صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







الجولة الثامنة : عقبات على الطريق

الدكتور محمد جميل غازي

 
الأزهر مطالب بإجراء تغيير جذري في أسلوب عمله!!
صناديق النذور.. وتجار الأضرحة.. والشريعة!!
التقريب بين المذاهب.. دعوة مشبوهة!!

هذا الحديث الطويل.. كان قد أدلى به الدكتور محمد جميل غازي لـ"جريدة التعاون" أيضاً، وقد تحدث فيه عن عشرات النواحي التي تتعلق بالإسلام، وتهم المسلمين، ولما كان يحتوي أيضاً على تفنيد، وفحص، وتمحيص لادعاءات الصوفية.. وكشف اللثام عن سر تغلغلها في الريف، وتتضمن إجاباته الرد على كثير من الأسئلة التي تطوف برؤوس المسلمين.. لذلك فإننا نورد منه هنا بعض ما يفيد القراء، وما يتفق والهدف من نشر هذا الكتاب.

وحول ما يسود الريف المصري من خرافات وأساطير يقول فضيلة الدكتور جميل غازي:
"الريف المصري يقع فريسة للمتسولين الدنيئين، الذين يبيعون القرآن على المقابر، وفي البيوت، نظير دراهم معدودة، أو أرغفة غير معدودات.. كما يقع الريف المصري أيضاً فريسة للسحرة والدجالين، الذين يتاجرون بالسحر والجان والأحجية والتمائم، ويخدعون البسطاء بخرافات وأكاذيب، ليست من الإسلام في شيء وليس الإسلام منها في شيء، وإنما هي أوهام أشاعها تجار الخرافة الذي يثرون على حسابها.. وما أكثر تجار الخرافة في قرانا، وما أسوأ استغلالهم لمشاكل الفلاح المصري وأزماته".
وقد كنا نظن أننا نعيش في عصر العلم والتكنولوجيا والأقمار الصناعية.. وكنا نظن أن هذا العصر قادر على مكافحة هذا السيل الجارف من التأخر والانحطاط.. ولكن يبدو أننا نعيش بمنأى عن العصر، وأسلوب العصر، أو يبدو أن العصر نفسه مصاب بالمرض النفسي المعروف (انفصام الشخصية!) ففي الوقت الذي نجد فيه الحضارة المادية تعم وتسود، نجد التخلف الروحي يشتد ويتزايد!! المادة تتقدم، والإنسان يتأخر، وتلك هي قمة المأساة!

مطلوب تطهير القرية المصرية من تجار الخرافة :
ويستطرد فضيلته قائلاً: وإذا كان تجار الخرافة في قرانا يتمسحون في الإسلام، ويتسللون إلى نفسية البسطاء خلف أقنعة التدين الكاذب، فإني أقول لكم: إن الإسلام بريء منهم، ومما يدعون فلا تظلموا الإسلام، ولا تحملوه هذه الأعباء التي تتناقض مع طبيعته لأنه دين الفطرة، والعقل، والعلم، والتقدم، والحضارة.
أما هذه الشعوذات والخرافات فاستمعوا معي إلى حكم الإسلام فيها.. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ”من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم “.

معظم مساجد القرية خلت من الأئمة المؤهلين :
ويعلق الدكتور جميل غازي على هذه الظاهرة الوثنية التي تسود الريف المصري قائلاً:
"لا شك أن انتشار الوهم والخرافة في الريف جاء نتيجة طبيعية لغياب الوعي الديني بين سكانه، واختفاء الدعاة الأكفاء.. إن مساجد القرية خلت في معظمها من الأئمة المؤهلين، وأصبحت حكراً على الجهلة وأنصاف الأميين، وانتشرت فيها ظاهرة الخطب المنبرية المنقولة من الأوراق الصفراء البالية، والتي حولت كثيراً من خطباء القرى إلى ببغاوات يرددون خطباً محفوظة، منحدرة من عصور الجهل والتخلف، وموزعة على أسابيع السنة لكل أسبوع خطبة لا تتغير ولا تتبدل، وفيها ما فيها من خطأ وخلط وسجع مبتذل، وأحاديث مكذوبة، وأفكار ساذجة بلهاء، مما أشاع في أوساط أهل الريف، التواكل والأمية والسلبية.
ولا ترى القرية المصرية النور إلا حينما يزورها واعظ المركز.. وحتى واعظ المركز شعاره حينما يخطب أو يعظ: "ليس في الإمكان أبدع مما كان، ودعوا الناس وما يدينون!!".

الصوفية شوهت جلال الإسلام:
وهكذا خلت ساحة العمل الديني للمرتزقة والدجالين، الذين شغفوا بالخرافة، وشوهوا جلال الإسلام.. وعلى القمة أمسكت الصوفية بزمام الدعوة، وراحت توزع صكوك الغفران، وتتنافس على صناديق النذور، وتقاسم الفلاح المسكين رزقه، وزرعه حتى قبل أن ينضج.
قلت للدكتور جميل غازي.. نحن لا شك نتفق معكم في تشخيص الأزمة الفكرية والدينية التي تعانيها القرية.. ولكن كيف يمكن تحرير الريف المصري من الخرافة؟ وكيف يمكن الارتفاع بمستوى الوعي الديني للفلاح؟
يجيب فضيلته قائلاً: لا سبيل إلى مواجهة هذا التخلف الفكري والديني، إلا بإعداد نوعية جديدة من الدعاة الأكفاء المؤهلين الذين يتفهمون الدعوة كرسالة وجهاد في سبيل الله، لا كمهنة أو مجال للارتزاق.
إن كثيراًَ من الدعاة والوعاظ في هذا الجيل، وبعض أجيال أخرى سبقتهم المسؤولون عن هذه المحنة التي تتعرض لها الدعوة الإسلامية، وعن تلك الأمية الدينية السائدة لا في الريف فقط، ولكن في المدينة أيضاً، وإن اختلفت مظاهرها.
ثم يستطرد فضيلته قائلاً:
إن الدعوة إلى الله تمارس الآن كحرفة أو كوظيفة، كما يستهدف الكثير من الدعاة إرضاء الناس، لا إرضاء الله.. وكان هذا هو السبب المباشر في ترويج الخرافة، وإشاعة الأساطير، بحجة أنهم لا يريدون مهاجمة عقائد العامة.. وتلك هي الكارثة.. فإن الداعية معلم، والمعلم مهمته محو الأمية والجهل، لا مهادنة الأمية والجهل.. وكذلك الداعية عليه أن يحارب الخرافة مهما أخذت زخرفها وازينت، ومهما كانت شرسة ومتحكمة في عقول الجماهير.. تلك هي مهمته.. وهي مهمة شاقة في حاجة إلى رجال قادرين على المواجهة، لا على المداورة.. قادرين على المصارحة لا على هدهدة العواطف.. قادرين على الجهاد لا على المساومة.
وقبل أن يتم إعداد مثل هؤلاء الرجال، فلا مجال للحديث عن أي دعوة للإصلاح الديني أو الفكري، سواء أكان ذلك في الريف أو المدينة وستبقى الخرافة دائماً هي المهيمنة على رؤوس العامة تحدد حركتهم وتشكل سلوكهم.

الأزهر مطالب بإجراء تغيير جذري في أسلوب عمله:
كيف يمكن إعداد هذه النوعيات من الدعاة؟.. وهما هو دور الأزهر وما هي مدى مسؤولياته؟
آسف إذا قلت إن نظم التعليم بالأزهر لا تصلح لإعداد النوعيات المطلوبة من رواد الدعوة.. وآسف أيضاً إذا قلت أن هذه النظم هي المسؤولة عن ضعف مستوى الكثيرين من قيادات الدعوة الإسلامية.. لماذا؟ لأن المنهج والأسلوب الذي يمارسه الأزهر في إعداد الدعاة يبعد إلى حد كبير عن الفكر الإسلامي المستنير، ويتعارض مع بساطة الإسلام ووضوحه!
إنك لو فحصت المناهج والمقررات التي يدرسها طلبة المعاهد والكليات الأزهرية، فلسوف تجد عجباً!! مواد جافة معقدة، تتألف من متون وشروح وحواش وتقريرات وهوامش، كتبت بعبارات شبيهة بالألغاز والطلاسم والأحاجي التي تتنافى مع بلاغة وبساطة القرآن العظيم.. وفق ذلك فإن هناك اهتماماً مثيراً بدراسة الأساطير والخرافات التي يسمونها كرامات الأولياء، والتي ساهمت بنصيب وافر في إشاعة الوهم والاستسلام.
لذلك فإن الأزهر مطالب أولاً بإجراء تغيير جذري في أسلوب عمله، ومطالب أيضاً بإجراء مراجعة شاملة لبرامجه وعلومه وكتبه، بحيث تستبعد منها فوراً تلك الدراسات والمقررات التي تتعارض مع الأفكار الإسلامية، وتتصادم مع العقل والفطرة.

علم الكلام:
ويضرب الدكتور جميل غازي مثلاً بواحد من أهم العلوم، التي يدرسونها بالأزهر، وهو علم الكلام الذي يطلقون عليه علم التوحيد أو علم الإلهيات، والذي قامت على أساسه كليمة جامعية هي كلية أصول الدين، التي تدرس علم الكلام والفلسفة ثم التصوف أخيراً.
ويقول: إن هذا العلم الذي يعطونه مثل هذه الأهمية، قد نهى عن تعليمه وتعلمه جميع علماء السلف، وجمهور أئمة المسلمين.. ويقول فيه الإمام الشافعي رحمه الله: "حكمي في أصحاب الكلام، أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ بعلم الكلام".

ألغاز وطلاسم:
ثم يضيف فضيلته قائلاً: وإذا كان أولئك المفتونون بعلم الكلام، يقولون في الدفاع عن أهميته، أنه ضرورة لابد منها للرد على الشبهات، التي ظهرت في العصر الحديث فإني أقول لهم: إن هذه الشبهات التي يحدثون عنها ظهرت منذ أن نزل القرآن الكريم على الدهريين واليهود والنصارى المتأثرين بالفلسفة اليونانية، وتولى القرآن نفسه الرد على جميع هذه الشبهات، دون ما حاجة إلى اصطناع هذه المجادلات البيزنطية وفضلاً عن ذلك.. فإن هذه الشبهات التي يتطرق إليها علم الكلام قد أكل الدهر عليها وشرب، وليس لها أي أثر مما يجعل تدريس علم الكلام ضرباً من الخبل، وجناية على الدارسين.. فهو – للحق والأمانة – علم يخلو من العاطفة والروح، وهو أقرب إلى المعادلات الجبرية منه إلى التوحيد الذي ينبغي أن يكون مفعماً بالحب، والتأمل، والعبادة الروحية.
ثم يعقب فضيلته متسائلاً: أين مثل ألغاز وطلاسم علم الكلام السخيفة المعقدة، من قول الله تعالى: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [آل عمران: 190، 191].

حشو وغموض وسفسطة:
مثل آخر يضربه الدكتور جميل غازي، ويستشهد به على فساد بعض المقررات الأزهرية في التربية أو في بحث عقيدة التوحيد.
يقول: إن قمة الكتب التي تدرس العقائد في الأزهر هو كتاب العقائد النسفية.. وهوكتاب ملئ بألغاز وسفسطة لا تنتهي، ويلف ويدور حول عبارات غير مفهومة.. ولا صالحة على الإطلاق في أن تكون مفهومة.. كقولهم مثلاً: "وحقيقة الشيء ما به الشيء هو هو".
ويتساءل جميل غازي ساخراً: هل مثل هذه الدراسة المليئة بالحشو والغموض والتعقيدات يمكن أن تقود إلى المعرفة بالله؟
هل كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو سيد أولياء هذه الأمة بعد نبيها، هل كان يؤمن بالله على نحو ما جاء في العقائد النسفية؟
حاشا لله.. فإن عقيدة أبي بكر رضي الله عنه كانت عقيدة القرآن، وهي عقيدة فطرية حضارية واضحة.. أما هذه العقائد النسفية وما شاكلها، فاسمح لي أن أحملها مسؤولية سقوط هذه الأمة، وتدهور عقيدتها.
ثم يعقب فضيلته قائلاً: كان هذا نموذجاً مما يدرسه طلبة الأزهر، المرشحون لقيادة الدعوة الإسلامية.. حشو وغموض وسفسطة.. فدلوني بربكم هل تصلح هذه الدراسات في إعداد الرواد القادرين على إقناع المسلمين وغيرهم بحقيقة المنهج الإسلامي ووضوحه؟ ألا يعد نظام التعليم بالأزهر هو نفسه المسؤول عن هذه المحنة التي تضع الدعوة الإسلامية في طريق مسدود؟!

لا طائفية ولا كهنوت في الإسلام:
قلت: لاشك أننا نتفق معكم في أن الأزهر يتحمل قدراً من المسؤولية عن ضعف مستوى بعض الدعاة وعما أصاب الدعوة الإسلامية من ركود وجمود.. ولكننا نرى في نفس الوقت أنه من الظلم أن نحمل الأزهر وحده كل المسؤولية، إذ أن مسؤولية قيام الإسلام وانتشاره لا ينبغي أن تتحملها طائفة معينة أو جامعة بذاتها إنما هي مسؤولية المسلمين جميعاً بلا استثناء.
ويقاطعني الدكتور جميل غازي قائلاً: هذا صحيح تماماً.. فلا طائفية في الإسلام ولا كهنوت.. ولا ينبغي أن يكون التعليم الديني، وإعداد القيادات الإسلامية حكراً على الأزهر وحده.. بل ينبغي أن تشارك فيه جميع المؤسسات التعليمية في الدولة.
لذلك فإني أطالب بضرورة توحيد التعليم الديني والتعليم المدني في جميع المعاهد التعليمية والجامعات.
ثم يضيف قائلاً: إن الفصل بين التعليم الديني والتعليم المدني، كان ومازال هدفاً استعمارياً يستهدف عزل المسلمين عن دينهم.. فلقد أدرك المستعمرون أن قوة المسلمين إنما تقوم على تمسكهم بمبادئ عقائد الإسلام، وأنه لا سبيل إلى إضعاف المسلمين إلا بتجريدهم من دينهم.. لذلك فلقد كان حرصهم شديداً على تأكيد الفصل بين التعليم الديني والتعليم المدني.. وما أن تحقق لهم ذلك حتى بادروا إلى ضرب المنطقة الإسلامية بأخطر أسلحتهم، وهي الغزو الفكري، والعزل الفكري معاً.. وكان سبيلهم إلى ذلك نشر المدنية الزائفة، وتشجيع التدين الأعمى، والنحل الفاسدة.. مع إبعادنا في نفس الوقت عن التقدم العلمي الذي أحرزه الغرب في القرنين الأخيرين.
وكانت النتيجة.. إننا عزلنا عن الدين والدنيا معاً.. فلا الدين تفهمناه.. ولا التقدم العلمي أخذنا بأسبابه !!
سبق أن نادى الدكتور طه حسين بدعوة مماثلة عقب توحيد القضاء، فنادى بتوحيد التعليم الديني والمدني، فيما سماه بالخطوة الثانية فهل أنت معه في هذه الدعوة؟
مع فارق كبير وهام.. فلقد طالب طه حسين بتوحيد التعليم الديني والمدني بحيث يصبح التعليم كله مدنياً!! أما أنا فأطالب بتوحيد التعليم الديني والمدني بحيث يصبح التعليم كله دينياً.

هل يعني اقتراحك هذا إلغاء رسالة الأزهر الشريف؟
بالعكس، فهو يوسع قاعدة نشر هذه الرسالة.. إذ أن توحيد التعليم المدني والديني سيساعد على أن تشارك جميع المعاهد التعليمية والجامعات في نشر الثقافة الإسلامية، بحيث تسهم جميعها في إعداد أجيال تربت على العقيدة الإسلامية، وتفهمت السنة، ودرست القرآن والحديث حفظاً.. وتفسيراً.. ومعايشة.
الدعاة المتحمسون:ويواصل الدكتور جميل غازي عرض اقتراحه فيقول: حتى إذا تخرج الطالب من الجامعة كانت أمامه فرص للدراسات العليا في الدعوة الإسلامية، والإعلام الإسلامي، والشريعة الإسلامية، يلتحق بها من يرى في نفسه القدرة والرغبة في المشاركة في قيادة الدعوة.. وبذلك يمكن إعداد النوعيات المطلوبة من رواد الدعوة الإسلامية، الذين يتحمسون لها عن رغبة وميل شخصي.. لا عن احتراف أو التزام منذ الصغر، كما هو حادث الآن.
ثم يعقب فضيلته قائلاً: هذا هو سبيلنا إلى بناء الإنسان المسلم فكرياً وعقائدياً وعلمياً.. وهذا هو طريقنا لتجاوز أسلوب الاحتراف.. وهذا هو المدخل الصحيح لتخريج الأئمة الصادقين أو الدعاة المتحمسين.. أولئك الذين يتخذون من الدعوة جهاداً في سبيل الله، ويملكون قوة التأثير بالكلمة الصادقة.. والقدوة الطيبة.. ويحققون رسالة المسجد في حيوية وفاعلية.

سيطرة البيروقراطية:
قلت: تضاءل الآن دور المسجد، وانكمشت رسالته حتى كاد أن يصبح مجرد مكان لأداء الشعائر.. فما هي أسباب ذلك؟.. وكيف يمكن في تصوركم العودة بالمسجد إلى دوره الطبيعي كمركز إشعاع في خدمة البيئة دينياً وفكرياً واجتماعياً؟
يجيب فضيلته قائلاً: إن هناك أسباباً عديدة أسهمت في ركود وجمود المساجد وبصفة خاصة، تلك الخاضعة لوزارة الأوقاف من بينها – كما سبق أن أوضحنا – ضعف مستوى بعض الأئمة والخطباء وغياب القدوة الصالحة، وسيطرة البيروقراطية وطبقة الموظفين، حتى أصبحت المساجد الحكومية الآن أشبه بدواوين وزارة الأوقاف، تمارس فيها الشعائر الدينية كمجرد واجب روتيني جاف، خال من الروح والتأمل والعبادة!
أضف إلى ذلك ما تعرضت له المساجد خلال سنوات القهر السياسي من إهمال متعمد، وما لقيه بعض الأئمة من تنكيل وإرهاب، أدى إلى هجرة البعض واضطرار البعض الآخر إلى الاستسلام، ومداهنة الحكام.
وفوق ذلك.. فلقد كانت بعض القيادات الدينية مشغولة عن شؤون الدعوة والمساجد بأمر آخر تعتبره جاداً وخطيراً.. فلقد كانت ومازالت تعتبر أن المشكلة الأساسية للدعوة الإسلامية تنحصر في قلة الأضرحة والمقاصير لذلك فلقد انصرفت تماماً عن الاهتمام برسالة المسجد، إلى السعي الجاد في تشييد المزيد من القباب والمقاصير، وتشجيع إقامة حلقات الذكر بالمساجد.. والإنفاق بسخاء على إقامة الموالد والاحتفالات وكأنما هؤلاء القوم يعتبرون أن الإسلام لا يقوم إلا من خلال الشعوذة وصناديق النذور.

لها حريتها في النقد والتوجيه:
ويستطرد الدكتور جميل غازي قائلاً: وإذا كنا راغبين حقاً في أن نعيد للمسجد الإسلامي مجده.. فلابد أولاً من أن يتحرر الأئمة والخطباء من التوجيهات المكتبية، والقيود البيروقراطية، التي تحاصرهم وتحول بينهم وبين كلمة حق ينبغي أن تقال:
ثم يضيف متسائلاً: إن المسجد قوة إعلامية ضخمة ينبغي أن تستغل أحسن استغلال ولابد من اعتبار المسجد سلطة عليا.. لها كلمتها المسموعة.. ولها حريتها في النقد والتوجيه.

أوقفوا هذا المد الوثني الذي فتن بالأضرحة والقباب:
ويرى الدكتور جميل غازي رئيس جماعة التوحيد أنه لابد أيضاً – حفاظاً على قدسية المسجد وجلاله – من إيقاف هذا المد الوثني الذي فتن بالأضرحة والقباب والمقاصير، وحول كثيراً من المساجد إلى أماكن لعبادة الموتى!!
ويقول: إن معظم مساجدنا الكبيرة في القاهرة وعواصم المحافظات فضلاً عن الغالبية العظمى من مساجد الريف، قد تحولت من بيوت لله إلى مقابر للأولياء والصالحين، تمارس فيها كل مظاهر الشرك بالله من طواف ودعاء واستغاثة وتقبيل للأعتاب!! سبحان الله.. البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه قد تحولت لغير الله، وفقدت الصلاة فيها القدسية والجلال.
ما رأيكم فيما سبق أن أفتى به بعض كبار العلماء من أنه لا حرج في وجود قبور الأولياء والصالحين داخل المساجد ؟

اتخاذ قبور الأولياء مساجد.. بدعة وشرك بالله :
ويقاطعني الدكتور جميل غازي قائلاً بنبرة غاضبة: هذه فتوى مردودة على أصحابها، ولا تستند إلى حجة أو برهان من الكتاب والسنة، بل إن العكس هو الصحيح، فإن النهي عن ذلك صريح في القرآن الكريم: { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } [الجن: 18]، كما أن الأحاديث في هذا الموضوع كثيرة، نذكر منها قوله عليه الصلاة والسلام: ”أن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد“. كما يقول أيضاً عليه الصلاة والسلام: ”.. وأن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك“.
ويروي البخاري ومسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا كنيسة رأتاها في الحبشة وفيها تصاوير، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: ”أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور... أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة“.
ثم يعقب فضيلته قائلاً: هذا هو حكم الإسلام في هذا الموضوع.. وهو حكم صريح لا يحتمل التأويل، ولا لبس فيه ولا غموض.. إن اتخاذ قبور الأولياء والصالحين مساجد، شرك بالله، وبدعة لم يعهدها المسلمون في القرون الأولى، وإنما جاءت إلينا في القرن الرابع الهجري على عهد الفاطميين الذين أدخلوا على الإسلام كثيراً من البدع التي أضرت وأضلت المسلمين.
أما أولئك الذين يصدرون الفتاوى التي تتصادم مع الكتاب والسنة، فإني أحيلهم إلى قول الحق تبارك وتعالى: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النور: 63].

الإدعاء بأن الرسول عليه الصلاة والسلام دفن في مسجده:
قلت: يستند أصحاب هذه الفتوى إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام مدفون في مسجده وأن الصلاة في مسجده عليه الصلاة والسلام تعادل ألف صلاة، كما أن المسجد النبوي الشريف يضم أيضاً قبري صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، مما يقوم دليلاً على إباحة اتخاذ قبور الصالحين مساجد، لأن الصاحبين ليسا بأنبياء ولا رسل، بل هما رجلان صالحان، يجوز لكل صالح ما يجوز لهما.

وتزداد النبرة الغاضبة في لهجة الدكتور جميل غازي وهو يجيب قائلاً:
إن الادعاء بأن النبي عليه الصلاة والسلام قد دفن في مسجده.. باطل وكاذب، وافتراء على الله وعلى رسوله، كما أن القياس الذي عرضه أصحاب هذه الفتوى، قياس فاسد، لأنه يتعارض مع النصوص الشرعية فضلاً عما يتضمنه قولهم من تزييف لحقائق التاريخ.
ويستطرد جميل غازي في حديثه مفنداً هذه المزاعم فيقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام حينما مات لم يدفن في مسجده، ولا أوصى بذلك، ولا فعل به أصحابه ذلك.. حاشا لله.. وهو القائل عليه الصلاة والسلام: ”اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد“.
إنما الذي حدث أن أصحابه دفنوه في حجرة السيدة عائشة التي كانت تجاور المسجد، وكان حرص أصحابه شديداً على أن يظل قبره عليه الصلاة والسلام خارج المسجد في كل توسعة تمت بمسجده الشريف حدث هذا في عهد عمر رضي الله عنه، فلقد حرص حينما وسع المسجد في عام 17ه‍ على أن تكون توسعة المسجد من جميع الجهات إلا من الجهة الشرقية التي يقع فيها قبر الرسول وبيته، فلم يمسها حتى لا يدخل القبر داخل المسجد الشريف.. ونفس هذا الحرص تم أيضاً في عهد عثمان رضي الله عنه حينما وسع المسجد في عام 24ه‍.
فظل قبر الرسول صلى الله عليه وسلم خارج المسجد، ومنفصلاً عنه حتى كان عهد الوليد بن عبد الملك الذي قرر في عام 88ه‍ أن يوسع المسجد بحيث يدخل قبر الرسول داخله!!
وهذا الوليد بن عبد الملك لم يكن من الخلفاء الراشدين الذين يجب اتباعهم أو الاعتداد بفعلهم. ولم يكن قراره هذا صادراً عن باعث ديني أو إسلامي، أو مستنداً إلى نص شرعي وإنما كان عملاً سياسياً يستهدف هدم بيت الرسول عليه الصلاة والسلام، وتشتيت أهل البيت بحجة توسعة المسجد!!
ثم يصل الدكتور جميل غازي في حديثه عن الصعوبات التي تعترض الدعوة الإسلامية إلى قضية هامة من المؤكد أنها ستثير جدلاً واسع النطاق.
إنه يرى في تعدد المذاهب الإسلامية وتضاربها تعويقاً للمسيرة الإسلامية ويقول: إن الإسلام الجميل الواضح البسيط، قد تعرض للتشويه من جانب أصحاب الدعوات الذين أخضعوا القرآن والسنة لعقولهم وأهوائهم، وساعدوا على انقسام الأمة الإسلامية الواحدة إلى فرق ومذاهب، تقوم على التعصب والتقليد الأعمى على الرغم من أن الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم نهوا نهياً شديداً عن تقليد أو اتباع آرائهم بدون معرفة أدلتهم ومطابقتها على الكتاب والسنة.
ثم يضيف قائلاً: إن دعاة المذهبية يستندون في دعواهم إلى حديث موضوع يقول: (إن اختلاف أمتي رحمة!!) فهل حقاً قال الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك؟.. حاشا لله.. إنه حديث باطل بشهادة جمهور المحدثين.. ولا أدري كيف يكون الاختلاف رحمة، وقد ذمه الله تعالى في آيات كثيرة من القرآن الكريم!
كما أن كهنة المذهبية يقولون أيضاً: "أن الاختلاف بين المسلمين حادث في الفروع دون الأصول، ولا ضرر في ذلك".. وهذا غير صحيح.. فإن كثيراً من أتباع المذاهب مختلفون في كثير من الأصول أيضاً.. فلقد بقي الأحناف على سبيل المثال لا يتزوجون من الشافعية عشرات السنين، لاختلافهم في مسألة أصولية.. هي (الاستثناء في الإيمان) ثم جاء أحد أصحاب الفتوى من الأحناف، ليصلح بينهم فأفتى بجواز زواج الحنفي من شافعية قياساً على الكتابية (أي المسيحية أو اليهودية).. ومعنى ذلك أن الحنفي يجوز له أن يتزوج من شافعية دون أن يصح العكس!
وفضلاً عن ذلك، فإنه حتى في الأمور الفرعية حدثت معارك وقتال بين أتباع المذاهب، مما كان سبباً في إضعاف المسلمين ووقوعهم تحت سيطرة أعدائهم.

المذهبية مهزلة وبدعة:
ويوجه الدكتور جميل غازي نقداً عنيفاً للمذهبية، فيقول:... إن المذهبية مهزلة فهي مليئة بالسخافات والمتناقضات التي لا يقبلها شرع، ولا يصدقها عقل.. كإباحة زواج الشخص من ابنته في الزنى، عند الشافعية.. وكإباحة شرب الخمر المصنوع من غير العنب ولو أسكر، عند الحنفية.. واعتبار الحرمة في السكر لا في الشرب!! وغير ذلك من أمور توقع الناس في الحيرة والشك.. إذ لا يمكن لأحد أن يتصور أن يكون شرع الله متناقضاً، وقد قال جل شأنه: { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا } [النساء: 82].. فأين هذا المبدأ السامي الأعلى من المذهبية في تحليل وتحريم الحكم الواحد بين مذهب وآخر!!
ومن الغريب أن دعاة المذهبية في تعارضهم واختلافهم، يقولون جميعاً أنهم يلتمسون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فدلوني بربكم هل أجاز الرسول عليه الصلاة والسلام الشيء وضده في آن واحد؟

المذهبية عقبة أمام الزحف الإسلامي:
ويستمر الدكتور جميل غازي في نقده للمذهبية: فيتهمها بأنها تقف عقبة أمام الزحف الإسلامي، وتعوق دخول غير المسلمين في الإسلام ويضرب لذلك مثلاً بما ذكره الشيخ محمد سلطان المعصومي عن النزاع الكبير، الذي حدث حينما أراد بعض اليابانيين الدخول في الدين الإسلامي وعرضوا ذلك على جمعية المسلمين في طوكيو، فقال جمع من أهل الهند: ينبغي أن يختاروا مذهب الإمام أبي حنيفة لأنه سراج الأمة.. وقال جمع من أهل إندونيسيا، بل عليهم أن يختاروا مذهب الإمام الشافعي لأنه عالم قريش.. فلما سمع اليابانيون كلامهم أخذتهم الدهشة والحيرة والشك، ووقفت المذهبية سداً في سبيل إسلامهم!!
ثم يتناول الدكتور جميل غازي في نقده للمذهبية، كتب المذاهب الربعة فيصفها بالجفاف والتعقيد والغموض، خلافاً لفقه السنة الذي ينبع أساساً من بلاغة القرآن والحديث الصحيح.
هل أفهم من ذلك أنك ترفض المذاهب الأربعة، رغم أننا توارثناها جيلاً عن جيل، واستقرت عليها عقائد المسلمين إلى حد أن الزواج مثلاً لا يتم عقده إلا على مذهب الإمام أبي حنيفة؟.. و.. ألا يخشى من أن يكون في نقدك للمذاهب شبهة المساس بالأئمة الأربعة الذين نكن لهم جميعاً كل تقدير وإجلال؟

المذهبية بدعة :
أرجو أن تفرقوا بين أمرين: أولهما: الأئمة الأربعة.. وثانيهما: المذاهب الأربعة.. فالأئمة شيء.. والمذهبية شيء آخر.
أما الأئمة فهم علماء أجلاء رضي الله عنهم جميعاً، ما دعوا إلى مذهبية ولا عصبية ولا دعا واحد منهم إلى اتباعه، بل نهوا عن ذلك أشد النهى، كما هو ثابت عند مراجعة تواريخهم وما أثر عنهم.
أما المذهبية: فهي بدعة نشأت بعد عصر الأئمة بفترة طويلة، ويكفيك أن تعلم أن الأئمة الأربعة كانوا متعاصرين ومتحابين، وكل منهم يحترم الآخر أشد الاحترام.. فمالك كان يجل أبا حنيفة، ويضعه في مكانه اللائق به كأستاذ ومعلم، وكذلك الشافعي مع أستاذه مالك، ومثلهما أحمد مع أستاذه الشافعي.. وما كان للعصبية المذهبية في نفوسهم أو في عصرهم أي وجود.. بل نشأت بعدهم ضمن غيرها من البدع، التي جاء بها أصحاب الدعوات وسدنة التعصب والتفريق.
ويستطرد الدكتور جميل غازي قائلاً: أما فيما يتعلق بنقد المذهبية وما قد يحمله ذلك من شبهة المساس بالأئمة الأربعة: فاسمح لي أن أسألك سؤالاً: أينا أكثر احتراماً للأئمة الربعة؟.. الذي يرفض التعصب لواحد منهم ضد الآخرين أم الذي يتمذهب بمذهب واحد ويرفض الآخرين؟
لا شك أن الذي يحترم الأئمة جميعاً، هو الذي يأخذ عنهم جميعاً، ويستفيد من علمهم جميعاً.. أما ذلك الذي يقول: أنا حنفي مثلاً فإنه بمفهوم المخالفة يقول: لست شافعياً ولا مالكياً ولا حنبلياً.. وعكس هذا يمكن أن يقال بالنسبة للشافعي أو غيره.
ثم يبتسم جميل غازي قائلاً: لقد أشرت في سؤالك إلى نقطة هامة، هي عقد الزواج، وما يقال فيه.. فأنت تتزوج امرأتك على مذهب أبي حنيفة الإمام الأعظم كما يقولون – مع ملاحظة أن الإمام الأعظم هو محمد عليه الصلاة والسلام – فاسمح لي أيضاً أن أسألك: أليس في هذا التعبير الذي يستخدمه الأحناف نيل من الأئمة الثلاثة الباقين؟ ثم سؤال آخر: إذا كان عقد الزواج لا يصح إلا على مذهب أبي حنيفة.. فقل لي بربك على مذهب من تم عقد الزواج بين والدي الإمام أبي حنيفة رحمهما الله؟!
لن تصلح هذه الأمة إلا إذا أقرت بتوحيد الألوهية.. وتوحيد الاتباع
ثم يعقب فضيلة الدكتور جميل غازي قائلاً:
إنني أعتقد وأومن أن هذه الأمة لا تصلح إلا إذا أقرت أولاً بتوحيد الألوهية.. فيكون الإله المعبود واحداً لا شريك له.. ثم أقرت ثانياً بتوحيد الاتباع.. فيكون الرسول صلى الله عليه وسلم هو وحده المتبع، وهو وحده الإمام المعصوم.
وليس هناك مانع بعد ذلك من أن نستضيء بفهم أئمة المسلمين الأجلاء الأربعة وغيرهم ممن فهموا الشريعة، وأصلوا أصولها، وبوبوا أبوابها، وهم كثيرون والحمد لله.. وصدق الحق تبارك وتعالى إذ يقول: { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [النور: 51].

دعوة التقريب.. مشبوهة ومرفوضة:
قلت: يتصل بحديثنا عن تعدد المذاهب الإسلامية، ذلك الخلاف الحادث بين الشيعة وأهل السنة.. ولقد زار مصر مؤخراً فضيلة الشيخ تقي الدين القمي، الذي يطلقون عليه رائد التقريب بين المذاهب، وعقد أكثر من اجتماع مع بعض كبار العلماء لمحاولة التقريب بين المذاهب.. فإلى أي حد في رأيكم يمكن أن تنجح دعوته؟
ويجيب فضيلته قائلاً: هذه دعوة مشبوهة ومرفوضة، وليس لها من هدف في حقيقة الأمر، إلا التمكين لأفكار المذهب الشيعي من التسلل بين جمهور أهل السنة.
ثم يتساءل في نبرة غاضبة: أي تقريب هذا الذي يدعون إليه؟.. حاشا لدين الله أن يكون (توليفة) من هنا وهنا.. إنما هو دين واضح محدد ليس له إلا مصدران أساسيان.. الكتاب والسنة.. وما يخرج عنهما فهو مرفوض، ولا ينبغي أن يكون موضعاً لجدل أومناقشة.
إن معنى التقريب بين مذهبين أو اتجاهين هو أن يتنازل أصحاب كل مذهب أو اتجاه عن بعض معتقداتهم ليلتقوا بالاتجاه الآخر.. فهل من حق أحد من أهل السنة أن يتجاوز عن بعض ما أنزل الله إرضاء للشيعة ؟
إن الأولى بأصحاب دعوى التقريب المزعوم أن يراجعوا معتقداتهم على الكتاب والسنة، وأن يطرحوا أية معتقدات تتعارض مع هذا الأصل الأصيل لدين الإسلام.

حقيقة الخلاف بين الشيعة وأهل السنة:
ويستطرد جميل غازي قائلاً: ثم إن الخلاف بين أهل السنة والشيعة من الناحية النظرية والعملية، خلاف عميق الجذور.. غير قابل أساساً للتوفيق والتقريب.
ولقد كنت أظن مثل كثيرين غيري أن الخلاف بين أهل السنة والشيعة يكمن أساساً في قضية الخلافة، ومن أحق بها.. أبو بكر أم علي رضي الله عنهما.. وكنت أقول كما يقول غيري: إن هذه قضية ينبغي ألا تثار عملاً بقوله تعالى: { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [البقرة: 134].. إلى أن أتيح لي أن أدخل في مناقشة طويلة مع بعض كبار علماء الشيعة، وأكدت المناقشة أن القضية ليست مجرد خلاف على الخلافة، يجب أن يحفظ في ذمة التاريخ.. وإنما اتضح لي أن القضية هي في الأصل والأساس.. قضية (الرواية الدينية)؟
وقضية (الرواية الدينية) كما فهمت منهم هي (رواية القرابة) و(رواية الصحابة).. فهم يرون أن أهل السنة يعتمدون أساساً على (رواية الصحابة) أما هم فيعتمدون أساساً على (رواية القرابة).
وعلى هذا الأساس تكون كل المراجع الدينية عند أهل السنة غير معتبرة ولا معتمدة عند الشيعة مثل كتب الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم وكتب رواة السنة كالبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبي داود وابن ماجه، وكذلك كتب التفسير إلى آخره.. وعلى هذا الأساس تصبح قضية المراجع أو الرواية الدينية حائلاً دون عملية التوفيق المزعومة.. بل إنها تقف حائلاً دون جدية الحوار وجدواه.. إذ كيف يمكن أن يقوم حوار منتج مفيد بين سني وشيعي مع أن المراجع بين الفريقين مختلفة أشد الاختلاف، وكل منهما يعتمد مرجعاً لا يقره الآخر؟

مصحف فاطمة :
ويستطرد الدكتور جميل غازي قائلاً: على أننا إذا تركنا ذلك الأصل الجوهري فإننا نجد قضايا أخرى تزيد من عمق الخلاف.. من بينها:
أولاً: رأى الشيعة في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم الذي يصل بهم إلى حد تفسيق هؤلاء الصحابة الأجلاء، إن لم أقل تفكيرهم، مع أنهم كما يعتقد أهل السنة والجماعة سادة أولياء هذه الأمة بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ثانياً: ما يزعمه الشيعة من أن عندهم مصحف فاطمة، والذي يقولون عنه أنه قدر مصحفنا مرتين، وليس فيه منه ولا حرف واحد؟ وحينما سألت أحد علماء الشيعة عن صحة ذلك. قال: نعم إنه تفسير السيدة فاطمة للقرآن!. سألته: هل كتبته السيدة فاطمة في حياة والدها عليه الصلاة والسلام أم بعد مماته؟ قال: بعد مماته.. مع العلم أن السيدة فاطمة لم تعش بعد وفاة أبيها إلا ستة أشهر فقط!!
ثالثاً: ادعاء الشيعة بأن الإمام معصوم عن الصغائر والكبائر، وأن الأئمة محصورون في اثني عشر إماماً من أهل البيت، آخرهم ذلك الإمام الطفل ذو الخمس سنوات الذي دخل السرداب في سامراء منذ أكثر من ألف عام، ولم يخرج منه حتى اليوم، والذي لا يزالون في انتظاره حتى الآن بحميرهم وبغالهم على باب السرداب!
رابعاً: أن الشيعة يسجدون في الصلاة على حجر معين، سألتهم عنه.. فأخرجه لي أحدهم من جيبه وهو حجر مستطيل صنع بأسلوب متقن.. فسألته عنه فقال: إنه مصنوع من تراب كربلاء.. لماذا؟ قال: لأن أرض كربلاء أقدس من الكعبة!
ثم يعقب فضيلة الدكتور جميل غازي قائلاً: هذه هي بعض أفكار المذهب الشيعي.. وهذه هي المراجع والأصول التي يستمدون منها معتقداتهم.. وهي أفكار ومراجع تحول – بالقطع – بين أية دعوة للتقريب بينهم وبين أهل السنة الذين يتخذون من كتاب الله وسنة رسوله منهجاً وحيداً في أمور الدين والدنيا.

المسيرة الإسلامية عقيدة .. وحياة .. وحضارة :
ثم يختتم فضيلته حديثه بنداء يوجهه إلى قيادات الدعوة الإسلامية بضرورة تفهم طبيعة المعوقات التي تقف في طريق الدعوة الإسلامية، والارتفاع إلى مستوى التحديات التي تواجه المسيرة الإسلامية من جانب كل القوى المعادية للإسلام.
ويقول: إن على الدعاة أن يدركوا جيداً طبيعة وحجم العوائق الضخمة التي تقف في وجه الإسلام، إذ أن الدعوة التي تفقد هذا القدر من الإدراك تسيء أكثر مما تحسن.
وعلى الدعاة أن يعلموا أنهم إنما ينحتون طريقهم في الصخر الأصم.. ولكن معاولهم قوية وقادرة.. وعليهم أن يعلموا جيداً أن قوة الفكرة الإسلامية كافية وحدها لدفع الحياة والتقدم والحضارة بأسلوب صحيح.. المطلوب فقط.. هو غرسها في القلوب وتعميقها في النفوس.. وتجسيدها في حياة المسلمين بحيث تصبح إسلاماً حياً يعمل في الحياة، ويدفع إلى الأمام، ويوجه المسيرة.
 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
أرباب الطريقة
  • منوعات
  • من كلام الأئمة
  • كتب عن الصوفية
  • جولات مع الصوفية
  • شبهات وردود
  • صوتيات عن الصوفية
  • فرق الصوفية
  • شخصيات تحت المجهر
  • العائدون إلى العقيدة
  • الملل والنحل
  • الصفحة الرئيسية