المرة..


    ألقيت جسمي على الكرسي المتهالك.. وأخذت أتنفس
    بعمق وأنا أرتجف من شدة الانفعال.. وقطرات العرق
    تتصبب على وجهي..
    آآآآآآآه.. يا الله..
    فتحت قارورة الماء البارد التي كانت معي وأخذت أصبه
    على رأسي كالمجنونة..
    شششششششششششش.. باااااارد..
    ضحكت..
    أخذ الماء يتصبب على جوانب وجهي وصدري.. ويبلل
    ملابسي..
    بينما دموعي تنهمر خلف نظارتي السوداء..
    نظرت إلى الساعة كانت التاسعة والربع.. تصبح
    الجامعة خاوية تقريباً هذا الوقت.. الكل في قاعاته..
    وأنا هنا.. وحدي..
    آه يا ربي.. كم من الألم أتحمل وحدي..
    رفعت قدمي وجلست على الكرسي..
    رفعت ركبتي لأعلى ووضعت رأسي بينهما..
    ألم.. ألم حارق يغرس أنيابه في قلبي.. ورئتي..
    وشراييني.. ويفترس حتى أطراف أصابعي..
    هل كانت هي السبب..؟
    لا أعتقد.. شجاري معها كان فقط القشة التي قصمت
    ظهر البعير.. لقد انفجرت لأصب جام غضبي
    عليها..
    فتدفقت آلامي المترسبة..
    ليست الدكتورة سميرة المتعجرفة هي السبب.. كانت
    مجرد دبوس فجر بالونة همومي القديمة..!
    أخذت أبكي بحرقة ولا أعرف لماذا.. أشعر بالألم..
    الضيق..
    أشعر أن كل شيء ضدي.. منذ طفولتي..
    والداي المنفصلان منذ الطفولة..
    أبي البعيد اللامبالي.. أمي المشغولة بنفسها دائماً..
    جدتي المتسلطة..
    مدرساتي القاسيات..
    درجاتي السيئة ورسوبي المتكرر..
    وحدتي الدائمة.. وعدد شعور أحد بي..
    صديقاتي الغادرات.. ناكرات الجميل..
    حتى.. هو.. طعنني وذهب..
    هو .. الذي أحببته من كل قلبي..
    وسهرت الليالي الطويلة أحادثه.. وأراسله..
    تركني إليها..
    صديقتي..
    لماذا؟
    كنت أعتقد أنه يحبني.. وأنني كل شيء في حياته..
    لكنه ذهب..
    تركني وحيدة.. أتخبط بين هذا وذاك للتسلية وقضاء
    الوقت على الهاتف والنت.. أبحث عن السعادة..
    تمر فتاتان.. ينظران إلي باستغراب.. هه.. يبدو أنني
    بالغت اليوم قليلاً..
    أتلمس الحلق الطويل الذي يتدلى من أذني اليسرى..
    وخصلة شعري الوردية على وجهي.. وأبتسم..
    هـه.. لتنظرا.. لتحدق هاتان الغبيتان.. لا يهمني
    أمرهما.. مسكينتان تعتقدان أنهما تحرجانني
    بنظراتهما!!
    غبيتان.. أنا أتعمد فعل ذلك لتنظرا إلي.. أريد أن
    أحرق أعصابهما.. حسناً؟!
    حتى الغبية سميرة.. تعتقد أني سأخاف من سجل
    حضورها أو من صرخاتها الخرقاء.. أنا لا يهمني
    أحد..
    لا أحد.. طالما أن أحداً لم يهتم بي في حياتي..
    أخرج مسجل الهيد فون الخاص بي.. وأضع شريط
    مطربي المفضل..
    أجد نفسي أزداد ضيقاً وحزناً.. وأتمنى أن أموت..
    فهذه الدنيا ليس فيها سوى الآلام والوحدة..
    أغلق الشريط .. وأفكر في أن أسمع قناة موسيقية..
    أحرك مؤشر الراديو يمنة ويسرة.. يتهادى إلى سمعي
    صوت قرآن من إذاعة القرآن..
    قشعريرة تسري في جسدي.. أشعر بالخوف.. لا
    أعرف لماذا..
    كأن شيئاً عظيماً يحيط بي.. شيء أهرب منه دائماً..
    أغير المؤشر بسرعة.. ودقات قلبي تتسارع..
    لماذا أخاف من سماع القرآن الكريم؟
    لماذا أمر على المصلىّ بسرعة ولا ألتفت تجاهه وكأني
    مذنبة هاربة تخشى من العقاب؟!
    ضممت ركبتي إلى صدري.. وكأني أحتضن أماً لم
    أشعر بحنانها في حياتي..
    كنت متوترة.. خائفة.. بحاجة لمن أهرب إليه..
    وبحركة لا شعورية.. أمسكت مسجلتي وفتحت على
    الإذاعة مرة أخرى..
    وكمن يستلذ بتعذيب نفسه..
    أخذت أسمع القرآن..
    وعرفت لماذا أخاف وأهرب.. وأرتبك إذا سمعته..
    لأني بعيدة.. بعيدة جداً عن إلهي..
    وأخشى مواجهته..
    شيء مخيف فعلاً.. لقد ابتعدت كثيراً.. بالغت في
    ذلك..
    لم أركع ركعة واحدة لله منذ سنوات.. أغويت
    الكثيرين..
    استهزأت.. وسخرت.. وعبثت.. و..
    لقد ابتعدت كثيراً..
    لكن.. كيف أعود.. الطريق بعيد.. من يمسك بيدي؟
    لا أحد يجرؤ حتى على الاقتراب مني.. أو دعوتي..
    وأنا.. لا أعرف كيف أعود..
    أشعر بانكسار..

    * *

    بقيت أياماً حائرة..
    أشعر بعطش شديد.. لشيء لا أعرفه..
    سئمت الأغاني.. سئمت الأفلام والمسلسلات..
    سئمت جلسات البالتوك طوال الليل..
    سئمت الهاتف وكل شيء..
    نفسي الضائعة الضجرة تبحث عن شيء ما.. لا أريد
    الاعتراف به..
    يرن جوالي..
    إنه هو.. أففف..
    حتى هذا الأخير أصبح مملاً..
    أغلقت الخط في وجهه..
    ماذا أريد..؟ يا ربي..
    أشعر بأني أكاد أختنق..
    وبهدوء.. أسحب مذياعي.. وأستمع للإذاعة..
    صوت القرآن عذب..
    رغبة الهروب والخوف بدأت تقل.. لكنها لازالت
    تساورني..
    أسترخي على سريري..
    يا الله.. كم أريد أن أتوب.. أن أعود إليك..
    لكن.. أخشى..
    ألا تقبلني..
    أخشى أن يكون ذلك صعباً..
    ماذا سيقلن عني؟ أحلام صارت مطوعة!!
    سيضحكن علي.. سيهزأن بماضيي..
    سـ..
    كلا.. لا أستطيع..
    كيف أترك كل ما حولي من متع؟

    * *

    أسير في الجامعة وحدي..
    منذ غدرت بي فايزة وأخذته مني..
    وأنا أكره الصديقات.. أكرههن.. وأكره كل من حولي..
    هذه الأيام.. لم أعد أهتم بلفت الأنظار..
    أشعر أن أشياء كثيرة تتحطم في داخلي..
    وأني مشغولة بالبحث عن نفسي الهاربة منذ زمن..
    أسمع إحداهن تهمس لزميلتها..
    - انظري!!.. أحلام أزالت خصلتها الفوشية والوشم
    المخيف الذي على رقبتها!!
    - فعلاً.. ولم تعد ترتدي أساورها الجلدية الغريبة!
    أرمي جسدي على الكرسي.. بينما عقلي يجول في
    أماكن كثيرة..
    والفكرة تراودني..
    هل أتوب.. لكن.. صعب..
    لقد مللت.. تعبت.. ماذا لو أجرب..؟
    كلا.. سيضحكن علي.. أعرف ذلك!
    كنت مشتتة تماماً.. ولا أعرف ماذا أفعل..

    * *

    بعد المحاضرة.. وجدت نفسي أسير.. إلى حيث لا
    أعرف.. إلى حيث سارت بي قدماي..
    ووجدت نفسي أمام مكتبها.. المعيدة أسماء.. التي
    سبق ودرستني في سنتي الأولى..
    وقفت صامتة أمام مكتبها المفتوح..
    نظرت إلي وأغلقت سماعة الهاتف.. كانت مستغربة..
    - أهلاً.. أحلام.. كيف حالك؟
    هي الوحيدة التي لا أشعر أنها تكرهني على الأقل..
    - تريدين شيئاً؟
    - آآآه.. ممم.. كلا.. آسفة..
    وهممت بالخروج من الغرفة..
    - أحلام.. لحظة تعالي..
    اقتربت منها.. وأنا متوترة..
    - نعم..؟
    - أشعر أن لديك شيئاً..
    - أنا؟.. لا.. لا شيء..
    - حسناً اجلسي معي قليلاً.. ما رأيك بشرب فنجان
    من القهوة؟
    شعرت بالراحة.. وجلست.. كنت أشعر أنها تفهمني..
    نوعاً ما..
    كانت تصب لي القهوة من البراد حين قالت..
    - شكلك تغير يا أحلام!
    - أنا؟
    - نعم.. لا أعرف.. لبسك أصبه أهدأ من السابق..
    ألا تلاحظين ذلك؟
    - أهدأ؟ لماذا هل كان يصرخ؟ هه..
    - أعني.. حتى عيناك.. شيء ما تغير..
    ناولتني الفنجان.. وجلست أمامي بعد أن أغلقت
    الباب..
    وبقيت صامتة تنتظرني أتكلم..
    ثنت متوترة في البداية.. ثم .. بعد قليل.. وجدت نفسي
    أتحدث ببطء..
    - أستاذة أسماء..أنا بصراحة.. لا أعرف.. أشعر
    أني.. أريد أن أقترب من الله.. لكن.. أنا خائفة..
    أشعر أني لا أستطيع.. لا أستطيع الاستمرار في
    الصلاة والحجاب وغير ذلك.. أخشى أن لا أستطيع
    المواصلة..

    تنهدت ثم أكملت..

    - بصراحة أستاذة أسماء.. أنا ولا عمري صليت..!

    بقيت صامتة..

    - (لا تستغربي.. فأنا أعيش في بيت لا أحد فيه يهتم
    بي.. لم يأمرني أحد بالصلاة منذ طفولتي.. أعيش في
    منزل والدي الذي لا أراه مع جدتي المسنة منذ أن كنت
    في الخامسة.. وأمي متزوجة ولا تريدني.. لم يعلمني
    أحد يوماً ما هو الخطأ والصح.. الكل يكرهني..
    ويعتبرني عالة.. لم أشعر يوماً بالحب أو الاهتمام..
    حتى أنتم يا أستاذة أسماء.. لم تقترب مني أستاذة
    يوماً لتنصحني وتربت على كتفي بحنان وحب.. الكل
    كان يصرخ في وجهي ويعتبرني سيئة ووقحة.. لذا
    كنت أعاملهم بالمثل..
    كنت أشعر بنظرات المدرسات القاسية التي تنظر لي
    بكره ونفور..
    لماذا؟ لماذا لم تنصحني مدرسة واحدة لا في المدرسة ولا
    في الجامعة؟.. كلهن يتجنبن مواجهتي.. أو ينصحنني
    بترفع وفوقية وبصوت عال..)

    أخذت أبكي..

    ( كيف لمن هي مثلي أن تتوب.. وهي تغرق.. ولا أحد
    يمد يده إليها؟ قولي لي.. أنا خائفة الآن.. لأني مللت
    هذه الحياة.. ومللت الضياع.. وأريد أن أجد نفسي
    التائهة.. وأرتاح..)

    نظرت إلي أسماء بتأثر..
    وقالت بهدوء..

    (الإنسان كلما ابتعد عن خالقه.. كلما شعر بأنه صغير
    وضعيف وضائع..
    نحن نستمد قوتنا منه سبحانه.. فكلما اقتربنا منه..
    شعرنا بالراحة والطمأنينة والأمان..
    إذا أردت العودة لربك.. فابدئي بذلك... الله سبحانه
    وتعالى يمد يديه إليك لتتوبي.. ينتظرك.. يتشوق
    لعودتك إليه..
    وتأكدي أن توبتك.. هي لنفسك أنت.. وليست لأحد
    آخر)

    نظرت إلي بثقة ثم قالت..

    (قولي لي يا أحلام.. نبي الله ابراهيم عليه السلام..
    كان يعيش في مجتمع كافر أليس كذلك؟)

    (نعم)

    (والداه كافران.. وقومه كفار.. وليس هناك من يوجهه
    ولا من ينصحه.. فكيف اهتدى لعبادة الله سبحانه
    وتعالى؟)

    ( من نفسه..)

    (وهل ساعده أحد.. هل أيده أحد؟ كلا على العكس
    استهزأ به قومه ثم حاربوه وكادوا يقتلونه..)

    نظرت إليها باستغراب..

    (إذا بقينا ننتظر من يأخذ بأيدينا لنتوب.. فقد ننتظر
    طويلاً.. وقد يفوت الأوان دون أن نشعر..
    إنها حياتك أنت لا حياة أحد غيرك... حددي مسارها..
    إلى النار.. أم إلى الجنة..
    كوني قوية.. وابدئي الآن..
    وإذا كنت صادقة التوبة والعزيمة.. فستواصلين بإذن
    الله)..

    * *

    صليت العشاء.. ثم السنة الراتبة..
    واستلقيت على سريري بهدوء وراحة لم أعشها في
    حياتي من قبل وأنا أستمع بلذة لإذاعة القرآن الكريم..
    دون الرغبة في الهروب هذه المرة..


    **
    انتقاء من مجلة حياة العدد (65) رمضان 1426هـ
     


    - 34 -

    في رحيلها الـ ...

    هناك أشخاص يمرون في حياتك..
    فيتركون أثر جرح.. وهم كثر..
    وأشخاص يمرون.. فيتركون رائحة عطر.. وهم قلة..
    وآخرون يمرون..
    فيتركونك.. شخصاً آخر..!
    وهؤلاء..
    قد لا تراهم سوى مرة واحدة في حياتك..
    بثينة كانت من ذلك النوع..
    - لا أعرف لماذا لم يجدوا غير هذه المراييل السخيفة ليرغمونا على لبسها؟!!
    تبتسم وهي تقلب صفحات دفترها وتهز كتفيها..
    - هه!.. ربما لأنهم لم يجدوا ما هو أسوأ منها!
    - بالفعل.. أنت صادقة.. تبدو كأثوابٍ رجالية! خاصة وأن لونها الرمادي كئيب جداً ويشجع على كره المدرسة والرسوب.. بل حتى على فكرة الانتحار..!
    - أففف!.. انتحار مرة واحدة!!.. حرام عليك.. كان خلصوا بنات المدرسة!
    يأتي صوت المراقبة أبلة العنود..
    - يا الله يا بنات.. طوابير.. يا الله.. الله يجزاكم خير.. صفرت من خمس دقايق..
    - طيب طيب.. بشويش علينا..!
    تضحك بثينة.. وتهمس لي..
    - أي (بشويش) يا روان؟! المرة مسكينة قاعدة تترجانا.. أنت اللي بشويش عليها..
    نقف بملل في الطوابير..
    لا تشدنا الإذاعة المدرسية التي لم تتغير طريقتها منذ المرحلة الابتدائية.. (هل تعلم).. (حكم وأمثال).. تتكرر على مسامعنا كل سنة..
    أهمس لفدوى التي كانت تقف أمامي في الطابور..
    - رأيت كليب (فلانة) الجديد أمس..؟
    ترد بفزع..
    - لا.. ! أي كليب جديد.. ما شفت شي أمس؟
    - يا شيييييخة.. معقولة؟ فاتك نص عمرك..!
    تهمس لي بخوف كيلا تسمعها المراقبة..
    - وييين؟.. متى شفتيه..؟
    - في قناة الطرب.. بس شي خيااااال.. اليوم أقول لك قصته..


    نسكت قليلاً بينما تستمر الإذاعة..
    (هل تعلم أن سرعة عطسة الإنسان تبلغ 60 كم في الساعة.. وأن..)
    تكمل فدوى همسها..
    - وشلون طالعة في الكليب..؟
    - يوووه.. يبغالها جلسة.. اصبري إن شاء الله في الفسحة..
    بدا التضايق على بثينة وهي تسمع حوارنا..
    فلاطفتها بابتسامة اعتذار تعرفها جيداً.. وهي تنظر إلي بحزن..
    - بس يا اللي ورا!!!
    تصرخ الوكيلة المخيفة..
    ويسود الصمت للحظات..
    ثم تسير الطوابير..


    * * *

    حاولت مراراً أن تقنعني بأن أسجل معها في الدار..
    لكني كنت أتحجج بأشياء كثيرة..
    (ما عندي وقت.. ما عندي مواصلات.. صعبة.. ما أقدر أحفظ.. أخاف أتفشل..)
    وحين سجلت في ناد رياضي..
    اكتفت بأن واجهتني بابتسامة عتاب فهمتها بسرعة..
    كان لبثينة بريق خاص في عينيها..
    كانت فتاة هادئة.. خجولة.. وقوية في نفس الوقت..
    لا أعرف لماذا كان الجميع يقولون أنهم يشعرون براحة عجيبة عند الجلوس معها أو التحدث معها..
    تشعرين أنك مع إنسانة صادقة.. صافية السريرة تماماً مثل مرآة.. هادئة حد الدفء..
    وكان الجميع يستغرب أن نكون صديقتين.. رغم اختلافنا..
    كانت تقول لي دائماً..
    - فيك خير كثير يا روان.. أنت إنسانة رائعة.. فقط.. فقط لو تتركين عنك بعض المنكرات..
    - يوووووه.. عاد سويتيها (منكرات).. أنا بس اسمع شوية أغاني..
    - والدش؟
    - أي دش..؟ أنا بس أشوف شوية كليبات ومسلسلات علشان أشوف الناس شلون تلبس وتتمكيج.. بس!.. صدقيني هذا بس اللي يهمني..!
    - لكن هل تشعرين أن هذا الشيء صحيح؟ ماذا لو لاقيت ربك.. اليوم.. أو غداً.. ألن تندمي على هذا؟
    فأسكت..
    - الله يهدينا يا بثينة.. ادعي لي بس..
    ورغم استغراب الجميع من صداقتنا..
    إلا أن بثينة كانت تعلم كم هو قلبي صاف على الآخرين.. وأنني أحافظ منذ صغري على الصلاة والسنن.. وأحب عمل الخير.. ومناصرة الحق.. وكم أن مسألة الأخلاق والحشمة هامة لدي.. وكذلك بر الوالدين..
    لم أكن أحب الغيبة.. ولا النميمة والكذب..
    كانت هناك لدي فقط أمور.. لا أعرف لماذا تلطخ بياض أعمالي الصالحة.. ولا أستطيع تركها.. سماع أغاني.. غفلة.. انشغال بتوافه الأمور.. وكنت أتحجج بأننا لا نزال صغاراً في السن.. ولا بأس علينا بذلك!


    * * *

    في آخر يوم من أيام اختبارات سنة ثالث..
    كان يوماً بارداً.. لم نستطع فيه الجلوس كما خططنا في الساحة..
    ولم تكن لدينا شهية لأن نطلب من مطعم كما خططنا أيضاً..
    اكتفينا بوداعٍ حزين تخالطه الدموع الحارة..
    وتبادلنا شيئاً من هدايا بسيطة..
    ناولتني بثينة علبة هدية جميلة..
    - أرجوك.. يا روان.. اقرئي هذه الكتيبات واسمعي الأشرطة التي انتقيتها لك.. إنها رائعة..
    - إن شاء الله..
    ابتسمت والدموع تترقرق في عينيها..
    - ولا تنسيني...
    كنت أحاول التظاهر بأني قوية ومتماسكة..
    لكن حين تذكرت صبر بثينة علي طوال السنوات الماضية ومحاولاتها المتواصلة لنصحي وتغييري وهدايتي شعرت بالعطف والحزن عليها.. وبأني قاسية ومخيبة للآمال.. فانهرت بالبكاء.. ورجوتها أن تسامحني..


    * * *

    نسيت أمر الهدية في معمعة الإجازة..
    لم أقرأ كتيبات بثينة.. ولم أسمع أشرطتها.. بل لم أفتح العلبة أصلاً..
    سجلت في الجامعة.. انشغلت..
    لم أتواصل معها على الهاتف إلا مرتين أو ثلاث..
    ثم انقطعنا..
    مضى عام كامل.. عامان..
    في السنة الثالثة من دراستي الجامعية..
    ودون مقدمات.. أتاني الخبر عبر موجات الجوال..
    - روان!.. هل عرفتِ ماذا حصل؟
    - ماذا؟
    - بثينة هل تذكرينها؟
    - كيف لا أذكرها.. إنها صديقتي..
    - توفت الله يرحمها.. حادث سيارة في طريق عودتهم من العمرة..
    توفت.. توفت.. توفت؟؟؟ هكذا بكل بساطة.. زالت بثينة من هذه الحياة..
    معقولة.. بثينة؟ صديقتي الحبيبة..
    لم تعد.. موجودة..؟!
    لا أستطيع رؤيتها أبداً؟!


    * * *

    الأشخاص الرائعون لا نشعر بقيمتهم إلا حين نفقدهم..
    كنت أواعد نفسي بزيارتها ورؤيتها.. في وقت ما..
    لا أعرف.. حين أنتهي من (الانشغال)..
    والآن.. ها أنا أزور بيتهم معزية..
    أخذت أبكي بحرقة..
    كيف اختفت بثينة هكذا..؟
    كانت تذكرني دائماً بأن الموت قد يخطفنا في أية لحظة.. لكني لم أتخيل أنه يمكن أن يأتي بهذه السرعة.. بهذه.. الـ (مفاجأة)!!
    سبحان الله..!
    الآن هي تواجه منكر ونكير في قبرها.. هي تسأل..
    تعرض عليها أعمالها الصالحة والسيئة..
    بكيت كثيراً وأنا أتخيل وحشتها في قبرها..
    كان بالإمكان أن أكون أنا مكانها..
    وتذكرت رجاءها لي أن أقرأ كتيباتها التي أهدتني..
    شعرت بعطف كبير عليها.. وحين عدت للبيت أسرعت أحقق رغبتها..
    وكأنه أبسط ما يمكن أن أفعله من أجلها.. بعد رحيلها..
    فتحت العلبة وأنا أغالب دمعي وأخرجت الأشرطة والكتيبات لكي أقرأ وأسمع..
    وإذا بورقة تسقط من بينها.. ملفوفة بشريط من الساتان..
    رسالة..!
    ياااه!.. من ثلاث سنوات.. ولم أقرأها إلا الآن..؟!
    فتحتها بحرص.. وبدأت أقرأ وأبكي..
    حتى وصلت لمقطع هزني..
    (سأظل أدعو لك يا روان.. وسأظل أدعو الله أن يجمعنا في الفردوس الأعلى من الجنة..
    وكم أتمنى أن تدعي أنت أيضاًمعي.. وأن نبذل قصارى جهدنا لنحقق هذه الغايةالعظمى..
    وننعم بصحبة الأنبياء والأولياء.. ادعي معي يا روان.. لا تنسي!)

