صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • فوائد وفرائد
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    الجامع لفتاوى ومقالات أهل العلم في تفجيرات الرياض

     

    فتوى هيئة كبار العلماء

    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وآله وصحبه، أما بعد، فإن مجلس هيئة كبار العلماء في جلسته الاستثنائية المنعقدة في مدينة الرياض يوم الأربعاء 13/3/1424هـ استعرض حوادث التفجيرات التي وقعت في مدينة الرياض مساء يوم الاثنين 11/3/1424هـ وما حصل بسبب ذلك من قتل وتدمير وترويع واصابات لكثير من الناس من المسلمين وغيرهم.
    ومن المعلوم أن شريعة الإسلام قد جاءت بحفظ الضروريات الخمس وحرمت الاعتداء عليها وهي الدين والنفس والمال والعرض والعقل.
    ولا يختلف المسلمون في تحريم الاعتداء على الأنفس المعصومة والأنفس المعصومة في دين الإسلام إما أن تكون مسلمة فلا يجوز بحال الاعتداء على النفس المسلمة وقتلها بغير حق ومن فعل ذلك فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب العظام يقول الله تعالى (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما).
    ويقول سبحانه (من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا .. الاية) قال مجاهد رحمه الله في الإثم وهذا يدل على عظم قتل النفس بغير حق.
    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا اله الا الله وأنى رسول الله الا باحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزانى والمارق من الدين التارك للجماعة) متفق عليه وهذا لفظ البخارى.
    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فاذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحق الاسلام وحسابهم على الله) متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
    وفي سنن النسائي عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم). ونظر ابن عمر رضي الله عنهما يوما الى البيت أو الى الكعبة فقـال (ما أعظمـك وأعظـم حـرمتــك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك).
    كل هذه الأدلة وغيرها كثير تدل على عظم حرمة دم المرء المسلم وتحريم قتله لأي سبب من الأسباب الا ما دلت عليه النصوص الشرعية فلا يحل لاحد أن يعتدي على مسلم بغير حق يقول أسامة بن زيد رضي الله عنهما .. (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه قال لا اله الا الله فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أسامة أقتلته بعدما قال لا اله الا الله قلت كان متعوذا فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم) متفق عليه وهذا لفظ البخاري.
    وهذا يدل أعظم الدلالة على حرمة الدماء فهذا رجل مشرك وهم مجاهدون في ساحة القتال لما ظفروا به وتمكنوا منه نطق بالتوحيد فتأول أسامة رضي الله عنه قتله على أنه ما قالها الا ليكفوا عن قتله ولم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم عذره وتأويله وهذا من أعظم ما يدل على حرمة دماء المسلمين وعظيم جرم من يتعرض لها.
    وكما أن دماء المسلمين محرمة فان أموالهم محرمة محترمة بقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) أخرجه مسلم وهذا الكلام قاله النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة يوم عرفة وأخرج البخاري ومسلم نحوه في خطبة يوم النحر.
    وبما سبق يتبين تحريم قتل النفس المعصومة بغير حق ومن الأنفس المعصومة في الإسلام .. أنفس المعاهدين وأهل الذمة والمستأمنين، فعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وان ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما) أخرجه البخاري.
    ومن أدخله ولي الأمر المسلم بعقد أمان وعهد فان نفسه وماله معصوم لا يجوز التعرض له ومن قتله فانه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (لم يرح رائحة الجنة) وهذا وعيد شديد لمن تعرض للمعاهدين ومعلوم أن أهل الإسلام ذمتهم واحدة يقول النبي صلى الله عليه وسلم (المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم).
    ولما أجارت أم هانئ رضي الله عنها رجلا مشركا عام الفتح وأراد علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يقتله ذهبت للنبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال صلى الله عليه وسلم (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ) أخرجه البخاري ومسلم.
    والمقصود أن من دخل بعقد أمان أو بعهد من ولي الامر لمصلحة رآها فلا يجوز التعرض له ولا الاعتداء لا على نفسه ولا ماله.
    إذا تبين هذا فان ما وقع في مدينة الرياض من حوادث التفجير أمر محرم لا يقره دين الإسلام وتحريمه جاء من وجوه ..
    1 / أن هذا العمل اعتداء على حرمة بلاد المسلمين وترويع للآمنين فيها.
    2 / أن فيه قتلا للانفس المعصومة في شريعة الإسلام.
    3 / أن هذا من الإفساد في الأرض.
    4 / أن فيه إتلافا للأموال المعصومة.
    وإن مجلس هيئة كبار العلماء اذ يبين حكم هذا الأمر ليحذر المسلمين من الوقوع في المحرمات المهلكات ويحذرهم من مكائد الشيطان فانه لا يزال بالعبد حتى يوقعه في المهالك اما بالغلو بالدين واما بالجفاء عنه ومحاربته والعياذ بالله. والشيطان لا يبالي بأيهما ظفر من العبد لان كلا طريقي الغلو والجفاء من سبل الشيطان التي توقع صاحبها في غضب الرحمن وعذابه.
    وما قام به من نفذوا هذه العمليات من قتل أنفسهم بتفجيرها فهو داخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (من قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة) اخرجه أبو عوانه في مستخرجه من حديث ثابت بن الضحاك رضي الله عنه.
    وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا) وهو في البخاري بنحوه.
    ثم ليعلم الجميع أن الأمة الإسلامية اليوم تعاني تسلط الأعداء عليها من كل جانب وهم يفرحون بالذرائع التي تبرر لهم التسلط على أهل الإسلام وإذلالهم واستغلال خيراتهم فمن أعانهم في مقصدهم وفتح على المسلمين وبلاد الإسلام ثغرا لهم فقد أعان على انتقاص المسلمين والتسلط على بلادهم وهذا من أعظم الجرم.
    كما أنه يجب العناية بالعلم الشرعي المؤصل من الكتاب والسنة وفق فهم سلف الأمة وذلك في المدارس والجامعات وفي المساجد ووسائل الاعلام كما أنه تجب العناية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي على الحق فان الحاجة بل الضرورة داعية اليه الآن أكثر من أى وقت مضى وعلى شباب المسلمين إحسان الظن بعلمائهم والتلقي عنهم وليعلموا أن مما يسعى إليه أعداء الدين الوقيعة بين شباب الأمة وعلمائها وبينهم وبين حكامهم حتى تضعف شوكتهم وتسهل السيطرة عليهم فالواجب التنبه لهذا.
    وقى الله الجميع كيد الأعداء وعلى المسلمين تقوى الله في السر والعلن والتوبة الصادقة الناصحة من جميع الذنوب فإنه ما نزل بلاء الا بذنب ولا رفع الا بتوبة نسأل الله أن يصلح حال المسلمين ويجنب بلاد المسلمين كل سوء ومكروه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

    هيئة كبار العلماء: رئيس المجلس عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل الشيخ، صالح بن محمد اللحيدان، عبدالله بن سليمان المنيع، عبدالله بن عبدالرحمن الغديان، د. صالح بن فوزان الفوزان، حسن بن جعفر العتمي، محمد بن عبدالله السبيل، د. عبدالله بن محمد بن ابراهيم آل الشيخ، محمد بن سليمان البدر، د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي، محمد بن زيد آل سليمان، د. بكر بن عبدالله ابو زيد (لم يحضر لمرضه)، د. عبدالوهاب بن ابراهيم ابو سليمان (لم يحضر)، د. صالح بن عبدالله بن حميد، د. أحمد بن علي سير المباركي، د. عبدالله بن علي الركبان، د. عبداللـه بن محمد المطلق.


    فتوى فضيلة الشيخ ابن جبرين حفظه الله

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد ...

    فقد أكد الله الوفاء بالعهد، في مثل قوله تعالى: ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا )
    وقوله تعالى: ( وبعهد الله أوفوا )
    وقوله تعالى: ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ )

    والعهد هو: أن يتعهد المسلم أو المسلمون لغيرهم من مسلمين أو كفار على عدم الحرب، وعدم القتل، وقد ذكر العلماء أن للكفار مع المؤمنين أربع حالات:

    الأولـى: أن يكونوا من أهل الذمة إذا بذلوا الجزية.

    والثانية: أن يكون له عهد ، كما عاهد النبي صلى الله عليه وسلم قريشاً.

    الثالثـة: أن يدخلوا بأمان، لقول الله تعالى: { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ }

    الرابعة: المحاربون. فيصح الأمان للكافر، ويكون الذي يؤمنه من المسلمين حتى ولو امرأة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ "

    وقوله صلى الله عليه وسلم : " المسلمون تتكافأ دمائهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم"

    والذمة هي العهد، فإذا دخل بلاد المسلمين أحد من المشركين بأمان من الدولة، أو بأمان من أحد الأفراد، سواء دخل لحاجة المسلمين كالعمال والعاملين، أو دخل لحاجته هو، فإنه يجب على أفراد المسلمين ألا يغدروا به، فإن الغدر من صفات المنافقين،

    لقوله صلى الله عليه وسلم : " وإذا عاهد غدر"،

    وقد شهد الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يغدر

    وقد أمره الله تعالى بالوفاء للذين عاهدوا، كما في قوله تعالى: { إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ (}

    وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على المؤمنين احترام أهل العهد حتى قال: "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة"،

    وسواء كان هؤلاء المعاهدون من اليهود أو النصارى أو غيرهم من أصناف الكفار فإنه يجب الوفاء لهم وعدم إيذائهم حتى يصلوا إلى بلادهم،

    وما حصل في هذه الليالي القريبة من تلك التفجيرات، والتي مات على إثرها خلق كثير وجرح آخرون، لاشك أن هذا من أفظع الجرائم،

    وقد وقع من تلك التفجيرات وفيات وجراحات للآمنين، ولبعض المسلمين الساكنين في تلك البنايات، وذلك بلاشك من الغدر ومن إيذاء المستأمنين وإلحاق الضرر بهم،

    فالذين حصل منهم هذا التفجير يعتبرون مجرمين،

    ومن اعتقد منهم أن هذا جهاد وأن هؤلاء الساكنين في هذه الأماكن من الكفار ومن الذين تحل دماؤهم بكفرهم، قيل له: إن هذا من الخطأ، فإنه لا يجوز قتالهم ولا قتلهم إلا بعد إخبارهم بذلك، ونبذ عهدهم إليهم،

    لقول الله تعالى: { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ )

    فليس قتلهم وهم آمنون من المصلحة، بل إن فيه مفسدة شرعية، وهي اتهام المسلمين بالخيانة والغدر وأن فيهم إرهابيون بغير حق
    فنقول لمن اعتقد حل دمائهم لكونهم غزوا بعض البلاد الإسلامية: إن هذا غير صحيح، وأن الذين غزوا بلاد الإسلام غير هؤلاء،

    فلا يجوز الغدر بهؤلاء الذين لم يحصل منهم قتل ولا قتال،

    وقد قال الله تعالى: ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)

    ولاشك أن كل من شارك في هذه العمليات الإجرامية يأثم ويستحق التعزير، سواء الذي باشر هذا التفجير، أو الذي ساعده بهذه المتفجرات، أو أعان على نقلها

    لدخولهم في قول الله تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ولا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)

    وقد نهى الله تعالى عن ظلم الكفار إذا كانوا مستأمنين،

    فقال تعالى: { وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى }

    وقال تعالى: { وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا} والشنآن هو البغض والحقد،

    فنصيحتنا للشباب المسلمين ألا يفتحوا علينا وعلى بلاد المسلمين باب فتنة، وأن يرفقوا بإخوانهم المسلمين، وأن يقوموا بما يجب عليهم من الدعوة إلى الله على حد قوله تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)

    فإن هؤلاء الكفار قد يهديهم الله ويسلمون إذا رأوا معاملة المسلمين لهم بالإحترام، وبالرفق بهم والإكرام، فيدخلون في الدين الإسلامي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه"،

    ولما دخل بعض اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: السام عليكم، فقال:"وعليكم"، قالت لهم عائشة: بل السام عليكم و لعنكم الله وغضب عليكم أنكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "مهلاً يا عائشة ، عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش"

    ونصيحتنا لهؤلاء الشباب الذين معهم هذه الحماسة وهذه الغيرة نقول لهم: على رسلكم، إربعوا على أنفسكم، ولا تعجلوا، ولا يحملكم ما ترون أو تسمعون من أعمال الكفار على هذا الاعتداء والظلم، وتعريض إخوانكم وشباب المسلمين للتهم والأضرار والعذاب الشديد،

    وتفتحوا باباً على عباد الله الصالحين باتهامهم واتهام كل صالح ومتمسك بأنهم متهورون، وأنهم غلاة ومتسرعون، فتعم التهمة للصالحين، وليس ذلك من مصلحة المسلمين،

    ونشير على شباب المسلمين أن يعلنوا البراءة من هذه الأعمال الشنيعة، مع إظهار بغضهم للكفار، ولأعمالهم الشنيعة مع المسلمين، ومع البراءة من موالاة الكفار ومحبتهم، كما نهى الله تعالى عن المولاة والتولي، الذي يستلزم المحبة ورفع المكانة، لقول الله تعالى: { تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ }،

    ولا يدخل في موالاتهم إستخدامهم، أو عقد العهد معهم لكف شرهم، فإن ذلك لا يستلزم محبتهم ومودتهم، فإن الله تعالى قطع الموالاة بين المؤمنين وبين الكفار ولو كانوا أقارب، ولم يحرم تقريبهم لإظهار محاسن الإسلام،

    فقد ثبت أن بعض الصحابة كانوا يصلون أقاربهم الكفار، فقد أهدى عمر بن الخطاب حلة لأخيه الكافر، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أسماء بنت أبي بكر أن تصل أمها وهي كافرة لأجل التودد، ولما يحصل بذلك من تصور الكفار للإسلام، وأنه دين العدل والمساواة، وأنه بعيد من الظلم والجور والعدوان. والله المستعان.

    قاله وأملاه
    عبدالله بن عبد الرحمن الجبرين
    13-3-1424هجريا .


    التفجير وتداعياته!
     الشيخ سلمان العودة وفقه الله

    1- تسامع الجميع بالتفجيرات؛ التي حدثت في الرياض , ليلة الثلاثاء الموافق 12/3/1424هـ؛ والتي استهدفت مجمعات سكنية؛ يفترض أنه يقيم فيها أجانب , وراح ضحيتها عشرات القتلى , ومئات المصابين , من الأمريكان, والسعوديين, وغيرهم!وأي معالجة للحدث يجب أن تكون منطلقة من إدانة صريحة واضحة, لا لبس فيها لهذا العمل الشائن المحرّم !
    فالشريعة جاءت بحفظ الأمن ( وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) ( وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنا) ( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً ) (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْف)
    وحفظ الدماء ( أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ) (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً )
    وحفظ العهود (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ ) .
    ومدار الشريعة على تحقيق المصالح وتكميلها, ودرء المفاسد وتعطيلها ، ومثل هذه الأعمال تشكل الشرارة الأولى لإثارة الفتنة, والاحتراب الداخلي الذي يدمّر الطاقات, ويشتت الجهود ويهدر المكتسبات, ويعيق التنمية في مجالاتها المختلفة, ويؤخر مسيرة الإصلاح والدعوة ويفتح الباب أمام الطموحات الكامنة, والتناقضات المذهبية, والقبلية, والإقليمية, والفقهية التي لا يخلو منها مجتمع .
    وربما شكل فرصة مناسبة للتدخلات الخارجية؛ التي تتذرع بملاحقة الإرهاب , كما تسميه, أو بالمحافظة على المصالح الاقتصادية , أو بتحرير الشعوب إلى آخر المعزوفة المعروفة !
    إن الموقف المبدئي الشرعي الصريح يجب أن يكون قدراً مشتركاً لدى جميع المؤمنين وجميع العقلاء برفض هذا العمل وتحريمه, وإدانته شرعاً ؛ وبإدراك الآثار السلبية الناجمة عنه محلياً, وإقليمياً .

    2- وهذه الإدانة يجب ألا تكون محاولة لتبرئة النفس من الاتهام , وكأن المتحدث يريد أن يبعد التهمة عن شخصه فحسب !
    إن المسؤولية أعظم من ذلك, ونحن جميعاً في خندق واحد , وسفينة واحدة , والخرق فيها يفضي إلى غرق الجميع , ويجرنا إلى دوامة من العنف لا يعلم نهايتها إلا الله ! وانفلات الأمن أسهل بكثير من إمكانية ضبطه وإعادته .
    وهذا الإحساس الجاد بالمسؤولية هو الذي يحمل المرء على رفض هذه الأعمال! أياً كانت مبرراتها .
    لقد دأبت بعض وسائل الإعلام على توسيع دوائر الاتهام, ومحاولة جرِّ أطراف عديدة إلى الميدان؛ لتصفية حسابات شخصية, أو حزبية, أو ما شابه .
    وهذا يجب أن يتوقف , ولا يجوز أن نعيد إنتاج التهم الأمريكية؛ التي أدانت الإسلام والعرب والسعودية ؛ واعتبرت المجتمع بمؤسساته العلمية والسياسية والتربوية مسؤولاً عما يحدث .
    والإحساس بالمسؤولية الشرعية , بل والوطنية؛ يقتضي عزل الحادث في أضيق نطاق, وعدم توسيع دائرة التهمة ؛ لأننا بهذا التوسيع نصنع تعاطفاً معه, ومع منفذيه لدى شرائح جديدة في المجتمع .

    لقد فتحتُ حواراً موضوعياً -بعيداً عن التكلف والتصنع والمجاملة- مع شرائح من طلاب الدراسات الشرعية, ومن طلابي في الحلقة العلمية؛ فوجدت إطباقاً على رفض العمل الذي وقع وتحريمه ، وإن كان الناس يختلفون في الجهة المسؤولة عنه , أو في الحديث عن أسبابه , وهذا من حقهم أن يختلفوا فيه .
    إن السعي للوصول إلى مكاسب شخصية, أو فئوية لطرف ما بتوظيف هذا الحدث؛ هو استثمار خاطئ لأزمة حقيقية, لن تستثنى أحداً من تبعاتها وآثارها !

    3- إن من أعظم المخاطر أن تتسع شقة الانشطار, والانشقاق في المجتمع, وأن يجد الناس أنفسهم في مواقف متقابلة يتداخل فيها الشرعي بالقبلي بالمنطقي بالشخصي ، وهذه هي الفتنة بعينها : (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ) .

    وقد تكون الشرارة الأولى عملاً فردياً؛ يفتح الباب أمام الطموحات المتناقضة, ويتم توظيفه من الأطراف المختلفة, كل حسب رؤيته الخاصة ، وهذا يُحتّم على المسؤولين في هذه البلاد أن يتعاملوا بمنتهى الشفافية مع الحدث وتداعياته, وأن يقطعوا الطريق على المزايدات التي تصب الزيت على النار .

    يجب العدل في التعامل مع المتهمين, وعدم استخدام أساليب الترهيب النفسي معهم, أو مع أسرهم وذويهم, أو التعذيب, أو التجاوز؛ لأن هذا ليس من الإسلام, ولا يزيد الحقد إلا تأججاً ، والعقل والحكمة تقتضي إلجام الغضب , والعدل أساس الملك ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) .

    4- الموقف من الإدارة الأمريكية, ورفض سياساتها التعسفية الاستعلائية الانفرادية؛ ليس حكراً على بلد متدين كالسعودية , ولا على دول عربية ولا إسلامية ؛ فالكراهية لتلك السياسات الفاسدة تتنامى في سائر أنحاء أوروبا , وأمريكا الجنوبية , والصين , وغيرها

    وثمت عامل إضافي يخص العالم الإسلامي وهو أنه المستهدف الأول بدينه وثقافته وأرضه وخيراته ومنهج حياته , كما هو مشاهد للعيان .
    والعربي والمسلم بطبيعته يرفض الذل , ولولا قيد الدين وأثره في منع الناس من الاندفاع , لكان الأمر أشد وأعظم وأنكى! وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " الإيمان قيد الفتك؛ لا يفتك مؤمن " .

    لقد تجاوز الأمريكيون الحد في الاستخفاف بالشعوب, وتجاهل إرادتها! ومع هذا؛ فإن من الحكمة القول : بأن الإدارة الأمريكية , أو بعض متطرفيها قد يطيب لهم اضطراب الأمن في أي بلد إسلامي ؛ لأنه قد يمنحهم ذريعة حاضرة , أو مستقبلية في التدخل بحجة المتابعة الأمنية , أو الحفاظ على المصالح , أو إغلاق هذه المؤسسة , أو تلك ، وقد تتطور الأمور بشكل لا يمكن التحكم فيه .
    وعلينا أن ننفذ غضبنا على هؤلاء المتطرفين, من خلال آلية عملية واقعية؛ كالمقاطعة الاقتصادية على مستوى الأفراد, والشركات, ورجال الأعمال والحكومات .
    ومثل ذلك المواقف السياسية الناضجة, وتهيئة البدائل في العلاقات, والاتفاقيات .
    ومثله الدعوة في الولايات المتحدة, وتدعيمها, وبناء المؤسسة الجادة؛ التي تدافع عن قضايا العرب والمسلمين في أمريكا وأوروبا .
    ومن ذلك الإعداد لتطوير بلادنا, وتقويتها, وتعزيز روح الشورى, والمشاركة والتعاون , والوقوف أمام التجاوزات بصراحة وحزم, ولكن بشكل سلمي, لا يعتمد العنف وسيلة للتغيير.

    5- يجب صناعة الجو والمناخ الصالح؛ الذي تشيع فيه روح العدالة والإنصاف, وتحفظ فيه حقوق الناس كافة ؛ ويتمتع الفرد فيه بذات الفرصة التي يتمتع فيها أخوه الآخر ، ويملك الفرد أن يعبِّر عن رأيه ووجهة نظره ؛ بالكتابة , أو الخطابة , أو أي صورة من صور التعبير الرشيد ؛ ويتحمل مسؤولية هذه الكلمة وتبعتها في الدنيا والآخرة , ويحاسب كل من أخل بمبدأ , أو تجاوز حداً , أو تعدى على مقدس, أو أساء إلى أحد , ضمن المعايير الشرعية التي يتفق عليها الجميع . وضمن هذا الإطار تأتي شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي يجب دعمها, وتنظيمها, وتطوير آلياتها, ومجالات عملها .

    إن المجتمع العادل-الذي يتمتع بالحقوق والحريات المضبوطة بضابط الشرع فحسب- هو مجتمع محروس بعناية الله , محفوظ من الانسياق وراء الاعتبارات الخاصة , والرؤى الضيقة, وهو الذي يشعر كل فرد فيه بمسؤولياته تجاه القضايا والقرارات الصغيرة والكبيرة .

    والمعروف أن أساليب التعبير العنيفة- ومنها القتل, والتفجير, والاغتيالات- تأتي عادة في ظل انسداد السبل الطبيعية, وعدم قدرة الناس, أو فئة منهم على التعبير والحوار الحرِّ ؛ ويعمقها الشعور بالغبن, والحيف, والظلم, والتهميش !
    ومثل هذا الحدث -مهما يكن مؤلماً- يجب أن يكون منطلقاً لحركة تصحيحية إصلاحية جادة داخل مؤسسات الدولة .

    والإطار المبدئي الذي يمكن الانطلاق منه لهذا الإصلاح؛ هو مبدأ الحوار النزيه, المحتكم إلى مسلمات الشريعة ومقرراتها ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)
    ومن حق كل إنسان أن يشارك ويقدم ما لديه؛ فالبلد بلده, والمصلحة له ولمن بعده , ولا يُستبعد من هذا الحوار صاحب فكر بحجة الغلو أو غيره؛ فالفكر يعالج ويصحح بالفكر, والحوار, والحجة, والبرهان .
    وأفضل الفرص لنشوء وانتشار الفكر المنحرف؛ هي الأجواء المغلقة الخانقة ! المهم هو عدم الاحتكام إلى السلاح والقوة في حل الإشكاليات, أو تحقيق المطالب .

    6- إن أوضاع الشباب في السعودية تحتاج إلى معالجة شاملة؛ لتوسيع مشاركتهم في العمل الاجتماعي, وإعطائهم الفرص المناسبة للحياة الكريمة, وتشغيلهم, وتأهيلهم عبر مؤسسات رسمية وخيرية, وملء فراغهم بالمفيد النافع, والأخذ بأيديهم إلى الجادة المعتدلة, وتعزيز التيار المتوازن الملتزم بالقيم, وعزل الأطراف الموغلة؛ بالتساهل, أو التشدد . وهذه مسؤولية الحكومة بالدرجة الأولى ثم رجال الأعمال ورجال التربية .

    إن أكثر من0 6% من الشعب السعودي؛ هم من الشباب دون سن العشرين . وهؤلاء يكادون أن يكونوا محرومين من الفرص التي يستحقها أمثالهم؛ من الناحية المادية والوظيفية التي تحقق احتياجاتهم, وتمنحهم الخبرة والتجربة .
    إن الشباب قنبلة موقوتة, مرشحة للانفجار في أي اتجاه! وعلينا ألا ننتظر لكي تقع المشكلة حتى نعالجها؛ بل أن نمتلك رؤية مستقبلية ناضجة؛ تستطيع أن تقرأ أثر المتغيرات, وأن ترسم الحل, وأن تنفذه.
    ونحن بحمد الله دولة نفطية؛ لديها إمكانيات مادية هائلة, وخبرات بشرية جيدة, ومساحات متسعة من الأرض, ومستقبل واعد -بإذن الله- إذا توفرت الإرادة للإصلاح؛ كما قال سبحانه ( إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً) .
    إن الحدث ناقوسُ خطرٍ يعلن عما وراءه! وعلينا أن نفهم الرسالة جيداً, ونتعامل معها بمسؤولية وتقوى على مستوى الحاكم والمحكوم وعلى مستوى المرسل والمتلقي .

    والله أعلم

    سلمان بن فهد العودة
     14/3/1424


    وقفات مع التفجيرات
    د. إبراهيم بن عبد الله الدويش

    لقد جاء هذا الدين العظيم من أجل مقاصد عظيمة يجب أن يتعلمها كلّ مسلمٍ ومسلمةٍ، هي حفظ الضرورات الخمس،والتي يُسميها العلماء مقاصد الشريعة:حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ العرض، وحفظ المال، وما فتئ العلماء العارفون يبنون الأحكام والمسائل على هذه المقاصد العظيمة،فلّما غاب العلم وتفشى الهوى والجهل وكثرت الشبهات، ظهرت الفتن والهرج والقتل، دون مراعاة لهذه المقاصد، ومن أجل ذلك فإنّ كلَّ عملٍ تخريبي يستهدف الآمنين مخالف لأحكام شريعة ربّ العالمين،والتي جاءت بعصمة دماء المسلمين والمعاهدين، فكيف إذا كان ذلك في بلدٍ مسلمٍ آمن،بل هو مهبط الوحي والرسالة والنور الذي يشع في جنبات الأرض كلها!!كيف إذا كان ذلك في بلد الدعوة والدعاة!! لا شك أن ذلك أشدّ حرمة بإجماع علماء المسلمين العارفين، فضلاً عمّا في ذلك من هتك لحرمة الأنفس والأموال المعصومة، وهتك لحرمة الآمنين المطمئنين في مساكنهم، وإشاعة الفوضى وعدم الاستقرار، وما حدث مساء الاثنين الماضي من تفجير وتدمير وترويع لمؤلم حقاً، ولا يوافق عليه لا شرعاً ولا عقلاً، فكم من نفس مسلمة بريئة أزهقت، وكم من أموالٍ وممتلكاتٍ أُتلفت، وكم من نفوس مؤمنة آمنة رُوِّعت، عجباً أين يذهب هؤلاء إن كانوا مسلمين بآية صريحة يقول الله تعالى فيها: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذاباً عظيماً) ،"ولزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم" كما قال (صلى الله عليه وسلم) (النسائي والترمذي)، ولا يزال المسلم في فسحة في دينه ما لم يصب دماً حراماً.

    ولي مع هذا الحدث وقفات:
    أولاً: أنه في مثل هذه الأحداث تضطرب النفوس،وتكثر الاتهامات والأقاويل،والمسلمون مأمورون بالتثبت والتأني وعدم العجلة،والسكينة والحكمة في معالجة الأمور، وكم ظُلم واتهم أناس في مثل هذه الأحداث بسبب التسرع والظنون السيئة، وكم هو جميلٌ عندما سئل متحدث باسم الأجهزة الأمنية السعودية عن الجناة ؟ فاكتفى بقوله:"إن التحقيق في شأن هذه الانفجارات جارٍ وسوف يتم الإعلان عن تفاصيلها عندما يكتمل التحقيق".

    ثانياً: لا بد من الحذر كل الحذر من القيام بمثل هذه الأعمال باسم الإسلام ومحاربة الكافرين، فإن هذا جهل وانحراف عن المنهج الصحيح إذ إنه دين الإسلام دين عظيم، حفظ الحقوق لأهلها، فقد حفظ للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم، وحرم انتهاكها وشدّد في ذلك، وكان من آخر ما بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم أمته فقال في خطبة حجة الوداع:"إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فَأَعَادَهَا مِرَارًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ قَالُوا:نَعَمْ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ" (متفق عليه).وقال صلى الله عليه وسلم:"كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ".وقال عليه الصلاة والسلام:"اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" .وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ"(الترمذي). ومن عظمة هذا الدين أن حفظ لغير المسلمين حقوقهم أيضاً ،فقال سبحانه في حقّ الكافر الذي له ذمة - في حكم قتل الخطأ - : (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) [ النساء:92]،فإذا كان الكافر الذي له أمان وعهدٌ إذا قتل خطأ فيه الدية والكفارة، فكيف إذا قتل عمداً، فإن الجريمة تكون أعظم، والإثم يكون أكبر. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا "رواه البخاري.وفي الحديث وعيد شديد لمن قتل معاهداً،وأنه كبيرة من الكبائر المتوعد عليها بعدم دخول القاتل الجنة،عياذاً بالله، وفي سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم دروس وعبر،فإنه لما نجى عمرو بن أمية رضي الله عنه في قصة بئر معونة ورجع لقي في الطريق رجلين من بني كلاب، فقتلهما وهو يرى أنه قد أخذ ثأر أصحابه،وما شعر أن معهما عهداً من رسول الله، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن أمر بجمع ديتهما من المسلمين وحلفائهم من اليهود. إنها عظمة الإسلام لا غدر لمن كان له عهد مهما كانت الظروف والأحوال، ومهما بلغت النفوس الحناجر وضاقت بالكفار ومكرهم، فإن للإسلام آداباً وأحكاماً يجب أن يتربى عليها شباب الإسلام..فقد دفع النبي صلى الله عليه وسلم الدية للكافريْن رغم تألمه لأصحابه الذين قتلوا في بئر معونة، بل وتألمه قبلها بأيام على الصحابة الذين قتلوا في حادثة الرجيع أشدّ الألم ، بل ما وجد على أحد مثل ما وجد عليهم كما قال أنس.ومن شدة ما وجد صلى الله عليه وسلم ظل يقنت ويدعو ثلاثين صباحاً على رِعل، وذكوان، ولحيان، وعصية، ويقول:عصية عصت الله ورسوله. إنه درس عملي لشباب المسلمين في ضبط الأعصاب والتصرف بحكمة خاصة أثناء الفتن والشدائد،وأثناء الضعف وقلة الحيلة، ودرس في اللجوء إلى الله واستمرار الدعاء على الأعداء كل يوم ولشهر كامل.

    ثالثاً: ليحذر كل مسلم أن يُشوه صفحة الجهاد والمجاهدين في سبيل الله،فإن الجهاد فريضة عظيمة وهو ذروة سنام الإسلام له ضوابطه وأصوله،ولن يُدحر تسلط الكافرين وجبروتهم إلا برفع راية الجهاد في سبيل الله خالصة نقية، وللمجاهدين في أفغانستان والشيشان وغيرهما فضل كبير ودور عظيم في نصرة الإسلام والمسلمين يجب أن لا يُنسى،فقد بذلوا أرواحهم في سبيل الله، فإن أخطأ أو انحرف بعض المنتسبين إليهم، فلنتق الله أن نُعمم ذلك،أو أن نُلطخ صور الجهاد الناصعة. فشتان بين الجهاد والإرهاب، فالجهاد من أجل إعلاء كلمة الله،وبخلق وأدب المسلم المجاهد، كما قال أبو بكر في وصيته لقائد جيشه يزيد بن أبي سفيان : "إني موصيك بخصال،لا تغدر ولا تمثل، ولا تقتل هرماً، ولا امرأة ولا وليداً،ولا تعقرن شاةً ولا بعيراً إلا ما أكلتم ،ولا تُحرقن نخلاً،ولا تخربن عامراً، ولا تغلّ ولا تجبن"، الله أكبر سجل يا تاريخ، واكتبي يا أقلام، لتسمع الدنيا حق حقيقة الجهاد، فالمسلم عظيم بأخلاقه حتى وإن كان في ساحة الجهاد؛ أما الإرهاب فكلمة محصورة في تخويف الناس دون وجه حق بالقتل والخطف، والتخريب والنسف،والسلب والغصب، والزعزعة والترويع، والسعي في الأرض بالإفساد. فلنتق الله ولنحذر من خلط الأوراق ببعضها.

    وخلط الأوراق يؤكد نقطة رابعة، هي: الحذر ممن يصطاد بالماء العكر،ويستغل الفرص لهواه من اتهام الأبرياء، أو تعميم الأخطاء، أو رمي المناشط التربوية والمدارس القرآنية ومناهج التعليم ومنابر الدعوة كلها بالانحراف، فإن هذا مما يُسبب التطرف والغليان خاصة في نفوس الشباب الذين يقرأون ويسمعون الاتهامات الكاذبة تُوجه إليهم وإلى محاضنهم، ولا يملكون إلاّ الاحتقان والانفعال..،فلابدّ أن يعي هؤلاء أن مواجهة الغلو لا تكون بالتنفير من الدين وتشويه أهله،وإظهار أهل العلم والصلاح بصورة منفرة،فإن الشعوب مسلمة، وتحب دينها،وهي متمسكة به مدافعة عنه مهما أرجف المرجفون"ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه"، فلا بدّ إذاً من اتزان الكلمة والاعتدال فيها، فالطرح المنصف له أثر كبير في الأمن والاستقرار.وقد نبه وزير الداخلية على هذا فقال:"إنني أناشد الإعلاميين أن يبذلوا جهدهم في تقصي الحقائق وأن يتحملوا مسؤولياتهم بأن لا يعطوا الرأي العام الداخلي والخارجي إلا أشياء متأكدين منها..".

    خامساً: إن على الجميع وبالأخص العلماء والدعاة والمربين واجباً عظيماً في بيان الحق للشباب،ووصف الطريق الأسلم لهم ؟! وتوعية الناشئة وتبصيرهم بسلامة المنهج، والشباب بأمس الحاجة اليوم لمن يفتح قلبه لهم، ويجلس إليهم، ويسمع منهم، ويلين القول لهم، بدل أن تٌغلق الأبواب في وجوههم، وتعصف بهم الشبهات والضلالات، أو يتركون لفضائيات اللهو والمجون تَرسم طريقهم ؟! فإن أقصى الشمال وأقصى اليمين طرفان متطرفان،والغلو والتحرر كلاهما مذمومان، وشبابنا هم المستقبل فهيا قبل أن لا ينفع حينها الندم، فإنهم أمانة ستسألون عنها يوم القيامة ؟ومن لا يغلي دمه،ولا تلتهب نفسه، ولا تهتز مشاعره لخدمة دينه وأمته،وإنقاذ شباب عقيدته،ميت لا يحس بالأوجاع، ثمل الهمة، مُقعد العزيمة،بليد الذهن،مهما كانت شهادته،وعلت مرتبته،"وما يتذكر إلا من ينيب ".

    سادساً: يجب أن لا نتغافل عن أسباب رئيسة لمثل هذه التصرفات ، حتى وإن كنا لا نوافق عليها ، فإن مشاعر الإحباط واليأس عند الكثير من المسلمين وخاصة الشباب المليء بالفورة والغليان ، والذي لا يرضى بالذل والهوان ، وهو يرى كل يوم الإرهاب الأمريكي وتسلطه على العالم الإسلامي دون احترام لأنظمة عالمية ، ولا قرارات دولية ، بل انتقائية وتعسف مقيت ، ويرى كل يوم الإرهاب الصهيوني وإذلاله وقتله للشعب الفلسطيني ، دون أن يكون هناك ردود أفعال جادة من الحكومات والأنظمة العربية،ثم هو يسمع أيضاً السخرية بمعتقداته ومقدساته، وربما يقرأ لأقلام متطرفة تحاول تهميش الدين في حياته، كل هذه الأسباب وغيرها واقع يعيشه المسلم،ثم لا يدري كيف يعمل أو ينفس فهو بين عجز وقهر، وغيرة وكبت،وهكذا يتحول الغليان إلى غلو وتطرف،ومن ثم القفز فوق الواقع عند البعض فتجد أنهم يطالبون ويبحثون عن حلول عاجلة وسريعة، وربما غير ممكنة، وهذا كله استعجال في تغيير واقع الأمة،ولا شك أن الغيرة على واقع الأمة والانزعاج مما وصلت إليه من الذلة والمهانة شيء مطلوب،بل واجب على كل مسلم ومسلمة،لكن بسلامة منهج وصحة معتقد،فمتى عملتَ وبذلتَ الصواب الذي بوسعك أن تعمله، فقد أديت ما عليك، وليس شرطاً أن يكون التغيير على يديك، أو أن تراه بعينيك، ولا شك أن الغلو يحارب بنشر العلم الصحيح والفهم المستقيم، ويعالج بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وفهم السلف الصالح.وبالصبر والحكمة،وبذل المستطاع وفنّ الاحتواء والحوار والتوجيه، وعلى هذا المسار يجب أن يكون توجه الكتاب والمفكرين ووسائل الإعلام والمربين..وإلا سنكون كمن يصب الغاز على النار.

    سابعاً: بلادنا تعيش مرحلة خطيرة ومنعطفا صعبا، فلا بد من تماسك صفنا، ووضع أيدينا بأيدي ولاة أمرنا من علماء وأمراء،ولا يظن البعض أن هذا يعني السكوت عن المنكرات، وترك قول كلمة الحق،بل إن هذا من أعظم معاني التماسك، فالنصيحة وبذلها خاصة للمسئول من أعظم أبواب الخير.. وهي التي لا يُغل عليها قلب امرئ مسلم، وهو مسلك سلفنا الصالح للإصلاح والتعمير، لا التفجير والتدمير،ولا إيغار القلوب ولا الاستعداء..فهل يتربى على هذا المسلمون..وهل نربي عليه أبناءنا وشباب أمتنا، فأفضل أبواب الجهاد كلمة حق عند مسئول..

    وأخيراً: اتقوا الله إخوة الإيمان، واحذروا المعاصي، فإنها شؤم ولها آثار وعواقب،فإنه ما نزل بلاء إلا بذنب،ولا رُفع إلا بتوبة ، فتوبوا إلى الله توبة صادقة من جميع الذنوب، واعلموا يقيناً أنه ما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد ولذلك كان دعاء الكرب في التوحيد ،ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه في التوحيد،فلا يُلقي في الكرب العظام إلا الشرك ووسائله،ولا ينجي منها إلا التوحيد،وهو سبب الأمن الأول ،كما قال تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) [الأنعام 82 ].وبختام هذه الكلمات يعلم الله أني لم أتفوه بها إلا ديانة وأمانة، في وقت كثرت فيه الأهواء، والأقاويل والآراء، والدخول في النيات والمقاصد،وسوء الظن وكثرة النجوى،وكلها أمراض خطيرة تعصف بالصف المسلم، (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ) ،ولكن أوصي نفسي وإخواني بالاعتصام بالكتاب والسنة ففيهما نجاة وأي نجاة .نسأل الله لنا ولكم ولكل مسلم الثبات على التوحيد حتى الممات،كما نسأله جلّ وعلا أن يُديم أمن بلادنا وسائر بلاد المسلمين، وصلى الله وسلم على الأمين،والحمد لله رب العالمين .

    د. إبراهيم بن عبد الله الدويش
    15/3/1424


    وقفات حول حادثة التفجير
    سامي بن عبد العزيز الماجد

    تظل الآراء والأفكار في غير القطعيات محتملةَ الخلاف، تَسَعُ لها الصدور، ولا تُفسد للود قضيةً، ولا تُسقط حق الاحترام والتذمُم.
    أما حين تستحيل الأفكار والاجتهاداتُ إلى أعمالٍ تخريبيةٍ حمقاءَ تسفِك الدماءَ البريئة، وتروِّع الآمنين، وتتنهك حِمى الأمن ...حينئذ لا يبقى في الصدور متسعٌ للإغضاء عنها واحتمالها.

    والحديث يتناول هذا الحدث الرهيب في النقاط الآتية:
    النقطة الأولى: لم يكن الأمنُ في شريعة من الشرائع ترفاً لا يُحفلُ به، بل كان مطلباً شرعياً يسعى الإسلام إلى تحقيقه، ونعمةً يوجب الإسلامُ رعايتَها، ومنعَ ما يتهددها، وفي سبيل ذلك فرضَ أشدَّ العقوبة على انتهاك حرمة الأمن في بلاد المسلمين (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا ....) (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا) .
    إن الإسلام يحكم ليفرض السلم في مجتمعاته، وليمنع عنها ما ينقضُ عراه.
    وهو يقصد من فرض السلام والأمن وتوفير ضماناته أن يأمن الناس على دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، على ما تقتضيه ضرورة الحياة وصلاح المعاش.
    ويقصد وراء ذلك أمراً آخر أجلَّ وأولى، وهو تهيئة أحسن الظروف، والتي لا تتوافر إلا في بحبوحة الأمن والسلام؛ لإقامة شرع الله ونشر دينه، وعبادتِه على نحو ما أمر سبحانه. (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً) ، فهو سبحانه يبدِّل خوفهم أمناً لأجل أن يعبدوه.
    فمشاريعُ الإصلاح والدعوة لا تنجح إلا في ظلال الأمن الوارف، ولا تقوم لها قائمة في فجوة من الخوف وحمى من الاضطراب.
    لقد سمّى الله صلحَ الحديبية فتحاً، أي فتحاً في الدعوة: (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) ، مع أنه لم يكن ثمة قتال؛ والمعهود أن الفتح يعقُب القتال، ولكن الآية تشير إلى فتحٍ من نوع آخر، وهو فتح الدعوة. يقول الإمام الزهري: "ما فُتح في الإسلام فتح قبله ـ أي قبل صلح الحديبية ـ كان أعظم منه. إنما كان القتال حيث التقى الناس. فلما كانت الهدنة، ووضعت الحربُ، وأمن الناس بعضهم بعضاً، والتقوا، فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولمن يُكلّم أحدٌ في الإسلام إلا دخل فيه. ولقد دخل في تينك السنتين (أي من صلح الحدييبة إلى فتح مكة) مثلُ ما كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر" أ.هـ فحالة السلم والأمن واستقرار الأوضاع تعطي المشروعات الإصلاحية والنشاطات الدعوية تأثيراً أقوى ونجاحاً أكثر.

    النقطة الثانية: لهذا الحدث الرهيب خطورتُه التي تتطلب منّا ـ ومن أهل العلم والفكر بخاصةٍ ـ صراحةً ووضوحاً وجُرأةً في الحق ترتفع عن أساليب المجاملة والمداراة وتصدير التهم، وتتحرّر من سطوة الجماهير وسلطان الاتباع التي قد تمنع من الرويَّة وتحجب عن التفكير.
    وكان المفترض في أهل العلم والفكر أن يوجهوا الجماهير لا أن توجِّههم، وأن يقودوها لا أن ينقادوا لها.
    ومن الزلل في المنهج ـ الذي يجب أن نتصارح به مع الإبقاء على الاحترام والتقدير ـ أن تظلَّ آراءُ بعض أهل الرأي والفكر ومواقفهم تُجاه الأحداث والوقائع مبنيَّةً على تصوراتِ طلابهم وأتباعهم، لا على تصوراتهم هم؛ فتأتي آراؤهم وأحكامهم في شطط عن الصواب وغياب عن الحكمة، وتُقدم مراعاة المشاعر على مراعاة المقاصد.
    وإذا كان أئمة الجرح والتعديل قد ضعَّفوا رواية من إذا لُقنَ تلقَّن! فكيف بعالمٍ مأسور برأي أتباعه يتوجّه بتوجيهاتهم ويتلقّن رغباتهم، ويخاف سطوتهم ؟!.
    إن واجب وشرف الصدع بكلمة الحق لا تختص ببلاط السلطان الجائر، بل يمتد إلى بساط الجماهير والاتباع، والذين يملكون سطوة وسطاناً من نوعٍ آخر!
    على أن ما نراه في شباب الأمة من العاطفة الجياشة هي في ذاتها ليست شراً ولا مَفسدةً حتى تستوجب على نفسها الذمَّ المطلق أو التحذير والمحاربة، وهي في ذاتها لا يصح أن يُضفى عليها أي حكم، إنما يُحكم عليها بحسب ما تنضاف إليه (الحكم بالإضافة).
    والحيطة من جموحها إلى العنف أو العمل غير المنضبط يحتم علينا أن نسارع في توظيفِها التوظيفَ الصحيح، فلا يمكن أن تبقى كامنةً لا تطفو على السطح، ولا يكون لها أثر على السلوك.

    النقطة الثالثة ( وهي متفرعة عن السابقة) : كثيراً ما تتحول أطروحاتنا وتنساق خطاباتنا ـ وأقرب مثال لها خطب الجمعة ـ إلى ممارسة لإرضاء العواطف والمشاعر الملتهبة لا إلى توظيفها؛ كالتباكي على واقع المسلمين، وهجو الأعداء وبث الشكوى من ظلمهم. وقد تشفي شيئاً مما في الصدور، لكنها لا تجدي، ولا تُغيِّر من الواقع شيئاً، ولا تقدم حلاً.
    وما معنى أن نستغرق في تشخيص الداء وتبيين مكر الأعداء، ثم نقف بالحديث دون وصف الدواء، ودون البحث عن الحلول وسبل المعالجة الناجحة؟!
    لا شك أننا محتاجون إلى الخوض في تشخيص الداء، وكشفِ خطر الأعداء؛ حتى نحرك كوامن العاطفة ونوقظ القلوب للحيطة، ولكن لا ينبغي أن نستغرق فيه؛ فينقلب خطابنا إلى ندبٍ ونياحةٍ، وإنما الواجب أن نقصد في هذا الوصف والكشف، فلا ينتهي بنا ولا ننتهي به إلى مناحةٍ نسكب فيها الدموع السواجم، أو مشتمةٍ نُفرغ فيها من بغضاء قلوبنا للأعداء.
    والاستغراق في ترديد التنديد والاستنكار لحادث التفجير دون استقصاء أسبابه والتماس علاجه هو ـ أيضاً ـ مما ينتظم في سلك هذا المنهج الخاطئ، فمهما بلغ خطاب التنديد والاستنكار من القوة والشدة، فهو لا يعدو أن يكون تعاملاً سطحياً لا ترتقي لمستوى الحدث وخطورته، ولا يعالج المشكلة، ولا يمنعها من التكرار.
    إن التنديد بمجرده لا يغير القناعات؛ لأنه لا يحمل غيرَ فكرةِ البراءةِ واستظهارِ الغضب!
    لا زلنا مُنذُ عشراتِ السنين نمارس هذا الدور البسيط، وكأنه لا يعنينا من القضية سوى أن نتبرأَ من الفاعل ونعوذَ بالله من الفعل! ليصبح حل المشكلة متروكاً للسلطات الأمنية.
    إن أصدق ما يكون إثبات البراءة من هذه الأعمال ورفضِها حينما نسعى جاهدين في تلمس أسباب المشكلة ومعالجتها باتِّزانٍ وعمق ومصارحةٍ بحثاً عن الحل الذي يعزز السلم ويئد العنف، وليس بحثاً لإرضاءِ طرفٍ ما.

    النقطة الرابعة: حينما نلتمس لحادثة التفجير أسبابها المباشرة وغير المباشرة، والداخلية والخارجية، فهذا لا يعني تسويغَ العمل، ولا تبرئة الفاعل والاعتذار له، ولا يناقض الإدانة.
    وليس بنا من ضرورة للتذكير بهذا لولا ما نراه مِن بعضِ الجهات الإعلامية من سعيٍ حثيثٍ محمومٍ لتوسيع دائرة الاتهام، ومن محاولة خبيثة لجمعِ من يسمونهم (بالإسلاميين) جميعاً في قبضة الاتهام.
    ونتيجةً لذلك يشعر بعضُ من يتحدّثٍ عن القضية بأن نظراتِ الارتياب تلاحقه وتحيط به، ومن ثمّ يرى أنه معنيٌّ بتبرئة نفسه من التأييد أكثر مما هو معنيٌّ بالمشاركة في معالجة الظاهرة! ويصبح هاجس الخوف من الاتهام بتسويغ الجريمة يمنعه من التصريح بتحميل بعض الأطراف في المجتمع جزءاً من المسؤولية.
    وبإزاء هذا لا ينبغي ـ أيضاً ـ أن تذهب ببعضنا الظنونُ في مسألةِ التأكيد على ضرورة تلمس الأسبابِ وسبلِ المعالجة إلى أن يفهم منه دعوةً إلى التشكيك في سلامة المناهج التعليمية، أو التأليبِ على المؤسسات الشرعية.
    بل نحن على ثقة ويقين بأن الخوضَ في أسباب الظاهرة يزيد مناهجَنا الدينية ومؤسساتِنا الدعوية براءةً من اتهامات المغرضين، ويكشف للناس إفلاسَ تلك الاتهامات من البيِّنات، وأنها مجرد دعاوى لا سِناد لها، ولا ثباتَ لها عند التحقيق.
    وهذا يتطلب أن نستفصل من هؤلاء المغرضين عن كيفية مساهمة مناهج التعليم والمؤسسات الشرعية في إفراز هذه الظاهرة.
    كما يتطلب أن نحذِّر المجتمع من أن يقبلَها منهم هكذا تُهماً معلَّبةً تفتقر الشواهدَ والأدلة. وأن نأخذ بالمبدأ الذي ربّانا عليه القرآن: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) .
    إن مطالبتهم بالتفصيل في كيفية تأثير المناهج على فكر أولئك الفاعلين يوقعهم في الحرج، ويكشف طوايا صدورهم؛ لأن تُهمَهم تطال في النهاية الكتابَ الذي لا يقبل التحريف ولا التغيير بزيادةٍ أو نُقصانٍ ...
    ومن المهم في هذا السبيل أن نذكِّر بأن اتهام المناهج الدينية لا يساعده المؤهل التعليمي للمتهمين، فالمعلومات تفيد بأنهم بحملون أدنى الشهادات العلمية، ولم يترقوا في مناهل العلم والتعليم، فمن أين أثَّرتْ فيهم مناهج الدينية في الجامعات، وهم لم ينتسبوا إليها ولم يتخرجوا فيها!
    إن أظهر الأسباب التي حملت أولئك على هذا العمل الأثيم هو الجهلُ بالشريعة ومقاصدِها، وليس العلم بها.
    ومن واقع التجربة فإننا نجد أن المرء كلما ترقى في مراقي العلم كانت أفعاله أكثر تسديداً وأقلل خللاً، ولذا استحق العلماء الربانيون أن ينالوا شرفَ التوقيع عن رب العالمين، فلا يجد الناسُ مغنىً من الصدور عن آرائهم، والاقتداء بهم.
    إن المناهج الدينية في المدارس والجامعات لا تحرض على الاعتداء، ولا تهيج على الفتن، ولا تدعو للجهاد في غير مواضعه، وهي إلى أن يزاد فيها أحوج من أن يُنقص منها.
    ومع ذلك فلا يجوز أن تأخذنا العزة بالإثم فنتعامى عن بعض الملحوظاتِ عناداً واستكباراً، وهي ملحوظات لا ترتقي إلى مستوى تلك الاتهامات.
    وحرصنا على النصح لأنفسنا وأمتنا يتقاضانا أن نبديَ في المناهج رأياً لا نبالي أن نستعلن به، ولو فرح به بعضُ المغرضين.
    وهو أنّ بعض المناهج تحتاج مزيداً من العناية بإبطالِ اللوازم التي لا تلزم وتفكيكِها، وقد يكون هذا النقص بسبب الحرص على التخفيف والاختصار.
    فمن الواجب ـ مثلاً ـ أن يُعلَّم الطالبُ عقيدةَ البراءة من الكفار، ولا مندوحة عن ذلك فهي أصل من أصول الدين، ولكن يجب أن يُحذَّر من الوقوع في زلةِ التلازم الباطل (لزوم ما لا يلزم)، وجوب البراءة من الكفار وبغضِهم وتحريمُ موالاتهم لا يلزم منه جوازُ التعدي عليهم وقتلِهم وإيذائهم، ولا بد أن ينبه الطالب إلى أن الكفر بمجرده لا يبيح دم الإنسان ما لم يكن حربياً، أو مستحِقَّاً لحدٍ. فهذا التنبيه ينبغي ألاَّ يغيب عند تقرير عقيدة البراءة من الكفار؛ حتى لا يقع المتعلم في التلازم الباطل، فيسيء للإسلام من حيث لا يشعر.
    وأمر آخر ينبغي أن يكون له وجود في المناهج، وفي المراحل المتقدمة بخاصة، وهو إحياء فقه المقاصد الشرعية، والذي ينتظم المسائلَ الشرعية في درجات سلم الأولويّات، ويثري الفِكر بفقه الموازنة بين المصالح والمفاسد.
    إضافةً إلى ضرورة تعريف الناشئة بروح الإسلام ومنهجِ دعوته، وإطلاعِهم على معالمِ الرحمة والعدالة التي يتنسّمها الناسُ في دولته.
    أما المؤسسات الدعوية والتربوية فإن الاطلاع على نشاطاتها ومناهجها يكفي في رد اتهامها بتغذية الإرهاب والتحريضِ على الغلو.
    فها هي أعمالها منشورة تشرف عليها الدولة، وهي تدور في مدار الوعظ والإرشاد، وتُعنى بقضايا السلوك والأخلاق والرقائق.

    النقطة الخامسة: ثمة أسبابٌ أخرى نحن معنيون بتقصيها لاجتثاثها، وهي أسبابٌ قد لا تؤدي إلى ارتكاب هذه الأعمال، ولكنها على أقل تقدير تحمِل بعضَ الناس على التأييدِ والفرحِ بهذه الأعمال، فينبغي ألا نغفُل عن معالجتها.
    ومنها: البطالة والفساد الإداري والمالي وانتشارُ الجرائم وتفشي المنكرات، والتي تحمل بعض الشباب على التسخط على الأوضاع، وتذكي في قلبه نارَ الحنقِ والحقدِ على المجتمع والنظام جميعاً.
    فيجد في هذه الأعمال التخريبية متنفَّساً للتشفي والشماته! لأنه يرى أن المجتمع قد خذله ولم ينصر قضيته.
    إن المجتمع بشتى فئاته والنظامَ بمختلف أجهزته يتحمّل مسؤوليةَ تفشي البطالة والجريمة والفساد، وهو يتحمل تبعاً لذلك مسؤوليةَ محاربتها.
    ولا تتفاوت درجاتُ مسؤولياتهم إلا بقدر ما تتفاوت درجات مناصبهم وقدراتِهم.

    النقطة السادسة: منهجُ الوسطية والاعتدال إذا غلبَ واتسعتْ أرضُه كان أَمنةً للمجتمع من غوائل العنف واختلالِ الأمن، وإذا غاب حضر العنف والغلو والكفر والزندقة، وهلك الحرث والنسل.
    وإذا كان هناك عنفٌ وغلو ينهش المجتمع ذات اليمين، فيجب ألا ننسى أنَّ هناك عنفاً آخر ينهشه ذات الشمال، فلا يجوز أن نغفِلَ خطرَه، ولا أن ندع المجتمع تتجاذبه هذه الأطراف المتطرفة للزجّ به في دوامة العنف، فتضيق مساحة الوسط المعتدل الذي يكفل للناس حقوقهم، ويحفظ لهم كرامتهم.
    هذا العنف تمارسه بعضُ وسائل الإعلام، وتحرِّض عليه تحت غطاء ما تسميه بالنقد الهادف، ولكنها عند التحقيق إنما تلوك الاتهامات وتلقيها جزافاً، وتقذف بزبدِ الحقد والغل.
    وهي ترى أن الفرصة قد واتتها الآن لتصفية الحسابات مع ما يمسونهم برموز الإسلاميين، وتأليب المجتمع على مؤسساته الشرعية، وافتعال الصراع معها، وتكريهها للناس من خلال حكايةِ القصص الملفقة، وتجعل من هذه الأحداثِ غطاءً لتمرير مخططاتها التغريبية!.
    وإذا كنا متفقين على وجوب محاربة تطرف اليمين، فإنَّ بإزائه تطرفاً يسارياً يجب أن نتفق على محاربته كذلك؛ حتى يبقى الصوتُ المعتدلُ البعيدُ عن التشنج هو المسموعَ المتبوع.
    إن هذه الأطراف المتطرفة، والمتباينة في موقفها: من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، إنما هي نابتةٌ خبيثةٌ يلدُ بعضُها بعضاً، ويغذي بعضها بعضاً، وليست محاربة إحداهما بأولى من محاربة الأخرى، ولا سبيل إلى استئصال شأفة أحدهما إلا باستئصالِ شأفة الطرف الآخر معه.
    وإذا تُرك للتطرف اليساري والمتمثل في الدعوات العلمانية ولمز شعائر الإسلام، فسوف يظهر في قُبالتِه غلوٌ وعنفٌ ولو بعد حين.
    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

    سامي بن عبد العزيز الماجد
    16/3/1424


    رؤية حول أعمال التفجير
    د. عبد الله بن عبد العزيز الزايدي

    ابتداءً لاشك أن التفجيرات التي تستهدف أمن المجتمعات المسلمة واستقرارها عمل يتنافى مع ما أمر به الإسلام من عدم ترويع الآمنين، حيث جاء في الحديث " من رفع علينا السلاح فليس منا"
    و أعمال التفجير التي تستهدف الآمنين مخالفة لأحكام الشريعة التي جاءت بعصمة دماء المسلمين والمعاهدين، وتخالف مقاصد الشريعة التي جاءت بحفظ الدين والنفس والمال والعرض.
    ولذا ينبغي التحذير من هذه الأعمال والتأكيد على خطورتها على دين من يقوم بها، قبل خطورتها على غيره؛ فإن المسلم لا يزال في فسحة في دينه ما لم يصب دماً حراماً.
    وقد قام العلماء والدعاة في هذه البلاد - ولله الحمد - بجهود طيبة في هذا المجال، إذ أصدرت هيئة كبار العلماء بياناً حذرت فيه من الغلو والتكفير .
    كما سبق أن أصدرت طائفة من مشاهير العلماء والدعاة بيان "الجبهة الداخلية" دعوا فيه إلى تجنيب هذه البلاد ما يحدث في البلاد الأخرى من أعمال العنف والتفجير .
    ولكن ينبغي -ونحن ننكر الخطأ- ألا تقودنا ردود الأفعال إلى دفع الخطأ بالخطأ ، وإلى ربط ما لا يرتبط ، كما حصل من كثير من الكتاب والمفكرين الذين ينفون نظرية المؤامرة ، وقد وقعوا في نظير ما نفوه؛ فهم يأخذون على غيرهم المبالغة، والربط بين كل حادث و نظرية المؤامرة ، وهؤلاء الذين أطلقوا لأقلامهم العنان في الربط بين واقعة الكشف عن المجموعة المنـسوبة لتنظيم القاعدة، وحوادث التفجير التي وقعت في الرياض مساء الإثنين 12/3/1424هـ وبين المناهج الدينية، وخطب الجمعة، والدعاة والتعليم الديني، وحلقات القرآن، ولم يبق هؤلاء شيئاً مما يتصل بالدين لم يتهموه بأنه سبب التفجير، وربما لو لم يخش بعضهم عاقبة التصريح لصرحوا بأن القرآن الكريم ذاته سبب كل الإرهاب، كما فعل كتاب آخرون في بعض البلاد العربية من فلول الشيوعيين وغلاة الليبراليين وغيرهم .
    إن من المقطوع به عقلاً وحساً أن المناهج الدينية لها في مجتمعاتنا عمر طويل يتجاوز السبعين عاماً، هو عمر التعليم النظامي ، وأن تعليم القرآن الكريم لم ينقطع في بلادنا، وفي أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي منذ نزوله وإلى يومنا هذا.
    ومع ذلك - ومع وجود هؤلاء الغربيين في بلادنا على مدى أكثر من سبعين عاماً- لم يحدث ماحدث تجاههم من وقائع التفجير من قبل أناس من أبناء هذه البلاد إلا عام1417 هـ ، وما تلاه مما يؤكد أن هذه الوقائع طارئة، لا ترتبط أسبابها بأمر يتصل بالمناهج أو العلماء أو بطبيعة هذه البلاد؛ وإنما بالوقائع الخارجية، فهي تستهدف جنسية معينة هي الجنسية الأمريكية على وجه الخصوص، ولأسباب تتصل برؤية هؤلاء للسياسية المعادية للمسلمين من قبل هذه الدولة التي بالغت في الوقوف ضد مصالح المسلمين مع تأييد مفضوح لليهود.

    وأما السبيل لتقليل إمكانية تكرار هذا العمل مرة أخرى في مجتمعاتنا فهو -في رؤيتي القاصرة- ممكن عبر الخطوات التالية:
    1– استيعاب تطلعات الشباب وآراءهم وآمالهم، والقضاء على البطالة، وتعزيز دور الخطاب الشرعي لكبار العلماء والدعاة، وتمكينهم من التواصل مع كافة شرائح المجتمع وضمان حقوقهم وحريتهم واستقلالهم.
    2- الإصلاح للواقع من كافة الجوانب، ولتكن المبادرة بالإصلاح السياسي والاقتصادي، والاستجابة للعلماء ودعاة الإصلاح بما يقترحون من وجوه إصلاح أخرى، حتى يكون لهم كلمة مسموعة عند الأمة، خصوصاً عند الشباب، لأن تهميش مطالبهم يعزز الشعور بعجز هؤلاء العلماء والدعاة وعدم جدوى التواصل معهم.
    3– فتح المجال للحوار والتعبير عن الرأي، والمجادلة بالتي هي أحسن، والإقرار بالحقائق وعدم المغالطة فيها أو محاولة تسويغ الأخطاء، ودفع الحجة بالحجة لا بالاتهام والإقصاء .
    4– عدم استفزاز الشعور الديني للمسلمين في هذه البلاد عبر الصحف وغيرها من وسائل الإعلام الداخلية، أو تلك المنتمية لبلادنا في الخارج بالطعن في العلماء والدعاة والمنهج الذي قامت عليه هذه البلاد، والتعليم الشرعي والمؤسسات الدينية، أو الدعوة إلى تغيير الوضع الاجتماعي للأسرة والمرأة المسلمة بما يخالف أحكام الشريعة، كالسماح للنساء بالعمل بجانب الرجال كما يجري الآن في بعض الصحف من طعن سافر في هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن هذا كله مما يشكك في مصداقية تطبيق النظام المستند على أحكام الشريعة، ويعطي مسوغاً للطعن في مصداقية ما يعلن في هذا الصدد .

    وأخيراً فهذه وجهة نظر آمل أن تأخذ حقها من النقاش وإبداء الرأي.
    أسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه .

    د. عبد الله بن عبد العزيز الزايدي
    14/3/1424


    حول أحداث تفجير الرياض
    محمد بن عبدالله الدويش

    تركت التفجيرات التي حصلت مؤخرا في مدينة الرياض صدى في الساحة الفكرية والدعوية، وهذا الصدى يتجاوز بكثير دوي الانفجار وآثاره المادية.
    ومن الطبيعي أن يكثر الحديث والتعليق على مثل هذه الأحداث، وترد الأسئلة كثيرا حول الموقف منها، والتعامل معها.
    لذا رأيت أن أسطر في هذه العجالة رأيي الشخصي في هذه الأحداث وهو لايعدو أن يكون رأيا شخصيا لا يخلو بالضرورة من الخطأ والزلل، فإن اصبت فيه فبتوفيق الله وتسديده، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، والله ورسوله بريئان مما أقول.
    وأرى أن ضخامة الحدث لا ينبغي أن تؤدي إلى فقدان التوازن في تفكيرنا، وأننا ينبغي أن نتعامل مع الحدث بعيدا عن مجرد الألفاظ الصحفية التي تقتصر على ترديد الشجب والاستنكار.
    لماذا حصلت هذه الأحداث؟
    حتى الآن ليست هناك أدلة قاطعة على الفاعل، لكن هناك بلا شك من يتبنى القيام بمثل هذه الأعمال من المحسوبين على التيار الجهادي، فما الذي يدفع أمثال هؤلاء لمثل هذا العمل.

    ثمة أسباب عدة يمكن أن نحيل إليها هذه الظاهرة:
    الأول: أن هناك اتجاه للغلو والتطرف لدى بعض الناس بطبعيته، ولذا رأينا هذه الظاهرة ظهرت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم رغم انتفاء العوامل التي نعيشها اليوم.
    الثاني: الضعف والذل والهوان الذي سيطر على الأمة في هذه الأيام، فأدى ذلك إلى إحباط وشعور باليأس، وبحث عن التغيير بمثل هذه الأعمال.
    الثالث: التسلط الغربي، والإرهاب العالمي الذي تمارسه أمريكا، أو تمارسه إسرائيل بحمايتها ودعمها.
    الرابع: أساليب الضغط والتعذيب التي تمارس في حق بعض الشباب، واعتبار السفر إلى مواطن الجهاد تهمة وانحراف.
    الخامس: عدم قدرة كثير من الدعاة وطلبة العلم على استيعاب الشباب وقلة من يفتح صدره لهم ويستمع إليهم.
    السادس: الموقف السلبي الذي يتخذه بعض الدعاة من أعمال الجهاد، أو من الشباب الذين يسافرون إلى مواطن الجهاد، والنفور منهم.
    السابع: غياب الرؤية الإصلاحية البعيدة المدى، وسيطرة التفكير العاطفي المتعجل لدى فئة كبيرة من شباب الصحوة.

    الموقف من العمل نفسه:
    لا شك أن الإقدام على مثل هذا العمل لايجوز شرعا، ولا يحقق المصلحة الدعوية المرجوة لما يلي:
    1- أن كثيرا من ضحايا هذا الحدث من المسلمين، ودماء المسلمين معصومة، فقتل النفس المسلمة قتل بغير حق وهو من السبع الموبقات، وقد يُحرم المرء من الجنة بدم أراقه، عَنْ طَرِيفٍ أَبِي تَمِيمَةَ قَالَ شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَجُنْدَبًا وَأَصْحَابَهُ وَهُوَ يُوصِيهِمْ فَقَالُوا هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ :"مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشْقُقْ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" فَقَالُوا أَوْصِنَا فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنْ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ فَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِمِلْءِ كَفِّهِ مِنْ دَمٍ أَهْرَاقَهُ فَلْيَفْعَلْ"( رواه البخاري). وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتْلُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا"(رواه النسائي)
    2- أن غيرهم من الكفار فيهم من ليس من المقاتلين بل هو ممن قدم إلى بلاد المسلمين بعهد أو شبهة عهد، وقد ثبت في الصحيح من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا.
    وينطلق بعض الشباب في استباحة من يفدون معاهدين إلى بلاد الإسلام من منطلق عدم شرعية الأنظمة القائمة في البلاد الإسلامية، ويترتب على ذلك بطلان عهودهم.
    وحتى لو سلمنا بهذا المنطلق فإن الواقع أن هؤلاء المعاهدين من قبل الأنظمة التي تعلن الإسلام وتنتسب له لهم شبهة عهد، وقد روى عبد الرزاق في المصنف (5/222) والبيهقي (9/94) وسعيد بن منصور، وأبو عبيد في الأموال (ص181) عن فضيل الرقاشي قال: شهدت قرية من قرى فارس يقال لها شاهرتا فحاصرناها شهرا، حتى إذا كنا ذات يوم وطمعنا أن نصبِّحهم انصرفنا عنهم عند المقيل، فتخلف عبد لنا فاستأمنوه، فكتب إليهم في سهم أماناً، ثم رمى به إليهم، فلما رجعنا إليهم خرجوا في ثيابهم، ووضعوا أسلحتهم، فقلنا: ما شأنكم؟ فقالوا: أمنتمونا، وأخرجوا إلينا السهم، فيه كتاب أمانهم، فقلنا: هذا عبد، والعبد لا يقدر على شيء، قالوا: لا ندري عبدكم من حركم، وقد خرجوا بأمان، قلنا فارجعوا بأمان، قالوا: لا نرجع إليه أبداً، فكتبنا إلى عمر بعض قصتهم، فكتب عمر: أن العبد المسلم من المسلمين، أمانه أمانهم، قال: ففاتنا ماكنا أشرفنا عليه من غنائمهم.
    وروى عبد الرزاق (5/222) وسعيد بن منصور عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أيما رجل دعا رجلا من المشركين، وأشار إلى السماء فقد أمنه الله، فإنما نزل بعهد الله وميثاقه.
    وعقد الأمان ليس قاصرا على السلطان، فالمسلمون يجير بذمتهم أدناهم، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، قال أبو عبيد:"فقوله صلى الله عليه وسلم: يسعى بذمتهم أدناهم: هو العهد الذي إذا أعطاه رجل من المسلمين أحداً من أهل الشرك جاز على جميع المسلمين، ليس لأحد منهم نقضه ولا رده، حتى جاءت سنة النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في النساء" (ص180).
    3- أن مثل هذا العمل لايحقق المصالح المرجوة منه، بل الواقع أن مفاسده أكثر من مصالحه، ومن مفاسده مايلي:
    أ – تحقيق مزيد من تسلط الغرب على بلاد المسلمين، ومطالبتها بمزيد من التنازلات وتغيير الواقع.
    ب – استغلال مثل هذا العمل من قبل فئات كبيرة من المفسدين، وهم اليوم أعلى صوتا وأمكن كلمة، فيستثمرون هذا الحدث وغيره لتحقيق مزيد من أهدافهم.
    ج – تشويه صورة الصالحين لدى الناس، وظهورهم بمظهر القتلة ومريقي الدماء، بخلاف موقف الناس ممن يجاهد في فلسطين والشيشان وغيرها فمعظمهم يدعمونهم ويؤيدونهم وقد رأينا ذلك في تعاملهم مع من استشهد منهم.
    د – أن ذلك يكون سببا لتعويق كثير من المجالات الدعوية المفتوحة، والتضييق عليها، ومحاصرة الدعاة وطلبة العلم.
    وغاية مايتحقق –لو كانت الضربات للقوات- هو مجرد استنزاف لا تتلاءم مصلحته مع المفاسد الناشئة عنه.

    محاذير:
    وفي هذا المقام ينبغي التأكيد على مايلي:
    1. يجب أن يحذر الشاب المسلم من التعجل في اتخاذ المواقف، وكلما عظمت المواقف وزاد أثرها تأكد التروي والتثبت في اتخاذها، ومما يؤكد التروي والتثبت في مثل هذه المواقف أمران مهمان:
    1-1- أن من يعمل هذا العمل يتعمد قتل نفسه، وليس للمرء إلا حياة واحدة، فلا مجال بعد الموت للتوبة أو التراجع، نسأل الله أن يختم لنا وإياكم بطاعته.
    1-2- أن آثار هذه الأعمال تمس المجتمع وتمس الأمة، ومفاسدها خطيرة، فهي ليست احتسابا على منكر محدود، أو على شخص من الناس، وليست تجربة دعوية محدودة يمكن تقويمها، بل إن مثل هذا العمل عرضة لأن يجر المجتمع بأسره إلى فوضى وفتن لا تنتهي، فكيف يرضى الشاب لنفسه أن يكون سببا في ذلك؟
    2. في مثل هذه المواقف يجب الصدور عن العلماء الربانين، والأمة تملك بحمد الله العديد من أهل العلم الصادقين المستقلين في مواقفهم، وليحذر الشاب أن يتخذ له إماما من الناس لم يبلغ درجة الرسوخ في العلم، وغاية ما يبرر له اتباعه أنه يتفق معه، ثم يلغي الآخرين بعد ذلك.
    والسؤال المهم اليوم: من هو العالم الذي يجيز مث هذا العمل ممن يدين المسلم ربه بفتواه؟ وهي يسوغ أن يتتخذ الموقف في مثل هذه القضايا العظام فئة من الشباب الذين لم يتحقق لديهم الرسوخ في العلم؟ فكيف حين يكون جمهور الأمة بخلاف هذا العمل؟
    3. يجب الحذر من القول بأن أمثال هؤلاء مجتهدين، فهذه المسائل قطعية في الدين، والقائمون بذلك ليسوا أهلا للاجتهاد.
    4. لا بد من أن تتسع نظرتنا الإصلاحية في المجتمع، ولنعلم أن مسيرة الإصلاح مسيرة طويلة، ومن سنة الله ألا يتم إصلاح الأوضاع المعقدة من خلال أعمال متسرعة، وهاهي التجارب السابقة في الشام، وفي مصر، وفي الجزائر، هاهي يتراجع أصحابها عنها بعد أن أراقوا الآلاف من الدماء، وأخروا الإصلاح في مجتمعاتهم إلى مراحل، فلم نكرر التجربة مرة أخرى؟
    5. ينبغي ألا تشغلنا فداحة الأمر عن حسن المعالجة، فالذين قاموا بمثل هذا العمل مضوا وانتهوا، لكن بقي غيرهم ممن يحمل الفكر نفسه، أو هو معرض لذلك، وهؤلاء لن يمكن صرفهم وإقناعهم من خلال التهجم واللوم العنيف، فإن كنا نريد تسجيل موقف فنعم، أما إن كنا نريد إقناع الشباب وحماية المجتمع فالهدوء في التعامل معهم، والسعي لإقناعهم، وتحمل ما قد يصدر من بعضهم، كل هذا هو الطريق الطبيعي لتحقيق الهدف.
    6. يجب أن نحذر من توسيع الدائرة، فلا يسوغ انتقاد الأعمال الجهادية المشروعة القائمة في فلسطين والشيشان وكشمير وغيرها من المواقع، وكون بعض هؤلاء الشباب المنفذين ممن شاركوا في تلك المواقع ليس مبررا للتهجم عليها، فالجهاد حصن للأمة، وذروة سنام الإسلام، ولا بد من دعم هذه المواقع الجهادية والوقوف معها، والبعد عن خلط الأوراق.
    7. يجب الحذر مما يسعى
    8. إليه طائفة ممن يسعون لتوسيع الدائرة بحسن نية أو سوء نية، فيتهمون الشباب الصالح ، ويربطون التدين بهذه الأعمال، وينادون بالحد من الأنشطة الدعوية، بل إن هذه المقالات تزيد النار اشتعالا، وتزيد الشباب غلوا واقتناعا بمثل هذه الأعمال.
    وفي الختام فوصيتي لنفسي وإخواني تقوى الله تبارك وتعالى، والرجوع إليه في السراء والضراء، والإلحاح عليه بالدعاء.

    محمد بن عبدالله الدويش


    تعالوا إلى كلمة سواء
    أ.د.ناصر بن سليمان العمر

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين… وبعد :
    فقد وقعت في بلادنا خلال الأيام الماضية أحداث جسام، ومصائب عظام، وفتن تدع الحليم حيرانا، حيث تم الإعلان عن اكتشاف أسلحة وذخائر معدّة للتفجير، ثم انطلق الإعلام لايلوي على شيء، اتهاماً وسخرية وتصفية حسابات، ثم كانت ثالثة الأثافي حيث وقعت تلك التفجيرات التي هزت القلوب قبل الأجسام، وتسارعت الأحداث بشكل ينذر بخطر عظيم :

    أرى خلل الرماد وميض نار  *** ويوشك أن يكون لها ضرام
    فإن لم يطفـــها عقلاء قومي  *** يكون وراءها فتــن عـــظام

    وانطلقت الأصوات هنا وهناك لعلاج ماحدث، وتدارك الأمر قبل فوات الأوان، واختلط الحق بالباطل، وتكلم المحق والمبطل، والصادق والكاذب، والعالم والجاهل، والسيد والرويبضة، كل يدعي الإصلاح، ويبحث عن المخرج، فأصبح الناس في هرج ومرج، تفوق آثاره تلك الإنفجارات المدمرة، وانطلاقاً من العهد الذي أخذه الله على أهل العلم كتبت هذه الكلمات ناصحاً ومشفقاً ومبيناً، دون أن أجامل أحداً، أو أكتم حقاً، فالوقت وقت الجد، ولانجاة إلا بالصدق، وقول الحق ولوكان مراً:

    أولا: موقفي من هذه الأعمال، وتلك التفجيرات ليس وليد الساعة، ولاحديث اليوم، وليس ردة فعل قد يشوبها شيء من التعجل وعدم الاتزان، بل هو موقف أعلنته مراراً وتكراراً، قبل أكثر من عشر سنوات، وبينت أن هذا ليس هو طريق الإصلاح، وأؤكد هذا مرة أخرى فأقول عن هذه التفجيرات، وماتركته من آثار أنه عمل محرم، حيث ذهبت ضحيته أنفس بريئة، وانتهكت فيه حرمات مصونة، والله سبحانه وتعالى يقول في محكم التنزيل : (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) (المائدة:32) وقال سبحانه: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء:93)، وقد ثبت عن المصطفى – صلى الله عليه وسلم – أنه قال كما روى جابر – رضي الله عنه – : "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" رواه مسلم . وفساد مثل هذه الأعمال أمر ظاهر بيِّن وجلي، ولاينفع في هذا المقام، ومثل هذه الأفعال التأويلات الفاسدة، ولا التعميمات الجائرة، فهل أضل الخوارج إلا مثل ذلك، ولايمكن أن يتم الإصلاح عن طريق الإفساد، فإن الله لايصلح عمل المفسدين.

    ثانياً: اتهام الأبرياء، والأخذ بالظن والتخمين، ورمي المؤمنين بما لم يعملوا، وبهتهم بما لم يفعلوا، ظلم عظيم وإثم مبين، وعاقبته وخيمة، وآثاره أليمة في الدنيا والآخرة (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور:15) ولن يغني عنك من الله شيئاً أن تقول سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته: (وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) (النور:16).
    واتهام الأبرياء أذىً ومنكراً، كما قال سبحانه: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (الأحزاب:58)، وقال سبحانه: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (النساء:112).
    فحذار حذار من اتهام مسلم بريء دون بينة أو برهان، (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة: من الآية111) فأمسك عليك لسانك، والسلامة لايعدلها شيء، كيف ولم يقبض على فاعل، ولم تعلن جهة مسؤوليتها عما حدث، (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: من الآية164) و (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (المدثر:38) ولذا فليكن الحديث عن الفعل لاعن الفاعل، حتى نتبين ونتثبت التزاماً بقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:6) وكما أن دماء المسلمين محرمة فأعراضهم مصونة، كما في حديث أبي بكرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) متفق عليه.
    وكما جاء الإسلام بحفظ الدين والنفس والمال فقد جاء بحفظ العرض، فهذه فتنة نجاك الله منها، فلا تقع فيها بقلبك أو لسانك، والزم منهج السلف في السلامة من الفتن.

    ثالثاً: العدل قديم لا يبطله شيء، وبالعدل قامت السماوات والأرض، وأمر الله به عباده، وأنزله في كتبه وبعث به رسله (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) (الأعراف: من الآية29) (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل:90) وقد أمر الله بالعدل مع المشركين الذين أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من المسجد الحرام وصدوهم عن المسجد الحرام فقال سبحانه: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا) (المائدة: من الآية2) وقال سبحانه: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: من الآية8) وقد رأيت في كثير مما كتب وقيل اختلال هذا الركن العظيم، والبعض يفعل ذلك باسم الإصلاح، ودفع الظلم، وهو إفساد وظلم وشنئان والله لايصلح عمل المفسدين.
    ومن مقتضيات العدل نصرة المظلوم، كما قال صلى الله عليه وسلم "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" .
    وضد العدل الظلم، وقد حرمه الله على نفسه وجعله بين عباده محرماً كما في الحديث القدسي "ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا" .
    فوطنوا أنفسكم على العدل، والتزموا به في الغضب والرضا، وحذار من الظلم، فإن عاقبة الظلم وخيمة، واتقوا دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب.

    رابعاً : ليس من حق كل أحد أن ينصب نفسه مفتياً وقاضياً، وحاكماً، فلكل أحد مجاله واختصاصه، وهذه الأمور العظيمة لو كانت في عهد عمر – رضي الله عنه – لجمع لها أهل بدر، وقد رأينا في وسائل الإعلام العجب العجاب، واختلاط الذهب بالتراب، فالكل يفتي ويحكم ويقضي، حتى رأينا سفلة القوم، وأراذل الناس يدلون بدلوهم، وتتصدر أقوالهم الصحف والإذاعات، وهنا تكلم الروييضة كما بيّن الصادق المصدوق، والمنهج الحق ترك الأمور لأهلها، وإعادة الحق إلى نصابه، التزاماً بقوله سبحانه: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً) (النساء:83) وقوله سبحانه: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء: من الآية59) وقوله سبحانه: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النحل: من الآية43) وقد كان الصحابة والتابعون يُسألون في أقل من ذلك فيقول قائلهم لاأدري، أو يقول اذهب إلى غيري فهو أعلم مني، ولو جاء مهندس وكتب وصفة لمريض لفزع الناس وأنكروا، فما بال شؤون الشرع وحقوق الناس ودماؤهم وأعراضهم أصبحت لكل غاد ورائح.
    فيا زمن العجائب أما آن لك أن ترحل، ويامدّعي الفروسية أما آن لك أن تترجل، فالأمر جدّ، والخطب عظيم: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)، (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً) (المائدة: من الآية41) ، "فأمسك عليك لسانك وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك".

    خامساً: لاشك أن لما حدث أسباباً ودوافعاً، وواجبنا جميعاً معالجة الأمر بحكمة وبصيرة، دون انفعال أو ردود أفعال، والأمر يحتاج إلى روية وبعد نظر، مع العدل والإنصاف، ودراسة الأمر دراسة موضوعية تُبنى على الحقائق والوقائع والثوابت، لا على الظن والحدس والتخمين، فضلاً عن اتهام الناس أو المؤسسات، أو الهيئات، فهذا لن يزيد النار إلا اشتعالاً، ولا النفوس إلا احتقاناً، ومن ثم يكون الانفجار المدوي الذي لن يسلم منه أحد، ومن هنا فإن مارأيناه من معالجة الأمر من قبل بعض من تصدى لذلك كان وبالاً، وشراً مستطيراً، وبخاصة أولئك المنافقين الذين سارعوا إلى اتهام العلماء والدعاة والصالحين، وثنّوا بمناهج التعليم التي خرَّجت رجالاً شهد لهم القاصي والداني، والعدو والصديق، طوال عقود مضت، وأزمنة خلت، وثلَّثوا بمنهج أهل السنة والجماعة الذي سار عليه أئمة الدعوة، وقامت عليه هذه الدولة قبل أكثر من ثلاثمائة سنة، وطفقوا يرددون أقوال أسيادهم من أهل الكتاب، وساروا على نهج أسلافهم من منافقي الأمس (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المنافقون: من الآية4).
    وإذا ترك الأمر لهؤلاء، كما هو الآن، يقولون مايشاؤون، ويتهمون من يريدون، يزعمون الإصلاح وهم المفسدون (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ) (البقرة:12، 13).
    فإن استمر الأمر على ذلك، فإن الأمر جدّ خطير، وستكون الفتن التي تأكل الأخضر واليابس، فإن الناس دون دينهم وعقيدتهم، وهناك ينفلت الزمام، ويتسع الخرق على الراقع، وعندئذ لاينفع الندم، ولا البكاء على الأطلال.
    فحري بأولي الأمر، وأولى الأحلام والنهى، ومن استأمنهم الله على دين الناس وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم أن يوقفوا هؤلاء السفهاء عند حدهم، ويردعوهم عن غيهم، وإلا كان الهلاك والفساد والبوار، كما حذَّر العزيز الجبار (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) (الاسراء:16) وأي فساد أعظم من العبث بدين الله، والاستهزاء بالسنة، ولمز المؤمنين والصالحين (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) (التوبة: من الآية65، 66) اللهم هل بلّغت؟ اللهم فاشهد ( ربنا لاتؤاخذنا بما فعل السفهاء منا).

    سادساً : الجهاد ماض إلى قيام الساعة ، كما أخبر بذلك الذي لاينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فقال – صلى الله عليه وسلم: "لاتزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لايضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك" رواه مسلم.
    فالجهاد ماض إلى يوم القيامة بعز عزيز، أو بذل ذليل، ومن مظاهر الفتنة الوقوع في أعراض المجاهدين، أو الطعن في الجهاد، أو النيل منه، أو تحميل أي خطأ يعمل باسم الجهاد عليه، وفي المقابل هناك من يرتكب أعمالاً يسفك فيها الدماء، وينتهك الحرمات باسم الجهاد، والجهاد منه بريء.
    فالجهاد ليس عبثاً لكل غاد ورائح، وليس كل من ادعي الجهاد يسلَّم له، ولو يعطى الناس بدعاواهم لادعى أناس دماء قوم وأموالهم.
    فالجهاد في سبيل الله له شروطه وموانعه وضوابطه، وقد بيَّنه الله في كتابه، وفصَّله محمد –صلى الله عليه وسلم– فيما ترك لنا من سنته، وجلَّى العلماء أصوله ومنطلقاته. وهناك جهاد الطلب، وجهاد الدفع، ولكل منهما دوافعه وضوابطه ومبرراته.
    فالحذر الحذر من العبث بالجهاد، طعناً ولمزاً، فتلك صفات المنافقين، فإذا رأيت من أطلق لسانه في الجهاد أو المجاهدين فاعلم أن في قلبه مرض، (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً) (المائدة: من الآية41)، وكذلك حذار من تبرير مايفعله بعض المتعجلين باسم الجهاد، وماذلك إلا من التأويل الفاسد، وقصور العلم والفقه في الدين، وعدم مراعاة قواعد المصالح والمفاسد، والمقدمات الخاطئة تؤدي إلى نتائج فاسدة، نعوذ بالله من الفتن ماظهر منها ومابطن.

    سابعاً : إن من أسباب حلول سخط الله، ونزول عقابه،المعاصي والذنوب، والبعد عن شرع الله، وانتهاك الحرمات، وارتكاب الموبقات فما نزل بلاء إلاّ بذنب، وما رفع إلاّ بتوبة، والمجتمع الذي يرى المعصية فلا ينكرها، والذنب فلا يستقبحه، حري بأن يصاب بالبلاء والمحن والفتن، كما حل ببلاد كثيرة من بلاد المسلمين لما صدوا عن سبيل الله، وأعرضوا عن ذكره، (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود:102)، (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ) (الأنعام:47)، (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) (القصص: من الآية59).
    والسلامة من المعاصي والذنوب، والأخذ على أيدي السفهاء، والقيام بواجب الإصلاح منقذ من عذاب الله، وأليم عقابه قال سبحانه: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود:117).
    وصلاح بعض الأفراد دون القيام بواجب الإصلاح لايمنع من عقاب الله، كما في الحديث الصحيح: (أنهلك وفينا الصالحون، قال صلى الله عليه وسلم: "نعم ، إذا كثر الخبث".
    وهذا الأمر الذي غفل عنه كثير من الناس -حتى بعض الصالحين- من أعظم أسباب ماحدث وكان، ونسأل الله ألاّيؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

    ثامناً: الأمن مطلب شرعي، ومنّة إلهية، ونفحة ربَّانية، امتن الله به على عباده في مواضع كثيرة من كتابه كما قال سبحانه (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (قريش:3، 4)، والمحافظة على الأمن مسؤولية الجميع حكاماً ومحكومين، رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً، والأمن ليس هو أمن الأجسام فحسب، بل هو أمن العقول والأبدان، وسدّ منافذ الشرّ، وأعظم سبب لحفظ الأمن هو الإيمان بالله، وتطبيق شرعه، والاحتكام إلى كتابه وسنة رسوله، والبعد عن الظلم العام والخاص، وعمدة ذلك هو التوحيد وخلوصه، وتنقية المجتمع مما يضاده، (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام:82).
    والمحافظة على الأمن عبادة نتقرب بها إلى الله، كيف والضرورات الخمس كلها، تدل عليه وتقتضيه.
    في ظل الأمن تعمر المساجد وتقام الصلوات، وتحفظ الأعراض والأموال، وتأمن السبل، وينشر الخير، ويعم الرخاء، وتقام الحدود، وتنشر الدعوة، وتطبق شريعة الله، وإذا اختل الأمن كانت الفوضى، وحكم اللصوص وقطاع الطرق، قال حذيفة رضي الله عنه: "فابتلينا حتى جعل الرجل منا لايصلي إلا سراً" رواه مسلم ويقول سبحانه: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسـَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: من الآية40).
    فلنكن كلنا جنوداً في حفظ الأمن، أمن العقول والقلوب، وأمن الأجساد والأعراض، ولتحقيق ذلك لابد أن نبدأ في تطبيق شرع الله في أنفسنا وفي بيوتنا ومجتمعنا. وإلاّ فلنحذر من ذلك المثل (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (النحل:112).
    والأمن كلي لايتجزأ، فمن أخذ ببعضه وترك بعضاً فعاقبته إلى خسار وبوار (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)(الحج: من الآية18).

    تاسعاً: وفي هذه المرحلة العصيبة يتأكد الأخذ بمنهج الوسطية، وتربية الأمة عليه، فهو المنهج الذي اختاره الله للأمة: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة: من الآية143) وهو المنهج الذي سار عليه رسول الله –صلى الله عليه وسلم– وصحابته الكرام، والقرون المفضلة، إنه المنهج الوسط، منهج الخيرية (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: من الآية110)، إنه منهج الاعتدال واليسر والتوازن، وسط بين الغلو والجفاء، بين الإفراط والتفريط، وليس هو منهج التنازل، والتساهل والإفراط، فكلا طرفي قصد الأمور ذميم.
    وفي ضوء هذا المنطلق والأصل العظيم نبيّن أصول التوحيد وفروعه، مبدأ الولاء والبراء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51).
    فواجب العلماء والدعاة والمربين والآباء أن يربو الأمة على هذا المنهج – منهج الوسطية والتيسير "إنما بعثتم ميسرين" وقال –صلى الله عليه وسلم– :"يسّرا ولاتعسّرا"، وأن يبعدوا الأمة عن المناهج المنحرفة، التي تضاد منهج أهل السنة والجماعة مناهج الغلو أو الجفاء، ومناهج الإفراط أو التفريط (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام:153).

    وبعد :
    فإن الأمر أكبر من أن يحصر في كلمات أو صفحات محدودة، وإنما يحتاج إلى وقفة جادة، وبرامج مدروسة، تتجاوز ردود الأفعال، وتسخير الفرص لهذا أو ذاك، فمصلحة الأمة فوق مصلحة الأفراد أو الهيئات والمؤسسات، ولذا لابد أن يتنادى المخلصون إلى كلمة سواء، ويجتمعوا ويعتصموا بحبل الله ولايتفرقوا، وأن تكون الشورى وسيلتهم، والمنهج الحق بغيتهم، وتخليص الأمة من عدوها هدفهم، وإقامة شرع الله غايتهم، فإن فعلوا ذلك كان الفلاح والأمن والرغد، وإلاّ فلا يلوموا إلا أنفسهم (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (الأعراف:96-99).
    فخذوا الأمر بجدّ، واستغفروا ربكم وتوبوا إليه، وتضرّعوا بين يديه (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الأنفال: من الآية33).
    نسأل الله أن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء ومكروه وأن يرد كيد الأعداء في نحورهم، وأن يجعل الدائرة عليهم.
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين،

    أ.د.ناصر بن سليمان العمر
    17/3/1424


    وقفات مع التفجيرات

    تفجيرات الرياض
     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    فتاوى وبيانات

  • فتاوى اللجنة
  • فتاوى عامة
  • المعاملات المالية
  • بيانات للأمة
  • مواقع الفتاوى
  • قنوت النوازل
  • فتاوى نسائية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية