صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • فوائد وفرائد
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    الصهيونيّة والعنصريّة المحصّنة

    د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
    أ
    كاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام

     
    (1)
     

    سأتحدث في هذه العُجالة عن الدافع الأولي لهجرة اليهود لأرض فلسطين والذي يكاد يكون مغيباً، وما حديثي عنه هنا لهذا السبب، بل لسبب آخر آمل أن أصل معكم إلى حدوده في نهاية المطاف.

    البداية ستكون من روسيا، فقد حدث في شهر مارس من عام 1881م محاولة لاغتيال قيصر روسيا الاسكندر الثاني. اتُّهم اليهود بالوقوف والتخطيط لها، وعليه قامت السلطات الروسية آنذاك بحملة مضادة ضد يهود روسيا، فأصدرت في شهر مايو من عام 1882م، ما عرف بـ(قوانين مايو ) .. وإليكم بعض ما جاء فيها:
    - يُمنع اليهود المقيمون في المناطق الريفية من جلب أقربائهم.
    - أي يهودي يغادر قريته لا يسمح له بالعودة إليها ثانية.
    - لا تجدد عقود الإيجار المبرمة مع اليهود.
    - يحق للروس طرد اليهود من قراهم، بقرار من رئيس القرية.
    - يُمنع تشغيل أي يهودي في المناطق الريفية.
    - أي يهودي يعيش داخل روسيا، أي خارج (منطقة الاستيطان) ويقوم بتوسيع نشاطه الاقتصادي، يُعاد إلى منطقة الاستيطان فوراً.
    يُمنع أي يهودي من الاستيطان في المناطق الريفية في روسيا، وتحصر إقامتهم في ( منطقة الاستيطان ) وهي منطقة بمساحة (360) ألف ميل مربع خصصتها السلطات الروسية وبشكل حصري لسكن وعمل اليهود.
    تحديد الطلاب اليهود في المدارس الإعدادية وفي الجامعات، بما يحدده المجلس التعليمي الروسي.
    هذه القوانين ذات الطابع العنصري(وكما يؤكد معظم المؤرخين اليهود) كانت الدافع الأولي وراء هجرة اليهود الروس، والتوجه لفلسطين العربية.
    إن ( قوانين مايو ) أثارت دهشتي .. إذ كيف تحولت تلك الضحية - كما يحلو لها أن تصور نفسها - لجانٍ مستبدٍ لا يعرف أبسط مفردات الرحمة..!! هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تعجبت من التوافق الواضح بين مضامين تلك القوانين -والموجهة آنذاك ضد يهود روسيا- والوضع الحالي للإنسان العربي الخاضع لسياط كيان الاحتلال الصهيوني.
    ولأنه من المستبعد نقل صورة طبق الأصل للحياة المأساوية للإنسان الفلسطيني الحرّ.. الذي فضّل ظلم المحتل على مغادرة أرض أجداده .. رافضاً كل إغراء قدم له من قبل سلطة الاحتلال التي خصصت ( صندوق الهجرة ) لتقديم المساعدة المادية لكل فلسطينيي يغادر وطنه دون رجعة ، وفي الوقت نفسه سعت وبكل طاقاتها لتوسيع نطاق عمليات الهدم في الضفة والقطاع متطلعة من خلال ذلك لإبادة شعب بأكمله..
    وعن هذه السياسة العنصرية كتب ميخائيل (ميكادو) فرشفسكي وثيقة وقع على بنودها عدد من اليهود: إن هذه السلطة ( تظهر وكأنها عقدت العزم على القضاء على الشعب الفلسطيني عن آخره) كما تضمنت هذه الوثيقة مطالبتهم ( بالإلغاء الفوري لجميع القوانين واللوائح والإجراءات التي تميز بين المواطنين اليهود والعرب في إسرائيل، وكذلك حل كل المؤسسات والهيئات التي تعتمد على هذه القوانين واللوائح والإجراءات)!!
    فما هي تلك الإجراءات العنصرية التي يطالب بإلغائها هؤلاء المفكرون؟ هذه الإجراءات التعسفية كانت مطبقة حتى قبل عام 1948م، وإليكم ما كتبه صاحب صحيفة الكرمل اليهودية عام 1914م عن هذه السياسات العنصرية للمهاجرين الجدد: (أيَّ مزرعة اشتريتم وأبقيتم فيها على واحد من أهلها العرب؟ وهل تدلوننا على قومكم الذين يدخلون مخازن (الفلسطينيين ) ويشترون منها)؟!
    إلا أن هذه السياسات العنصرية قُنّنت بعد الاحتلال الصهيوني لفلسطين أي عام 1948م؛ فقد عمل الصهاينة على حصر أكثر من ثلاثة أرباع الفلسطينيين المتبقين تحت سلطة الاحتلال في مدن وقرى ومخيمات منعزلة، كما طبقت سياسة الفصل العنصري بكل أبعاده، فهناك مدارس مميّزة لليهود، وأخرى دون أي إمكانيات للفلسطينيين، وهناك دوائر ثانوية للشؤون العربية في جميع الوزارات والمؤسسات في هذا الكيان العنصري؛ ففي كل وزارة يوجد على -سبيل المثال- مكتبان واحد رئيسي يختص باليهود وآخر ثانوي يختص بالفلسطينيين.
    أما عن إمكانية الفلسطينيين في السكن والعمل في فلسطين المحتلة، فقد كتب (شلومو أفنيري ) من الجامعة العبرية في صحيفة معاريف: (لا يستطيع كل من يتحدث مع طلبة عرب في القدس إلا أن يُصاب بالخجل الشديد عندما يستمع إلى قصصهم عن صعوبة بل استحالة حصولهم على غرفة في المنازل أو الأحياء اليهودية)، ويقول (نعوم تشومسكي ): ( إن المواطن غير اليهودي أي الفلسطيني، لا يُسمح له مثلاً أن يستأجر أو يعمل في أراضي الدولة، ولا يسمح له بالإقامة في مدن يهودية) فعلى سبيل المثال: ( تقدم في أوائل السبعينيات( إسماعيل قبلان) أحد دروز قرية العسافية، بطلب للموافقة على إقامة معمل رخام في مستوطنة كرميئيل التي صُودرت أراضيها بالكامل من الفلسطينيين العرب، فكانت إجابة مدير مصلحة الأراضي الصهيوني بأن المدينة محظورة على غير اليهود)، بل نُقل عن أحد أعضاء مجلس الحكم في هذه المستوطنة قوله:( سنبذل كل ما في وسعنا للحيلولة دون إقامة مصانع أو متاجر عربية في كرميئيل)، وموقفهم هذا بطبيعة الحال يشمل تحريم سكن العرب في تلك الأحياء، وإليكم ما حدث عندما أقدم أحد كبار المسؤولين ببيع منزله إلى مواطن عربي، فما أن باشر هذا العربي بالاستعداد للانتقال إليه حتى جمع السكان اليهود التواقيع على عريضة طالبوا من خلالها المحافظة على نقاء مدينتهم التي أسست لليهود دون غيرهم، وكان متوقعاً موقف السلطات المحتلة من هذه المطالبات، كان طبيعياً أن يتوافق ردّ فعلها مع هذه العنصرية في هذه الحادثة وغيرها، فقد وضعت شرطاً تعسفياً يحول دون حصول العرب على إذن الإقامة في الإحياء اليهودية؛ إذ حُصِر حقّ التملك بمواطنين إسرائيليين!! وهذا ما أعلنت عنه إدارة الأراضي الإسرائيلية في فلسطين المحتلة في عام 2004م؛ إذ بينت أن أي مزادات يُعلن عنها بشأن بيع أراضي(الصندوق القومي الإسرائيلي) مخصّصة بالفعل لليهود فقط!! وبالتالي فمحرّم اقتراب عرب 1948م منها !! وجدير بالملاحظة هنا أن هذا الصندوق يمتلك 13% من الأراضي المحتلة في فلسطين!!
    لقد صادرت سلطة الاحتلال الصهيوني بقوة الإرهاب الأراضي الفلسطينية، وهكذا تمكن الكيان الصهيوني من امتلاك 93% من مساحة فلسطين محتلة ..ثم عمدت على انتقال الأراضي الدارجة تحت خطط التطوير والبناء لليهود دون غيرهم، في حين قلّلت مساحة القرى العربية، أصدرت قوانين عنصرية تعسفية تمنع الأهالي من القيام بأي مشاريع إنمائية تتعلق المواطنين العرب..
    من المؤسف أني كلما حاولت التوقف عند واقعة لأنقلها للقارئ الكريم، أجد غيرها قد انتصب أمامي، وهكذا عليّ الاعتراف بعجزي الكامل عن نقل صورة حقيقة للحياة اليومية المأساوية للفلسطينيين الخاضعين لسلطة الاحتلال سواء كانوا عرب 1948م ، أم لا!! ولأن الواقع أبشع وأفظع من أن يروى بسطور هنا أو هناك، أعمد هنا لذكر بعض الوقائع التي قد لا تمثل النظام العنصري الصهيوني على حقيقته، لكن سأجتهد ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وعلى الله الاتكال ..
    سأنتقل معكم الآن لعام 2004م حيث استأجرت عناصر عربية مبنى مهجوراً في حي ( كرات مناحم ) في الرملة، بهدف فتح ثلاث فصول للتعليم النظامي فيه، ويعلل الدكتور زيدان نصار مدير عام هذا المشروع: ( منذ ثلاث سنوات بدأنا التفكير في بديل للمدارس الموجودة في الرملة، والتي تعاني الإهمال المتواصل، ففي عام 2003م لم يجتز امتحانات إتمام المرحلة الثانوية سوى ( 16 ) تلميذاً من بين (23) تلميذاً، وأضاف: ( إننا كأولياء أمور لا نستطيع السماح لأبنائنا بالدراسة في مثل هذه المدارس، فجهاز التعليم في الرملة في حاجة للكثير من الإصلاحات .. وقد تقدمنا بعشرات الطلبات، تجاهلتها البلدية)!!
    أحلام بسيطة لا تتعدى افتتاح ثلاثة فصول لطلاب مرحلة التعليم النظامي، أحلام كان القرار السياسي للكيان العنصري في فلسطين المحتلة لها بالمرصاد، لقد أعلنت بلدية الرملة أنها لن تسمح بفتح المدرسة!! ولم يكتفِ سكان الحي من اليهود بإعلان البلدية الرافض لهذه الفكرة جملة وتفصيلاً، بل بادروا بالكتابة لرئيس المدينة ونسخة منه لوزير التعليم، يطالبون فيه بعدم السماح للعرب بفتح هذه المدرسة، وإليكم بعض ما جاء في تلك الرسالة: ( لدينا ما يكفي من المشاكل مع مدرسة عربية أخرى تقع خارج الحي، ويجب أن يفهم سعادة رئيس المدينة أننا لا نكره العرب!! .. ولكن ثقافتنا ونمط حياتنا يختلفان، ولن نتأقلم معهم .. يعلم سعادته أننا نقدر أفعاله ونشاطاته لتطوير الحي والمدينة، ولكن فتح مدرسة عربية – ثلاث غرف دراسية - سيلحق ضرراً بالغاً بالأعمال الجليلة التي تمّت في الحي، وفي المدينة بوجه عام، يشعر السكان بالاستياء ويهددون بالرحيل عن المكان، الأمر الذي سيسيء كثيراً إلى صورة المدينة .. أننا نعارض تماماً-وبشكل قاطع- فتح المدرسة في الحي، ونطالب بشدة إيجاد السبل لحل المشكلة التي نواجهها..
    وعن هذه العنصرية المحصنة كما يحلو لي تسميتها يقول( إسرائيل شاحاك): ( إن العرب يعاملون باضطهاد؛ إذ تُحرّم عليهم القوانين والتنظيمات في إسرائيل العيش أو التواجد بأي شكل من الأشكال في الأماكن المخصصة لليهود) وهذا الوضع دفع المفكر اليهودي الفرنسي (بيير ديميرون) لانتقاد سياسة الكيان الصهيوني العنصرية بقوله: ( إنها تشبه سياسة النازية ضد اليهود)!!
    آمل أن تعاودوا النظر في معطيات( قوانين مايو) الموجّه ضد يهود روسيا، محاولين من خلال ذلك عقد مقارنة موضوعية بينها وبين طبيعة حياة العرب تحت السلطة العنصرية للاحتلال الصهيوني..
    إنها عنصرية محصّنة من كل انتقاد تلك هي عنصرية الكيان الصهيوني، والداعمين له ولفكره، توجّه يُفترض أن يكون مستهجناً من قبل الدول الرافعة لشعار حماية حقوق الإنسان والداعمة في الوقت نفسه لسياسة الصهيونية العنصرية، بل يُفترض أن يكون مستهجناً من قبل شعب يعلن دوماً أنه ذاق مرارة صراعات عنصرية ودينية صاغها دون شك تاريخ الإنسان الغربي .. ومع هذا وذاك نجد الكيان الصهيوني يتلذذ وهو يقنن نظماً تحرم الفلسطيني من كرامته الإنسانية، ولِيحيَ حياة الدواب، دواب تملك من الحقوق في ظل هذا الكيان التعسفي أكثر مما يمكن أن يناله الفلسطيني حتى في أحلامه ..
    وللحديث بقية بإذن الله.
     


     (2)
     

    لقد أشرت في الجزء الأول من هذا الموضوع إلى الدافع الأوّلي لهجرة اليهود لأرض فلسطين، والذي حدث في روسيا عام 1881م حيث اتهم اليهود بمحاولة اغتيال قيصر روسيا الاسكندر الثاني، وعليه أصدرت السلطات الروسية في شهر مايو من عام 1882م، ما عُرف بـ(قوانين مايو) والتي كانت الدافع الأساسي وراء تلك الهجرة، فمن خلالها منع سكانُ المناطق الريفية في روسيا اليهودَ من جلب أقاربهم، ومن غادر منهم قريته يُمنع من حق العودة، وحُرّم عليهم تجديد عقود الإيجار المبرمة معهم حال انتهائها، ويحق للروس طرد اليهود من أحيائهم وقراهم، كما يُمنع تشغيل اليهود في المناطق الريفية، يُعاد من لوحظ عليه توسعة نشاطه الاقتصادي خارج منطقته الاستيطانية إلى منطقته فوراً، ويُمنع على اليهود الاستيطان في المناطق الريفية بتاتاً،وأخيراً يُحدّد عدد الطلاب اليهود في المدارس النظامية والجامعات.
    لا أعرف كيف تحوّلت تلك الضحية - كما يحلو لها أن تصوّر نفسها - لجانٍ مستبدّ ..!! هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أعرف كيف أمكن إيجاد هذا التوافق الواضح بين مضامين تلك القوانين -والموجهة آنذاك ضد يهود روسيا- والوضع الحالي للإنسان العربي الخاضع تحت نير الاحتلال الصهيوني، فالممارسات العنصرية في الكيان الصهيوني وفي العقيدة الصهيونية اليهودية لا تعدو شكلاً من الأشكال التعبيرية عن عقيدة الدولة؛ فالفلسطينيون ليسوا مواطنين بالمعنى الحرفي للكلمة، إنما هم من سكان إسرائيل،أو مواطنون من الدرجة الثالثة.
    * عنصرية عجزت عن استيفاء إجماع يهودي، فرفضها عدد منهم، ومن هؤلاء المحامي أمنون روبنشتاين الذي قال: ( إن المطالبة المتطرفة بحرمان عرب إسرائيل حقوق الإنسان لم تصدر من اليمين الإسرائيلي فحسب، وإنما صدرت عن حزب العمل أيضا، والواقع:
    إن حرمان العرب من كيانهم وحقوقهم، من قبل يهود كانوا هم أنفسهم حتى الأمس فاقدي الحقوق، هو التعبير عن حالة الانحلال الفكري التي تعاني منها حكومة إسرائيل) في حين أكد الصهيوني شموئيل تولياندا هذه العنصرية بقوله: ( إن وضع العرب الإسرائيليين هو الأسوأ في العالم)!!
    إن العدوان الصهيوني لا يقتصر على ما نتابعه يومياً من قتل وهدم للبيوت الفلسطينية، وجرف للأراضي الزراعية مضى على رعايتها عقود من الزمان، ولا على الاغتيالات العشوائية لهذا الكيان الذي لا يفرق بين طفل ولا شيخ، وامرأة ولا رجل، فهذا الاحتلال يتعامل مع السكان الفلسطينيين على أنهم مواطنون من الدرجة الثالثة، ويخضعهم لشتى أنواع الاضطهاد العنصري؛ فمعظم جوانب حياتهم خاضعة بشكل أو بآخر لهذه السياسة العنصرية،عنصرية تشمل الجانب السياسي ،والاقتصادي، والثقافي، والاجتماعي، وفي مجال البناء والتطوير، والتوظيف،والصحة، وغيرها ...!!
    وسأعمد هنا إلى الإشارة لبعض هذا التمييز، لعلنا نصل إلى يقين بأن من المحال التعامل مع هؤلاء بعدالة نضمن وصولها لكلا الطرفين، ما دام الخيار بأيدي هؤلاء، وما دام العالم غير مدرك لأهمية الإعلان عن رأيه صراحة فيما يجري على أرض الواقع في فلسطين المحتلة!!
    فعلى الصعيد السياسي حُرم الفلسطينيون من كافة الحقوق السياسية التي يتمتع بها المواطنون اليهود، وقد توقف إسرائيل شاحاك المفكر اليهودي عند هذه النقطة قائلاً: (إن إسرائيل حظرت على الفلسطينيين كافة أشكال النشاط السياسي، فسياسة الكبت طاغية، ولا يُسمح للفلسطينيين برفع أية شكوى ضد السلطات العسكرية) بل إنه يؤكد هذا التعسف السياسي ضد الفلسطينيين بقوله: ( إن جميع ضروريات الحياة فيما يتعلق بالفلسطينيين - اللهم إلا التنفس - خاضعة لتصريح من السلطات العسكرية) كما يعلن للعالم: ( أن الإسرائيليين يرون أن جميع الأنظمة والقوانين النافذة في إسرائيل، وسياسة القهر والكبت والاضطهاد، ضرورة للحفاظ على (الطائفة اليهودية ) ولجعل إسرائيل دولة يهودية)!!
    وإذا أردنا النظر في وضع الاقتصادي الفلسطيني فلن نجد إلا بقايا مجتمع ريفي محطم، انتهي إلى هذا الوضع بفعل السلطات السياسية لهذا الاحتلال الذي عمد ويعمد إلى مصادرة الأراضي الزراعية الفلسطينية أو إلى جرف محصولها، وحبذا لو تم ذلك قبيل موسم الحصاد إمعاناً في إذلال وقهر أصحابها، ولم تكتفِ هذه السلطات بذلك بل باشرت في تضخيم الضرائب المخصّصة على ملاك الأراضي الزراعية للفلسطينيين، مما دفع بالمزارع الفلسطيني والذي يُمنع من تسويق محاصيله الزراعية، لبيعها تخلصاً من الضرائب المفروضة، أو لمصادرة أرضه في حال عجزه عن دفع الضريبة المقررة، وقد تلجأ سلطات الاحتلال لإصدار قرارات تتحول الأراضي القروية بموجبها لأراضي مدن، إمعاناً في رفع قيمة الضرائب المفروضة عليها، وليس هذا فقط، فعلى المواطن العربي ضرائب دخل، وضرائب بلدية، وضرائب أخرى غير مباشرة، أما ضريبة الملك فهي موجهة للسكان العرب دون اليهود!!
    كما أن السلطات السياسية لهذا الاحتلال كعادتها مارست وتمارس تعسفها وعنصريتها وبشكل سافر؛ إذ تدخلت في تحديد نوعية المحاصيل التي يفسح المجال للعرب بزراعتها، وفي هذا الشأن تحدث إسرائيل شاحاك فقال: (إن الاقتصاد الزراعي في الضفة الغربية قد دُمّر بفعل مجموعة من الأسباب، ربما أهمها: المصادرات، والأسعار المنخفضة للمنتجات الزراعية) كما قال: (إن إسرائيل حظرت زراعة سائر أنواع الحبوب في الضفة الغربية منذ 1968م، على اعتبار أن زراعتها مقتصرة على اليهود وحدهم).
    وعندما توجه المزارعون العرب لزراعة (الطماطم ) عمد الكيان الصهيوني لمكافحة إنتاجهم بشتى الطرق، ورغم تدني أسعار المحصول وارتفاع أسعار المبيدات. واستمر المزارعون العرب بزراعتهم لهذا النوع من المحاصيل، فما كان من مكتب وزارة الزراعة إلا أن أرسل تحذيراته وإنذاراته المتتالية التي تحرّم عليهم زراعتها، ثم أوعزت للشركات التي تتعامل معهم تقليص مشترياتها من الطماطم، لينتهي الأمر بتحقيق خسارة لا تعوض للمزارعين العرب.
    أما منظر الأراضي الفلسطينية المزروعة بالحمضيات وهي تُجرف بالجرارات الصهيونية قبيل بناء الجدار الفاصل، فما زال عالقاً في الذاكرة، ولم يكتفوا بذلك بل صادروا الأرض بدعوى حفظهم لأمن كيانهم الصهيوني، كما عمدوا لمنع وصول الماء للأراضي الباقية بأيدي الفلسطينيين.
    وقد تحدث الكاتب اليهودي إنجليزي الجنسية ( فالتر شفارتز) في كتابه (العرب في إسرائيل) عن معاناة العرب تحت الاحتلال الإسرائيلي فقال: ( يُحرّم على المزارعين العرب نقل إنتاجهم إلى أسواق المدن، وبالتالي يُجبرون على بيع محاصيلهم بأسعار بخسة، وهي بعد في الحقول).
    لقد أدّت هذه الظروف القاهرة إلى وجود طبقة متزايدة من العمال الفلسطينيين، تبحث عن عمل في السوق اليهودي الذي تعمّد استغلال حاجتهم بأبشع صورة، خاصة مع عدم وجود صناعة عربية كافية يمكن لها أن تحتويهم، وقد بيّن إسرائيل شاحاك الأوضاع الاقتصادية التي آلوا إليها بقوله: (إن العرب في دولة إسرائيل أصبحوا من الطبقات العاملة التي تعتمد على أجورها، وهم مجبَرون على العمل في المنشآت الإسرائيلية، والعودة ليلياً إلى مناطق تجمعاتهم؛ لأنهم ممنوعون من الإقامة في مناطق عملهم اليهودية، أو حتى التواجد فيها ليلاً، وهكذا يجد العمال العرب أنفسهم مرهقين لدرجة لا يستطيعون بعدها إلا النوم).
    لقد حول هذا التحايل المجتمع الفلسطيني من طبقة ملاك لطبقة عمال مأجورين، يسهل التحكم فيهم وفي مواردهم ..!! ولكني أجزم أنه -مع كل تلك الإجراءات- يصعب التحكم في أرواحهم الأبية!!
    إن لدى الإسرائيليين طريقة معينة في التعبير عن قلة الاحترام تجاه شخص ما أدنى منهم منزلة، فقد يصف يهودي حياة يهودي آخر بقوله : (إنه يعيش كالعرب)، كما أنهم عندما يمعنون في تحقير مهنة ما يقولون: (هذه من وظائف العرب!) و المعنى واضح في كلا الحالتين وأمثالها فالغاية تبيان أن العرب أقل منزلة ومقاماً من اليهود!!
    وإذا وددت الحديث إليكم عن الحياة الثقافية لشعب فلسطين في ظل الاحتلال، أجد نفسي أمام قول روبنشتاين الذي تحدّث عن الفصل العنصري الثقافي لهذا الكيان بقوله: "إنها تفصل في مجال التعليم بين مجموعتين من السكان، فللمواطنين العرب إدارة تراقب وتقيّد وتحذّر وتهدّد وتعاقب، وفي المقابل هناك جهاز آخر يختلف كلياً، يُعنى بالمواطنين اليهود، جهاز يشجع وينمّي ويوسّع ويُدلّل .. ) إن الواقع الذي لا مِراء فيه يؤكد أن الكيان الصهيوني لم يبذل آية جهد فيما يتعلق بتجديد وتطوير مدارس عرب فلسطين، وبطبيعة الحال لم يحاول التفكير في بناء أي منها في مناطق التجمعات الفلسطينية، فحالة الأبنية المدرسية هناك سيئة للغاية، وعدد كبير منها آيل للسقوط، وتفتقر معظمها للمرافق الصحية والمرافق التعليمية ..من معامل ومكتبات وملاعب مدرسية، حتى الطفل الفلسطيني في رياض الأطفال ناله شيء من هذه التفرقة العنصرية فهو محروم من الرعاية الصحية والغذائية التي يتمتع بها أطفال اليهود.
    ويقول عاموس إيلول نقلاً عن الشاعر أوري بيرنشتاين : ( إن الحرية التي نرغب في إتاحتها للفلسطينيين في المناطق المحتلة، ليست سوى حرية الجهل، إننا نسمح لهم فقط بحركات متوقعة سلفاً، ومن أشخاص آليّين لا روح فيهم، يجب ألا يفكروا.. إننا لا ننكر عليهم الاستقلال السياسي فحسب، بل إننا نريد السيطرة على نفوسهم وآدابهم وأشعارهم ..) بل إن الكتب المحظور تداولها على المواطن الفلسطيني لا تنحصر بالكتب السياسية بل تشمل التاريخ والأدب وعلوم اللغة العربية بل حتى الكتب الرياضية وغيرها.
    كما أن إسرائيل شاحاك الذي فر بنفسه من طغيان اليهود يؤكد أن ما يُكتب عن الكيان الصهيوني ما هو إلا تعتيم مقصود أو نوع من أنواع الخديعة، كما قال: (إن كل شيء يُصنف من منظور ذلك الكيان يكون إما يهودياً أو غير يهودي، هذا التقسيم لا ينطبق على الناس فقط بل حتى على الحيوانات والنباتات ..!! فاليهود يُعاملون كمواطنين لهم حظوة وامتيازات وخصوصيات تُحترم، ويتمتعون بكل الحقوق والرعاية من السلطة، أما غير اليهود فيُعاملون كأقليات مضطّهدة تُحرِّم عليهم القوانين والتنظيمات العيشَ أو التواجدَ بأي شكل من الأشكال في أماكن محددة، ومن بين هذه الأماكن الكرمل، الناصرة العليا، حتزور، آراد ،متزبة، رامون، تل أبيب، حيفا، والعديد من الأحياء في مدينة القدس وغيرها.. ) هذه هي العدالة الصهيونية..!!
    وللحديث بقية بإذن الله.
     


    (3)
     

    سأعمد هنا ابتداءً للغوص في محور يتعلق بشكل أو بآخر بما نحن بصدده، وأعني به موقف الإسلام والمسلمين بطبيعة الحال من الآخر، لعلنا نتمكن من خلال ذلك من عقد مقارنة موضوعية بين موقفي الإسلام واليهودية وأهلهما من غيرهما، ولعلنا ننتهي من خلالها للوقوف على النظرة الإنسانية للآخر من كلتا الجهتين الإسلامية العربية واليهودية الصهيونية.
    غنيّ عن البيان أن دماء اليهود كدماء النصارى وأعراضهم وأموالهم مصونة إسلامياً؛ فنحن كمسلمين لا يمكن لنا التعرّض للمسالمين منهم بسوء، فقد حذّرنا خاتم الأنبياء والرسل -عليه الصلاة والسلام- من التعرّض لهم بقوله: "من آذى ذمِّياً فأنا خصمه يوم القيامة، ومن خاصمته خصمته". هذا المفهوم وضّحه بعض فقهاء الحنفيّة بقولهم: (ويجب كفّ الأذى عنه – أي الذمّي – وتحرم غيبته كالمسلم). كما قال فقهاء المالكية: (إن عقد الذّمة يوجب حقوقاً علينا لهم ..فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عِرض أحدهم أو نوع من أنواع الأذيّة، أو أعان على ذلك فقد ضيّع ذمّة الله...).
    فهل طبّق المسلمون هذا المنهاج المتسامح على أرض الواقع؟
    استفهام ستكون إجابته أوقع لو جاءت من خارج الدائرة، وعليه ارتأيت ترككم مع هذه الباقة من أقول علمائهم، وسأتوقف ابتداء عند (سيرايتز غواتين) رئيس قسم الدراسات الشرقية في الجامعة العبرية بالقدس الذي قال: (في الأندلس العربية .. عاش اليهود عصراً ذهبياً) في حين قارن الكاتب اليهودي الصهيوني نسيم رجوان بين حالهم في أسبانيا المسيحية، وحالهم بعد أن ارتفعت راية الإسلام في أجوائها، فقال: ( لاقى اليهود في أسبانيا الأوربية مصيراً بائساً، وعانوا الكثير من قسوة بعض ملوك النصارى، وعندما وصل المسلمون إلى أسبانيا عملوا على تحرير اليهود.. وثمّة إجماع على الاعتراف بأنّ هذه الفترة كانت من أكثر الفترات ازدهاراً في التاريخ اليهودي، وإن أثرها في اليهودية وفي الشعب اليهودي اليوم لا جدال فيه)!! ويضيف رجوان: ( وللمناسبة يبدو مفيداً النظر في وضع اليهود الذين كانوا يقيمون في الحقبة نفسها في بلدان أوروبا المسيحية، فبينما كان يهود أسبانيا العربية يتمتعون كلياً بالسلام والحرية، كان يهود أوروبا المسيحية يعيشون فوق بركان يهدّد بإزالتهم في أي وقت، كانوا معرضين للاضطهاد الدائم)!! وعن هذا التعايش الإنساني الذي عاش اليهود في نطاقة، يتحدّث البريفسور الأمريكي (ألن غودبي) أستاذ (العهد القديم) في جامعة ديوك في الولايات المتحدة الأمريكية فيقول: (تفوّق السفارديم – يهود الشرقيين - كان نتيجة الحرية التي منحها العرب لليهود، في وقت كانت أوروبا المسيحية تمنعها عن اليهود)، وهذا ما أكّدته الموسوعة البريطانية بقولها: ( لم يعرف اليهود في عهد العرب أي قيد على حريتهم).
    أما في القرن العشرين فقد استقبل عرب فلسطين اليهود المهاجرين بالتسامح المعهود منهم يقول هارون بيشر: (ظل سكان شمال فلسطين مخلصين في تعاملهم مع اليهود حتى عام 1948م، فقد عاش اليهود مع هؤلاء الفلاحين العرب بسلام، ووجدوا منهم كل مساعدة) ويقول عميد كلية الحقوق السابق في جامعة تل أبيب (أمنون روبنشتاين): (إن لهؤلاء الفلاحين تاريخاً طويلاً من الودّ والمساعدة والإخلاص لليهود)!! وفي مقابل هذه الصورة الإنسانية والأخلاقية لعرب فلسطين نجد احتلالاً صهيونياً عنصري النزعة يهودي الديانة، احتلالاً استمد قيمه من تعاليم دينه الذي يتنكر للكرامة الإنسانية وللمثل الأخلاقية؛ فرجال الدين اليهودي الصهاينة يتبجحون وبتصريحات عنصرية دموية وهم الآمنون من كل عقاب؛ بل حتى من أي لوم؛ ألم نسمع عوفديا يوسف يصرح عبر وسائل الأعلام بقوله : "اقتلوا العرب"، ويضيف : "إن الله ندم على خلقهم " وإليكم ما قاله الحاخام ديفد كيفت: "إن قتل العرب لا يعتبر مشكلة أخلاقية".
    ولم يعرف واقع العالم ظلماً أشد ضراوة من الظلم الذي لحق بأهل فلسطين المحتلة، كما أكد الدكتور جورجي كنعان تلك العنصرية بقوله: "فقد حرموا من ممارسة حقهم في تقرير المصير، وتم إجلاؤهم بعيداً عن دورهم وأراضيهم وبلدهم، ومن بقي منهم في مكانه عانى ويعاني من أبشع أشكال التمييز والتفرقة العنصرية؛ فقد حيل بينهم وبين المشاركة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية داخل وطنهم، الذي تحول بسطوة الاحتلال إلى دولة يهودية، وظلوا يعيشون فيها تحت وطأة قوانين وممارسات عنصرية قاسية، مهدّدين بالتشريد، وممتلكاتهم معرضة للاستيلاء، وبيوتهم للهدم والتدمير).
    ولم يكن مستغرباً أن يعلن الدكتور (موشيه) العنصري النزعة والهوى، والرئيس الأسبق لجنوب أفريقيا أعجابه بالكيان الصهيوني، إثر زيارة قام بها لهذا الكيان، فقد جاء على لسانه: (يوجد لدى إسرائيل الكثير مما يمكن تعلمه)!! معه الحق كل الحق فيما ذهب إليه؛ فالكيان الصهيوني هو الكيان العنصري الأمثل له ولأمثاله!!
    إن من حق الفلسطينيين دفع هذه الأغلال وتلك القيود، ولا مجال لقبولهم بالحلول المبتورة التي لا تراعي إنسانية الإنسان الفلسطيني، حقيقة لا يمكن للعقلاء نفيها أو التهاون بنتائجها، حقيقة دفعت الدكتور (إسرائيل شاحاك) أستاذ الكيمياء الأسبق في الجامعة العبرية ليقول: "نحن اليهود لا يمكن أن نسكت أو نغضّ النظر عن مثل هذا الاضطهاد إذا كان موجّهاً إلى أقلية يهودية، في أي بلد من بلدان العالم، ولذلك يجب علينا ألاّ نسكت عن الاضطهاد الذي تمارسه إسرائيل بحق العرب).
    وبعد كل هذا وغيره كثير، أُوجّه تساؤلي لمنظمة الأمم المتحدة التي أقرّت عام 1975م، أن الكيان الصهيوني شكل من أشكال العنصرية، كيف تأتّى لهذه المنظمة العالمية إلغاء قرارها هذا عام 1991م؟! مع يقينها أنها ازدادت في تعنّتها العنصريّ الساديّ، وانسلاخها من كل القيم الإنسانية، والقوانين الدولية، والتي في مجملها تعلن احترامها للإنسان!!
    أو هكذا تدّعي!!
     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط
  • مواقع اسلامية