     
    بكيت كثيراً..
    إذاً.. كانت تدعو منذ ثلاث سنوات.. وأنا؟
    أنا.. لاهية.. غافلة.. أتابع هذه القناة وتلك.. وهذا الشريط وذاك..
    لقد عملت هي... فهنيئاً لها إن شاء الله..
    لكن أنا.. ماذا عملت؟
    منذ هذه اللحظة قررت أن أبدأ في تحقيق أمنيتها بإذن الله..
    الفردوس..
    وبدأت طريقاً جديداً أتدارك فيه ما مضى من عمري..
    ورغم أن بثينة – رحمها الله- قد مرت في حياتي ورحلت..
    لكنها تركتني شخصاً آخر.. تماماً..
    وندرة هم من يغيرونك.. حتى بعد رحيلهم..



    **
    مجلة حياة العدد (66) شوال 1426هـ

     


    - 35 -

    في مكان .. اسمه قلبي



    - أففف.. الدرس ممل.. (يحوم) الكبد!!
    - خخخخخ.. ومتى ما صار كذا؟
    - أقرف من فيثاغورس وشلته.. ناس مريضين.. وجابوا لنا المرض بنظرياتهم..

    تصرخ المعلمة..
    - مريفة وندى.. خير؟ وش عندك؟
    - ما فيه شي يا أستاذة.. نتناقش في الدرس..
    - ما شاء الله.. من زود الحرص..!

    ونظرت إلينا نظرات (حارقة).. ثم صرخت..
    - قومي يا مريفة.. قومي على السبورة حلي المسألة..
    - شكراً يا أستاذة.. ما يحتاج..
    - وشو اللي ما يحتاج؟!
    - خلي درجات المشاركة لغيري.. عندي درجات كثيرة..
    ضحكت الطالبات..
    - أقول.. عن الاستهبال.. وقومي..!
    سحبت نفسي بتثاقل من الكرسي المحشور قرب الجدار في آخر صف..
    - إنا لله.. والله يا أستاذة حصة حرام.. تضيعين وقتك ووقت الطالبات..
    صمتت وهي تنظر إلي..
    وحين وقفت أمام السبورة..
    - يالله قدامك مثلث طول ضلعيه 9 سم و12 سم.. كم طول الوتر؟
    - الله أعلم..
    - أقول يا مريفة.. ترى زودتيها..
    - والله يا أبلة.. ما أدري..
    - نظرية فيثاغورس..!
    همستُ بتحسر..
    - الله ياخذ فيثاغورس جعله الحمى..
    - معقولة؟! هذي ثاني سنة تعيدينها.. ولحد الآن ما تعرفين نظرية فيثاغورس؟؟
    - وشو اللي خلاني أعيد السنة غير هالـ (فيثاغورس) حسبي الله عليه؟
    نظرت إلي بهدوء نظرة عميقة.. ثم همست..
    - ارجعي مكانك..

    * * *

    رغم كسلي ومشاغبتي..
    فمعظم المعلمات كن يحببني ويتقبلن شقاوتي بصدر رحب..
    وكن يسألن عني في حال غيابي ويعتبرنني متعة الفصل..

    أما في البيت..
    فكنت مختلفة تماماً..
    حين أدخل أشعر أني ألج إلى سجن مخيف مظلم..
    والد متسلط قاسٍ.. متزوج من امرأة أخرى ولا يزورنا سوى يوم أو يومين في الأسبوع.. فقط ليثور ويصرخ ويتأكد من أنه لا يزال يسيطر علينا بغضبه وظلمه..
    وأم ضعيفة أنهكتها الأمراض العضوية والنفسية..
    وثلاثة أخوة فاشلين في الدراسة وفي الحياة..
    كنت أنزوي في غرفتي لا أعرف ماذا أفعل.. أهرب للنوم.. محادثة الصديقات على الهاتف.. وقراءة مجلات الشعر الشعبي.. وأكتب القصائد في حبيب لا يعيش إلا في خيالي..
    كان هذا عالمي..
    لا أخرج منه إلا حين أسمع صوت صراخ أبي على أمي..
    أو حين يأتي أحد أخوتي آخر الليل وهو غائب العقل والوعي.. ويتشاجر مع أمي..
    أو..
    حين تناديني أمي لأشرب معها القهوة في الليالي الباردة الموحشة..
    فأجدها تجلس وحدها في المجلس.. الذي يفوح برائحة عودها.. أجدها تمضغ وحدتها وألمها.. وخيبتها في ثلاث شباب يافعين..
    مسكينة هذه المرأة..
    ضعيفة.. محطمة..
    افترسها الألم والمرض فلم يبق منها سوى بقايا قلب جريح..
    لكن.. كما أحبها.. وأستدفئ بوجودها في هذا البيت الموحش..
    فإني أكره ضعفها وسلبيتها.. وهزيمتها.. وحزنها..
    وأتمنى أن أكون امرأة أخرى على عكسها تماماً..
    أحب أن أكون قوية.. ناجحة.. محبوبة..
    و.. سعيدة..
    حين أخرج للمدرسة.. أرتدي شخصيتي الأخرى.. التي رسمتها لنفسي بدقة..
    فتاة قوية مرحة.. محبوبة.. سعيدة.. لا تهتم ولا تبالي بشيء.. لا تخيفها الدراسة ولا المدرسات ولا حتى المديرة..
    الكل يعرفني في المدرسة فأنا مشهورة رغم كسلي.. كان الجميع يحبني.. وكنت محور اهتمام المدرسات والطالبات في كثير من الأحيان..

    * * *

    كنت أشعر بالغثيان أثناء درس التاريخ.. أصوات الخيول والسيوف أرهقتني.. استأذنت..
    كانت الساحة خالية..
    والسماء ملبدة بالغيوم..
    قطرات خفيفة من المطر بدأت تتساقط هنا وهناك..
    جلست على (دكة) أمام دورات المياه وأخذت أنظر للسماء الحالمة..
    و.. بكيت بهدوء..
    شعرت أن الأم حياتي كلها أصبحت أمام عيني في تلك اللحظة..
    كنت وحيدة وصغيرة.. تحت السماء العظيمة المتلبدة بالغيوم..
    كانت أمي قد دخلت المستشفى منذ أيام.. ولا أحد يعلم بذلك هنا..
    فكرت.. ماذا يمكن أن يحصل لي لو..
    لو.. توفت أمي..لا!.. يا رب.. يا ربي.. احفظها لي..
    لا أستطيع حتى التفكير في ذلك..
    أنا الآن شبه يتيمة.. فماذا لو فقدتها..؟
    أخذت أبكي.. على حالي.. وعلى أشياء كثيرة.. في حياتي..
    ابتل وجهي بالدموع واختلطت مع قطرات المطر على وجهي..
    شعرت بالبرد..
    وانتبهت لأن الوقت قد مر علي..
    وحين هممت بالوقوف.. فوجئت بأمل تقترب مني وهي مستغربة..
    - مريفة؟!! ما بك؟
    - هه.. لا شيء..
    - شكلك غير طبيعي..
    - لاشيء.. جلست قليلاً أرتاح.. فابتل وجهي..
    سكتت أمل وعلى وجهه ملامح استغراب..
    - مجرد ألم في بطني.. لا تخافي..
    وأسرعت نحو فصلي وأنا أمسك ببطني متظاهرة بالألم فيه..
    بينما الألم في مكان أعلى بقليل..
    مكان لا يعرفه أحد.. اسمه.. قلبي..


    **
    مجلة حياة العدد (67) ذو القعدة 1426هـ
     


    - 36 -

    ذهبت.. ولن تعود

    كنت في الصف الثاني الابتدائي..
    أضع في فمي المصاصة الحمراء وأسحب حقيبتي الثقيلة منتظرة وصول حافلتي مع صديقاتي..
    وفجأة سمعت صوت والدي في الميكرفون ينادي على اسمي عدة مرات.. (منال خالد.. منال خالد).. خرجت مسرعة.. ويا لفرحتي! رأيت والدي وهو يقف قرب الباب مرتدياً نظارته السوداء.. أسرعت إليه.. فربت على كتفي وحمل عني حقيبتي..
    كنت مستغربة وفرحة جداً في نفس الوقت لأني عدت مع والدي لأول مرة ولم أرجع في الباص المزدحم كالعادة..
    لكني لم أسأله لماذا أتى ليأخذني من مدرستي..
    وأخذت أسرد عليه ماذا قالت المعلمة أسماء وماذا فعلت صديقتي روان بدفترها وأريته الحلوى الغريبة التي اشتريتها من المقصف..
    كان صامتاً تماماً.. وحين توقف عند الإشارة نظر إلي نظرة غريبة ثم قال..
    (خلاص حبيبتي منول.. أنا وماما ما راح نعيش مع بعض.. بتروح بيت خوالك..)..
    قلت بثقة وببراءة..
    (إيه.. بتروح وترجع..)
    لكنه نظر بجدية..
    (لا ما راح ترجع يا بابا.. خلاص.. حنا تطلقنا)..
    ما راح ترجع؟ خلاص؟! تطلقنا؟!
    لم أكن أقدّر معنى هذه الكلمات..
    (ما راح ترجع؟.. يعني.. طوووووول عمرها؟)
    (إيه..)
    شعرت بالخوف.. ودق قلبي الصغير بعنف..
    (يعني تخلينا وتروح عنا؟!!)
    تنهد وأمسك المقود..
    (لا حبيبتي.. بتروحين معها..)
    (بس.. أنا أبيك.. ما أبي أروح.. ما أبي أخليك..)
    شعرت بغصة في قلبه.. وهو يرد علي..
    (وأنا أبيك حبيبتي.. بس.. مين يهتم فيك ويغير ملابسك؟.. مين يمشط شعرك للمدرسة؟.. لازم تروحين مع ماما..)..
    سكتنا وأنا غير مصدقة لما يقوله والدي..
    وحين وصلنا إلى منزل أخوالي..
    حملني والدي على كتفه..
    شعرت بأن الأمر حقيقي.. فتعلقت بعنقه بشدة وبكيت..
    مسد شعري بأصابعه.. وضمني.. (خلاص حبيبتي.. بتشوفيني كل أسبوع.. يا الله صيري مؤدبة وطيبة)
    أخرج من جيبه خمسين ريالاً..
    وأعطاني..
    (يا الله خذي هذي "الخضراء" واشتري فيها اللي تبين..)
    (ما أبي الخضراء.. أبيك)
    فُتح الباب.. فضممته بقوة.. ثم دفعني بلطف للداخل.. وأسرع نحو سيارته..
    وكانت آخر لحظة دفء في حياتي من صدر والدي..


    × × ×

    عشت مع والدتي في بيت جدتي أنا وأخي الصغير..
    وافتقدت مدرستي القديمة..
    وصديقاتي.. وغرفتي الجميلة..
    كنا نزور والدي أسبوعياً..
    لكن.. بعد فترة.. بدأت أشعر بالملل من هذه الزيارة..
    فوالدي لم يعد والدي.. والبيت أصبح كئيباً موحشاً.. بعد أن تركناه..
    كنت أشعر بالملل لجلوسي شبه وحيدة هناك..
    وكان والدي يحاول تعويضنا بالخروج بنا وشراء اللعب..
    لكن دون جدوى..
    وبعد فترة قطعنا الزيارات..
    وأصبحت أكتفي بمحادثته بالهاتف..
    كنت أسأل أمي كثيراً.. لماذا لا تعودين إلى أبي..
    لماذا لا نعود كلنا إلى بيتنا مثل السابق؟..
    لم أكن أشعر بأية صعوبة في ذلك؟
    كان عقلي الصغير لا يرى أي عائق في ذلك؟!
    وكانت أمي تقول.. إن أباك هو من لا يرغب بذلك..
    وحين كنت أسأل أبي.. كان يقول.. أمك التي لا تريد..
    ولم أفهم شيئاً..


    × × ×

    بعد فترة.. شعرت أن والدي لم يعد يسأل عنا.. ولا يخرج بنا ولا يهاتفنا..
    علمت من أمي.. أنه تزوج..
    لم أستوعب كيف يمكنه أن يتزوج امرأة غير أمي..!
    وبعد عدة أشهر أخذنا والدي لنرى زوجته..
    أمي كانت أجمل منها..
    أعطتنا بعض الحلوى.. لكنها لم تضمني ولم تمتدح فستاني الجديد.. وكانت تشبه أبلة نورة في المدرسة..
    كنت في الصف الرابع.. حين قالت لي والدتي أن علي أن أذهب للعيش مع أبي.. وزوجته..
    سمعتها تقول لخالتي..
    (على كيفه؟! هو يتزوج ويخلي العيال عندي.. لا والله.. أرميهم عليه وعليها.. وأشوف حالي..)
    لم أفهم معنى كلامها جيداً..
    لكني.. شعرت بالألم لأنها قالت عنا (أرميهم).. لماذا ترمينا أمي؟ ماذا فعلنا؟
    ذهبت لبيت والدي..
    وجدت أن غرفتي تغيرت.. أصبح جزء منها مكاناً لملابس الغسيل والكي.. لم أحب هذا..
    وقلت لماما هدى.. لكنها قالت أنها لا تستطيع تغيير الغرفة..
    يجب أن أصبر وأسكت..
    حسناً.. لا بأس..
    علمتني أن علي أن أجلس في غرفتي حين تجلس هي مع والدي في الصالة لمشاهدة التلفاز..
    كنت أتمنى أن أذهب وأجلس معهم كما كنت أفعل مع أمي وأبي..
    لكنها علمتني ألا أطلب ذلك
    حتى..
    كان والدي يناديني أحياناً وهو في الصالة..
    - منولي.. تعالي بابا اجلسي معنا..
    كنت أحترق لذلك.. لكني كنت أجلس في غرفتي بملل.. وأرد..
    - ما أقدر.. عندي واجب بأحله..


    × × ×

    ذات يوم سألتني الأخصائية الاجتماعية عن زوجة أبي.. هل تضايقني أو تؤذيني؟..
    لم أعرف ماذا أقول..
    كلا.. لم تؤذني بالفعل.. لم تضربني.. ولم تصرخ علي.. ولم تحرمني من شيء.. ولم تدفعني لأن أعمل مثلاً..
    كلا.. كانت تهتم بي وبنظافتي.. وبملابسي.. وبغرفتي.. وبدراستي أحياناً.. وتعطيني الحلوى إذا أطعتها..
    لكن..
    - لكن ماذا يا منال؟
    - لا شيء..
    لم أكن متأكدة أن الأخصائية الاجتماعية ستفهم..
    فسكت..
    كنت أفتقد أشياء كثيرة..
    أفتقد الحب.. الحنان.. والأهم من ذلك.. الأمان..
    الشعور بالأمان كما تشعرين مع أمك حين تشاغبين قليلاً أو تطلبين المزيد من الحلوى.. مهما غضبت.. فهي أمك..
    هذا الشعور الرائع بالأمان معها وبالعفوية..
    زوجة أبي.. كنت دائماً أشعر بأنها مثل المعلمة نورة إدارية الحضور والغياب..
    أعاملها باحترام.. وتعاملني باحترام..
    لكن لا أستطيع أن أرمي برأسي على صدرها.. أو أن أطلب منها أن تحك لي ظهري مثلاً!
    لا أستطيع أن أرجوها بشدة أن أجلس معها ومع والدي لمشاهدة التلفاز في المساء..
    لا أستطيع أن أطلب منها أن تجلس عند سريري في الليل أو تنام معي حين أشعر بالخوف..
    كنت أكتفي بأن ألف نفسي بالغطاء جيداً.. وأبكي حين كابوساً مرعباً..
    وكنت مجبرة على أن أتركها تقص شعري قصيراً للغاية لأنها لا تريد أن تمشط شعري كل صباح..
    كنت.. أخاف منها.. أو من (زعلها)..
    ومع كل هذا الألم كنت أقوم بدور الأم مع أخي الذي يصغرني بعامين..
    فكنت أقرأ عليه القرآن حين يشعر بالخوف في الليل.. وأمشط شعره في الصباح.. وأقص عليه القصص..


    × × ×

    كان أجمل يوم عندي.. حين يأخذنا والدي لزيارة أمي شهرياً..
    كنت أضحك طوال اليوم..
    وأصر على أن أنام قربها في الليل..لأشم رائحة أنفاسها التي تبعث في نفسي الطمأنينة والدفء الذي افتقدته منذ سنوات..
    وفي النهار.. كنت أستمتع بالأفعال التي لم أكن أستطيع فعلها مع زوجة أبي..
    كنت أفتح أدراج أمي.. وألعب بكريماتها وبودراتها.. أرتدي أحذيتها.. وخواتمها..
    وكنت أطلب منها أن تحك ظهري كلما سنحت الفرصة!
    وأجعلها تقص علي القصص..
    وكنت أجتر ذكريات هذه الزيارة لعدة أيام بعدها..
    وحين ولدت زوجة أبي وبقينا لدى أمي لمدة شهر ونصف.. كانت تلك أسعد أيامي..
    لكن.. لم أكن أعرف أن هذه القطيرات القليلة من السعادة مع أمي.. ستنضب.. وتتلاشى من حياتي.. إلى الأبد..
    فبعد عدة أشهر.. عرفت أن أمي ستتزوج.. وترحل لمدينة أخرى..
    أمي تتزوج؟.. وتسافر؟
    لكن.. كيف سأراها وأزورها؟
    بكيت وقلت لأمي..
    (ليش تتزوجين؟ لا تتزوجين.. أنتي زوجك أبوي وبس..)
    لم ترد علي أمي.. لكن جدتي أقنعتني أن هذا أمر ضروري.. وأننا سنراها كل صيف بإذن الله..
    وافتقدت أمي طوال سنة كاملة..
    ذهبت لمنزل جدتي عدة مرات.. لكنه كان خالياً دون أمي..
    وجدتي لم تعد ترحب بنا كثيراً.. خاصة مع كبر سنها ومرضها ومع شقاوة أخي المتزايدة..
    وفي الصيف.. جاءت أمي..
    ضممتها وبكيت بشكل لم أتصوره..
    أما أخي.. فرفض أن يسلم عليها إلا بصعوبة..
    كنت أعرف حجم اللوم والعتاب في قلبه الصغير..
    قلت لها كم افتقدتها وكم أتمنى أن تبقى هنا طويلاً..
    لكنها لم تبق سوى عدة أيام وذهبت..
    عرفت رقم هاتفها وأصبحت أتصل عليها وأحادثها..
    وطلبت منها أن أزورها إن لم تكن تستطيع القدوم..
    فتلعثمت.. وقالت لا أتوقع أن والدك سيوافق..
    لكن مع إلحاحي عليها رحبت بي..
    وبالفعل أقنعت والدي.. وفعلت المستحيل لأرضيه وأجعله يوافق على ذهابي في الصيف إلى أمي..
    وحين وصلت.. ودخلت بيتها..
    داهمني شعور غريب..
    لم أشعر بـ.. الأمان..
    لم أشعر بأني في بيت.. أمي..
    بل في بيت رجل غريب..
    سلمت عليه لأول مرة..
    كان أكبر سناً من أبي.. وأقصر..
    رحب بي.. لكن.. لا أعرف لماذا.. لم أشعر بأنه سعيد لوجودي..
    حتى أمي كانت متوترة وشعرت أنها شبه محرجة من وجودي..
    أرشدتني لغرفة الضيوف وبدأت تملي عليَّ التعليمات الكئيبة..لا تخرجي من الغرفة وتتجولي في البيت دون سبب.. استخدمي هذا الحمام فقط.. لا تجلسي في الصالة إذا كان موجوداً.. لا تقتربي من غرفة النوم.. لا تسببي أي إزعاج عند وجوده..
    وبدأت أشعر بالوحدة والألم..
    وحين ذهب للعمل جلست في الصالة.. نظرت لغرفة أمي.. كنت أتمنى أن أدخلها.. وأن أفتح أدراجها كما كنت أفعل سابقاً.. وأتقلب على سريرها.. لكني تذكرت تعليماتها فخفت.. وشعرت بأن أمي بعيدة عني جداً ولن تعود كما كانت..
    ورغم أني كنت في الصف السادس.. لكني كنت ذات شعور مرهف.. وكنت شديدة التحسس.. وعرفت كم أن وجودي مؤذ في حياة أمي الحبيبة.. فقررت أن أنسحب بكل آلامي..
    وعدت بعد أن أمضيت ثلاثة أيام فقط لديها.. بعد أن كنت أنوي البقاء لمدة شهر..
    ولم تمانع أبداً في ذهابي..
    وعرفت في هذه الرحلة أني أصبحت شيئاً مخجلاً لأمي وأن علي ألا أحاول الذهاب إليها مرة أخرى.. لا فائدة.. فأمي القديمة ذهبت.. ولن تعود..



    **
    مجلة حياة العدد (68) ذو الحجة 1426هـ

     



    - 37 -


    غيداء بنت خالد المحيميد
     
    الإرادة تصنع الأحلام

     
    منذ أن كنت في أولى سنوات العمر كانت هواية الرسم تسير في عروقي.. أهواها كثيراً وأحب كل شيء يتعلق بها أحب أن أكون رسّامة يشار إليها بالبنان.. أحببت لوحتي وفرشاتي.

     
    كنت أقضي كل يومي في الرسم.. أما عن رسمتي المفضلة فهي (الغروب) هو إحدى الرسمات المحببة إلى قلبي..
    لا أدري هل لأنه مناسب لحالي؟! حالي منذ أن كنت في السابعة من عمري وأنا مختلفة عن باقي الأطفال لم أذق للطفولة معنى ولم أعش أيامها.. الكرسي المتحرك هو من فرض نفسه عليّ.. هو من هدم لي حياتي وحطم لي أحلامي..
    أصبح يلازمني في كل مشاويري حتى في أوقات نومي أحياناً..

     
    لا زلت أذكر ذلك الحادث جيداً الذي سلم منه الجميع إلا أنا بمشيئة الله..

     
    مكثت حينها أياماً في المشفى
    وعندما خرجت.. لم تلامس قدماي الأرض حتى هذه اللحظة..

     
    كنت لا أعرف وقتها ما معنى الإعاقة أو أن أجلس في هذا الكرسي طيلة حياتي...

     
    فقدت حينها أغلى ما أملك
    وفقدت معه متعة حياتي الوحيدة وهي أن ألعب وأجري مع أخوتي مجدداً أو أن أخفي نفسي خلف الباب فتأتي أختي لتفاجئني من الجهة الأخرى..

     
    آآآآه الأمنيات كثيرة هنا ويبدو من الصعب تحقيقها، في البداية فقدت الأمل.. كنت دائماً أردد في مسامعي بأني إنسانة لا معنى لها في الحياة..
    أصبح الكل لا يهتم بي.. أبي أخوتي، حتى أمي لا أراها إلا عندما تصدر أوامرها لخادمتي الخاصة التي من الممكن هي الأخرى أن تمل من جلستي يوماً ما... فكنت أذهب دائماً إلى أنسي الوحيد.. إلى لوحتي وفرشاتي حتى أنسى همومي.. أحاول أحياناً بمسك فرشاتي لأرسم مجدداً، وما أن أضعها على اللوحة إلا وأرى نفسي قد انتهيت من رسمتي

     
    رسمت (الغروب) الذي غربت معه حياتي.. وستبقى كذلك للأبد دون تغيير.. فكل شيء في الحياة تحول، خاصةً في منزلنا.. أخوتي الذين أجلس معهم تغيروا كبروا واستقلت حياتهم مع أزواجهم وأبنائهم.... إلا أنا وحدي لم أتغير.. حتى الكرسي المتحرك لم يتغير إلا مرة واحدة عندما سقطت من أعلى السلم.. يومها حاولت الوقوف لم أستطع حاولت وحاولت لكن دون جدوى، عرفت حينها عجزي تماماً عن الحركة، فأخذت أبكي وأبكي.. فما كان من أهلي إلا أن أتوا لي بكرسي آخر. أذكر تلك اللحظة جيداً كنت فرحة جداً به... سبحان الله.. كل الأطفال يفرحون بألعابهم الجديدة وأنا الآن فرحة بهذا الكرسي.. يبدو لي أنه حتى أوقات فرحتي تقتصر على حالي.

     
    * *

     
    بقيت على هذا الحال عدة سنوات.. حتى منّ الله علي بزوج صالح، كان أسعد خبر لي في حياتي أو بالمعنى الأصح هو أول خبر فرحت فيه، زوجي.. هو الذي أبدل لي حياتي، وأعاد البسمة إلى شفاهي.. كان دائماً يسمعني كلمات رائعة تدخل إلى قلبي فتشفيه من كل الهموم كالماء إذا ما انساب على صحراء إلا ويحولها إلى حديقة غناء، وكان يذكرني بربي وأن هذا هو قدري.. وماذا نريد نحن من الدنيا.

     
    بعد أشهر من زواجي علم زوجي بمهارتي في الرسم عن طريق أخوتي، فطلب مني بأن أرسم له لوحه من تصميم يدي، فتذكرت أني أتقن رسم الغروب فرسمتها له.. فأبدى إعجابه بها وأخذ يشجعني كثيراً، لكنه سألني عن سبب اختياري للغروب؟
    لم أستطع الإجابة! فأخذ الصمت يعم المكان.. ثم ما لبث إلا أن طلب مني رسم لوحة عن الشروق.. يبدو أنه فهم معنى الرسم.. أخذت الفرشاة من جديد وبدأت أولاً برسم الخطوط، وفجأة انتهيت من رسمة الغروب.. ترى هل لأني معتادة على رسمها؟
    أو أن الشروق بعيد حصوله!!
    لم يعلق زوجي على هذا فقط
    ابتسم، ثم قال: سترسمين الشروق يوما ما بإذن الله.. وبعدها خرج..

     
    أخذت أنظر إلى رسمتي.. انتابني شعور غريب نحوها..
    فأخذتها ومزقتها إلى قطع صغيرة والدموع منهالة على خدي.. يا إلهي لماذا أنا هكذا؟
    أستغفر الله.. أستغفر الله وأتوب إليك، اللهم ارحمني وفرج لي كربتي..

     
    * *

     
    بعد ثلاث سنوات من زواجنا وبعد الصبر والتوكل على رب العالمين
    رزقنا الله بطفلة جميلة كالقمر.. كان أسعد خبر لي في حياتي عندما علمت بذلك، كنت سعيدة رغم
    التعب والآلام.. كنت أتوق لرؤية من سكن أحشائي..

     
    وبعد أشهر طويلة جاء موعد
    الولادة.. في لحظتها كنت أتجرع الألم بكل فرح وارتياح..
    الحمد لله ها هي ابنتي خرجت على وجه الدنيا، أعجبني شكلها كثيراً ووجهها المحمر من كثرة البكاء والصراخ..
    أحسست رغبة شديدة للبكاء معها فحملتها وضممتها إلي بكل حنان وعناية، سقطت دمعة من عيني حارّة أحسست بحرارتها لأول مرة، ترى هل هي مشاعر الأمومة أم ماذا؟

     
    بعد أيام خرجت من المستشفى،
    وعند وصولنا للمنزل أحببت أن أفاجئ زوجي، فطبت منه الذهاب للعمل أولاً، وبدأت أنا بتجهيز المفاجأة..

     
    وعند عودته كانت المفاجأة بانتظاره.. لقد رسمت الحلم الذي كان يتمناه..

     
    نعم رسمت الشروق لقد أشرقت حياتي وغابت أيام الماضي الحزين.. ودفنت معه كل ذكرياتي الأليمة، لأبدأ من جديد..

     
    ها هي ابنتي أشرقت.. ومن شروق الحياة كان اسم ابنتي (شروق)..
    فأهلا بك يا نور فؤادي ومهجة قلبي...

     
    بعد ذلك تعاهدت أنا وزوجي على تربية (شروق) التربية الصالحة..
    وكانت تكبر وتكبر، ويكبر معها قلبي،

     
    وها أنا أراها في أجمل أيامها، تسبح في ثوبها الأبيض، ثوب الأحلام، ثوب زفافها
    وفقك الله يا بنيتي وجعلك زوجة صالحة لزوجك،

    ذهبت حوريتي، محتفظة بوصايا والديها... فعرفت حينها معنى الإعاقة جيداً، فالمعاق ليس بجسده وإنما بعقله..
    وبفضل الله ثم بإرادتي ... صنعة أحلامي ..



     
    **
    مجلة حياة العدد (69) محرم 1427هـ
     


    - 38 -


    نفحة اعتذار معطرة.. أبعثها مع كل الحب للغالية التي قد تعنيها القصة..
    لا أعني شيئاً هنا يا صديقتي.. سوى أنك إنسانة رائعة..


    صديقة الشمس


     
    حين كنت أحضر باكراً بالحافلة.. وأتوجه لقاعة الكافتيريا لأتناول فطوري..
    كنت أراها هناك..
    كانت تجلس في نفس المكان.. على تلك الطاولة إلى أقصى اليسار.. قرب النافذة الكبيرة حيث تدخل أشعة الشمس..
    كنت أستغرب كيف تجلس تحت الأشعة.. ألا تشعر بالحر؟ لماذا لا تغير مكانها..
    لذا كنت أسميها في نفسي
    (صديقة الشمس)..
    كنت أراها دائماً تمسك بكتاب وتقلب صفحاته وهي تفطر وحدها..
    كنت أجلس في جهة مقابلة لطاولتها.. أحاول أن أراقبها فأجدها تلمحني..
    ابتسم لها فترد الابتسامة..
    كانت ترتدي دائماً ملابس واسعة بألوان باهتة.. تشد شعرها بقوة إلى الخلف.. وبشكل مرتب جداً.. وترتدي نظارة طبية بلا إطار..
    مع مرور الأيام.. ومع كثرة رؤيتي لها..
    نشأت علاقة ألفة بيني وبينها.. دون أن أتحدث معها.. كنت أعتبرها صديقتي التي لم أتعرف عليها..



    ذات يوم التفتُّ وأنا أسحب صينيتي على رف البوفيه.. فإذا بها خلفي..
    انتهزت الفرصة لأسمع صوتها وهي تشير لعاملة البوفيه..
    - جـ.. جـ.. جـ.. جججـ..
    استغربت وأنا أحاول إبداء عدم اهتمامي..
    بدأت تضغط بقوة.. حتى نطقت..
    ـ ججبن .. أبيض..
    ارتاحت لأنها نطقت بها بعد صعوبة ثم أكملت..
    ـ لو سمحت..
    ألقيت نظرة سريعة عليها أثناء سيري..
    وجدت يديها ترتجفان وهي تحمل صينيتها..
    كانت هذه فرصتي لأفتح معها موضوعاً.. كنت أتمنى أن أتعرف عليها.. لا أعرف لماذا..
    ابتسمت لها.. فردت بابتسامتها التي اعتدتها كل صباح..
    لم أجد ما أقوله.. شعرت بالحرج.. ومضيت في طريقي نحو طاولتي التي أجلس عليها كل يوم..
    ورأيتها تجلس هي الأخرى في مكانها.. تحت أشعة الشمس..


    * * *

    في اجتماعنا العائلي الأسبوعي.. فتيات كثيرات..
    بنات عماتي وأعمامي ..
    أنظر إليهن طويلاً..
    أقصى اهتماماتهن المكياج وصبغات الشعر..
    أحدث جوال في السوق.. أو المظهر الجديد للمغنية المشهورة..
    أففففففففف..
    أشعر بالملل..
    - فايزة.. ليش ما تصبغين شعرك؟
    كم يضايقني هذا السؤال..
    ـ أحب لونه..
    - لكن أنت بيضاء.. حلو لو صبغتيه أحمر نحاسي..
    كيف يمكن أن أدخل في جدال حول موضوع كهذا..
    نظرت إليها.. واكتفيت بالصمت..
    في تلك اللحظة كنت أشعر بحاجة ماسة لشخص عاقل أتحاور معه.. أتحاور معه حول موضوع.. (يستحق) الحوار..


    * * *

    صباح الأربعاء ممتع دائماً.. وخفيف..
    توجهت لقاعة الكافتيريا.. لمحتها تجلس في نفس طاولتها.. تحت الشمس..
    ما شاء الله!.. تأتي مبكرة جداً.. كل يوم..
    كنت أتمنى أن أراها أمام بوفيه الطعام مثل ذلك اليوم لعلي أفتح معها حديثاً..
    حين وضعت صينيتي على رف البوفيه لمحت كتاباً.. لم يكن أحد يأبه به..
    اقتربت منه.. غلاف قديم.. (الأرض الطيبة).. يا الله.. قرأتها منذ زمن طويل..
    بشوق غريب.. فتحت الغلاف.. عليه ختم مكتبة الجامعة.. إنه للإعارة..!
    مسكينة صاحبته.. يجب أن تستعيده وإلا فهي في مشكلة..
    نظرت حولي في القاعة.. من يمكن أن تكون التي قد اختارت هذا الكتاب؟ من صاحبة الحس الأدبي الرفيع؟
    كانت القاعة فارغة تقريباً.. لم يكن هناك سوى فتاتان إحداهما ضخمة.. ذات شعر قصير جداً.. لا يناسبها.. معها صديقة نحيلة ذات شعر طويل خفيف يلمع بالزيت على ما يبدو من بعيد..
    لا أعرف لم.. لا أتخيل أن إحداهما يمكن أن تكون صاحبة الكتاب..
    هناك فتاتان سمراوان تضحكان طوال الوقت.. ترتديان قمصان بألوان فاقعة.. إحداهما تضع النظارات السوداء الرخيصة.. والثانية تضع سماعات الهيد فون..
    حسناً لا يمكن..
    وهناك.. في أقصى القاعة على اليمين..
    تجلس صديقتي.. التي لا أعرفها.. (صديقة الشمس).. قرب النافذة..
    تشرب كوب شايها بهدوء.. وقد سقطت أشعة الشمس عليها..
    أنهيت أخذ طعامي.. ثم توجهت بصينيتي وبالكتاب.. نحوها..
    ـ السلام عليكم..
    نظرت إلي وهي تبتسم كعادتها..
    ـ وعليكم السلام..
    وضعت الصينية على الطاولة ورفعت يدي بالكتاب..
    حين نظرت إليه استغربت..
    ـ أوه!! كتابي.. شكراً.. أين وجدته..؟
    ابتسمت..
    ـ هناك على الرف.. خمنت أنه لك..
    ـ أشكرك.. جزاك الله خيراً..
    فكرت سريعاً.. يجب أن أجد وسيلة لفتح حوار.. لن أضيع الفرصة..
    ـ كتاب رائع.. قرأته حين كنت في الثانوية..
    ـ ما شاء الله!! أنت تحبين القراءة..
    ـ أووه!.. أحب القراءة؟.. يمكنك أن تسميني (دودة) كتب..
    ـ حقاً؟ لأول مرة أجد فتاة مثلي تحب القراءة..
    ـ هل تسمحين لي أن أجلس في طاولتك..
    ردت بفرح..
    ـ بالطبع تفضلي..
    بدأنا نتبادل الحديث بسرعة حول العديد من القصص والكتب.. وحول هواياتنا ووجدنا الكثير من التشابه بيننا..
    لاحظت أنها أحياناً.. تقف عند حرف معين.. وتضغط عليه وتكرر نطقه كثيراً..
    كانت تشعر بالحرج وتغمض عينيها وكأنها تريد أن تهرب من نظراتي أو نظرات من حولها.. وتضغط على أسنانها.. وتحمر أذنيها.. ثم تكمل باقي كلامها بشكل طبيعي..
    أصبحنا نجتمع كل يوم في الصباح.. في الكافتيريا..
    نتبادل الأحاديث.. ونتناول وجبة الفطور مع وجبة لذيذة من الثقافة والأدب..
    وأخبرتها أني كنت أسميها (صديقة الشمس)
    فضحكت.. وقالت أنها لم تشعر يوماً بحرارة أشعة الشمس خصوصاً حين تستغرق في القراءة..


    * * *

    ذات صباح صيفي..
    حين بدأت ترتاح لي أكثر.. ودون مقدمات.. قالت..
    ـ أنا أكثر ما يحرجني.. هو.. هذا الثقل في لساني كما ترين.. لا أحب التحدث مع الآخرين لهذا السبب.. الكل ينظر إلي.. دون أدنى اهتمام بمشاعري.. يحدقون بي بكل غباء..
    سكت.. لم أقل شيئاً..
    ـ لهذا أهرب للكتب..
    وابتسمت لي..
    وسكتُ أيضاً..
    أكملنا تناول فطورنا..
    ـ لم أكن هكذا من قبل.. كنت طبيعية جداً.. حين توفي والدي فجأة وأنا في المرحلة الثانوية.. أصبت بهذا الثقل في لساني..
    ـ سبحان الله..!
    ـ نعم..


    * * *

    عدت للبيت وأنا أفكر في صديقتي.. وكيف يمكن أن تتجاوز أزمتها..
    كنت موقنة أن علتها.. لها علاقة بألمها وحزنها لوفاة والدها.. شيء غريب..
    كان أخوتي يتصارعون في الصالة.. ورائحة العرق تفوح بشكل مقزز..
    صرخت فيهم..
    ـ نويصر!.. عبيد!.. بس.. خلاص.. أزعجتونا.. ريحتكم قرف.. روحوا غرفتكم..
    رفع سبابته إلى جانب رأسه..
    ـ كيفنا وعلى مزاجنا..!!
    ـ بعد؟؟!! حتى نويصر الذي لم يجاوز العاشرة أصبح (ينفخ) ويرد..
    بحركة لا شعورية دفعته بيدي بقوة ليسقط على الأرض.. وخرجت من الصالة..
    فإذا بصاروخ عظيم.. يرتطم برأسي المتعب من الخلف.. دووووووو.!!!!
    آآآآآآآه.. يا الله.. ماذا حدث؟؟ الدنيا تدور..!
    لقد ألقى علي (مسنداً) ضخماً كردة فعل انتقامية.. ليرتطم برأسي من الخلف..
    حتى أني سقطت على الأرض.. ولم أستطع التوازن..
    كنت أشعر بالألم يخترق رأسي وعنقي ويصل لأسناني وعيني وجبهتي..
    كنت أغلي من شدة الغضب.. والانفعال..
    لم أعرف ما أفعل..
    أخذت أبكي وأصرخ.. دون وعي..
    وحين أتت أمي..
    ورأتني على الأرض ممسكة برأسي لم أكن قادرة على الكلام من شدة الغضب والألم.. كانت الكلمات تختنق بدموعي.. أقسم أني حاولت أن أكون عبارة فلم أستطع من شدة الغضب والحزن والألم..
    وبصعوبة شديدة استطعت أن أنطق اسم أخي (الذي هرب من المكان طبعاً)..
    أصبت برضوض في العنق.. ولم أكن قادرة على تحريك رأسي بحرية لعدة أيام.. لكن الحمد لله..
    شعرت لأول مرة بشعور صديقتي.. حين تحاول إخراج كلمة فلا تستطيع فتعتصر عقلها لعدة ثواني حتى تنطقها..
    عرفت أن السبب هو مشاعر حبيسة.. مشاعر ألم.. حملتها معها وكبتتها منذ وفاة والدها.. ولم تستطع التخلص منها..
    ـ جواهر.. لديك مشاعر لم تمت.. تخلصي منها..
    نظرَتْ بصمت.. واستغراب..
    ـ مشاعرك هي التي تشل قدرتك على الحديث بحرية..
    اتركي الباب مفتوحاً لها لتخرج.. لا تحبسيها داخلك.. لأنها ستضر..
    قد لا تشعرين بها.. لكنها موجودة.. تخنقك..
    كانت تتنفس بصوتٍ عال.. وهي تحدق بي باهتمام..
    ـ أنا جادة.. يجب أن تتحدثي عن هذه المشاعر بمنتهى الصراحة لترتاحي..
    وقفت فجأة وأمسكت يدها..
    ـ قومي.. هيا يا صديقة الشمس.. آن الأوان لأن تختاري مكاناً آخر تجلسين فيه.. قبل أن تحرقك.. دون أن تشعري..!



    **
    مجلة حياة العدد (70) صفر 1427هـ

     


    - 39 -

    ليس ثمة بكاء تحت الباب



    كانت منيرة تضع الحناء على رأسها حين دخلت غرفتي..
    ـ (أفففففف .. شالريحة..؟!)
    ـ حمد الله! أي ريحة؟ حناء..
    ـ لا ! .. شكله فيه بلاوي..
    ـ ما فيه شي .. بيضة وشوية ثوم بس..
    ـ بسسسسسسسسس؟! يا سلام .. طيب تفضلي برا .. قبل لا..
    فجأة.. دخل أطفالها خلفها.. وهجوووووم جنوني على غرفتي..
    ـ أطلعوا برا.. عندي اختبار.. حرام عليكم الساعة واحدة وأنا ما خلصت.. براااا..
    انطلق عزيزان نحو أدراج مكياجي مباشرة..
    فأسرعت أهجم عليه.. وأسحب من يده أرواجي..
    حين التفت كانت ريّوم قد قفزت على سريري وأمسكت بالقلم وبدأت ترسم على ملزمتي..
    ـ منيييييييييييييييييييييييرة.. طلعي قرودك بسرعة..
    مطت منيرة شفتها وأعطتني ظهرها دون أي اهتمام مبتعدة تاركة رائحة الثوم تفوح خلفها..
    أمسكتهم من ياقة بيجاماتهم.. ورفعتهم لأعلى مثل جراء القطط ورميتهم خارج باب غرفتي وهم يبكون.. وأغلقت الباب..
    وهنا .. بدأ الصياح .. والبكاء..
    يا الله .. يا ربي .. ماذا أفعل الآن..؟
    أصوات بكاء مزعجة .. وأنا أريد أن أدرس..
    ريوم تضع فمها تحت فتحة باب غرفتي وتبكي..
    ـ خالة حصووووص .. الله يخليك .. آآآآآآآآآ..
    يتبعها صوت عزيزان الخشن..
    ـ هالة هسوووووووس .. عآآآآآآ .. عااااااا...
    ـ أقول .. الله ياخذكم..
    وأفكر قليلاً فأستغفر الله ..
    ـ أستغفر الله .. الله يهديكم ويصلحكم .. روحوا عند ماما نورة .. وإلا ماما منيرة يالله روحوا لا أذبحكم...
    ـ لااااااااا .. نبي عندك..
    أفففففففففف .. يا الله .. مشكلة .. يا لها من مشكلة..
    أحاول حل مسألة بسيطة فلا أستطيع التركيز..
    كم مول يوجد في 50 ملجم من نترات الصوديوم إذا علمت..
    (هاااااالة هسووووووووس .. عآآآآآآآآآآآآآآآآآآ..)
    كم مول يوجد في 50 ملجم من هسوس .. وجع!!
    عزيزاااااااااان .. بس يا البعير!
    منذ ستة أشهر وأختي منيرة تقيم لدينا بعد خصامها مع زوجها .. وهؤلاء القرود يعيثون في بيتنا فساداً..
    لم أعد قادرة حتى على الدراسة لمدة نصف ساعة!
    يا الله..
    رغم شقاوتهم .. وأذاهم .. إلا أني أشعر بالعطف عليهم .. إنهم مثل الأيتام..
    حسناً .. سأفتح لهم..
    لا .. لا! .. يجب أن أدرس .. اختباري غداً صعب جداً .. سأتركهم يبكون إلى الغد..
    كل هذا بسبب أمهم..
    مهما قالت .. ومهما قالت أمي..
    ما كان عليها أن تتخذ قراراً مصيرياً كطلب الطلاق .. لأسباب تافهة ..
    (لا يخرج بي .. دائماً عند أهله .. لا يهتم بي ...!)
    هل هذه أسباب تبرر لها أن تطلب الطلاق ولديها أطفال أبرياء..؟
    فتحت باب غرفتي لأحضر بعض الماء .. فإذا .. بهم وقد ناموا عند الباب..
    منظر مضحك .. ناموا وأفواهم عند فتحة أسفل الباب .. هه..
    ناديت منيرة..
    ـ منيييييييرة.. تعالي احملي أطفالك .. لقد ناموا على الأرض..
    ـ احمليهم أنت..
    ـ ماذا؟!
    شعرت بالغضب من برودها..
    ـ لن أحملهم.. سأدعهم هنا على السيراميك البارد..!
    لم تهتم واستمرت تتابع مسلسلتها المفضلة .. يا للبرود!
    ذهبت لأشرب الماء .. وعدت وهؤلاء المساكين على الأرض .. لكني كنت قد اتخذت قراراً بالـ (العناد).. والمشكلة أن أمي قد نامت .. فمن يحملهم..؟
    ـ منييييييييييرة .. حرام عيالك شيليهم..!
    ـ اصبري شوي..
    كانت تتابع التلفاز بمنتهى الاهتمام في الصالة..
    وأردت أن أعرف نهاية هذا البرود .. فضغطت على قلبي .. ودخلت غرفتي .. تاركة إياهم على الأرض .. مساكين..
    سبحان الله ..
    هل هو برود أم عناد .. أم لا مبالاة ..
    كيف تترك أطفالها هكذا ..
    عرفت الآن ماذا كان يعني زوجها حين قال أنه سئم من تحمل برودها وعدم اهتمامها ..
    أختي للأسف .. إنسانة فارغة .. ليس لديها أي اهتمام بشؤون التربية أو التعامل مع الآخرين ..
    ليس لديها أي حس بالمسؤولية..
    كل ما يهمها فقط هو خلطات شعرها وبشرتها .. وتعلم طرق وضع المكياج .. ومتابعة تمارينها في النادي..
    حين علم الناس بأنها (زعلانة) لدينا قامت الدنيا ولم تقعد .. شهقت جارتنا أم خالد..
    (منيييييييييييييييرة؟! المزيونة؟! مالت عليه .. وين يلقى أحلى منها .. صحيح الزين ما له حظ..)
    كنت أعلم أن أختي مليئة بالعيوب لكني سكت على مضض ولم أبح لأحد ولا حتى لأمي بفداحة أخطائها في التعامل مع زوجها وأطفالها..
    لا ترى إلا نفسها .. لا تريد أن تبذل أي شيء .. ولا تهتم بأي شيء .. أطفالها ينامون جوعى .. ترتفع حرارتهم .. يجلسون مع الخادمة بالساعات.. لا يهم!! .. زوجها يعود فلا يجدها في البيت .. لا مشكلة..! يطلب منها حضور مناسبة مهمة مع والدته.. غير ضروري!.. يمرض زوجها ويتغيب عن عمله.. بينما تذهب للنادي بمنتهى اللامبالاة..!
    حاول المسكين أن يصبر عليها من أجل الأطفال .. تحمل من أجلها الكثير .. أصبح يهرب من البيت لمنزل أهله .. لكن دون جدوى .. وحين ملت من هروبه .. سحبت أطفالها معها إلى بيتنا..
    الساعة الرابعة فجراً .. صحوت على صوت أبي عند بابي وهو غاضب..
    ـ حرام عليكم .. كيف تتركون هؤلاء الأطفال نائمين على الأرض تحت التكييف ..
    منيييييييييرة!!
    فتحت باب غرفتي فإذا بأبي الذي كان يستعد للذهاب لصلاة الفجر وهو يحمل عزوز..
    ـ حسبي الله ونعم الوكيل على أمكم..


    * * *

    ـ منيرة..
    ـ نعم..
    كانت تضع قدميها في حوض ماء دافئ .. وتتابع التلفاز..
    ـ لماذا لا تعودين إلى زوجك؟!
    نظرت إلي بغضب .. واشمئزاز..
    ـ ماذاااااااا؟! أعود لذلك الـ(خبل)؟!
    صعقت .. كيف يمكن أن تتحدث عن والد أبنائها –بأي حال- بهذه الطريقة؟
    ـ وما الذي تريدينه منه بالضبط..؟
    حكت رقبتها باسترخاء ثم قالت..
    ـ لن أعود له حتى يرجوني أن أقبل اعتذاره..! حين يعرف قيمتي..
    ـ لكنه أتى وحدث الوالد أكثر من مرة .. وحاول إرضاءك بشتى السبل..
    ـ لا يكفي .. أريد أن أذله أكثر..
    ـ (تذلينه)؟! .. ما هذا الكلام يا منيرة..؟ حرام عليك.. ثم .. إن لك الآن ستة أشهر بعيدة عن بيتك .. ليست بالمدة الهينة .. ألا تكفي؟
    ـ المشكلة أنه لا يفهم ولا يتعلم .. ولا يقدر من هي زوجته..
    كنت أعلم أنها تحبه .. لكنها كعادتها .. لا تهتم بأحد أبداً..
    بعد حديثنا ذلك بثلاثة أسابيع حدث ما لم نكن نتوقعه .. تم طلاقها..
    حتى هي صعقت .. انهارت .. لم تتصور أن يتخلى عنها بهذه السهولة..
    وشعرتُ بشماتة غريبة في سري .. رغم أنها أختي إلا أني كنت أريدها أن تتعلم درساً من غرورها ولا مبالاتها..
    بعد طلاقها .. ازداد إهمالها لأطفالها .. وازداد اهتمامها بنفسها بشكل مقزز..
    كانت تصرف راتبها كله على جمالها ورشاقتها.. دون أن تفكر ولو لوهلة في توفير شيء منه لأطفالها أو حتى لنفسها..
    تعبنا أنا ووالدتي المريضة بالسكر والقلب .. من متابعة أطفالها الأشقياء..
    وحين طلب والدهم حضانتهم منا .. وافقت أمي مباشرة .. لأنها لم تعد تستطيع السيطرة عليهم ..
    حاولت ثني أمي عن القرار قلت لها أني سأحاول أن أكون مسؤولة عنهم .. لكنها رفضت .. وقالت أنها تعبت من مسؤوليتهم ومن متابعة شؤونهم (في ظل لا مبالاة أمهم طبعاً)..
    أما منيرة .. فلم تهتم بالأمر كثيراً .. بالعكس سمعتها تتناقش مع أمي حول أن هذا سيعطيها فرصة أكبر للزواج!
    سبحان الله كيف تفكر بالزواج وصغيرها لم يجاوز الثلاث سنوات؟
    حين أتى والدهم لأخذهم قبلتُهم وضممتهم إلى صدري وأخذت أبكي .. أما هي فكانت تتحدث بالهاتف كعادتها .. دون أدنى اهتمام .. وكأنهم ذاهبون لمشوار قصير وسيعودون..!!
    بعد ذلك .. لم يعودوا يأتون لزيارتنا إلا مرة في الشهر..
    الساعة الواحدة ليلاً .. لدي اختبار مهم غداً ..
    أقلب صفحات الملزمة..
    أفتقد شيئاً ما .. لا أستطيع التركيز..
    شيء يؤلمني ..
    أقف عند باب غرفتي ..
    أرهف السمع .. أبحث عن شيء..
    لكن عبثاً..
    ليس ثمة أصوات بكاء تتسلل تحت الباب..


    **
    مجلة حياة العدد (71) ربيع أول 1427هـ
     


    - 40 -

    زهرة .. في تربة الألم



    دخلت مسرعة بعد عودتي من المدرسة وأسرعت أرمي عباءتي وأنطلق نحو (السوني) لأمسك بمقبض اللعبة.. فإذا به يدخل خلفي مسرعاً وهو غاضب.. صرخت:
    ـ أنا حجزته!!
    فأسرع يسحبه مني بقوة..
    ـ أقول.. (انقلعي)!.. جهازي وتحجزه بعد؟!
    ـ فهيدان.. حرام عليك أمي اللي شاريته لك.. خلني ألعب..
    وضع إصبعه على جانب رأسه.. وبغرور قال..
    ـ جهاااااااازي..!
    ـ طيب بس عشر دقايق.. الله يخليك..
    بدأ يلعب وهو يتجاهل كلامي..
    ـ وش كبرك.. رجال في ثالث ثانوي.. وجالس على اللعبة مثل الأطفال..
    رفع حاجبيه بكل برود وهو يبتسم..
    كان فهد يكبرني بثلاث سنوات فقط..
    ورغم كثرة شجاراتنا معاً.. كان هناك رابط خفي بيني وبينه..
    كان يعترف أنني الوحيدة التي أستطيع منافسته في الألعاب القتالية في السوني..
    ـ هذا (سمير) ولد خالة أبوي..
    كان شعري قصيراً.. وأرتدي طاقية.. وثوباً..
    وكنت في الثامنة من عمري يومها.. وأبدو كولد فعلاً.. بل ولد نحيف وقبيح!
    عرفني على زملائه في حلقة التحفيظ..
    اختار هذا الاسم ليحرجني.. ولم أكن أستطيع مناقشته في ذلك بالطبع..


    * * *

    حين أنظر اليوم لباب غرفته..
    أعرف أن الزمن كفيل بقلع الكثير من زهور الحياة الجميلة..
    أطرق الباب بهدوء..
    ـ فهد.. الغداء..
    صمتٌ ألفناه..
    أطرق مرة أخرى..
    ـ فهد.. الصينية عند الباب.. سأذهب.. خذها..
    وأبتعد.. أقف خلف جدار الصالة.. وأختلس النظر..
    يفتح الباب بحذر.. ينظر يمنة ويسرة بريبة..
    ياااه.. منذ متى لم أر وجهه..
    يسحب الصينية بسرعة ثم يقفل الباب..


    * * *

    تكاد أمي تبكي وهي تطرق الباب..
    ـ يا وليدي افتح.. لازم ننظف الغرفة..
    صمت يعتصر القلوب..
    ـ لازم ناخذ الصحون ونغسل ملابسك..
    لكن بلا إجابة..


    * * *

    كان قد قبل في كلية الهندسة..
    حين بدأت رائحة الألم..
    بعد أول أسبوع له في الدراسة، رفض الذهاب..
    ثم..
    بدأت رحلة المرض..


    * * *

    أفتح الدولاب تحت التلفاز.. أنظر لجهاز السوني.. ينزوي تحت أسلاكه..
    لم يعد لي رغبة في اللعب به..
    أنظر لأشرطة الألعاب..
    يعتصرني الألم.. فأغلق الدولاب..


    * * *

    ( دخل المسجد.. قبل صلاة العصر..
    نعم.. كنت هناك..
    كان وجهه مشرقاً.. كأني أراه الآن..
    ـ مبروك يا فهد..
    ابتسم بخجل..
    ـ الله يبارك فيك..
    تحرك الجار الذي كان يستند للجدار وهو يمسد شواربه ويحد النظر لفهد..
    ـ وش عليه؟..
    ـ فهد قبل في كلية الهندسة.. ما شاء الله عليه..
    ليتني لم أقل.. ليت لساني شل في تلك اللحظة..
    شهق واستوى في جلسته..
    ـ أوف.. هننننننننندسة مرة وحدة!! .. أثرك مب هين يا فهيد..
    كنت أعرف أن لهذا الجار الحقود ثلاث أبناء كلهم لم يجاوزوا المرحلة المتوسطة وفشلوا بسبب انحراف أخلاقهم عافانا الله وإياهم.. لذا شعرت بالخوف..
    وحين انحنى فهد ليسلم عليه ضربه على كتفه بقوة.. وهو يتمتم بأن أبو فهد محظوظ لأنه سيصبح لديه ولد (مهندس)!!
    وكانت نظرات الحقد تشع من عينيه بشكل واضح..
    ارتبك فهد وتغير وجهه..
    وخرج بعد الصلاة وعليه آثار تعب..
    عرفت أن شيئاً قد حصل..
    وقد حصل..)
    هذا ما قاله جارنا الطيب أبو مساعد.. لوالدي.. ذات مساء حزين..


    * * *

    غداً اختبار الكيمياء.. أمسك الكتاب.. أحاول أن أقرأ..
    أسمع صوت يصرخ..
    ـ لاااااااااااااااا..
    كان أبي قد فتح الباب بقوة.. وهو يحاول أن يسحبه ليجبره على الاستحمام..
    أصوات مفزعة.. صراخ..
    وأمي تبكي..
    ـ خلاص.. اتركه.. كيفه..
    ـ آآآآآآآآه.. لاااااااا.. خلووووووووني..
    الساعة الحادية عشرة..
    غداً الاختبار النهائي.. ثالث ثانوي..
    لم أنه حتى الباب الأول.. يا رب ارحمني..
    ـ أقوووول لكم اتركوووووووني..
    أبكي تنساب دموعي..
    أسحب مسجلي الصغير وأضع السماعات على أذني.. أضع شريط قرآن للشيخ الشاطري..
    وأتأمل معاني الآيات..
    تهدأ نفسي بعض الشيء..
    لكن الصراخ قاتل وعال.. أعود للبكاء..
    وفجأة.. تعتريني رغبة وحشية في التحدي..
    أردت أن أصرخ.. وأقول لا.
    أن أصنع شيئاً.. أن أحطم هذا الألم.. وأواجهه..
    أردت أن.. أنجح.. بل وأتفوق..
    لن أستسلم..
    رغم كل هذه الظروف.. كنت أريد أن أحقق شيئاً..
    أن أعبر عن ألمي بشيء إيجابي..
    انكببت على الكتاب أقرأ وأحل.. وأخطط حتى الفجر..
    حين خرجت من غرفتي لصلاة الفجر..
    كان البيت هادئاً كالموت..
    شاهدت أمي جالسة بصمت في الصالة..
    كانت عيناها حمراوين..
    نظرت إلي.. وتحدثت وهي تهذي..
    ـ ضربه بالعقال.. حتى استطاع أن يخرجه من غرفته..
    ـ هل اغتسل..؟
    ـ رمى بوالدك على جدار الحمام فكاد يخلع كتفه..
    سكتنا..
    ـ ضربني أنا أيضاً.. آآآ ..
    وبدأت تبكي.. وتهتز..
    ـ فهد.. انتهى يا ميمونة.. ولدي راح.. خلاص..
    رأيت الحقيقة تكشر أنيابها أمامي.. فزعت..
    هربت مسرعة نحو الحمام.. وهناك.. بكيت حتى ارتويت..


    * * *

    كانت ورقة الاختبار أمامي..
    الأسئلة.. الحروف.. الأرقام..
    صوت صراخ فهد القوي.. (لااا.. خلوووووووني..)..
    بكاء أمي..
    أتخيل منظر أبي..
    ارتعش قلمي بين أصابعي.. ضاعت الكلمات..


    * * *

    كنا نجلس على حافة السطح.. وأصحاب فهد في الشارع..
    ـ يا الله مونة وريييييهم..
    كان عمري سبع سنوات فقط.. وكان قد تحدى أولاد الجيران أن يجعلني أدور على جدار السطح..
    وقفت.. وبدأت أسير على الحافة ببطء..
    ثم أخذت أسرع.. أجري..
    وهم ينظرون بخوف..
    فجأة كدت أفقد توازني وأسقط.. وضعت يدي على الأرض.. تماسكت.. ووقفت مرة أخرى..
    نظرت إليه..
    كان ينظر لي بخوف لكن بفخر واعتزاز.. يريدني أن أريهم ما لدي من قدرات..
    فرحت.. استمتعت بنظرات فخره.. انتشيت لأنه يتباهى بي.. ضحكت..
    أردت أن أجعله أكثر فخراً..
    أسرعت أجري وقفزت عدة مرات.. والجميع مبهورون..
    صرخ بفخر: (حيووووووووووووها..!)


    * * *

    في الجريدة خبر يخصني..
    اسمي.. مسبوقاً بـ (المركز السابع على منطقة الرياض)..
    تطايرت الأوراق..
    ماتت العبرات..
    ونبتت زهرة.. في تربة الألم..



    **
    مجلة حياة العدد (72) ربيع ثاني 1427هـ

     



    - 41 -

    لم تعد
    جبالاً
    بعد اليوم



    عدت من المدرسة منهكة..
    رميت حقيبتي على الأرض.. وألقيت عباءتي على الكرسي..
    ورميت بجسدي على السرير..
    كانت كل عضلة من عضلات جسمي ترتعش من التعب..
    يا الله ما أجمل السرير في غرفة مكيفة باردة..
    الشرشف بارد ومنعش.. والوسادة لينة.. رحت في إغفاءة خفيفة.. وأنا أرخي جسمي كله..
    تمنيت لو أستطيع النوم.. تمنيته بشدة.. كنت أحتاجه جداً..
    جاءني صوت تهاني الحاد..
    - بدرية! كيف تستطيعين أن تستلقي هكذا؟ اخلعي حذاءك على الأقل؟
    بصوت ناعس أجبت..
    - آآه.. أشعر أني سأموت من التعب.. يا الله.. زحمة.. حر.. شمس حارقة.. والباص طبعاً بلا تكييف..
    - قومي.. يا الله.. غيري ملابسك واغسلي وجهك..
    - إيه.. يحق لك تتدلعين علينا.. غايبة اليوم..!
    - يا الله قومي بس.. ساعدي أمي على الغداء..
    قمت بصعوبة وأنا بالكاد أسحب رأسي من على الوسادة الباردة المنعشة..
    وأنا أسمع صراخ أمي من المطبخ..
    - يا الله يا بنات.. بسرعة تعالوا حطوا الغداء..
    في المطبخ.. اقتربت لأسلم على رأس أمي.. لكنها مدت يدها لي بمغرفة الطعام وهي غاضبة..
    وخرجت..
    كان الوضع مزرياً كالعادة بل مأساوياً!
    الأواني متراكمة في المجلى.. وكل شيء يحتاج لتنظيف..
    لا أعرف بم أبدأ..
    بدأت في وضع الغداء في الصحون.. ونقلته أخواتي الصغيرات إلى السفرة في الصالة..
    أما أنا فكان تفكيري مشغولاً بالأواني المتسخة وكم ساعة أحتاج لتنظيف المطبخ..
    لم أستطع تناول الغداء.. أسرعت أنظف المطبخ وأغسل الصحون وأنا أمني نفسي بنصف ساعة قبل أذان العصر أغفو فيها.. كنت أسرع لكي أنتهي من التنظيف.. والنعاس يغلبني.. وكذلك الألم..
    أطلت أمي لتصرخ علي وتنبهني للأرضية المتسخة.. سكت على مضض..
    - إن شاء الله يمه..
    ثم ذكرتني بإعداد الشاي ووضعه في البراد..
    - إن شاء الله..
    ثم ذكرتني بغسل وتعقيم رضاعات أخي الصغير..
    - إن شاء الله يمه..
    وخرجت.. بعد أن نبهتني لبطئي وسوء تنظيفي..
    ففي بيتنا.. كنت أبتلع الألم كل يوم..
    بل أتناوله كوجبة غذاء أساسية!
    منذ رجوعي للمنزل منهكة.. تبدأ أوامر أمي وطلباتها.. وأستلم المطبخ بدلاً منها..
    لا أمانع في ذلك فهي أمي..
    لكن.. التذمر والشكوى هي ما يقتلني..
    لا شيء يرضيها.. دائماً غاضبة علي.. دائماً تصرخ علي..
    دائماً أنا مذنبة في نظرها..
    مهما فعلت ومهما ضغطت على نفسي من أجلها..
    كلمة واحدة منها تحرق كل ما قدمته.. وتنثر رماده في الهواء..
    فأنا في نظرها دائماً مقصرة وعاقة و.. رغم أني لم أتفوه عليها في حياتي بكلمة واحدة.. وأحاول قدر المستطاع أن أحترمها وأجيب طلباتها..
    أخذت أفكر وأنا أمسح الأرفف..
    لماذا.. لماذا لم أسمع منها في حياتي كلمة شكر..
    كلمة حب.. كلمة طيبة..
    أحلم كثيراً أن أسمعها تناديني.. يا ابنتي.. يا حبيبتي.. يا قلبي!!
    لكنها مجرد أحلام..
    سأكون مستعدة حينها لأن أخدمها بكل ما تريد وأنا سعيدة..
    أخذت أنظف سطح الفرن والدموع تنساب من عيني..
    إلى متى هذه القسوة..
    أنهيت التنظيف..
    الحمد لله.. المطبخ يشع نظافة..
    أعددت الشاي.. وها هو في الصينية..
    رضاعات أخي نظيفة ومعقمة..
    لابد وأنها ستفرح.. انتهيت اليوم مبكرة الحمد لله لن تقول أني بطيئة..
    كنت ألهث من شدة التعب.. وبالكاد أقف من شدة النعاس والصداع.. لكني قررت أن أمسح الثلاجة أيضاً..
    فجأة دخلت..
    نظرت حولها ثم صرخت..
    - أففف ما هذه الرائحة؟ ألم تغسلي الفوطة جيداً قبل المسح؟
    - غسلتها يا أمي..
    - رائحتها كريهة..
    - لقد أعددت الشاي..
    - دعيني أرى..
    صبت القليل منه في كوب.. فتغير وجهها..
    - ما هذا؟! لماذا هو غامق هكذا؟!.. لن يشربه والدك..
    وأسرعت لتدلقه في المجلى بكل بساطة..
    - قومي بعمل آخر.. بسرعة.. والرضاعات أين هي؟
    - ها هي هنا.. غسلتها وعقمتها..
    - أعطني واحدة..
    وخرجت كما دخلت..
    أخذت أستعيد شريط كلامها.. أبحث بين الكلمات والحروف عن كلمة شكر أو دعاء.. لكني لم أعثر على شيء منها..
    انتهيت من إعداد الشاي.. وذهبت لغرفتي وأنا بالكاد أسحب أقدامي..


    * * *

    كانت المشرفة الاجتماعية قد طلبتني لغرفتها لكي أقوم بمساعدتها في كتابة سجلات أسماء الطالبات نظراً لحسن خطي.. كنت أجلس على الأرض.. وحولي السجلات.. وأوراق بالأسماء.. والمشرفة تتحدث بالهاتف أو تكتب..
    وحين انتهيت من أحد السجلات ناولتها إياه..
    - ما شاء الله خطك مرتب جميل.. تسلم يدك يا بدرية.. روووعة تبارك الله..
    ابتسمت باستغراب.. لم أعرف ماذا أقول!
    - شكراً..!
    - أنا من يجب أن يشكرك.. تشكرينني على ماذا حبيبتي؟
    أوف.. حبيبتي مرة واحدة!.. (قلت في نفسي)..
    واحمر وجهي خجلاً..
    - لا تحرجيني أستاذة نورة.. أنا ما عمري سمعت كلمة شكر.. ولا ثناء..
    - معقولة؟ كيف؟
    كان وجهي شاحباً.. وشفتاي جافتان.. كنت أشعر بإرهاق وتعب.. وبالكاد أتحدث..
    - يعني.. أنا لست متفوقة.. ولا مميزة في المدرسة.. لم يمدحني أحد من المدرسات من قبل.. إلا مدرسة العلوم حين كنت في صف ثاني ابتدائي!.. أما في البيت.. فـ.. ههههه.. ولا عمري..
    كنت أضحك على نفسي بسخرية.. وأكاد أبكي في نفس الوقت.. فسكت..
    نظرت أبلة نورة إلى وجهي مباشرة..
    - في البيت ماذا يا بدرية؟ تعالي اجلسي هنا.. تحدثي..
    جلست على الكرسي.. وأنا أشعر بالخوف.. ماذا سأقول..
    - ماذا يا أبلة نورة؟ لا شيء لدي.. كل ما أردت قوله.. أن أمي عصبية.. دائماً غاضبة.. لا يرضيها شيء.. قاسية في كلامها.. لم نسمع منها كلمة حب واحدة في حياتنا.. ومهما تعبنا معها لا نسمع كلمة شكر واحدة..
    بدأت أبكي لا شعورياً.. فمسحت أنفي بمنديل..
    - في حياتي.. لم أسمع كلمة مدح أو ثناء أو شكر منها.. صدقيني يا أستاذة.. أعود من المدرسة متعبة.. ولأني الكبيرة.. أستلم مسؤولية تنظيف المطبخ.. ثم مسؤولية أخوتي الصغار في العصر.. وكذلك إعداد العشاء.. ورغم هذا دائماً غاضبة مني..
    ابتسمت أبلة نورة وقالت بهدوء..
    - عااادي يا بدرية.. لا تأخذي الأمور على محمل الجد..
    إن كل ما تقوم به أمك تجاهك لا يعني أبداً أنها لا تحبك.. أو لا تهتم بك.. صدقيني.. هي فقط.. لا تعرف كيف تعبر.. ولم تتعود على تغيير نمط كلامها وحديثها.. هذا هو الظاهر لك فقط.. لكن ما في قلبها من حب ومودة.. لا يمكن أن تعرفيه..
    نظرت إلي ثم قالت..
    - هل جربت مرة أن تقولي لها كم يضايقك أسلوبها؟ هل سبق ووضحت لها مشاعرك وآلامك؟
    نظرت لها باستغراب ودهشة..
    - لا..!
    - إذاً كيف تريدينها أن تعرف أنك متضايقة؟
    حاولي أن توضحي لها مشاعر ألمك وأنك تحتاجين لسماع كلمة شكر أو ثناء منها..
    - لكن إذا لم تقلها من تلقاء ذاتها.. كيف أطلب منها ذلك.. سيبدو ذلك سخيفاً!
    - كلا.. أمك تعودت على طريقة معينة في الكلام.. وهي تعتقد أنك لا تشعرين بأي ألم من جراء ذلك.. لذا فهي مستمرة في أسلوبها بكل بساطة!
    - لا أعرف.. أستحي..
    - ولماذا تخجلين؟ لماذا تصنعين هذا الحاجز..؟ إذا انتهيت من عمل ولاحظت أنها لم تمنحك الشكر والاهتمام الكافي.. قولي لها ما تريدين قوله.. أمي ألا أستحق شكراً؟ جزاني الله خيراً؟
    وستتأقلم بإذن الله مع الأيام على هذا الأسلوب..
    لكن.. ليس بسرعة.. فالمسألة تحتاج لصبر..
    - يبدو ذلك صعباً.. لكني سأحاول..
    - نعم هكذا أريدك أن تفعليه يا عزيزتي.. لا تيأسي أو تعتقدي أنك وحدك من يعاني من هذا الأمر.. الكثير من الفتيات يعانين مثلك مع أمهاتهن.. لا تكوني حساسة، وتقبلي الأمر.. عيشي حياتك ببساطة ورضا.. ولا تقفي عند الآلام البسيطة لتصنعي منها جبالاً شاهقة.. وتذكري أنها أولاً وأخيراً والدتك.. وأنت مأجورة بإذن الله على صبرك عليها وبرك بها..
    كان كلامها بسيطاً.. لكنه ولا أعرف كيف غير نظرتي كثيراً لأمي..
    حين عدت من المدرسة.. ألقيت نظرة عليها في المطبخ.. وقفت عند بابه.. كانت تطبخ والبخار يعلو فوق القدور.. وأخي الصغير في كرسيه على الأرض وهو يصيح..
    شعرت بعطف كبير عليها.. كيف لها أن تتحمل هذه المسؤوليات كلها.. ولا تتعب وتتضايق..
    أحسست بأني كنت نوعاً ما أنانية..
    اقتربت من أخي لأقبله وأداعبه..
    - عدتِ؟
    ابتسمت لها..
    نظرت إلي.. وابتسمت ابتسامة لم أرها منذ مدة..
    ربما شعرت بأن شيئاً ما في داخلي قد تغير!



    **
    مجلة حياة العدد (73) جمادى الأولى 1427هـ
     


    - 42 -

    كليمات من القلب



    حسناً..
    اليوم... لن أبدأ برواية حكاية..
    ولن أترك الفتاة تعترف قبلي.. لأني أريد أولاً أن أتحدث معكم قليلاً.. عن بعض القصص الأخيرة.. وعن ردود فعل بعضها..
    وعندي كليمات دارت في عقلي وقلبي وأحببت أن تشاركوني بها..


    يسألني الكثيرون دائماً هل هذه القصص التي تروينها حقيقية..؟

    وأنا أقول.. كل قصصي هي من رحم الواقع.. من أرض الحياة الحقيقية.. لكنها ليست بالضرورة صوراً أصلية..
    هذه الاعترافات هي لقطات من حياة حقيقية لطالبات وزميلات وصديقات.. قصص عايشت أطرافاً منها.. أو سمعتها شخصياً من أصحابها مباشرة.. ثم أضفت لها لمسة من خيال..
    هي قصص ترتكز على جذع من الواقع.. وربما أضفت لها بعض الأوراق وشذبت لها بعض الأغصان..


    أهدي قصصي لكل من تعني لها شيئاً.. وما أردت قوله دائماً هو.. أننا جميعاً عانينا ونعاني من الآلام في حياتنا..
    ليس هناك من شخص يعيش السعادة الكاملة في هذه الدنيا..
    السعادة الحقيقية هي في الإيمان بالله والرضا بواقعك مهما كان.. والأروع هو شكر الله وحمده بصدق على ذلك الواقع سواء أكان ابتلاء أم نعمة..


    لن أطيل كثيراً..

    فالحديث في غير القصة لا يروق لكن كثيراً.. أعرف ذلك.. لكن.. لا يزال هناك شيء هام أريد قوله اليوم..

    قبل فترة.. كتبت قصتين عن حالات طلاق..
    إحداهن.. (ذهبت ولن تعود)..
    والأخرى.. (ليس ثمة بكاء تحت الباب)..
    وقد تلقيت العديد من الرسائل حولهما..
    الأولى عن زوج يشكو من سوء خلق زوجته وإهمالها.. يقول أنه كان على وشك طلاقها.. لكن قراءته للقصة الأولى جعلته يتخيل أن (منال) هي ابنته الصغيرة.. جعلته يتخيل ألمها ووحدتها وفراقها عن أمها حين تكبر..
    ويقول أنه أبعد فكرة الطلاق عن رأسه تماماً بعدها.. وهو مستعد لتحمل كل شيء من أجل طفلته الصغيرة.. ويسأل الله أن يهدي زوجته العنيدة التي لا تحترم أحداً حسب قوله..


    والرسالة الثانية.. هي من أب رحيم.. يتفطر قلبه على أبنائه الذين تركتهم أمهم لديه منذ عدة أشهر.. أشبه بالأيتام.. وهو لا يزال متردداً في اتخاذ قرار الطلاق حتى لا يهدم حياة أطفاله.. ويتمنى لو عادت أمهم إليهم.. لأنهم ضائعون دونها مهما حاول هو تعويضهم..
    يقول.. بعد قراءتي للقصة أصبحت أنتبه حتى لطريقة تمشيطهم لشعورهم.. ولتعابير وجوههم.. وأخشى أن يتألموا كما تألمت (منال) في القصة دون أن أشعر بهم..


    أما الحالة الثالثة فهي لفتاة يتفطر قلبها حزناً.. جاءتني وهي تبكي..
    وتصف حال أختها كما هو في قصة (ليس ثمة بكاء تحت الباب).. والتي تركت بيتها وأولادها.. دون سبب يذكر.. وبتقصير كبير منها..
    حيث إنها عنيدة ولا تقبل التفاوض في أي أمر.. وتريد تطبيق ما تريده دون نقاش..
    تقول هذه الفتاة..
    حين يأتي أبناء أختي كل أربعاء لزيارتنا نفرح بهم كثيراً.. لكن يوم الجمعة.. يصبح يوم البكاء والألم الأسبوعي.. الجميع يبكي.. أنا.. أمي.. أخواتي.. خاصة على الطفلة ذات الأعوام الخمس.. والتي تتشبث بأمها إلى آخر لحظة رافضة العودة لمنزل أبيها..
    كلنا نبكي.. إلا أختي.. الأم..
    تصوري!!..
    إنها تبدي لا مبالاة عجيبة بأبنائها..
    بل إنها تقول أنهم يذكرونها بوالدهم لذا فإنها لا تريد أن تتعاطف معهم!!
    تخيلي أربعة أطفال يعيشون لوحدهم في البيت مع والدهم أكبرهم فتاة لم تجاوز الثالثة عشرة.. والصغيرة ذات خمس سنوات.. يعانون الألم والمسؤولية عن أنفسهم بلا أم.. ولا جدة ولا حتى خادمة..
    ابنة أختي الصغيرة أصبح شعرها يتساقط بغزارة.. وحين نسألها لماذا يتساقط شعرك هكذا؟ تخيلي ماذا تجيب طفلة السنوات الخمس؟ إنها تقول.. شعري يتساقط من كثرة التفكير!!
    طفلة لم تجاوز عامها الخامس تفكر؟
    في ماذا يا حبيبتي تفكرين؟
    فتجيب ببراءة.. أفكر في أمي.. وأبي.. ثم تبكي بكاء حاراً مثل الكبار..
    والكل يبكي معها.. إلا أمها.. التي تجمدت مشاعرها تماماً.. ولم يعد يهمها سوى نفسها فقط.. ولا تريد تقديم أي تنازل أو تفاوض..


    دعونا نتأمل قليلاً..

    هذه الطفلة من يهتم بها؟ من يرحمها إن لم تفعل أمها؟
    وأختها الكبرى.. هل ترحمها معلمتها القاسية.. هل تشفع لها إن لم تنجح بسبب سهرها مع أختها المريضة طوال الليل..؟
    هل ترحمها مديرة المدرسة؟ هل تقدم لها خدمة معنوية أو لمسة حانية؟ بل هل تعرف بوضعها أصلاً؟


    أربعة أطفال يعيشون الألم والوحدة وجفاف المشاعر من الأبوين.. من يقدم لهم لمسة حنان؟

    أعرف أننا نقف عاجزين أمام الكثير من الآلام التي نراها في حياتنا..
    لكن أيضاً أمامنا الكثير لنفعله..


    يبدو أني انتقلت من موضوع لآخر.. لكني أدعو كل فتاة أن تفكر ملياً قبل اتخاذ قرار الزواج.. لأن هذا القرار مصيري.. وعليها تحمل نتائجه لأنه لا يرتبط بمصيرها فقط بل مصير أبنائها الأبرياء.. وأن تعلم أنها لا تدخل نزهة في حديقة وتقرر الخروج منها متى شاءت بكل بساطة..

    أدعو كل أم أن تفكر ألف بل مليون مرة قبل اتخاذ قرار الطلاق.. وأن تجرب كل الطرق ووسائل الإصلاح والإقناع والتغيير قبل أن تقرر.. وأن تحسب سلبيات وإيجابيات القرار جيداً.. بما في ذلك ما ستسببه لحياة أبنائها من تدمير وآلام لن يمسحها الزمن..

    أدعو كل أم أن تعلم بناتها قيمة الحياة الزوجية.. وكيفية احترامها وتقديرها.. وفن التغاضي عن العيوب والهفوات والبحث عن الإيجابيات في شخصية كل زوج بدلاً من النبش في سلبياته..

    أدعو كل معلمة ومربية أن تجعل التربية والإصلاح همها الأول قبل دفتر التحضير وتقييم المشرفة.. أن تمنح طالباتها الحب والحنان قبل المعلومة.. أن تمنحهم الدفء والأمان قبل الدرجات.. وأن تحتسب الأجر في ذلك..

    أدعو كل معلمة أن تنظر في وجوه طالباتها.. وتبحث عن المتألمة.. الكسيرة.. الحزينة.. المحتاجة لمسحة على الرأس أو الكتف.. فبينهن اليتيمة.. والوحيدة.. والمسؤولة.. والمتألمة..

    لا أعرف ما الذي دفعني لكتابة هذا الكلام..
    هي كلمات فقط أحببت أن أشارك قارئاتي الحبيبات بها..


    دعونا نمنح الحب لمن حولنا.. لنكن أكثر اهتماماً.. ولنراعي مشاعر الآخرين.. لا أنفسنا فقط..


    **
    مجلة حياة العدد (74) جمادى الآخر 1427هـ

     


    - 43 -

    مشهد .. كل ليلة



    كنت في السابعة أو ربما الثامنة من عمري.. نعم.. أتوقع في الثامنة - كنت قد أنهيت الصف الثاني الابتدائي- حين أجريت لأبي عملية خطيرة في القلب..
    أصيب بعدها بمضاعفات.. وجلطة مفاجئة في جانب من الدماغ..

    أذكر.. حين.. دخلت مع أمي لغرفته.. في العناية المركزة..
    أذكر الأجهزة.. رائحة المعقمات..
    الصوت المرعب لنبضات القلب على الجهاز..


    وقفت مع أمي عند طرف السرير.. وهناك كان أبي ممدداً عاري الصدر ألصقت عليه المجسات والأسلاك، وثمة أنابيب مؤلمة في أنفه..
    شعرت بالخوف منه.. لم يكن أبي الذي أعرفه..
    نظر إلي بطرف عينيه بصعوبة.. هيئ إلي أنهما كانتا تدمعان.. حرك إصبعين من كفه الأيسر ليشير إلي
    بالاقتراب..
    شعرت بالخوف..
    أمسكت عباءة أمي والتصقت بها..
    - هذا أبوك.. حنين.. روحي بوسي إيده..
    - أخااااف..!
    لم تكن أمي قادرة على حملي ورفعي لأنها كانت حاملاً في شهرها الأخير.. سحبتني بقوة وهي تكتم عبراتها.. وحملتني بمشقة..
    - هذا بابا حبيبتي.. شوفيه زين..
    دفعتني عند رأسه لأراه جيداً.. لعلي أقبله..
    نظرت إليه.. كانت عيناه تدمعان.. وهو ينظر إلي بشوق..
    أفلت بقوة من يد أمي وأسرعت أختبئ خلفها.. وألتف بعباءتها.. وأخذت.. أبكي..
    - أخااااف ما أبي..!
    أخذت أمي تمسح على رأسي وتهدئني.. وصوتها يرتعش بالعبرات..
    - خلاص حبيبتي ما يصير تصيحين.. هذا بابا.. شفيك؟
    في تلك اللحظة.. كنت أحبه أكثر من أي لحظة مضت.. كنت أتمنى لو أقفز على صدره كما أفعل دائماً وأقبله..
    أبي الحبيب..
    لكني رأيت في عينيه شيئاً مخيفاً..
    رأيت.. الموت.. فخفت منه..
    لم أستطع أن أقترب من أبي وهو في لحظات ضعفه هذه..
    كان شيئاً مخيفاً جداً لطفلة السنوات الثمانية.. أن ترى والدها بهذا الضعف..
    قريباً من شيء مخيف.. كالموت.. هذا ما لم يفهمه أحد ممن كان حولي..


    غضبت الممرضة وأمرتنا بالخروج حتى لا نؤثر على مشاعر أبي وقلبه الضعيف..

    ارتعشت أمي.. اقتربت من أبي همست في أذنه بكلمات.. وقبلته على رأسه.. ومسحت على شعره..
    وخرجنا..
    كانت متماسكة نوعاً ما حتى خرجنا..
    حين خرجنا من الغرفة وفي الممر مباشرة.. انهارت أمي.. أسندت أمي ظهرها إلى الجدار وأخذت تبكي بقوة..
    كانت تنشج كما كنت أفعل حين أطلب شراء لعبة غالية..
    فوجئت بالمنظر المؤلم.. أمي تهتز.. ببطنها الكبير... وهي تبكي بقوة.. وتتأوه بحسرة..
    - ماما خلاص.. ماما حبيبتي..
    طوقتها بطنها بذراعي..
    لم تكن تسمعني.. فقط أمسكتني وحضنتني بشدة وهي تبكي...
    وكأن بكاؤها يتردد صداه في أذني حتى هذه اللحظة.. ذكراه تحرق قلبي..


    الآن فقط فهمت مشاعر امرأة شابة مع طفلين صغيرين.. وجنين في بطنها..
    دون أب.. ولا أم..
    ومع زوج على حافة الموت..


    كان خالي ينتظرنا في البهو الكبير للمستشفى..
    حين وصلنا إليه لم يكن يبدو على والدتي أي أثر غير طبيعي..
    استطاعت أن تتماسك بسرعة وتبتلع ما بقي من دموعها..


    ركبنا معه في السيارة.. وطوال الطريق كان يحاول إقناع أمي بأن تأتي لتسكن لديه ريثما يشفي أبي..
    لكنها رفضت وأصرت على أن نبقى في بيتنا..
    - لكنك حامل.. وقد تلدين في أي لحظة.. يجب أن يكون قربك رجل.. لا يصح هذا يا نهلة..
    - لا تخف علي.. أستطيع أن أتصل عليك عندما أحتاج لذلك.. لا تخف يا أخي..


    لم تغب صورة أبي بصدره العاري والأسلاك تغطي جسمه عن ناظري طوال الأيام التالية.. بل طوال أيام عمري الباقية كلها.. أصبحت روتيناً ليلياً..
    فقد كانت آخر صورة له..
    إذ لم أر أبي بعدها أبداً..
    توفي خلال أيام..
    غاب عنا..


    نساء كثيرات جئن لبيتنا..
    بكت أمي كثيراً.. بكت.. حتى خشيت أن تموت.. قلت لها ذلك..


    وبقينا في بيتنا.. لم نذهب إلى أي مكان آخر كما أصر الجميع علينا..

    * * *

    ذات صباح.. استيقظت على صوت أمي وهي تطلب مني أن أغير ملابسي بسرعة..
    كان هناك شيء غير طبيعي.. صوتها يرتعش بقلق..


    أخذتني أنا وحمودي عند بيت خالي.. وقالت أنها ستذهب في مشوار مع خالي وتعود..

    شعرت بالخوف في بيت خالي..
    كنت أجلس وحدي أنا وأخي.. لا نفعل شيئاً..


    فقد كانت زوجة خالي من النوع الغاضب دائماً.. صراخها الحاد على أبنائها وبناتها كفيل بجعلي – أنا وأخي - لا نغير أماكننا خوفاً من صرخة منها..
    عرفت جيداً لماذا لم ترغب أمي في أن نسكن معهم..


    شعرت بالملل طويلاً من الجلوس وحدي حتى نمت على الكنبة وأنا أشاهد التلفاز.. ونام حمودي قربي..
    وبعد ذلك بمدة.. استيقظت.. وعلمت أن أمي أنجبت طفلاً صغيراً..
    لم أفرح كثيراً.. كنت مهتمة بأمي قبل ذلك..
    - وأمي أين هي؟ متى تعود؟
    - أمك في المستشفى يا حنين..
    شعرت بمغص في بطني.. كرهت المستشفى.. تذكرت شكل أبي.. لا.. لا أريدها أن تذهب هناك.. أخشى ألا تعود كما حصل مع أبي.. بكيت.. وبكيت.. ولا أحد يعرف سر بكائي..


    عادت أمي تحمل جنينها..
    وذهبنا مباشرة إلى بيتنا وأحمد الله أننا لم نجلس في بيت خالي كما حاول إقناعنا..


    تعبت أمي بعد ذلك.. كانت مسؤولية البيت والأطفال لوحدها كبيرة عليها.. لكني كنت أساعدها قدر استطاعتي..

    ربتنا أمي أفضل تربية.. تعبت علينا كثيراً.. وتعذبت كثيراً في تربية أخويّ..
    لا أزال أذكر تلك الليالي التي كانت أمي تدور فيها بقلق في أرجاء البيت حين كان محمد يتأخر فيها في السهر..
    ولا زلت أذكر الليلة التي بتنا فيها جميعاً نبكي حين غضب عبد الله وخرج من البيت آخر الليل.. لا نعرف إلى أين ذهب.. وبقينا نبكي بخوف أنا وأمي حتى ساعات الصباح ننتظر رجوعه..


    كانت أمي تتحرج من الاتصال بخالي ليتدخل في كل صغيرة وكبيرة..
    وكانت مسؤولية صعبة.. أن تواجه المشاكل وحدها..


    أصيبت بالقولون.. ثم بالضغط.. ثم.. بالتهاب المفاصل..
    أصبحت حركتها صعبة وهي لا تزال صغيرة..


    كان أثر الهم والمسؤولية بادياً على جسدها النحيل ووجها الحزين..

    ورغم آلامها ومرضها..
    كانت حريصة على قيام الليل كل ليلة.. تدعو الله لنا أن يصلحنا ويهدينا - كما أسمعها كثيراً.. وتدعو الله أن يرحم والدي ويجمعها به في
    الفردوس الأعلى..


    * * *

    رغم التعب والآلام.. والسنوات المتعبة التي عاشتها.. بدأت أمي تقطف ثمار جهدها يوماً بعد يوم..
    تغير حال أخوي بعد أن كبرا بفضل الله..
    رزقهما الله الهداية وصلاح الخلق..
    تخرجا.. عملا..
    تزوج كل منهما..
    وأنا لا زلت أنتظر نصيبي.. مع أني مستمتعة بالحياة مع أمي الحبيبة.. ولا أتخيل نفسي بدونها..


    * * *

    الليلة.. وكل ليلة..
    كلما وضعت رأسي على الوسادة.. أرى مشهد أبي الأخير على سريره.. عاري الصدر.. بالأسلاك والأجهزة.. وصوت نبضات القلب..
    أتذكر حركة إصبعيه وهو يشير إلي أن أقترب..
    عيناه الدامعتان..
    أتذكر بكاء الأم الشابة..
    فأدعو الله له بالمغفرة والرحمة من كل قلبي..
    وأن يجمعه الله بأمي في جنات
    النعيم..



    **
    مجلة حياة العدد (75) رجب 1427هـ
     


    - 44 -

    ليتني أعود .. صفحة بيضاء

    تبدأ الجروح كبيرة.. دامية..
    ثم تصغر.. تجف..
    تلتحم..
    لكن.. يبقى مكانها بعض الألم.. وتبقى آثارها مهما مر الزمن..
    مكان بلا جرح.. ليس مثل مكان جُرح..
    حتماً ليسوا سواء..
    إنها الحقيقة مهما حاولنا تجاهلها..
    كنت أقف عند نافذة غرفتي.. أطل على إخوتي الصغار وهم يتقافزون في مسبحهم الجديد الذي اشتروه بمناسبة حلول الصيف.. يتقاذفون كراتهم وألعابهم بكل مرح..
    ما أجمل الطفولة وبراءتها..
    ما أجمل أن تعيش خفيفاً.. دون هم.. ولا حزن ولا مسؤولية.. ولا ذكريات مؤلمة..
    ليتني أعود طفلة بريئة طاهرة..
    ليتني أعود راوية التي كانت طفلة بليدة مسكينة يضحك عليها بنات أقاربها ويهزأن بها فتجري خلفهم بشعرها الأعرد المتطاير..
    ليتني أعود راوية التي تفرح بالفستان واللعبة.. وتمسح دموعها في حضن أمها بعد معاركها مع ابنة عمها كل مساء..
    ليتني أعود سعيدة مبتهجة كما كانت راوية يوم العيد في فستانها ذي الحزام العريض وقبعتها وحقيبتها المليئة بالريالات.. لم تكن تهتم في ذلك الوقت بضحكات بنات أعمامها اللاتي كن قد بدأن في لبس الملابس النسائية ووضع شيء من المكياج.
    بينما هي تبتسم في وجوه العمات والأعمام منتظرة (العيدية) لتفتح حقيبتها كل خمس دقائق وتعد ما جمعته من مال..
    لا أزال أذكر نظراتهن وهمساتهن الضاحكة علي.. وقد وضعت كل منهن رجلها على الأخرى..
    لم كن يستعجلن أن يصبحن نساء؟
    كنا في نفس العمر تقريباً..
    لكنهن يستعجلن أن يكبرن.. أن يضعن المكياج.. الفساتين الضيقة.. التسريحة الأنثوية..
    لماذا؟
    هل نحن الآن سعيدات بعد أن كبرنا؟
    ما أجمل أيام الطفولة.. وبراءتها..
    ليتني بقيت فيها أكثر وأكثر.. ليتني لم أكبر بهذه السرعة..


    * * *

    حاولن جذبي إلى عالمهن السري.. الخاص..
    دخلته على وجل..
    - يا خبلة ما يصير تلبسين كذا خلاص السنة الجاية بتروحين المتوسط.. وش هالدلاخة؟ للحين تلبسين ملابس أطفال؟ متى بتكبرين؟
    - تعالي بس.. لازم نعلمك شلون تلبسين.. تكشخين.. تتمكيجين.. تمشين بالكعب.. تسرحين شعرك.. أصلاً هالـ(كشة) يبغى لها قص.. أنتي وجديلتك!
    أشياء كثيرة تعلمتها.. رغم أنها لم تكن تحبها..
    لا لشيء سوى لأنهن أقنعنها أنها هكذا غريبة.. مضحكة.. يجب أن تصبح مثلهن..
    تعلمت كيف تضع أحمر شفاه لامع.. وقصت شعرها..
    - حتى هذه الحواجب لازم (تنظفينها).. شكلك (غلط) فيها!!
    كانت قد سمعت أن هذا حرام.. لكنها خجلت وسكتت حين رأت كل الفتيات يؤيدن ما قالته ابنة عمها..
    - لكن.. لحظة.. لكن..
    - أقول بس.. تعالي أزينهم لك.. علشان يصير شكل عيونك أحلى!
    بدأت تمشي بالملقط على حاجبها.. كانت تشعر بالألم يسري لقلبها.. كانت تعرف أن هذا خطأ.. لا يجدر بها فعله.. أن تعصي خالقها لأجل شعيرات.. لكنهن جميعاً أصررن عليها.. كلهن يقمن بذلك..
    أصبح لها مظهر آخر.. لم تعد تلك الطفلة..
    أصبحت شيئاً آخر.. بقصة شعرها.. ومكياجها.. وكعبها..
    من عينيها كانت نظرة براءة تحاول أن تتحدث.. لكن الحاجبين المثلثين كانا يسكتان تلك النظرة ليصرخا بنظرة دهاء.. هي منها بريئة..
    تحولت لمسخ..
    طفلة بمظهر(..)..!


    * * *

    - تعالي.. وش ذا العباة.. وش ذا (القراوة)!.. يحليلك.. شكلك كنك عجيّز..!
    - هاه؟
    - ليش ما تلبسين عباية شبابية.. شي حلو..
    - لا.. ما له داعي..
    لم تكن تستطيع أن تقول لا.. أنا أحبها.. أفتخر بها..
    أحنت رأسها بصمت.. ابتلعت ريقها واستسلمت..
    - يا الخبلة أنتي جسمك حلو.. ليش تخبينه بهالخيمة؟ البسي عباة مخصرة.. شيء فيه أنوثة.. أصلاً الشباب هالأيام ما يبون إلا اللي كذا..
    ولأول مرة تكلمت..
    - وشدخلني بالشباب؟
    ارتبكت ابنة عمها..
    - آآ.. قصدي إذا بغوا يخطبون..
    إيه..!
    وغيرت العباءة واستبدلتها بأخرى كانت تسير فيها على استحياء.. حتى تعودت عليها..


    * * *

    ثم بدأت مرحلة جديدة..
    - قولي لهم يشترون لك جوال.. خلاص أنتي بتروحين ثاني متوسط.. أكبر من هالكبر؟!
    - بس.. أنا ما أحتاجه..
    - من قال ما تحتاجينه؟ أصلاً شكلك كذا يضحك في العزايم والمناسبات كل البنات معهن جولاتهن ويتبادلن البلوتوثات وأنت مسيكينة كنك بزر ما معك جوال.. وبعدين إلى متى صديقاتك إذا بغوا يكلمونك يتصلون على البيت ويرد عليهم فلان وعلان لازم معك جوال تتصلين على صديقاتك متى ما بغيتي لو نص الليل..
    وعلى مضض..
    أخذت تطالب أهلها به.. حتى كان لها..


    * * *

    كانت تلاحظ أن مها تمضي الساعات وهي تتحدث في الجوال تضحك.. تهمس.. وتلعب بشعرها..
    - من كنت تكلمين؟
    - ما لك دخل.. هذه أشياء ما تعرفينها.. توك صغيرة عليها..
    - مها وش تقولين..؟
    - هذا يا حبيبتي عالم ثاني مالك فيه يا المسكينة..
    - شالألغاز؟ من تكلمين؟
    أخذت تغني.. وتدور وشعرها يطير حولها.. ثم رمت نفسها على السرير..
    وتنهدت..
    - مسكين اللي ما جرب الحب والغرام..
    - أي حب وغرام؟ مها!!.. أنتي تكلمين واحد؟
    - لا.. عشرة! خخخخخ.. إيه.. أكلم واحد.. شفيك نتاظريني كذا؟
    - مها حرام عليك!
    - حرام عليك أنتي اللي دافنة نفسك وشبابك.. عيشي حياتك.. شوفي حولك.. كل البنات يكلمون.. ما بقى إلا أنتي بس يالمسكينة..
    - لكن..
    - بلا لكن.. يا أختي عمرنا ما سمعنا كلام حلو.. اسمعي الكلام اللي عمرك ما سمعتيه.. غير الرسايل والهدايا..
    وجرفتني بكلامها المعسول.. لا أعرف كيف..
    بدأت على خجل..
    ثم تعودت.. مات الحياء.. غاب الخوف من الله..
    (كل البنات يكلمون.. أنتي بس اللي توك طفلة)
    طفلة.. بزر.. نقطة ضعفي.. الكلمة التي كنت أكرهها في ذلك الوقت..
    كنت أريد أن أخلع ثوب الطفولة وكل ما يمت إليه بصلة.. بأي وسيلة.. وبسرعة.. حتى لو خلعت معه آخر غلالة للحياء والإيمان..


    * * *

    مات كل شيء جميل..
    كلمت أكثر من شاب..
    الكلام المعسول تعودت عليه..
    الرسائل بدأت تتكرر.. أصبت بالملل.. الملل من الحياة في خوف وقلق.. وحيرة..
    ومن التقلب بين جوال هذا وماسنجر ذاك..
    العلاقة لم تكن تصل إلى شيء..
    كلهم يدعون الحب.. ثم ماذا؟..
    يحاولون إقناعي بالخروج معهم.. ثم ييأسون من رفضي ويذهبون..
    كان هذا الجدار الأخير الذي لم يسقط حمداً لله..
    - طيب اخطبني!!
    ضحكة طويييلة ثم..
    - يحليلك.. (بزر).. أي خطبة وأنتي في ثاني متوسط..
    - ثالث متوسط!
    - المهم في المتوسطة.. أي خطبة.. أكيد أهلك ما راح يوافقون..
    - أنت جرب..
    - أقول بلا خرابيط.. خلينا كذا أحسن.. بلا زواج بلا هم..
    - لكن ما يصير لازم نتزوج..
    - شوفي يا ماما.. أنا رجال متعقد من الزواج.. عندي اللي مكفيني..
    - طيب ليش ما تطلق زوجتك إذا ما تبيها؟ ليش نبقى كذا معلقين؟
    - أوووه.. شكلك بتطفشيني..
    هكذا كانت تنتهي معظم علاقاتي.. بت أعرف طريقتهم.. أسلوبهم.. كيف يبدؤون.. وكيف يكذبون.. ومتى يتغيرون.. ومتى يغضبون.. ومتى ينهون العلاقة كما يريدون..
    سئمت تعبت.. تعبت من محاولات أن أخلع ثوب الطفولة..
    تعبت.. من الضياع.. من البعد عن الله..


    * * *

    نظرت إلى نفسي بالمرآة..
    رأيت نفسي بلا وجه..
    بلا حياء.. بلا نور إيمان.. بلا راحة.. بلا رضا..
    كنت أرتدي قناعاً قبيحاً.. مقززاً.. أهذه هي الأنوثة..؟
    تباً لها إن كانت كذلك..
    سأخلع هذا القناع.. وهذا الثوب الذي لا أحب..
    وليقولوا طفلة.. وغبية.. ومسكينة.. سأكون فوقهم ولن أخجل هذه المرة..
    سأعود لربي الذي أعرضت عنه طويلاً..
    سأمرغ جبهتي في الأرض طلباً لرضاه هو.. ولن أهتم بما سيقولونه أو يفعلونه..


    * * *

    - رااااااوية.. شوفيني.. بأغوص..
    ابتسمت وأنا أنظر إلى خلودي الصغير وهو يستعرض..
    ما أروع أن يكون الإنسان مرتاحاً.. بلا مكابرة.. بلا معاص تثقل ظهره..
    ذهبت الجروح.. ذهبت الأحداث.. لكن آثارها لا زالت باقية.. تحرق فؤادي كلما تذكرتها..
    ليتني أعود طفلة بريئة..
    ليتني أعود صفحة بيضاء..



    **
    مجلة حياة العدد (76) شعبان 1427هـ

     



    - 45 -


    يمنحون الحبَّ.. على طريق الحياة

    كان يوماً حاراً اشتدت به ريح السموم..
    واكتست به السماء بحمرة الغبار..
    - أعوذ بالله من غضب الله..
    أغلقت أمي النافذة.. وهي تسعل من أثر الغبار الذي دخل علينا.. وخرجت من غرفة الجلوس..
    لم أكن أعرف ماذا أفعل..
    صعدت إلى غرفتي.. استلقيت على السرير..
    لم يكن هناك من مكان نذهب إليه في هذا الجو.. ولا شيء نفعله..
    فتحت النت..
    كانت أمولة على المسنجر..
    - أهليين شأخبارك؟
    - أخباري.. طفش.. غبار وضيقة صدر..
    - يا بنت الحلال هونيها.. يكفي أمولة العسل معك على الخط.. يا الله فكيها عاد.. (وجه مبتسم)
    سكت..
    إنها لا تعلم شيئاً.. لا تعلم أي شيء..
    - سوسة.. وينك؟
    - هنا..
    - ليش ما تردين.؟ (وجه عابس)
    - ..
    - يوه.. شكلك سرحانة على الأخير..
    (وجه ممتعض)
    - تعرفين يا أمولة أحد يشتري الهموم؟ والله لو أعرف من يشتريها لأبيعها بفلوس الدنيا كلها..
    - يوء يوء يوء.. وش ذا؟ صايرة شاعرة وأنا مدري عنك؟ أي هموم يا حلوة.. هموم وعندك صديقتك أمل؟ ما يصير!
    أخذت تفكر طويلاً.. هل تسرعت؟ هل تخبرها؟ الأمر جلل..
    - لا خلاص ولا شي..
    - يا شيخة على مين حركات البزارين هذي؟ وش ولا شي؟ وش عندك؟
    - ...
    - أقول بتقولين وإلا أعصب (وجه أحمر غاضب)
    - ههه أمزح معك.. فعلاً ما فيه شي..
    - إيه أكيد كنت تفكرين بلمى.. يا أختي بالطقاق فيها.. بدالها ألف..
    حصة في سرها (أي لمى أي بطيخ!)..
    - إيه صح.. هذا هو همي.. شلون تتركني كذا؟.. يعني ذا الطالبة الجديدة بتنفعها.. وإلا علشانها جاية من المدرسة الفلانية وتركب عدسات صارت شي.. من زينها كنها طالعة من قبر جدي بذا العيون البيض..
    - لووووول
    - ..
    - خخخخخ.. رهيبة يا حصوص.. جبتيها.. إي والله عدساتها ذا السماوية كنهن بيض.. عيونها تروع!
    - وأنا صادقة.. وإلا شعرها اللي كنه شيب مصبوغ بكركم.. أعوذ بالله.. مسكينة .. وشايفة نفسها بهالشعرتين مغير تلفح فيهم يمين ويسار.. ياي على المياعة.. لا تتكسر..
    - صادقة.. أنا ما عجبني لون شعرها بايخ.. أي أحمر (بورغاندي) على قولتها؟ والله إن لونه برتقالي كنه صرصور..
    - طيب.. المهم. بروح ذا الحين.. شكل أمي تناديني.. مع السلامة..
    - باي حصوصة..
    أقفلت حصوص المسنجر..
    كانت تكذب.. لم يكن هناك من يناديها..
    وضعت رأسها على يديها على المكتب.. وأخذت تبكي..
    شيء ما كان يحتبس في صدرها لا تعرف لمن تقوله؟


    * * *

    في المدرسة.. لم يلاحظ أحد التغير والسكون الذي طغى على حصة.. ولم يلمح أحد نظراتها الحزينة.. الكل كان ينظر إليها كطالبة مشاغبة.. ولا وقت لأن يفكر أن حصة يمكن أن تكون حزينة..
    فقط كانت هي.. من لاحظ ذلك.. أثناء الدرس.. كانت تنظر إليها.. فتجدها سارحة في عالم آخر..
    تمازحها تداعبها.. فترد بابتسامة صفراء..
    شيء ما كان متغيراً..
    بعد انتهاء الدرس..
    اقتربت منها.. همست بهدوء وهي تشير إلى الباب وهي تبتسم ابتسامتها الدافئة..
    - تعالي.. أريدك..
    خرجت مرتبكة..
    - هلا أستاذة!.. عسى ما شر؟
    - ولا شر ولا يحزنون.. ممكن أكلمك في الفسحة.. ودي أسولف معك شوي..
    نظرت إليها باستغراب..
    - خلاص؟ أنتظرك!
    وابتسمت كعادتها وربتت على كتف حصة وأسرعت إلى فصلها التالي..


    * * *

    في الفسحة أتت..
    خرجت لها أبلة مها رغم تعبها الظاهر..
    - أستاذة.. معليش افطري..
    - لا.. ما يحتاج.. أنتي أهم..
    وابتسمت بدفء..
    وقفتا في مكان هادئ..
    - حصة.. أنا أثق بكلامك.. هل عدت إلى محادثة الشاب؟
    - ماذا؟!
    - أنا أسأل فقط..
    - المشكلة ليست هنا..
    مطت المعلمة شفتيها..
    - مشكلة في البيت.. أليس كذلك؟
    بدأت دموع حصة تنساب.. وهي تبتلع رعشات حلقها..
    - مشكلة؟.. (بلوة)!
    وضحكت وهي تخنق عبراتها..
    سكتت أبلة مها في انتظار الحديث..
    - أبي.. تصوري أستاذة مها.. أبي اكتشفت به شيئاً..
    ومسحت أنفها بالمنديل..
    - أبي اكتشفت أنه يكلم امرأة!!
    وقفت أبلة مها بهدوء ولم تغير ملامح وجهها الهادئة وكأنها كانت تتوقع أي شيء..
    - تصوري!.. وجدت رسائل غرامية في جواله بالصدفة.. امرأة بنفسها قد كتبت له.. تصوري.. والله يا أستاذة إني لا أكذب..
    - لحظة.. هل أنت متأكدة؟
    - متأكدة ولدي الدليل.. وجدته قد أرسل إليها في الرسائل المرسلة أيضاً..
    وأخذت تبكي أكثر..
    - أنا.. لا أعرف ماذا أفعل؟
    بكت ثم أكملت..
    - هل تعرفين يا أستاذة مها.. لقد.. قررت الانتقام منه.. لقد عدت إلى محادثة الشاب الذي كنت أكلمه قبل سنة..
    - الذي تبت من علاقتك به؟
    - نعم.. أريد أن أحرق قلبه كما حرق قلبي.. وقلب أمي المسكينة التي لا تعلم..
    مسحت المعلمة على رأسها..
    وقالت بهدوء..
    - حبيبتي.. إذا كان والدك يأخذ سماً قاتلاً.. هل تنتقمين منه بأخذ نفس السم؟ إنك بذلك تقتلين نفسك أنت.. وليس نفسه!
    انظري إلي.. واسمعي جيداً..
    لا أنكر أن صدمتك مؤلمة.. من المؤلم أن يصدم الإنسان بمن يثق بهم..
    لكن.. يجب أن تكوني أقوى من كل هذه الآلام..
    ماذا سوف تجنين من هذه العلاقة؟
    غضب الله.. الخوف.. القلق.. السمعة السيئة.. ألم أمك المسكينة التي خنت ثقتها..
    أما والدك.. فلن يؤثر عليه هذا الأمر..
    كان الأجدر أن تحاولي نصحه وتوجيهه بطرق غير مباشرة.. ثم بطرق مباشرة.. أن تدخلي طرفاً ثالثاً قادراً على الحوار بينكما.. أن تبلغي أمك مثلاً..
    لكن أسلوبك هذا.. مع احترامي.. أسلوب غبي..!
    - لكن أستاذة مها.. أنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً..
    - كلا تستطيعين..
    هل جربت الدعاء له؟ هل جربت قيام الليل؟ هل صليت في الثلث الأخير ودعوت من كل قلبك؟ أم أسرعت فقط بإغواء الشيطان نحو جهازك لتحادثي ذلك الشاب؟ هل هذا الحل في نظرك؟
    - لا أعرف.. والله لا أعرف!
    وأخذت تبكي..
    - المشكلة أنه لم يكن لدي من أكلمه.. من أبثه ألمي..
    - هذا ليس عذراً يا حصة.. كان بإمكانك أن تأتي إلى محادثتي.. أن تفرشي سجادتك وتبثي همك إلى الله.. أن تحادثي والدتك أو أي شخص تثقين به.. لكن بالله عليك ما الذي سيفيدك حديثك مع الشاب؟
    بكت بينما أستاذة مها تمسح على كتفها..
    - لا أنا.. ولا أمك ولا كل من في هذا العالم يستطيعون أن يعيدوا أباك.. واحد فقط من يقدر.. ربك.. الجئي إليه يا غاليتي.. وسترين.


    * * *

    وذات مساء..
    بعد أربع سنوات وسبعة أشهر من ذلك اليوم..
    في صندوق بريد المعلمة مها الإلكتروني.. كانت هناك رسالة خاصة..
    من حصة:
    (الحبيبة الغالية أبلة مها..
    كيف حالك؟
    ..
    ألا زلت تذكرين ذلك اليوم؟
    لم أعد أحادثه مذ حينها.. قطعت علاقتي السخيفة به.. وانتهيت..
    الحمد لله..
    أما قصة أبي..
    فسأقول لك ما حصل..
    أخبرت والدتي.. حدثت مشكلات كثيرة حينها بين أمي وأبي..
    و.. تطلقا..
    مررت بأيام عصيبة ومؤلمة أنا وإخوتي..
    لكني تماسكت.. اتبعت نصيحتك.. واظبت على قيام الليل والدعاء لهما..
    أربع سنوات.. لم أتوقف يوماً..
    قبل ستة أشهر فقط عاد والديَّ إلى بعضهما.. الحمد لله حياتنا الآن رائعة..
    والدي تغير كثيراً.. وكذلك أمي.. وهي حامل الآن.. ههههه شيء طريف أن أحصل على أخ في هذا العمر.. أليس كذلك؟
    طبعاً نسيت أن أخبرك أني أدرس الآن في الجامعة السنة الثالثة..
    حين أتذكر شريط حياتي.. تمر أمامي أحداث سوداء عاصفة كثيرة.. ثم.. فجأة.. تظهر صورتك كنجمة بيضاء ساطعة تنير دربي..
    أحمد الله أن كنت معي ذلك اليوم وإلا لكان لحياتي مسار آخر – بمشيئة الله..
    معلمتي وأمي الغالية أبلة مها.. أحبك من كل قلبي..
    ولا أعرف كيف أشكرك..
    فالأشخاص الذين يمنحون الحب مثلك على طريق الحياة نادرون.. نادرون جداً..)


    * * *

    على لوحة المفاتيح..
    كانت قطرات دافئة تتساقط..

     

    **
    مجلة حياة العدد (77) رمضان 1427هـ

     

    - 46 -

    قوة عينيها

    كانت نادية بطلة شعبية في المدرسة..
    فقد كانت من النوع الذي لا يؤخذ حقه ولا تسكت عن أي تجاوز ضدها أو ضد غيرها.. لذا كنا نراها النموذج القوي الذي نحب ونحلم أن نصبح مثله..
    لم تكن من النوع الذي يتشاجر دون سبب.. كلا.. لم تكن كذلك أبداً..
    على العكس..
    كانت لا تتشاجر إلا لأسباب وجيهة.. وفي الوقت الذي يخشى فيه الجميع من الحديث أو الاعتراض..
    لقد كانت تمتلك قوة غريبة لا تملكها أي فتاة رأيتها في حياتي..
    ذات يوم كان هناك مجموعة من الفتيات أو المخلوقات التي تشبه الفتيات يجلسن كحلقة قرب المقصف.. كان موقع جلوسهن سيئاً ومزعجاً للجميع فقد أغلقن الطريق أمام كل من تريد الشراء من نافذة المقصف الكبيرة..
    كان من الواضح أنهن تعمدن ذلك لكي يعلم الجميع مدى قوتهن.. ولا أعرف ما الذي يفرحهن في هذا؟؟
    لم يستطع أحد أن يواجههن بشكل قوي..
    فقد كانت الجازي رئيسة المجموعة وهي فتاة مخيفة بكل ما تعنيه الكلمة بدءاً من جسمها الطويل القوي وتصرفاتها الحادة وهيئتها المسترجلة..
    تأففت الكثير من الفتيات.. وأبدين تذمرهن وانزعاجهن لكن دون جدوى..
    حتى أبلة منى مراقبة الساحة حادثتهن عدة مرات دون جدوى..
    وفي النهاية رأتهن نادية..
    فتحمست لعمل شيء..
    - نادية.. أرجوك.. أرجوك.. لا تتهوري.. لا تقتربي من هؤلاء المجانين..
    - قلت سأذهب يعني سأذهب..
    - نادية أرجوك لا تجازفي بنفسك..
    - ولماذا أجازف ماذا سيفعلن؟
    - أنظري للسلسلة اللامعة التي تتدلى من جيبها.. قد تلسعك بها بكل سهولة..!
    - أتحدى.. إنها أجبن من أن تفعل ذلك.. لا شيء يجعلها تتجرأ و(تنفخ) نفسها سوى خوفكن وجبنكن فقط!
    وانطلقت بكل ثقة لتشتري من المقصف..
    - لو سمحتوا شوي!
    ولم يعرها أحد اهتماماً.. كانت كل فتيات الشلة ينظرن لبعضهن ثم ينظرن لها بازدراء ويتابعن ضحكاتهن..
    رفعت صوتها..
    - هذا يعني.. أنكن لا تردن التحرك.. حسناً سأتحرك أنا إذاً..
    وانطلقت بشكل خاطف وجنوني.. تدوس عليهن بكل قوة..!!
    كان منظراً غريباً.. مضحكاً.. مخيفاً.. رهيباً.. لا أعرف..
    انطلقت صرخاتهن المتألمة العالية.. وهي تدوس بكل قوتها بحذائها الرياضي على أرجلهن وتتعمد ذلك.. وتقفز من حضن واحدة لأخرى غير آبهة بصرخاتهن وتوجعاتهن.. لتعبر نحو نافذة المقصف..
    اجتمعت كل فتيات المدرسة على الموقف الرهيب..
    وقفت الجازي بكل قوتها.. وصرخت بصوت أجش..
    - هييييييييييه!! خير!! خير؟! ماذا تريدين؟
    وبكل برود ردت نادية..
    - لاشيء.. أريد فقط أن أشتري من المقصف..!
    وذهبت لتشتري..
    انطلقت الجازي خلفها وسحبتها من كتفها.. وصرخت كأسد هائج..
    - تعالي كلميني..
    كانت نادية متماسكة تماماً.. فقط التفتت نحو الطالبات وقالت..
    - اشهدن جميعاً.. إنها تتعدى علي بيدها!! هل شهدتن؟
    انتفخت أوداج الجازي وأصبح وجهها أحمر..
    - انظروا.. انظروا لها.. إنها تنفخ أمامي بقوة.. لنر ماذا تستطيع أن تفعل؟
    شعرت بالخوف الشديد على نادية.. فرغم قوة شخصيتها وعنادها الشديد وشجاعتها الغريبة.. إلا أنها ذات جسم نحيل ضعيف.. وقد بدت أمام الجازي كقطة صغيرة أمام أسد هائج..
    - طيب.. طيب يا الـ.. (..)
    بكل غرابة.. ولا أعرف لماذا أعطت الجازي نادية ظهرها وهي تسير شبه منهزمة.. وتردد (سأريك.. سأريك!)
    صرخت فيها نادية لكل جرأة وقوة وحماس.. بصوت عال..
    - هيا.. هيا..! اذهبي.. ولا تعودي للجلوس مرة أخرى مع قطيعك في هذا المكان مرة أخرى.. وإلا فإنني سأرتدي كعباً حاداً المرة القادمة..!
    كان موقفاً غريباً.. لا أعرف كيف انسحبت الجازي أمام نادية.. رغم أنه بضربة واحدة من كفها الغليظ كان بإمكانها أن تسقط نادية صريعة..!
    أيقنت أنها قوة شخصيتها.. قوة الحق في عينيها الحادتين.. والتي حولت ضعفها لقوة مخيفة..
    ولهذا أصبحت كل الفتيات المشاكسات يخشين نادية ويتجنبن مواجهتها..
    وأصبحت كل فتيات المدرسة يحببنها ويقفن في صفها..
    ذات يوم.. حصل لي موقف لن أنساه.. كنت أسير مع صديقتي في ساحة المدرسة..
    حين جاءت إحدى الفتيات المتهورات وهي تجري مسرعة واصطدمت بي بقوة فأوقعتني أرضاً وأكملت ركضها دون حتى أن تلتفت إلي أو تعتذر..
    كانت سقطتي مؤلمة وقوية.. فقد ارتطم رأسي بجدار قريب..
    وحين استطعت الوقوف وترتيب شعري، اقتربت مني نادية وهي غاضبة.. وقالت..
    - نوال!.. لماذا تسكتين؟ اذهبي وحادثيها.. لقد تعودن على قلة الذوق والاحترام.. وهن بحاجة لمن يوقفهن عند حدهن..
    شعرت بالخجل من نفسي.. بالفعل كنت أحتاج لأن أواجه من ظلمني وآخذ حقي منه.. لكن.. نظراً لضعفي الشديد.. لم أستطع يوماً أن أفعل ذلك.. كنت أتظاهر دوماً بأني أسامح الناس.. لكن الحقيقة هي أني أخاف من مواجهة الآخرين حتى لو كانوا مخطئين..
    - تعالي.. قومي.. هيا..
    أمسكت يدي.. وسحبتني..
    - اسمعي.. أنا لن أتدخل.. فقط سأمسكها لك.. وأنت تصرفي.. مفهوم؟
    ابتلعت ريقي بصعوبة وأنا أجري معها بارتباك..
    وحين وجدت الفتاة تضحك مع زميلاتها رمقتها بنظرة قوية ونادتها بحدة..
    - تعالي.. تعالي لو سمحت..
    نظرت الفتاة إلينا بجمود يشوبه خوف واستغراب..
    - نعم.. ماذا؟
    - تعالي.. وواجهي هذه الفتاة التي أسقطتها بجريك الأهوج قبل قليل..
    اقتربت ونظرت إلي نظرة غبية.. فلم أعرف ماذا أقول..
    نظرت لنادية والعرق يتفصد من جبيني..
    - آآآه.. آآ.. أنا.. ممم.. لماذا أسقطتني؟
    - لا أدري.. لم أرك أصلاً.. أنت كنت تقفين في مكان خطأ!!
    كانت نادية تراقبني بهدوء دون تدخل.. فتلعثمت مرة أخرى.. وقلت بصوت مرتعش..
    - كلا.. لم يكن مكاني خطأ.. آآآ.. أنت كنت مسرعة..
    ضحكت الفتاة باستهتار مقيت.. وأعطتني ظهرها لتكمل حديثها مع زميلاتها..
    فصرخت نادية عليها..
    - لو سمحت!!! الحديث لم ينته..!
    يا الله! اجتمع بعض البنات حولنا.. شعرت بأني في ورطة.. ماذا أفعل؟ أريد أن أنسحب..
    - ليس من حقك أن تجري بجنون كالأطفال وتضربي الناس ثم تقولي.. لم أرهم!!
    شعرت الفتاة بالخوف فقالت..
    - طيب.. والمطلوب..؟
    - أن تعتذري لها..
    نظرت إلي وهي تمط شفتيها ثم قالت..
    - آسفة..
    - انتبهي مرة أخرى حين تجرين.. فالناس ليسوا لعباً..
    حمدت الله أن الموقف انتهى.. وسرت بعيداً وأنا أشعر باعتزاز لم أشعر مثله من قبل..
    قالت لي نادية..
    - نوال.. اسمعيني جيداً.. التسامح لا يعني أن تتركي حقك يضيع.. وأن تتركي الآخرين يتجاوزون حدودهم معك.. بتسامحك مع أمثال هؤلاء فأنت تتركين الطريق يتسع أكثر فأكثر لهم ولتجاوزاتهم.. إذا أردت أن تسامحي الآخرين فسامحيهم.. لكن وأنت قوية.. وليس.. وأنت ضعيفة.. هل تفهميني؟
    بعد مرور عشرات السنين على ذلك الموقف لازلت أتذكر كلماتها بكل دقة..
    حتى الآن.. لا أعرف إن كان كلام نادية صحيحاً تماماً أم لا..
    ولا أستطيع أن أحكم ما إذا كان أسلوبها صحيحاً أم لا..
    أعرف أننا كنا مراهقات.. لم ينضجن على نار الحياة بعد..
    وما عرفته حقاً من خلال خبرتي في الحياة..
    إن الإنسان إذا فقد قوته في الحق.. وسكت عن الظلم ضعفاً..
    فإنه يفقد أول معالم إنسانيته..



    **
    مجلة حياة العدد (78) شوال 1427هـ

     


    - 47 -

    الاعتراف الأخير..



    هذه المرة..
    هي اعترافاتي أنا..
    أسردها لكم بكل صدق..
    تحملوا طولها.. فهي الأخيرة..
    قبل سبع سنوات..
    كنت لا أزال طالبة تتعثر خطواتها في حرم الجامعة الفسيح.. تحمل ملازمها وكتبها الثقيلة من قاعة لأخرى..
    لا تعرف كيف تقسم ساعات يومها بين الاهتمام ببيتها وطفلتها الصغيرة.. ودراسة اختباراتها التي لا تكاد تتوقف.. ولا تعرف كيف ومتى تجد الوقت لتجلس على جهازها وتعمل على المشاريع المعقدة..
    كنت أواجه التعب والإرهاق في كل دقيقة من يومي..
    في خضم تلك الزوبعة لمعت نجمة غريبة في سمائي..
    كانت (حياة) تطل علي بخجل..
    كانت لا تزال جنيناً في رحم الغيب..
    فكرة مشروع جميل تحملها أمواج الخيال نحو شاطئ الواقع..
    أسرتني بحبها منذ أن تحدثوا عنها.. قبل أن أراها.. أو تراها أي فتاة أخرى..
    كانت لا تزال (مشروع) حلم.. لم تكتب له الحياة بعد..
    وكان الخيار..
    (أكون مسؤولة تحرير؟؟) هه.. هكذا..؟! لا أصدق.. كيف..
    أنا.. أنا مجرد طالبة..!!!
    دعونا نعود للماضي قليلاً..
    لأحكي لكم ما حدث.. قبل ثلاث سنوات من هذا العرض..
    كنت لا أزال أحاول التكيف مع عالمي الجديد.. مع الجامعة.. العالم الكبير الرائع..
    لا أزال في سنتي الأولى (المبهرة) بعد الخروج من قمقم المدرسة..
    ورقة بيضاء.. معلقة بإهمال على جدار في ممر المبنى الإداري..
    (مسابقة القصة القصيرة)..
    شدتني قليلاً.. أحب كل ما له علاقة بالقصة.. يبدو مثيراً..
    لكني.. لم أكتب قصة من قبل..
    (لعلي أحاول..) خاطبت نفسي..
    كان اطلاعي على موعد المسابقة متأخراً للأسف.. ليس أمامي الآن سوى أسبوع واحد.. فقط..
    لكن سأحاول..
    آخر محاولة أدبية لي كانت موضوع تعبير أعجب معلمتي في الثانوية.. أعجبها إلى حد أن أهدتني طوقاً من الفل.. ودرجة كاملة في الاختبار النهائي للتعبير (يوم كنا نختبر في مادة التعبير!)..
    ممم.. ماذا غيرها.. نعم.. قصة حاولت نشرها.. وأرسلتها لأكثر من مجلة.. دون جدوى.. بل دون حتى رد صغير..!
    هذا كل ما لدي!
    لكن.. سأحاول..
    أشركت إحدى صديقاتي بسري..
    (سأشارك في مسابقة القصة بإذن الله)..
    (ماذا؟؟!!..) شهقت وهي تنظر لي.. (خبلة!!) قالتها هكذا!!
    (والاختبارات والبرامج اللي علينا تسليمها..؟؟!)
    شعرت بالصدمة.. ابتلعت ريقي.. وندمت أني أخبرتها..
    (ما أدري.. يمكن.. لست متأكدة)..
    انشغلت خلال الأيام المقبلة.. وحين لم يبق سوى ثلاثة أيام على انتهاء المسابقة.. بدأت أكتب قصتي.. الأولى..
    جلست طويلاً في غرفتي.. وانعزلت عن أهلي لساعات طويلة..
    وفي النهاية اكتملت..
    سلمتها يوم الأربعاء.. الساعة 12 ظهراً.. الموعد الأخير للتسليم تماماً..
    وبقيت أنتظر بصمت.. قررت ألا أخبر أحداً أني شاركت (بعد إحباط صديقتي)..
    كنت أعلم أني شاركت كمجرد محاولة لصقل نفسي..
    كنت أعرف أنه من الصعب أن أفوز بأي مركز..
    لا زلت مستجدة.. في السنة الأولى من دراستي..
    والمسابقة على مستوى جامعة الملك سعود بأكملها.. وهي إحدى أكبر جامعات العالم.. بين عشرات الألوف من الطلبة.. شباباً وفتيات..
    احتمال فوزي أقل من ضئيل كنت أعرف هذا جيداً..
    سألتني تلك الصديقة عن قصتي التي شاركت بها.. وطلبت مني أن تقرأها..
    أحضرتها لها.. وأخذتها معها لتقرأها في البيت..
    وفي الغد قالت لي.. (بصراحة نوف.. القصة مدري.. ركيييييكة مرررة!!)
    شعرت بالصدمة..
    فأكملت حديثها وهي تحركها باستخفاف في يدها: (حتى أني عرضتها على أخي.. وهو معيد في قسم اللغة العربية.. وكان كلامه مطابقاً لما قالته.. القصة فيها عبارات ركيكة جداً.. و.. بصرااااحة: كيف شاركت بها بالمسابقة؟؟
    مستواها ضعييييف!!)
    ابتلعت ريقي.. وأنا أكاد أذوب من شدة الخجل..
    كنت لا أزال مشوشة وفاقدة للثقة بنفسي تماماً..
    كدت أموت خجلاً من قصتي البائسة.. شعرت بأنها مخجلة ولا تستحق المشاركة فعلاً..
    وفي البيت شعرت بالكآبة والحزن والخجل.. ولمت نفسي كثيراً لأني شاركت..
    ثم.. أخذت أفكر.. وخاطبت نفسي فجأة..
    توقفي لحظة! ما الذي يمكن أن يحدث يا ذكية؟!
    أسوأ ما يمكن أن قصتك لن تفوز.. ثم ماذا؟.. لن يعرف أحد.. لا أحد يعرف أني شاركت بالمسابقة أصلاً.. هه بعد أشهر..
    نزل إعلان في رسالة الجامعة.. كان يحوي أسماء الطلاب العشرة الفائزين بمسابقة القصة القصيرة على مستوى الجامعة.. ولكن دون ترتيب المراكز..
    شعرت بالشغف لأقرأها.. كنت متأكدة أني لن أفوز..
    ولكن أردت أن أعرف من الذين فازوا بها..
    لم أصدق..
    قرأت الإعلان عشرين مرة.. لأتأكد.. يا الله..
    اسمي كان هناك!..
    صغير.. لكنه موجود..
    شيء عظيييييييييم..
    الحمد لله.. أنا موجودة.. ضمن العشرة.. هذا شيء رااااائع.. يا الله لا أصدق..
    كنت متأكدة أن مركزي هو العاشر.. أو التاسع..
    لم يكن الاسم واضحاً بحيث يقرأه أحد..
    في الأسبوع التالي.. نزل الإعلان... بترتيب المراكز..
    كنت أنتظره على أحر من الجمر..
    هل أنا في المركز العاشر أم التاسع..
    وقرأت العنوان العريض..
    و.. كنت هناك..
    المركز الأول..
    قصتي (لن أنساك أبداً) كانت الفائزة..
    الجميع أخذ يهنئني.. الطالبات.. الأقارب..
    وحين نشرت القصة بعد أسابيع في رسالة الجامعة..
    بدأت ردود الأفعال تأتي من كل مكان..
    الطالبات.. الأساتذة.. الدكاترة.. حتى الطلاب.. البعض كتب تعليقه عنها في الصحيفة والبعض وضح كم تأثر بها..
    وكتب رئيس قسم اللغة العربية على ما أعتقد تعليقاً رائعاً عنها..
    كان ذلك كثيراً بالنسبة لطالبة في سنتها الأولى.. تشعر بالخجل من مشاركتها الأولى..
    وأخبرتها زميلة أن قصتها (ركييييكة جداً)!!
    أصبح الأساتذة يسألون عني في القاعات الدراسية بعد أن كنت طالبة عادية..
    وحتى سنتي الأخيرة في الدراسة حين كان يدرسني أستاذ جديد كان يسأل عن اسمي.. هل أنت التي كتبت قصة (لن أنساك أبداً) يا ابنتي؟..
    في السنة التي تليها.. اخترت العمل التدريبي كمحررة في رسالة الجامعة.. كنت أكتب بعض الأخبار البسيطة.. وأجري اللقاءات..
    استمتعت كثيراً بالعمل الصحافي.. وتعلمت أساسياته.. رغم كثرة ضغوطي الدراسية..
    هناك كانت بدايتي..
    ومنها... بعد زمن.. كانت مشاركتي الأولى في حياة.. كعضوة مع فريقها الذي كان قد أعد العدد رقم (صفر).. قبل نزوله للأسواق.. وقبل ظهور الفسح الإعلامي..
    حين رأيت العدد الأول.. كان لا يزال.. طرياً.. بسيطاً.. لكنه مميز جداً.. جذبني بتميزه.. مجلة خاصة بالفتيات! أمر رااائع..
    وأنا.. مطلوبة للعمل فيها؟؟!!
    وكمسؤولة تحرير؟؟؟
    ياااه.. يبدو أن أمي قد دعت لي..
    هكذا فكرت..!
    لكن بعد فترة.. عرفت أن العمل ليس تجربة بسيطة.. ولا مجرد نزهة ممتعة..
    بدأنا العمل الحقيقي.. وكنت لا أزال طالبة..
    وكنا بحاجة إلى أن نثبت وجود المجلة.. وأن نضع كل طاقاتنا وإمكاناتنا
    لنجعلها تظهر في أجمل وأبهى صورة..
    كنا نكافح.. ونجمع المعلومات..
    ونكتب.. وننسق.. ونتابع الإخراج..
    وكنا نعمل من منزل مديرة التحرير التي كانت لنا بمثابة الأخت والأم والصديقة..
    وبعدها بأكثر من سنة..
    انتقلنا إلى مكتب صغير متواضع..
    وكان العمل يصبح أكثر ضغطاً يوماً بعد آخر بسبب كثرة رسائل القارئات والحاجة الماسة إلى المتابعة.. نرد على الاتصالات.. ننسق.. نرد على الشكاوي.. نستقبل الاقتراحات..
    نصحح.. نراجع.. نقوم بعمل كل شيء تقريباً.. وعددنا لا يجاوز أصابع اليد الواحدة مع مديرتنا والسكرتيرة!..
    في خضم العمل.. مررت بسنتي النهائية.. وبمشروع التخرج.. كنت أعمل مع زميلاتي صباحاً على مشروع تخرجنا.. ومساء على المجلة.. كنت أوزع أعداد مجلتي الصغيرة في الجامعة.. وعلى الأستاذات.. لأعرفهم بطفلتي التي أفخر بها (حياة)..
    واجهت ضغوطاً كثيرة في تلك الفترة.. لكنها كانت مسألة تحدٍ.. وأنا قبلته..
    بعد فترة.. لم أستطع أن ألتزم بما تتطلبه مني المهمة.. طلبت أن أكتفي بالتحرير فقط.. وكان لي ذلك..
    كان بابي الأول..
    أروقة الجامعة.. وأحببته وكنت أنقل فيه القصص والحكايا التي عايشتها وعايشتها زميلاتي ومن أعرفهن في الجامعة..
    هذا سوى أبواب أخرى..
    ثم.. بعد سنوات.. كان هذا الباب..
    اعترافات فتاة..
    استقيته من قصص صديقاتي وطالباتي.. ومن التقيتهن في بحر الحياة..
    كان –ولا يزال- لدي الكثير من القصص التي أود أن أكتب عن أبطالها.. عن كل وخزة ألم عاشوها ولم يشعر بها الآخرون..
    عن فتيات رائعات استطعن تحقيق نجاحات رائعة رغم ظروفهن المؤلمة..
    عن فتيات يواجهن مشاكل وضغوط ورغم هذا لا زلن يعشن بيننا..
    كنت أتمنى دائماً من خلال هذا الباب..
    أن.. نشعر بما خلف الوجوه المبتسمة..
    بما في تلك القطعة الحمراء التي تنبض بالحياة.. القلب.. من مشاعر وآلام وهموم..
    ليتنا نتخيل ما يمكن أن يحتويه قلب كل إنسان قبل.. أن نحكم عليه..
    لذا كانت (اعترافات).. لأنها حديث حول ما لا نراه.. حول ما يدور داخل حجرة القلب.. ويخرج اعترافاً.. بين السطور..
    بطلات اعترافات فتيات درستهن بنفسي.. أو دربتهن.. أو صادقتهن.. أو راسلتهن..
    هي قصص حقيقية تماماً.. وبطلاتها قد يكن حولكن.. في المدرسة..
    الجامعة.. وربما البيت..
    أحببت اعترافات.. لأني أحببت بطلاتها الرائعات فعلاً..
    لكنها مشيئة الله.. أن كل شيء.. لا بد أن ينتهي..
    سنة بعد سنة.. تزداد المهام..
    وعملي في التدريب والتدريس يأخذ من وقتي وجهدي الكثير..
    فقدت صديقات رائعات.. تركن أجمل الآثار على جدار ذكريات المجلة..
    كانت عائشة الرائعة هنا.. ثم أرسلت (الفاكس الأخير) على صفحات المجلة..
    هديل الندية.. مرّرت كموجة بحر هادئة.. دون ضوضاء..
    فداء المثابرة كم أوحت لي بالصدق والجد.. لكنها غابت دون ضجيج أيضاً..
    وجاء دوري اليوم..
    لأضع أمامكم (الاعتراف الأخير) وأنسحب..
    أعتذر.. لأني وصلت لمرحلة.. لا أعرف كيف أصفها..
    لكني..
    لم أعد قادرة على العطاء أكثر..
    حالياً..
    الظروف لا تساعدني في كل الجهات..
    أجدني مضطرة للتوقف.. ووضع القلم..
    والوداع..
    أردت أن أعترف..
    أني أحببتكم كثيراً..
    أحببت كل من أرسل إلي.. وكل من دعمني في يوم من الأيام بكلمة أو عبارة..
    وأعتذر من كل من لم أرد عليه دون قصد (لأني أحاول أن أرد على كل بريد يصلني قدر الإمكان)..
    أشكرك أستاذة إيمان لصبرك.. وطيبتك.. ودعمك لي حين كنت على حافة الانهيار طوال السنوات الماضية.. تحملتني كثيراً.. أشكرك من كل قلبي..
    أشكرك سارة.. كنت دائماً مصدر إلهام رائع.. روحك الساكنة تبعث في نفسي الطمأنينة دائماً..
    أشكرك هند.. مرحك وحكمتك مزيج مميز جداً.. لك أثر في نفسي أكبر من أن تمحوه الأيام..
    أشكرك نوير.. ليت القارئات يعلمن أن سواليفك في الحقيقة أروع من كتاباتك الرائعة بكثييييير.. أشكرك للوقت الرائع الذي قضيته معك.. أتمنى أن تكوني أقوى مني في الأشهر القادمة..!
    أشكر كل من راسلني..
    أحبكن كثيراً قارئاتي.. كنتن مصدر إلهام ودعم رائع لي..



    **
    مجلة حياة العدد (93) محرم 1429هـ
     


    - 48 -

    حتى لا تجف البئر

    منذ أيام.. لم تعد جدتي تتحدث كثيراً كعادتها..
    لا أعرف ما الذي حصل..
    كل شيء طبيعي..
    أعمامي يأتون لزيارتها بالتناوب..
    وفي العصر نخرجها لتجلس معنا في الحوش.. نحتسي القهوة ونأكل بعض التمر أو الرطب..
    لا مشاكل..
    لا شي يكدر صفو حياتها..
    لكنها فجأة.. دخلت في حالة سكون غريبة..
    لم تعد تتحدث وتعيد قصصها القديمة كل يوم..
    أصبحت تجلس صامتة معظم الوقت.. تقلب عينيها في فنجانها.. أو في الفراغ..
    وتأخذ نفساً عميقاً وهي تذكر الله..
    كنت دائماً مشغولة عنها..
    بواجباتي.. اختباراتي.. مكالماتي مع صديقاتي.. النت.. ملابسي.. تماريني الرياضية..
    كنت أشعر أن يومي مزدحم جداً.. ولا وقت لدي لكي أجلس معها وأسمع اسطواناتها القديمة المكررة..
    كنت أكتفي بالسلام عليها كل صباح وهي تقلب مذياعها القديم الذي ثبت عمي مؤشره على إذاعة القرآن الكريم (حتى لا (تضيع) عنها وتنادينا عشرين مرة في اليوم لنعيده).. أمر لأقبل رأسها وأودعها وأنا ذاهبة للمدرسة..
    أحياناً قليلة..
    حين لا أكون نائمة عصراً.. أجلس معهم في الحوش.. أشرب بعض القهوة على عجل..
    ثم أعود لغرفتي..
    أحاديث جدتي كانت تشعرني بالدوار..
    كلها محدودة لا تخرج عن أربع قصص: قصة ولادة بقرتهم المتعسرة.. وقصة مرضها الدائم في طفولتها وذهاب أهلها بها للمقبرة لطرد الشؤم عنها.. وقصة زواجها بجدي وهي صغيرة تلعب بالطين.. وهناك أيضاً قصة تعرض والدها لهجمة الذئاب في مزرعته..
    حفظت هذه القصص الأربع بكل تفاصيلها الدقيقة.. حتى مللت..
    وأصبحت أشعر بالغثيان كلما بدأت تسردها من جديد...
    ياااااااا الله..!!
    من يستطيع أن يجلس مع جدتي ويتحمل إعادة قصصها كل مرة؟! لا أتخيل!
    حتى أعمامي حين يأتون لزيارتها.. يحاولون ألا يعيدوها إلى الماضي.. يشغلونها بسرعة في أحاديث الحاضر..
    فلان قام بكذا.. فلان يريد كذا.. وفلانة أصبحت كذا..
    وهكذا..
    أصبحوا يعرفونها جيداً..
    أي فرصة تتاح لها سوف تستغلها بسرعة وتعود بنا لقصصها القديمة..
    كانت تحاول جاهدة أن تفتح سيرة الماضي.. وتتحدث..
    لكن الجميع كان يحاول بسرعة أن يقطع الحديث ويغير مجراه حفاظاً على رؤوس الجميع من الصداع..!
    بالنسبة لجدتي..
    كنت أشعر في كل مرة.. أنها تعتقد أنها تروي القصة للمرة الأولى..
    لم تكن تشعر ولا بجزء بسيييط من ذاكرتها.. أنها تقولها للمرة المائة وعشرين بعد الألف..!!
    كانت تسعى للعودة لماضي.. تريد أن تحرك دوامة تفكيرها قليلاً..
    لكننا لم نكن نسمح لها بذلك..
    فبدأت تذبل شيئاً فشيئاً.. دون أن نشعر..
    لا أعرف كيف اكتشفت ذلك..
    حين جلست معها في غرفتها ذات يوم..
    لم تكن تشعر بوجودي جيداً.. كانت مستلقية على سريرها.. وقد تدلت جدائلها الحمراء على الوسادة..
    وكانت تنظر للسقف.. أو شيء لا أعرفه..
    أحسست أنها تعاني من فراغ كبير لا نشعر به..
    كانت صامتة على غير عادتها..
    اقتربت منها.. وبدأت أمسد ساقها النحيلة.. وهي ساكتة تماماً..
    تنهدت..
    ثم سألتني..
    - ما عندك اختبار؟
    - لا..
    - بتطلعين السوق الحين؟
    - لا..
    سكتت..
    شعرت أنها لا تعرف ماذا تقول..
    رحمتها كثيراً..
    فالحديث مع جيل آخر صعب بالنسبة لها..
    إنها مثل السمكة التي لا تجيد العيش إلا في الماء.. هي لا تستطيع الحديث إلا وتعود للماضي..
    ونحن حرمناها من ذلك..
    كانت تتنفس من خلال حديث الماضي..
    تتذكر أحبابها.. عالمها.. روائحها.. الزمن الذي كانت فيه قوية.. محبوبة.. تتحرك بهمة.. تفكر.. ذلك هو عالمها الحقيقي..
    أما الآن..
    فماذا لديها؟
    غرفة صغيرة.. أحفاد يتذمرون من الجلوس معها.. أو .. يتصنعون ويجاملون ذلك..
    أبناء سئموا من أحاديثها المكررة.. مهما حاول الجميع برها.. والإحسان إليها..
    في تلك اللحظة..
    عرفت أنها تشعر أن الجميع (يتصنع) أن يسعدها..
    هي كانت تريد ذلك الزمن البعييييد..
    ونحن حرمناها منه.. بكل أنانية.. لا أحد يريد أن يسمعها.. لا أحد يترك لها الفرصة لذلك..
    كانت بحاجة لمن يغرف من منهل خبراتها القديمة.. ومن يسمع قصصها.. ممن لم يعش ذلك الزمن..
    كانت مثل البئر..
    إذا لم يشرب منه أحد.. فإنه ينضب..
    لكننا رفضنا أن نشرب منه.. وتركنا مياهه تأسن.. وتجف..
    - (يمه.. سولفي لي عن بيتكم أول..)
    نظرت إلي بشيء من الاستغراب.. والحماس..
    شعرت بعينيها تضيئان..
    وبدأت تحكي وتحكي.. حتى وصلت لقصة البقرة.. التي سمعتها ألف مرة قبل ذلك..
    حاولت أن أبدو كمستمعة جيدة.. وأن أهمهم بتأثر بالغ وأبتسم عند الحاجة..
    وهي فرحة.. وتصف التفاصيل بحماس.. حتى النهاية..
    حين خرجت من غرفتها.. كانت نظراتها مختلفة.. ووجها الشاحب قد عادت له ألوان الحياة..
    نظرت إلى ساعتي..
    نصف ساعة فقط!
    ما يضرني لو أني قضيت كل يوم نصف ساعة.. أستمع لقصصها القديمة..
    حتى لا تجف البئر؟



    **
    مجلة حياة العدد (79) ذو القعدة 1427هـ
     


    - 49 -

    هنا فقط..
    ذاب الجليد


    - ياربييييي.. متى يجي العيد ونحصل لنا كم عيدية.. ودي أشتري أشياء لغرفتي.. أزينها..

    - ليش يعني أهلك ما يشترون لك؟

    - أقول بس.. وش يشترون لي؟ كثر الله خيرهم.. أبوي ما قصر وغير أثاث غرفتي يا عمري وحط لها موكيت.. لازم أنا أجمع لي شوية فلوس وأزين غرفتي..

    - مني فاهمة؟! إذا كانوا شروا لك.. ليش ما يكملون معروفهم..

    - صعبة يا بدور أقول لأبوي اشتر لي تحفة أو شموع أو مزهرية أو خرابيط.. ودي أنا أشتري على راحتي.. أبوي على قد حاله الحمد لله لكن صعب أكلف عليه..

    مططت شفتي على مضض..
    لم أكن أفهم طريقة تفكير صديقتي.. ولا أسلوب حياتها..
    الحقيقة أني لم أفهم أسلوب حياة الكثيرات ممن حولي..
    لا أعرف إن كنت أنا الغريبة أو هن؟


    * * *

    منذ أن بلغت التاسعة ووالدي يسيّر لي نفقة شهرية..
    كنت أستلم شهرياً ألف ريال كمصروف جيب لي وحدي.. وأنا طفلة..
    كما أن أمي تعمل كمديرة مدرسة.. وهي فوق ذلك تمنحني كل ما أريد وأطلب.. بل إنها منحتني نسخة من بطاقة الصراف الخاصة بها منذ أن وصلت المرحلة المتوسطة..
    كان لي دوماً مالي الخاص..
    وحساب توفيري الخاص أيضاً منذ صغري..
    كل ما أريده كنت أستطيع الحصول عليه تقريباً..
    لكن..
    كان هناك شيء ما أفتقده..


    * * *

    - بدوووور.. عطينا حلويات.. بس شوي.. الله يخلييييييييييييك..
    كان أبناء أقاربي يركضون خلفي وأنا ألتفت.. ثم أنثر بعضها في الهواء في ساحة منزلنا الفخم.. ليلتقطوها كالدجاج من على الأرض..
    كنت قائدة الأطفال بحلوياتي.. وكنت أستخدمها لإهانة البعض – بعدم إعطائي إياهم.. أو لتطويع البعض للانقياد لي..
    وكنت أكافئ بعض الصديقات المطيعات جداً.. بدعوتهن إلى بيتنا.. الغريييب بالنسبة لهن..
    أريهن عرائسي و(دباديبي) المصففة بترتيب على رف قرب سريري..
    وأخرج لهن علب مكياج الأطفال الخاصة بي..
    وأفتح لهن أدراجي المليئة باللعب المنوعة..
    وأطلعهن على قصصي الملونة الجميلة في رفوف مكتبتي..
    كما كنا نلعب في كمبيوتر الأطفال الخاص بي..
    كانت غرفتي عالماً سحرياً جميلاً لهن..
    لكن..
    حين كنت أسمع صوت والديّ وهما يتشاجران يعلو في البيت.. كنت أرتعش خوفاً وحرجاً من صديقاتي.. فأسرع بإخراجهن إلى (الحوش) مع إعطائهن شيئاً من الحلوى كي لا يخبرن أحداً بما سمعن..


    كبرت ولي شخصيتي المستقلة.. ودخلي الخاص..
    ولكن حدثت نقطة التحول في حياتي.. حين أصبحت في الصف الثاني الثانوي.. فقد شاء الله أن يتوفى والدي..
    لم تكن علاقتي به قوية.. لكني افتقدته..
    افتقدت.. شيئاً لا أعرف كنهه.. شيء يشبه القوة التي تسندك..
    ربما.. آلمني شعور اليتم دون أن أعرف..
    ولم أكن أعرف ماذا ينتظرني بعد ذلك..


    * * *

    تمر أوراق كثيرة في حياتي.. تتطاير..
    سمر بنت خالتي خطبت.. فرح بها الجميع.. كانت صغيرة.. لا تزال في الثانوية..
    خطبها قريب لنا..
    لا أعرف لم اختارها هي بالذات؟
    فتاة عادية في كل شيء.. لا ذكاء مبهر.. ولا جمال ملفت..
    ربما شيء من هدوء وما يسمونه (ثقل).. أففف هل يعتبرون هذه ميزة..؟!
    مرت الورقة. وطارت بعيداً مع رياح الخريف..


    * * *

    دخلت الجامعة..
    وذات صباح.. استيقظت وقد أكملت ثمانية عشر عاماً..
    كان شيئاً غريباً.. يمكن أن يمر على أي فتاة بشكل عادي.. لكن بالنسبة لي كان الأمر مختلفاً..
    كان يعني انتقال التصرف في إرثي إلي شخصياً..
    لم يكن هناك الكثير ممن ينازعني بالإرث.. زوجة أبي لم تنجب.. ووالدي ليس له سوى أخت واحدة مسنة..
    تنازلت عن نصيبها.. ولم ترغب سوى بشقة من العمارة التي في مكة..
    كل شيء.. آل لي..
    اجراءات كثيرة ومعقدة.. دخلت المحكمة عدة مرات.. والبنك مرات عديدة..
    آثرت بيع الشركة.. بمشورة خالي وأمي.. على أن أحتفظ فقط بنسبة من أسهمها تدر علينا ربحاً سنوياً..
    بقيت أيضاً مجموعة من العمائر في مكة وجدة.. أيضاً آثرت إيجار العمائر بأكملها.. ليصلني ريعها سنوياً..


    * * *

    لم أكن أريد أن أكون مهمة..
    لكن الأهمية هي من طاردتني..
    حين أجلس مع صديقاتي.. يرن جوالي فجأة..
    - مدام بدور.. ممكن رقم الحساب بسرعة..
    - مدام بدور.. العمارة معروضة للشراء بسعر مرتفع جداً.. هل ترغبين؟
    - مدام بدور.. هل تريدين إجراء الحوالة للبنك الفلاني أم الفلاني؟
    كنت أشعر بالحرج أمام صديقاتي..
    أتمنى.. أتمنى.. أن أكون بسيطة بينهن.. لكني عبثاً لم أستطع..
    أسمعهن يتحدثن عن مواسم التخفيضات.. أفضل الأسعار.. يتحرين وقت نزول المكافآت..
    وأنا.. لم أكن أجد رابطاً.. لأتكلم معهن في هذه المواضيع التي لا تهمني أبداً!
    كنت أتمنى أن أتصنع ذلك.. لكني لا أعرف كيف أكذب!
    كنت أسمع البعض يتهامسن..
    - ما شاء الله تصدقين أن شركة العقار المعروفة كانت لوالدها وقد ورثتها عنه؟
    - معقولة؟
    - يوووه وأكثر! هذي اللي تشوفينها بدور بنت (..).. كل أملاك أبوها صارت لها.. عندها عماير وشركات!!
    - يا مامااا!.. لو كنت مكانها وشوله أجي الجامعة.. كان أنام في بيتي أصرف لي وأمشي لي راتب وبس..! ..
    - هههههه


    * * *

    حتى حين ألبس ساعة فخمة.. كنت أشعر بالألم من نظرات صديقاتي.. المنبهرة بصمت.. أو المنكسرة بصمتٍ أيضاً..
    - شفتي ساعتها! روليكس بميتين ألف!!!


    حقاً لا أعرف ماذا أفعل.. إن لبست.. لم أرض الناس..
    وإن لم ألبس.. لم أرضهم أيضاً..
    تباً لهم.. مهما فعلت.. لن يحبوني..
    شعور بالوحدة يكتنفني أينما أذهب..
    حولي زميلات.. لا أستطيع تسميتهن صديقات..
    لا أحبهن... لكني لا أجد غيرهن..
    يتملقن كثيراً.. يمدحن ويثنين..
    يردن أن يوصفن بأنهن (يماشين) بدور بنت المليونير.. أو المليونيرة..
    أعرف ذلك جيداً.. ولا أحبهن..
    لكني لا أجد غيرهن..


    أجدني مجبرة على ارتداء النظارة السوداء هرباً من كل شيء..
    منذ سنتين لم أعد أستطيع الاستغناء عنها.. تشعرني بشيء من الراحة حين أجلس وحدي..
    أصبحت أحب الوحدة.. الغربة.. بعيداً عن الأعين المتطفلة.. أو الحاقدة..
    أعيش في قالب من جليد..


    كم يضايقني هذا المال.. يخنقني.. يعصرني في بوتقة خانقة..
    يضع حواجز سميكة من جليد بيني وبين الآخرين..
    حتى المحبين الطيبين.. يتجنبوني.. وكأني ملطخة بالإثم..
    ربما يستحون مني.. ربما يعتقدون أني أشتري الناس؟


    * * *

    تخرجت من الجامعة..
    وتطايرت كثير من الأوراق..
    جلست بملل في البيت.. أرد على الاتصالات هنا وهناك..
    مللت كثيراً.. وضاقت بي الدنيا..
    حاولت أن أجد عملاً.. ولو في مدرسة أهلية..
    الكل صعق!
    ماذا تريد هذه؟!!
    المال لديها..
    لكن.. أنا لا أريد المال.. أريد.. لا أعرف..
    شجعتني أمي لما رأته من حالتي النفسية.. ووحدتي..
    عملت..
    لم أتحمل التعب والأوامر الكثيرة في بداية الأمر.. تنقلت من مدرسة لأخرى.. تعبت..
    شخصيتي لا تتناسب مع هذه الأعمال.. لكن ماذا أفعل..


    * * *

    تزوجت إلهام ابنة خالي التي تصغرني بسنوات..
    وكذلك ابنة عمتي الصغرى..
    تزوجا في صيف واحد..
    ورأيت أمي تنظر إلي في الزواج بألم..
    لم يكن أحد يتقدم لخطبتي أصلاً.. الكل كان يخشى الاقتراب منا..
    بدور بنت فلان؟.. كم ستطلب مهراً؟
    لم يكونوا يعرفون أني لست بحاجة لمهر ولا لذهب.. ولا أي شيء.. كل شيء كان لدي..
    كنت أريد فقط.. شيئاً.. لا أعرفه..


    * * *

    ذات عام.. أو نهار – لا أعرف متى وصلت إليه..
    كنت في الساحة حيث كانت نوبة المراقبة الخاصة بي.. الطالبات يتمشين هنا وهناك ويتناولن فطورهن.. وألمح بعض بنات الثانوي يشرن إلى بلوزتي الغريبة اللي اشتريتها من رحلتي الأخيرة لأوربا..
    تعودت على تهامسهن وإشاراتهن لتفاصيل مظهري..
    كنت أسير بضجر..
    حين وجدتني أقترب من مصلى المدرسة.. تلك الغرفة الصغيرة في الساحة..
    ماذا قد يوجد هناك..؟
    أعمل هنا منذ سنة.. ولم أعرف يوماً ماذا يحدث هناك؟
    اقتربت.. كان هناك صوت رقيق جميل..
    معقول؟ طالبة تلقي كلمة..؟
    أطللت برأسي..
    رأيتها.. (مرام) تلك الطالبة النحيلة المؤدبة.. كانت تجلس في منتصف الحلقة وتتحدث عن فضل تدارس القرآن الكريم وفضل حلقات الذكر..
    لم يكن حولها سوى خمس أو ست طالبات.. لكن.. كنت أشعر بأن هناك من يجلس معهن!..
    كان المجلس عامراً بشيء.. لم أعرفه.. شيء رائع وعظيم..
    أهو الحب؟ أهو الراحة والطمأنينة؟ أهي البساطة؟ لا أعرف.. لم أكن أعرف كيف أصف..
    ثم بدأن يسمعن نصابهن من الحفظ.. بأصوات جميلة.. واحدة تلو الأخرى.. يا الله.. ما أجملهن.. ما أسعدهن..!
    شعرت بمن يربت على كتفي..!
    التفت..
    كانت عفاف.. معلمة التاريخ ومشرفة المصلى..
    - شاركينا يا أبلة بدور.. تفضلي..
    - ماذا؟!
    شعرت بالخجل وأنا بنظارتي السوداء.. وكعبي العال أن أدخل..
    تعودت على وضع حواجز بيني وبين الآخرين.. كيف.. آآ..
    لكني لم أقاوم الدعوة.. شيء كان يجذبني..
    رفعت النظارة.. وخلعت الكعب.. ودخلت خلفها..
    كنت أسير بخجل... وكأني طفلة صغيرة..
    جلست بين طالباتي..
    فأخذت المعلمة عفاف.. تتحدث مرة أخرى عن أهمية وفضل مجالس الذكر وتثني على الطالبات لعزمهن ولهمتهن العالية.. وأنهن استقطعن هذا الوقت الثمين المريح لهن لطاعة الرحمن..
    كنت منسجمة.. ومتأثرة جداً..
    شعرت بشيء بارد جامد في داخلي وحولي.. يذوب بدفء.. ويغسل روحي.. بنقاء..
    أطلت عدة طالبات من الباب.. وتهامسن..
    - أبلة بدور هنا!.. تعالوا شوفوا!!
    ودخلت واحدة ثم أخرى..
    وبعد قليل كان هناك أكثر من عشرين طالبة تستمع لكلمة مؤثرة ألقتها أستاذة عفاف لتشجع الطالبات على حضور دروس وحلقات المصلى وتذكرهن بنعيم الآخرة..
    يا الله.. ما أجمل هذا الشعور بالسكينة..
    هذا ما كنت أفتقده منذ سنوات.. رغم كل ما لدي..
    أن أكون.. أنا.. الأمة الفقيرة إلى الله.. لا بدور (المليونيرة)!
    أردت أن ألتصق بجدران المصلى.. أن أقبلها واحداً واحداً..
    أن أقبل أرض المصلى..
    أن أحضن طالباتي الرائعات..
    أخيراً.. خلعت ردائي.. ووجدت ما أفتقده..



    **
    مجلة حياة العدد (80) ذو الحجة 1427هـ
     


    - 50 -

    مولودي.. ليس لي



    بهدوء.. فتحت درجي..
    سحبت صندوقي الغالي.. وضعته في حضني..
    فتحته وبدأت أخرج دفتر خواطري.. وأوراقي المتناثرة..
    قصائد..
    خواطر.. شعر حر..
    قرأت.. وقرأت..
    هذه كانت في المرحلة المتوسطة..
    وهذه في الصف الأول الثانوي..
    هذه كتبتها.. أيام الاختبارات النهائية حين كنت في سنة ثالث..
    وهذه وأنا على أعتاب الجامعة..
    هذه خواطري حين كنت أختار التخصص ووقعت في حيرة..
    وهذه قصيدتي حين فقدت صديقتي بسبب سفرها لمدينة أخرى..
    وهذه حين سمعت بوفاة معلمتي الغالية رحمها الله..
    كنت أسحب الأوراق واحدة بعد الأخرى.. أقرأها.. فتنساب دموعي..
    كانت قصائدي تلك بمثابة البنات لي.. خرجن من صلب قلبي..
    أقفلت عليهن طويلاً هنا..
    وها هن يعدن للحياة بشكل مثير..
    لكن..
    لم يكن هذا سبب بكائي..


    * * *

    - أريد أن أكتب باسم مستعار..
    - بلا خرابيط.. تدرين أني ما تعجبني هالحركات!
    - أي حركات يا عبد الله.. هذي أدب.. أدب راقي ومحترم.. وفي مجلة محترمة.. وعلشانك بس راح أكتبها باسم مستعار.. وش يضرك طيب؟
    - بس!.. أنا ما أحترم اللي نسوي هالحركات..
    - رجعنا على سالفة (الحركات).. أقول لك كتابة أدبية.. تقول (حركات)..؟!
    صرخ بقوة.. وهو يرمي الجريدة على الأرض ويقف..
    - إيه حركااااااااات ونص.. شعر ومياعة وكلام فاضي.. قلت لا.. يعني لا!!
    وأسرع يخرج ضجراً من الصالة.. وقبل أن يخرج.. عاد وهو ينظر إلي بحدة ويشير بسبابته..
    - والله وبالله.. لو دريت أنك مرسلة لأي مجلة أو جريدة لا تلومين إلا نفسك!
    كانت رغد الصغيرة تطل من باب غرفتها بخوف.. وحين خرج.. همست بخوف من بعيد..
    - مامااااااااااا.. ليش بابا معصب؟!
    - تعالي حبيبتي.. ما فيه شي..


    * * *

    أغمضت عيني..
    وابتعدت عن الواقع.. سافرت لشاطئ بعييييد..
    نظرت لأوراقي.. لخطي الجميل.. وللرسومات التي رسمتها بدقة مع كل خاطرة..
    بحار وشواطئ جرداء.. وموانئ.. وسفن مسافرة نحو المجهول..
    تنفست بقوة..
    شعرت أني أقدم على عمل قاس جداً لكن لابد منه..
    أمسكتها بقوة.. وقفت أمام نار صغيرة أشعلتها في الحديقة..
    عدت بذاكرتي لمرحلتي المتوسطة.. حين كنت أحلم أن أكون كاتبة كبيرة..
    ثم للمرحلة الثانوية حين أصبحت أحلامي أكثر واقعية..
    حلمت أن يكون لي باب أو عمود في مطبوعة..
    وفي الجامعة.. أصبحت أحلم فقط أن تنشر لي مشاركة واحدة..
    لكنه اشترى أحلامي بلا ثمن..
    وباعها بلا مقابل..
    لتمت الآن فهذا أرحم من أن تبقى حبيسة الأدراج سنوات طويلة..
    وقفت رغودة قربي وهي تنظر إلي باستغراب..
    - ماما ماذا ستحرقين؟
    - أحلامي.. يا صغيرتي..
    - ماما لا تحرقينها.. حلوة فيها رسمات حلوة.. مساكين الطيور لا تحرقينهم..
    نظرت إلى صورة طائر يحلق بعيداً فوق البحر.. رحمته..
    فكرت قليلاً.. ضممت رغودة وابتعدت..


    * * *

    - سعاد.. أسلوبك رائع جداً..
    أنت لست مجرد هاوية مبتدئة..
    أعني.. أسلوبك.. مميز جداً.. أنت تنافسين كبار الشعراء.. لماذا لا تنشرين إنتاجك؟ حرام أن يبقى حبيس الأدراج والدفاتر!
    - دكتورة عفاف.. أنت تبالغين.. ليس لهذه الدرجة..
    - بل وأكثر.. صدقيني.. يجب ويجب أن تنشري إنتاجك.. أنت مبدعة وأسلوبك مؤثر لدرجة كبيرة.. مجموعة قصائدك هذه لو نشرت في ديوان فسيكون ناجحاً جداً.. تفتقد في الساحة الأدبية لدواوين شعرية بهذه اللغة القوية المبهرة..
    ابتسمت بألم وخفضت رأسي..
    - لا أستطيع..
    - لماذا؟
    - لا تعرفين يا دكتورة.. هذه الدواوين ليست ملكي..
    - لماذا ألست أنت من كتبها؟
    - أنا من كتبها.. لكنها ليست ملكي للأسف.. وليس قراري أن أنشرها أم لا.. زوجي.. يرفض فكرة النشر نهائياً..
    - أمر مؤسف.. لكن ماذا عن فكرة النشر باسم مستعار..
    - يرفضه أيضاً.. لا أمل..
    أخفضت رأسي وأنا أقاوم دموعاً ثقيلة كيلا تسقط..
    - على هذه القصائد أن ترضى أن تبقى حبيسة الأدراج طيلة العمر.. إنه حكم مؤبد!
    أطرقت الدكتورة قليلاً ثم انتفضت فجأة..
    - لدي فكرة.. أعطني القصائد وسأتولى نشرها لك بنفسي.. باسم مستعار.. أعرف ناشراً جيداً.. وسأتولى النواحي الإدارية.. فقط اختاري اسماً وأنا سأتولى الباقي.. لن يعلم زوجك بهذا الأمر..
    شعرت بحيرة.. وقررت أن أعطي الأمر فسحة من أمل..


    * * *

    بعد أشهر طويلة..
    ناولتني النسخة الأولى من الديوان..
    أمسكته بحذر بين يدي كمولود صغير.. كانت يداي ترتجفان.. تأملته بشغف والدموع تترقرق في عيني..
    ما أجمله..
    تصفحته.. إنها قصائدي.. ظهرت للحياة أخيراً..
    أطلق سراحها من قفصها.. وها هي تحلق نحو الأفق البعيد..
    يا له من شعور.. هزني من الأعماق..
    شعرت بالفخر بقصائدي الصغيرة.. لقد استطاعت أن تفعلها..
    أغلقت الديوان لأتأمل الغلاف..
    هناك.. لم أكن أنا..
    كان إسم انسانة أخرى..
    انسانة مجهولة.. لا حياة لها على أرض الواقع..
    شعرت بالألم الذي لم أتصوره..
    مولودي البكر الصغير.. يؤخذ مني.. وينسب لغيري.. وأنا أرى كل ذلك بأم عيني!
    ضممته بقوة..
    هنا بين دفتي هذا الكتاب.. كانت دموعي.. أحلامي.. وآمالي.. ومشاعري..
    هنا.. نبض قلبي.. ودفق دمي..
    ضممته بقوة.. وأخذت أبكي..
    على مولودي الذي ليس من حقي أن أفرح به.. ولا أخبر أحداً عنه..
    مولودي الذي سرق مني.. قبل أن يولد..



    **
    مجلة حياة العدد (81) محرم 1428هـ
     


     

    تحرير: حورية الدعوة
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة : ولك بمثل »

     

    اعداد الصفحة للطباعة
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    قصص مؤثرة

  • قصص الرسول
  • قوافل العائدين
  • قصص نسائية
  • قصص منوعة
  • الحصاد المر
  • مذكرات ضابط أمن
  • كيف أسلموا
  • من آثار الدعاة
  • قصص الشهداء
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية