صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    الدرُّ النضيد من فروق وتقاسيم القول المفيد على كتاب التوحيد (2)

    سامي المسيطير
    @Smusaiteer


    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

     

    السابق .. الدرُّ النضيد من فروق وتقاسيم القول المفيد على كتاب التوحيد (1)
     

    بابٌ مَا جَاءَ فِي التَّنْجِيمِ
     

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :
    التنجيم : مصدر نجَّم بتشديد الجيم ، أي : تعلم علم النجوم ، أو اعتقد تأثير النجوم .
    وعلم النجوم ينقسم إلى قسمين :
    1- علم التأثير .
    2- علم التسيير .


    فالأول : علم التأثير :
    وهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
    أ- أن يعتقد أن هذه النجوم مؤثرة فاعلة ، بمعنى أنها هي التي تخلق الحوادث والشرور ، فهذا شرك أكبر ، لأن من ادعى أن مع الله خالقاً ، فهو مشرك شركاً أكبر ، فهذا جعل المخلوق المسخر خالقاً مسخراً .
    ب- أن يجعلها سبباً يدعي به علم الغيب ، فيستدل بحركاتها وتنقلاتها وتغيراتها على أنه سيكون كذا وكذا ، لأن النجم الفلاني صار كذا وكذا ، مثل أن يقول : هذا الإنسان ستكون حياته شقاء ، لأنه ولد في النجم الفلاني ، وهذا حياته ستكون سعيدة لأنه ولد في النجم الفلاني .
    فهذا اتخذ تعلم النجوم وسيلة لادعاء علم الغيب ، ودعوى علم الغيب كفر مخرج عن الملة ، لأن الله يقول : (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله) [النمل: 65] ، وهذا من أقوى أنواع الحصر ، لأنه بالنفي والإثبات ، فإذا ادعى أحد علم الغيب ، فقد كذب القرآن .
    ج- أن يعتقدها سبباً لحدوث الخير والشر ، أي أنه إذا وقع شيء نسبة إلى النجوم ، ولا ينسب إلى النجوم شيئاً إلا بعد وقوعه ، فهذا شرك أصغر .
    (ج2/5)
    ----
    الثاني : علم التيسير :
    وهذا ينقسم إلى قسمين :
    الأول : أن يستدل بسيرها على المصالح الدينية ، فهذا مطلوب ، وإذا كان يعين على مصالح دينية واجبة كان تعلمها واجباً ، كما لو أراد أن يستدل بالنجوم على جهة القبلة ، فالنجم الفلاني يكون ثلث الليل قبلة ، والنجم الفلاني يكون ربع الليل قبلة ، فهذا فيه فائدة عظيمة .
    الثاني : أن يستدل بسيرها على المصالح الدنيوية ، فهذا لا بأس به ، وهو نوعان :
    النوع الأول : أن يستدل بها على الجهات ، كمعرفة أن القطب يقع شمالاً ، والجدي وهو قريب منه يدور حوله شمالاً ، وهكذا ، فهذا جائز ، قال تعالى: (وعلامات وبالنجم هم يهتدون) [النحل: 16].
    النوع الثاني : أن يستدل بها على الفصول ، وهو ما يعرف بتعلم منازل القمر ، فهذا كرهه بعض السلف ، وأباحه آخرون .
    والذين كرهوه قالوا : يخشى إذا قيل : طلع النجم الفلاني ، فهو وقت الشتاء أو الصيف ؛ أن بعض العامة يعتقد أنه هو الذي يأتي بالبرد أو البحر أو بالرياح .
    والصحيح عدم الكراهة ، كما سيأتي إن شاء الله .
    (ج2/6)
    ----
    المتن :" قال البخاري في "صحيحه" : " قال قتادة : خلق الله هذه النجوم لثلاث : زينة للسماء ، ورجوماً للشياطين ، وعلامات يهتدى بها ، فمن تأول فيها غير ذلك ، أخطِأ ، وأضاع نصيبه ، وتكلف ما لا علم له به " انتهى .
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :
    الثالثة : علامات يهتدى بها ، تؤخذ من قوله تعالى: (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهاراً وسبلاً لعلكم تهتدون * وعلامات وبالنجم هم يهتدون) [النحل: 16] ، فذكر الله تعالى نوعين من العلامات التي يهتدى بها :
    الأول : أرضية : وتشمل كل ما جعل الله في الأرض من علامة ، كالجبال ، والأنهار ، والطرق ، والأودية ، ونحوها .
    والثاني : أفقية في قوله تعالى: ( وبالنجم هم يهتدون ).
    (ج2/ 9)
    ----
    المتن :" وكره قتادة تعلم منازل القمر " .
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :
    وقوله : " تعلم منازل القمر " يحتمل أمرين :
    الأول : أن المراد به معرفة منزلة القمر ، الليلة يكون في الشرطين ، ويكون في الإكليل ، فالمراد معرفة منازل القمر كل ليلة ، لأن كل ليلة له منزلة حتى يتم ثمانياً وعشرين وفي تسع وعشرين وثلاثين لا يظهر في الغالب .
    الثاني : أن المراد به تعلم منازل النجوم ، أي : يخرج النجم الفلاني ، في اليوم الفلاني وهذه النجوم جعلها الله أوقاتاً للفصول ، لأنها [28] نجماً :
    - منها [14] يمانية .
    - و[14] شمالية .

    فإذا حلت الشمس في المنازل الشمالية صار الحر ، وإذا حلت في الجنوبية صار البرد ، ولذلك كان من علامة دنو البرد خروج سهيل ، وهو من النجوم اليمانية .

    والصحيح أنه لا بأس بتعلم منازل القمر ، لأنه لا شرك فيها ، إلا أن تعلمها ليضيف إليها نزول المطر وحصول البرد ، وأنها هي الجالبة لذلك ، فهذا نوع من الشرك ، أما مجرد معرفة الوقت بها : هل هو الربيع ، أو الخريف ، أو الشتاء ، فهذا لا بأس به .
    (ج2/ 10)
    ----
    المتن :" وعن أبي موسى ، قال رسول الله صلى الله علية وسلم : "ثلاثة لا يدخلون الجنة : مدمن الخمر ، وقاطع الرحم ، ومصدق بالسحر " رواه أحمد وابن حبان في "صحيحه" .
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :
    قوله : "قاطع رحم".
    الرحم : هم القرابة ، قال تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) [الأنفال: 75] ، وليس كما يظنه العامة أنهم أقارب الزوجين ، لأن هذه تسمية غير شرعية ، والشرعية في أقارب الزوجين : أن يسموا أصهاراً .
    ومعنى قاطع الرحم : أن لا يصله ، والصلة جاءت مطلقة في الكتاب والسنة ، قال تعالى: (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) [الرعد: 21] ، ومنه الأرحام وما جاء مطلقاً غير مقيد ، فإنه يتبع فيه العرف كما قيل :
    وكل ما أتى ولم يحدد*** بالشرع كالحرز فبالعرف احدد
    فالصلة في زمن الجوع والفقر : أن يعطيهم ويلاحظهم بالكسوة والطعام دائماً ، وفي زمن الغنى لا يلزم ذلك .
    وكذلك الأقارب ينقسمون إلى :
    1- قريب .
    2- وبعيد .

    فأقربهم يجب له من الصلة أكثر مما يجب للأبعد .

    ثم الأقارب ينقسمون إلى قسمين من جهة أخرى :
    1- قسم من الأقارب يرى أن لنفسه حقاً لا بد من القيام به ، ويريد أن تصله دائماً .
    2- وقسم آخر يقدر الظروف وينزل الأشياء منازلها ، فهذا له حكم ، وذلك له حكم .


    وهل صلة الرحم حق لله أو للآدمي ؟
    الظاهر أنها حق للآدمي ، وهي حق لله باعتبار أن الله أمر بها .
    (ج2/ 12 - 13)
    ----

    بابٌ مَا جَاءَ فِي الاسْتِسْقَاءِ بالأنْوَاءِ

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :
    الاستسقاء : طلب السقيا
    كالاستغفار : طلب المغفرة
    والاستعانة : طلب المعونة
    والاستعاذة : طلب العوذ
    والاستهداء : طلب الهداية
    لأن مادة استفعل في الغالب تدل على الطلب ، وقد لا تدل على الطلب ، بل تدل على المبالغة في الفعل ، مثل : استكبر ، أي : بلغ في الكبر غايته ، وليس المعنى طلب الكبر .
    والاستسقاء بالأنواء ، أي : أن تطلب منها أن تسقيك .

    والاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين :
    القسم الأول : شرك أكبر ، وله صورتان :
    الأولى : أن يدعو الأنواء بالسقيا ، كأن يقول : يا نوء كذا ! اسقنا أو أغثنا ، وما أشبه ذلك ، فهذا شرك أكبر ، لأنه دعا غير الله ، ودعاء غير الله من الشرك الأكبر ، قال تعالى : ( ومن يدع مع الله إلها أخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون )[المؤمنون : 17 ] ، وقال تعالى : ( وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً ) [الجن : 18] ، وقال تعالى : ( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين ) [يونس : 106].
    إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على النهي عن دعاء غير الله ، وأنه من الشرك الأكبر.

    الثانية : أن ينسب حصول الأمطار إلى هذه الأنواء على أنها هي الفاعلة بنفسها دون الله ولو لم يدْعُها ، فهذا شرك أكبر في الربوبية ، والأول في العبادة ، لأن الدعاء من العبادة ، وهو متضمن للشرك في الربوبية ، لأنه لم يدْعُها إلا وهو يعتقد أنها تفعل وتقضي الحاجة .

    القسم الثاني : شرك أصغر ، وهو أن يجعل هذه الأنواء سبباً مع اعتقاده أن الله هو الخالق الفاعل ، لأن كل من جعل سبباً لم يجعله الله سبباً لا بوحيه ولا بقدره ، فهو مشرك شركاً أصغر .
    (ج2/ 18 - 19)
    ----
    المتن :" وقال الله تعالى ( وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون )[الواقعة : 82].
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :
    واعلم أن التكذيب نوعان :
    أحدهما : التكذيب بلسان المقال ، بأن يقول هذا كذب ، أو المطر من النوء ونحو ذلك .
    والثاني : التكذيب بلسان الحال ، بأن يعظم الأنواء والنجوم معتقداً أنها السبب ، ولهذا وعظ عمر بن عبد العزيز الناس يوماً ، فقال : " أيها الناس ! إن كنتم مصدقين ، فأنتم حمقى ، وإن كنتم مكذبين ، فأنتم هلكى " . وهذا صحيح ، فالذي يصدق ولا يعمل أحمق ، والمكذب هالك ، فكل إنسان عاص نقول له الآن : أنت بين أمرين :
    - إما أنك مصدق بما رتب على هذه المعصية .
    - أو مكذب .
    فإن كنت مصدقاً ، فأنت أحمق ، كيف لا تخاف فتستقيم ؟‍! وإن كنت غير مصدق ، فالبلاء أكبر ، فأنت هالك كافر .
    (ج2/20)
    ----
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :
    والمراد بالكوكب النجم ، وكانوا ينسبون المطر إليه ، ويقولون : إذا سقط النجم الفلاني جاء المطر ، وإذا طلع النجم الفلاني جاء المطر ، وليسوا ينسبونه إلى هذا نسبة وقت ، وإنما نسبة سبب ، فنسبة المطر إلى النوء تنقسم إلى ثلاثة أقسام :
    1- نسبة إيجاد ، وهذه شرك أكبر .2- نسبة سبب ، وهذه شرك أصغر .3- نسبة وقت ، وهذه جائزة بأن يريد بقوله : مطرنا بنوء كذا ، أي : جاءنا المطر فى هذا النوء أي فى وقته .
    ولهذا قال العلماء : يحرم أن يقول : مطرنا بنوء كذا ، ويجوز مطرنا في نوء كذا ، وفرقوا بيهما أن الباء للسببية ، و"في " للظرفية .
    (ج2/ 31)
    ----

    بابٌ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ " .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :
    والمحبة تنقسم إلى قسمين :
    القسم الأول : محبة عبادة ، وهي التي توجب التذلل والتعظيم ، وأن يقوم بقلب الإنسان من إجلال المحبوب وتعظيمه ما يقتضي أن يمتثل أمره ويجتنب نهيه ، وهذه خاصة بالله ، فمن أحب مع الله غيره محبة عبادة ، فهو مشرك شركاً أكبر ، ويعبر العلماء عنها بالمحبة الخاصة .
    القسم الثاني : محبة ليست بعبادة في ذاتها ، وهذه أنواع :
    النوع الأول : المحبة لله وفي الله ، وذلك بأن يكون الجالب لها محبة الله ، أى : كون الشيء محبوباً لله تعالى من أشخاص ، كالأنبياء ، والرسل ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين .
    أو أعمال ، كالصلاة ، والزكاة ، وأعمال الخير ، أو غير ذلك .
    وهذا النوع تابع للقسم الأول الذي هو محبة الله .
    النوع الثاني : محبة إشفاق ورحمة ، وذلك كمحبة الولد ، والصغار ، والضعفاء ، والمرضى .
    النوع الثالث : محبة إجلال وتعظيم لا عبادة ، كمحبة الإنسان لوالده ، ولمعلمه ، ولكبير من أهل الخير .
    النوع الرابع : محبة طبيعية ، كمحبة الطعام ، والشراب ، والملبس ، والمركب ، والمسكن .

    وأشرف هذه الأنواع النوع الأول ، والبقية من قسم المباح ، إلا إذا أقترن بها ما يقتضى التعبد صارت عبادة .
    ( ج2 / 45 )
    ----
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :
    قال شيخ الإسلام : " من كان مؤمناً تقياً كان لله ولياً " . والولاية سبق أنها النصرة والتأييد والإعانة .

    والولاية تنقسم إلى :
    1- ولاية من الله للعبد .
    2- وولاية من العبد لله .

    فمن الأولى قوله تعالى ( الله ولي الذين آمنوا ) [ البقرة : 257 ] ومن الثانية قوله تعالى ( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا …. ) [ المائدة : 56 ] .

    والولاية التي من الله للعبد تنقسم إلى :
    - عامة .
    - وخاصة .

    فالولاية العامة هي : الولاية على العباد بالتدبير والتصريف ، وهذه تشمل المؤمن والكافر وجميع الخلق ، فالله هو الذي يتولى عباده بالتدبير والتصريف والسلطان وغير ذلك ، ومنه قوله تعالى . ( ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق آلا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ) [ الأنعام : 62].

    والولاية الخاصة : أن يتولى الله العبد بعنايته وتوفيقه وهدايته ، وهذه خاصة بالمؤمنين ، قال تعالى : ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجهم من النور إلى الظلمات ) [البقرة : 257] وقال : ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولاهم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون ) [ يونس : 62 ] .
    (ج2/ 60)
    ----

    بابٌ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى :" إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ".

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :
    والخوف أقسام :
    الأول : خوف العبادة والتذلل والتعظيم والخضوع ، وهو ما يسمى بخوف السر .وهذا لا يصلح إلا لله – سبحانه - ، فمن أشرك فيه مع الله غيره ؛ فهو مشرك شركاً أكبر ، وذلك مثل : مَن يخاف من الأصنام أو الأموات ، أو من يزعمونهم أولياء ويعتقدون نفعهم وضرهم ؛ كما يفعله بعض عباد القبور : يخاف من صاحب القبر أكثر مما يخاف الله .

    الثاني : الخوف الطبيعي والجبلي ؛ فهذا في الأصل مباح ، لقوله تعالى عن موسى : ( فخرج منها خائفاً يترقب ) ، وقوله عنه أيضاً : ( رب إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون ) ، لكن :
    - إن حمل على ترك واجب أو فعل محرم ؛ فهو محرم .
    - وإن استلزم شيئاَ مباحاً كان مباحاً .

    فمثلاً من خاف من شيء لا يؤثر عليه وحمله هذا الخوف على ترك صلاة الجماعة مع وجوبها ؛ فهذا الخوف محرم ، والواجب عليه أن لا يتأثر به .
    وإن هدده إنسان على فعل محرم ، فخافه وهو لا يستطيع أن ينفذ ما هدده به ، فهذا خوف محرم لأنه يؤدي إلى فعل محرم بلا عذر ، وإن رأى ناراً ثم هرب منها ونجا بنفسه ؛ فهذا خوف مباح ، وقد يكون واجباً إذا كان يتوصل به إلى إنقاذ نفسه .

    وهناك ما يسمى بالوهم وليس بخوف ، مثل أن يرى ظل شجرة تهتز فيظن أن هذا عدو يتهدده ، فهذا لا ينبغي للمؤمن أن يكون كذلك ، بل يطارد هذه الأوهام لأنه حقيقة لها ، وإذا لم تطاردها ؛ فإنها تهلكك .
    (ج2 / 68)
    ----
    المتن : " وقوله : ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) [ التوبة : 18] .
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :
    قوله : ( وأقام الصلاة ) : أي : أتى بها على وجه قويم لا نقص فيه ، والإقامة نوعان :
    1- إقامة واجبة : وهي التي يقتصر فيها على فعل الواجب من الشروط والأركان والواجبات .
    2- وإقامة مستحبة : وهي التي يزيد فيها على فعل ما يجب فيأتيى بالواجب والمستحب .
    (ج2 / 72)
    ----
    المتن :" قوله : ( ولم يخش إلا الله ) .
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :
    في هذه الآية حصر طريقة الإثبات والنفي . ( لم يخش ) نفي ، ( إلا الله ) إثبات ، والمعنى : أن خشيته انحصرت في الله – عز وجل - ؛ فلا يخشى غيره .
    والخشية نوع من الخوف ، لكنها أخص منه ، والفرق بينهما :
    1 – أن الخشية تكون مع العلم بالمخشي وحاله ، لقوله تعالى : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) [ فاطر : 28] ، والخوف قد يكون من الجاهل .
    2 – أن الخشية تكون بسبب عظمة المخشي ، بخلاف الخوف ، فقد يكون من ضعف الخائف لا من قوة المخوف .

    (ج2/ 72 - 73 )
    ----
    المتن :" وقوله : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ) [ العنكبوت : 10] الآية .
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :
    وفي هذه الآية من الحكمة العظيمة ، وهي ابتلاء الله العبد لأجل أن يمحص إيمانة ، وذلك على قسمين :
    الأول : ما يقدره الله نفسه على العبد ؛ كقوله تعالى : ( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير أطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ) [ الحج : 11] وقوله تعالى : ( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ) [ البقرة : 155 ، 156] .
    الثاني : ما يقدره الله على أيدي الخلق من الإيذاء امتحاناً واختباراً ، وذلك كالآية التي ذكر المؤلف .
    (ج2 / 75 )
    ----

    بابٌ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى : ( وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    والتوكل : هو الإعتماد على الله – سبحانه وتعالى – في حصول المطلوب ، ودفع المكروه ، مع الثقة به وفعل الأسباب المأذون فيها ، وهذا أقرب تعريف له ، ولابد من أمرين :

    الأول : أن يكون الاعتماد على الله اعتماداً صادقاً حقيقياً .
    الثاني : فعل الأسباب المأذون فيها .

    فمن جعل أكثر اعتماده على الأسباب ، نقص توكله على الله ، ويكون قادحاً في كفاية الله ، فكأنه جعل السبب وحده هو العمدة فيما يصبو إليه من حصول المطلوب وزوال المكروه .

    ومن جعل اعتماده على الله ملغياً للأسباب ، فقد طعن في حكمة الله ، لأن الله جعل لكل شيء سبباً ، فمن اعتمد على الله اعتماداً مجرداً ، كان قادحاً في حكمة الله ، لأن الله حكيم ، يربط الإسباب بمسبباتها ، كمن يعتمد على الله في حصول الولد وهو لا يتزوج .

    (ج2/87)

    ----
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    والتوكل ينقسم إلى ثلاثة أقسام :

    الأول : توكل عبادة وخضوع ، وهو الإعتماد المطلق على من توكل عليه ، بحيث يعتقد أن بيده جلب النفع ودفع الضر ، فيعتمد عليه اعتماداً كاملاً ، مع شعوره بافتقاره إليه ، فهذا يجب إخلاصه لله تعالى ، ومن صرفه لغير الله ، فهو مشركاً أكبر ، كالذين يعتمدون على الصالحين من الأموات والغائبين ، وهذا لا يكون إلا ممن يعتقد أن لهؤلاء تصرفاً خفياً في الكون ، فيعتمد عليهم في جلب المنافع ودفع المضار .

    الثاني : الاعتماد على شخص في رزقه ومعاشه وغير ذلك ، وهذا من الشرك الأصغر ، وقال بعضهم : من الشرك الخفي ، مثل اعتماد كثير من الناس على وظيفته في حصول رزقه ، ولهذا تجد الإنسان يشعر من نفسه أنه معتمد على هذا اعتماد افتقار ، فتجد في نفسه من المحاباة لمن يكون هذا الرزق عنده ما هو ظاهر ، فهو لم يعتقد أنه مجرد سبب ، بل جعله فوق السبب .

    الثالث : أن يعتمد على شخص فيما فوض إليه التصرف فيه ، كما لو وكلت شخصاً في بيع شيء أو شرائه ، وهذا لا شيء فيه ، لأنه أعتمد عليه وهو يشعر أن المنزلة العليا فوقه ، لأنه جعله نائباً عنه ، وقد وكل النبي على ابن أبي طالب أن يذبح ما بقي من هديه ، ووكل أبا هريرة على الصدقة ، ووكل عروة بن الجعد أن يشتري له شاة ، وهذا بخلاف القسم الثاني ، لأنه يشعر بالحاجة إلى ذلك ، ويرى اعتماده علي المتوكَّل عليه اعتماد افتقار .

    (ج2 / 89)

    ---

    باب قول الله تعالى :( أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ )

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :
    هذا الباب اشتمل على موضوعين :
    الأول : الأمن من مكر الله .
    والثاني : القنوط من رحمة الله .
    وكلاهما طرفا نقيض.
    (ج2 / 100)

    ----
    المتن : وقوله : ( ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ) .
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :
    فالقنوط من رحمة الله لا يجوز ، لأنه سوء ظن بالله – عز وجل - ، وذلك من وجهين :
    الأول : أنه طعن في قدرته سبحانه ، لأن من عَلِمَ أن الله على كل شيء قدير لم يستبعد شيئاً على قدرة الله .
    الثاني : أنه طعن في رحمته سبحانه ، لأن من علم أن الله رحيم لا يستبعد أن يرحمة الله - سبحانه - ، ولهذا كان القانط من رحمة الله ضالاً .
    ( ج2 / 104 )

    ----
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :
    وتبين مما سبق أن المؤلف رحمة الله أراد أن يجمع الإنسان في سيره إلى الله تعالى بين :
    - الخوف فلا يأمن مكر الله .
    - وبين الرجاء فلا يقنط من رحمته .
    - فالأمن من مكر الله ثلمٌ في جانب الخوف .
    - والقنوط من رحمته ثلم في جانب الرجاء .

    ( ج2 / 104 )

    ----
    المتن : وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر ؟ فقال : " الشرك بالله ، واليأس من روح الله ، والأمن من مكر الله "
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :
    قوله : في حديث ابن عباس رضي الله عنهما : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر ". جمع كبيرة ، والمراد بها : كبائر الذنوب ، وهذا السؤال يدل على أن الذنوب تنقسم إلى :
    - صغائر .
    - وكبائر .

    وقد دل على ذلك القرآن ، قال تعالى : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) [النساء : 31 ] ، وقال تعالى : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ) [النجم : 32 ] ، والكبائر ليست على درجة واحدة ، فبعضها أكبر من بعض .
    واختلف العلماء : هل هي معدودة أو محدودة ؟.
    فقال بعض أهل العلم : إنها معدودة ، وصار يعددها ويتتبع النصوص الواردة في ذلك .
    وقيل إنها محدودة ، وقد حدّها شيخ الإسلام ابن تيميه رحمة الله ، فقال : " كل ما رتب عليه عقوبة خاصة ، سواء كانت في الدنيا أو الآخرة ، وسواء كانت بفوات محبوب أو بحصول مكروه " ، وهذا واسع جداً يشمل ذنوباً كثيرة .
    ووجه ما قاله : أن المعاصي قسمان :
    - قسم نُهي عنه فقط ولم يذكر عليه وعيد ؛ فعقوبة هذا تأتي بالمعنى العام للعقوبات ، وهذه المعصية مكفرة بفعل الطاعات ، كقوله صلى الله عليه وسلم : " الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر " ، وكذلك ما ورد في العمرة إلى العمرة ، والوضوء من تكفير الخطايا ، فهذه من الصغائر .
    - وقسم رُتّب عليه عقوبة خاصة ؛ كاللعن ، أو الغضب ، أو التبرؤ من فاعله ، أو الحد في الدنيا ، أو نفي الإيمان ، وما أشبه ذلك ، فهذه كبيرة تختلف في مراتبها .
    ( ج2 / 104 - 105 )

    ----
    المتن : قوله : " الشرك بالله "

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :
    ظاهر الإطلاق : أن المراد به الشرك الأصغر والأكبر ، وهو الظاهر ، لأن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر ، قال ابن مسعود : " لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلى من أن أحلف بغيره صادقاً " ، وذلك لأن سيئة الشرك أعظم من سيئة الكذب ، فدل على أن الشرك من الكبائر مطلقاً .
    والشرك بالله بتضمن الشرك :
    - بربو بيته .
    - أو بألوهيته .
    - أو بأسمائه وصفاته .


    ( ج2 / 106 )

    ----
    المتن : وعن ابن مسعود ، قال : " أكبر الكبائر : الإشراك بالله ، والأمن من مكر الله ، والقنوط من رحمة الله ، واليأس من روح الله " . رواه عبد الرزاق

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    والخلاصة : أن السائر إلى الله يعتريه شيئان يعوقانه عن ربه ، وهما :
    1- الأمن من مكر الله .
    2- والقنوط من رحمة الله .


    فإذا أصيب بالضراء أو فات عليه ما يجب ، تجده أن لم يتداركه ربه يستولي عليه القنوط ويستبعد الفرج ولا يسعى لأسبابه .
    وأما الأمن من مكر الله ، فتجد الإنسان مقيماً على المعاصي مع توافر النعم عليه ، ويرى أنه على حق فيستمر في باطله ، فلا شك أن هذا استدراج .
    ( ج2 / 107 )
    ---

    بابٌ منَ الإيمَانِ باللهِ الصَّبْرُ علَى أَقْدَارِ اللهِ

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    " الصبر " : في اللغة : الحبس ، ومنه قولهم : " قتل صبراً " ، أي : محبوساً مأسوراً .

    وفي الاصطلاح : حبس النفس على أشياء وعن أشياء ، وهو ثلاثة أقسام :

    الأول : الصبر على طاعة الله ، كما قال تعالى : ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ) [ طه : 132 ] وقال تعالى : ( إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً فأصبر لحكم ربك ) [ الإنسان : 23-24] ، وهذا من الصبر على الأوامر ، لأنه إنما نزل عليه القرآن ليُبلّغه ، فيكون مأموراً بالصبر على الطاعة ، وقال تعالى : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) [الكهف : 28] ، وهذا صبر على طاعة الله .

    الثاني : الصبر عن معصية الله ، كصبر يوسف عليه السلام عن إجابة امرأة العزيز حيث دعته إلى نفسها في مكانة لها فيها العزة والقوة والسلطان عليه ، ومع ذلك صبر وقال : ( رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ) [ يوسف : 33] ، فهذا صبر عن معصية الله .

    الثالث : الصبر على أقدار الله ، قال تعالى : ( فاصبر لحكم ربك ) [ الإنسان : 24 ] ، فيدخل في هذه الآية حكم الله القدري ، ومنه قوله تعالى : ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم ) [ الأحقاف : 35 ] ، لأن هذا صبر على تبليغ الرسالة وعلى أذى قومه ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لرسول إحدى بناته : " مرها ، فلتصبر ولتحتسب " .

    إذن الصبر ثلاثة أنواع :
    - أعلاها الصبر على طاعة الله .
    - ثم الصبر عن معصية الله .
    - ثم الصبر على أقدار الله .

    ( ج2 / 109 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وكان الصبر على الطاعة أعلى ، لأنه يتضمن إلزاماً وفعلاً ، فتلزم نفسك الصلاة فتصلي ، والصوم فتصوم ، والحج فتحج .. فيه :
    - إلزام
    - وفعل .
    - وحركة
    فيها نوع من المشقة والتعب .

    ثم الصبر على المعصية لأن فيه كفاً فقط ، أي : إلزاما للنفس بالترك .

    أما الصبر على الأقدار ، فلأن سببه ليس باختيار العبد ، فليس فعلاً ولا تركاً ، وإنما هو من قدر الله المحض .
    ( ج2 /110 )

    ----

    المتن : قوله : " على أقدار الله "
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    جمع قَدَر ، وتطلق :
    - على المقدور .
    - وعلى فعل المقدِّر ، وهو الله تعالى .

    - أما بالنسبة لفعل المُقدِر ، فيجب على الإنسان الرضا به والصبر .
    - وبالنسبة للمقدور ، فيجب عليه الصبر ويستحب له الرضا .

    مثال ذلك : قدر الله على سيارة شخص أن تحترق ، فكون الله قدر أن تحترق هذا قدر يجب على الإنسان أن يرضي به ، لأنه من تمام الرضا بالله رباً .
    وأما بالنسبة للمقدور الذي هو احتراق السيارة ، فالصبر عليه واجب ، والرضا به مستحب وليس بواجب على القول الراجح .

    والمقدور :
    - قد يكون طاعات .
    - وقد يكون معاصي .
    - وقد يكون من أفعال الله المحضة .


    فالطاعات : يجب الرضا بها .
    والمعاصي : لا يجوز الرضا بها من حيث هي مقدور ، أما من حيث كونها قدر الله ، فيجب الرضا بتقدير الله بكل حال .

    ( ج2 / 111 )

    ----

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :


    - فمن نظر بعين القضاء والقدر إلى رجل يعمل معصية ، فعليه الرضا لأن الله هو الذي قدر هذا ، وله الحكمة في تقديره .
    - وإذا نظر إلى فعله ، فلا يجوز له أن يرضي به لأنه معصية .

    وهذا هو الفرق بين القدر والمقدور .

    ( ج2 / 111 )

    ----

    المتن / قوله : " النياحة على الميت " .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    أي : أن يبكي الإنسان على الميت بكاء على صفة نَوح الحمام ، لأن هذا يدل على التضجر وعدم الصبر ، فهو مناف للصبر الواجب ، وهذه الجملة هي الشاهد للباب .

    والناس حال المصيبة على مراتب أربع :

    الأولى : السخط ، وهو إما أن يكون :

    - بالقلب كأن يسخط على ربه ويغضب على قدر الله عليه ، وقد يؤدى إلى الكفر ، قال تعالى : ( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير أطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجه خسر الدنيا والآخرة ) [ الحج : 11] .
    - وقد يكون باللسان ، كالدعاء بالويل والثبور وما أشبه ذلك .
    - وقد يكون بالجوارح ؛ كلطم الخدود ، وشق الجيوب ، ونتف الشعور ، وما أشبه ذلك .

    الثانية : الصبر ، وهو كما قال الشاعر :

    الصبر مثلُ اسمهِ مُرُّ مَذَاقتَه لكنْ عواقبُهُ أحلى من العَسَلِ

    فيرى الإنسان أن هذا الشيء ثقيل عليه ويكرهه ، لكنه يتحمله ويتصبر ، وليس وقوعه وعدمه سواء عنده ، بل يكره هذا ولكن إيمانه يحميه من السخط .

    الثالثة : الرضا ، وهو أعلى من ذلك ، وهو أن يكون الأمران عنده سواء بالنسبة لقضاء الله وقدرة وإن كان قد يحزن من المصيبة ، لأنه رجل يسبح في القضاء والقدر ، أينما ينزل به القضاء والقدر فهو نازل به على سهل أو جبل ، إن أصيب بنعمه أو أصيب بضدها ، فالكل عنده سواء ، لا لأن قلبه ميت ، بل لتمام رضاه بربه – سبحانه وتعالى – يتقلب في تصرفات الرب – عز وجل - ، ولكنها عنده سواء ، إذ إنه ينظر إليها باعتبارها قضاء لربه ، وهذا الفرق بين الرضا والصبر .

    الرابعة : الشكر ، وهو أعلى المراتب ، وذلك أن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة ، وذلك يكون في عباد الله الشاكرين حين يرى أن هناك مصائب أعظم منها ، وأن مصائب الدنيا أهون من مصائب الدين ، وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، وأن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته وربما لزيادة حسناته شكر الله على ذلك ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما يصيب المؤمن من همّ ولا غمّ ولا شيء إلا كفر له بها ، حتى الشوكة يشاكها " رواه البخاري ومسلم .

    ( ج2 / 115 )
    ---
    المتن : وعن أنس ، أن رسول الله قال : " إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه ، حتى يوافي به يوم القيامة "

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    والعقوبة أنواع كثيرة :
    منها : ما يتعلق بالدين ، وهي أشدها ، لأن العقوبات الحسية قد ينتبه لها الإنسان ، أما هذه ؛ فلا ينتبه لها إلا من وفقه الله ، وذلك كما لو خفت المعصية في نظر العاصي ، فهذه عقوبة دينية تجعله يستهين بها ، وكذلك التهاون بترك الواجب ، وعدم الغيرة على حرمات الله ، وعدم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كل ذلك من المصائب ، ودليله قوله تعالى : ( فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ) [ المائدة : 49 ] .

    ومنها : العقوبة بالنفس ، وذلك كالأمراض العضوية والنفسية .

    ومنها : العقوبة بالأهل ، كفقدانهم ، أو أمراض تصيبهم .

    ومنها : العقوبة بالمال ، كنقصه أو تلفه وغير ذلك .

    ( ج2 / 117 )

    ----

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله : " حتى يوافيَ به يوم القيامة " . أي : يوافيه الله به : أي : يجازيه به يوم القيامة ، وهو الذي يقوم فيه الناس من قبورهم لله رب العالمين .

    وسمي بيوم القيامة لثلاثة أسباب :

    1- قيام الناس من قبورهم ، لقوله تعالى : (يوم يقوم الناس لرب العالمين ) [ المطففين : 6].

    2- قيام الأشهاد ، لقوله تعالى : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) [ غافر : 51] .

    3- قيام العدل ، لقوله تعالى : ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ) [ الأنبياء : 47 ]

    ( ج2 / 118 )

    ---

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    ومن ذلك يتضح لنا أمران :

    1- أن إصابة الإنسان بالمصائب تعتبر تكفيراً لسيئاته وتعجيلاً للعقوبة في الدنيا ، وهذا خير من تأخيرها له في الآخرة .

    2- قد تكون المصائب أكبر من المعائب ليصل المرء بصبره أعلى درجات الصابرين ، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد .

    ( ج2 /119 - 120 )

    ---

    بَابٌ ما جَاءَ فِي الرِّيَاءِ

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    والرياء يبحث في مقامين :

    المقام الأول : في حكمة .
    فنقول : الرياء من الشرك الأصغر ، لأن الإنسان قصد بعبادته غير الله وقد يصل إلى الأكبر ، وقد مثل ابن القيم للشرك الأصغر ، فقال : " مثل يسير الرياء " ، وهذا يدل على أن الرياء كثير قد يصل إلى الأكبر .

    المقام الثاني : في حكم العبادة إذا خالطها الرياء ، وهو على ثلاثة أوجه :

    الأول : أن يكون الباعث على العبادة مراءاة الناس من الأصل ، كمن قام يصلي من أجل مراءاة الناس ولم يقصد وجه الله ، فهذا شرك والعبادة باطلة .

    الثاني : أن يكون مشاركاً للعبادة في أثنائها ، بمعنى أن يكون الحامل له في أول أمره الإخلاص لله ثم يطرأ الرياء في أثناء العبادة .

    - فإن كانت العبادة لا ينبني آخرها على أولها ، فأولها صحيح بكل حال ، والباطل آخرها .

    مثال ذلك : رجل عنده مئة ريال قد أعدها للصدقة ، فتصدق بخمسين مخلصاً وراءى في الخمسين الباقية ، فالأولى حكمها صحيح ، والثانية باطلة .


    أما إذا كانت العبادة ينبني آخرها على أولها، فهي على حالين :

    أ – أن يدافع الرياء ولا يسكن إليه ، بل يعرض عنه ويكرهه ، فإنه لا يؤثر عليه شيئاً ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله تجاوز عن آمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم " .

    مثال ذلك : رجل قام يصلي ركعتين مخلصاً لله ، وفي الركعة الثانية أحس بالرياء فصار يدافعه ، فإن ذلك لا يضره ولا يؤثر على صلاته شيئاً .

    ب - أن يطمئن إلى هذا الرياء ولا يدافعه ، فحينئذ تبطل جميع العبادة لأن آخرها مبني على أولها ومرتبط به .

    مثال ذلك : رجل قام يصلي ركعتين مخلصاً لله ، وفي الركعة الثانية طرأ عليه الرياء لإحساسه بشخص ينظر إليه ، فأطمأن لذلك ونزع إليه ، فتبطل صلاته كلها لارتباط بعضها ببعض .

    الثالث : ما يطرأ بعد انتهاء العبادة ، فإنه لا يؤثر عليها شيئاً ، اللهم إلا أن يكون فيه عدوان ، كالمّن والأذي بالصدقة ، فإن هذا العدوان يكون إثمه مقابلاً لأجر الصدقة فيبطلها ، لقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذي ) [ البقرة : 264] .

    وليس من الرياء أن يفرح الإنسان بعلم الناس بعبادته ، لأن هذا إنما طرأ بعد الفراغ من العبادة .

    وليس من الرياء أيضاً أن يفرح الإنسان بفعل الطاعة في نفسه ، بل ذلك دليل على إيمانه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من سرته حسناته وساءته سيئاته فذلك المؤمن" وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال : " تلك عاجل بشري المؤمن " .

    ( ج2 / 124- 126)

    ----

    تابع لباب ماجاء في الرياء :

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    فقوله تعالى : (فمن كان يرجو لقاء ربه ) المراد بالرجاء : الطلب والأمل ، أي : من كان يؤمل أن يلقى ربه ، والمراد باللقيا هنا الملاقاة الخاصة ، لأن اللقيا على نوعين :

    الأول : عامة لكل إنسان ، قال تعالى : ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه ) [ الانشقاق : 6 ] ، ولذلك قال مفرعاً على ذلك : ( فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً ) [ الانشقاق : 7 ] ( وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ….. ) الآية [ الانشقاق : 10] .

    الثاني : الخاصة بالمؤمنين ، وهو لقاء الرضا والنعيم كما في هذه الآية ، وتتضمن رؤيته تبارك وتعالى ، كما ذكر بعض أهل العلم .


    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    فقوله : ( فليعمل عملاً صالحاً ) الفاء رابطة لجواب الشرط ، والأمر للإرشاد ، أي : من كان يريد أن يلقى الله على الوجه الذي يرضاه سبحانه ، فليعمل عملاً صالحاً : والعمل الصالح ما كان خالصاً صواباً .

    وهذا وجه الشاهد من الآية .

    فالخالص : ما قصد به وجه الله ، والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات " .

    والصواب : ما كان على شريعة الله ، والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا ، فهو رد " .

    ولهذا قال العلماء : هذان الحديثان ميزان الأعمال :
    فالأول : ميزان الأعمال الباطنة .
    والثاني : ميزان الأعمال الظاهرة .


    ( ج2 / 127 ) .

    ----

    المتن : وعن أبي سعيد مرفوعاً : " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال ؟ " . قالوا : بلي . قال : " الشرك الخفي ، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته ، لما يري من نظر رجل إليه " رواه أحمد

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله : " المسيح الدجال " . المسيح ، أي : ممسوح العين اليمني ، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم عيبين في الدجال :
    أحدهما : حسي ، وهو أن الدجال أعور العين اليمني ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله لا يخفى عليكم ، إنه ليس بأعور وإن الدجال أعور العين اليمنى " .

    والثاني معنوي : وهو الدجال ، فهو صيغة مبالغة ، أو يقال بأنه نسبة إلى وصفه الملازم له ، وهو الدجل والكذب والتمويه .

    ( ج 2 / 131 ).

    ----

    قوله : " الشرك الخفي " .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    الشرك قسمان :
    1- خفي .
    2- وجلي .


    فالجلي :
    - ما كان بالقول مثل : الحلف بغير الله أو قول ما شاء الله وشئت .
    - أو بالفعل مثل : الانحناء لغير الله تعظيماً .

    والخفي : ما كان في القلب ، مثل : الرياء ، لأنه لا يبين ، إذ لا يعلم ما في القلوب إلا الله ، ويسمي أيضاً " شرك السرائر " ، وهذا هو الذي بينه الله بقوله : ( يوم تبلى السرائر ) [ الطارق : 9 ] ، لأن الحساب يوم القيامة على السرائر ، قال تعالى : ( أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور ) [العاديات : 9، 10] وفي الحديث الصحيح فيمن كان يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله : أنه " يلقى في النار حتى تندلق أقتاب بطنه ، فيدور عليها كما يدور الحمار برحاه ، فيجتمع عليه أهل النار ، فيسألونه ، فيخبرهم أنه كان يأمر بالمعروف ولا يفعله ، وينهي عن المنكر ويفعله " .

    ( ج2 / 133 )

    بابٌ من الشِّركِ إرَادَةُ الإنْسَانِ بِعَمَلِهِ الدُّنْيا

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وعنوان الباب له ثلاث احتمالات :

    الأول : أن يكون مكرراً مع ما قبله ، وهذا بعيد أن يكتب المؤلف ترجمتين متتابعتين لمعنى واحد .

    الثاني : أن يكون الباب الذي قبله أخص من هذا الباب ، لأنه خاص في الرياء ، وهذا أعم ، وهذا محتمل .

    الثالث : أن يكون هذا الباب نوعاً مستقلاً عن الباب الذي قبله ، وهذا هو الظاهر ، لأن الإنسان في الباب السابق يعمل رياء يريد أن يمدح في العبادة ، فيقال : هو عابد ، ولا يريد النفع المادي .

    وفي هذا الباب لا يريد أن يمدح بعبادته ولا يريد المراءاة ، بل يعبد الله مخلصاً له ، ولكنه يريد شيئاً من الدنيا ، كالمال ، والمرتبة ، والصحة في نفسه وأهله وولده وما أشبه ذلك ، فهو يريد بعمله نفعاً في الدنيا ، غافلاً عن ثواب الآخرة .

    ( ج2 / 136) .

    ----
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    · أمثلة تبين كيفية إرادة الإنسان بعمله الدنيا :

    1- أن يريد المال ، كمن أذن ليأخذ راتب المؤذن ، أو حج ليأخذ المال .

    2- أن يريد المرتبة ، كمن تعلم في كلية ليأخذ الشهادة فترتفع مرتبته .

    3- أن يريد دفع الأذي والأمراض والآفات عنه ، كمن تعبد لله كي يجزيه الله بهذا في الدنيا بمحبة الخلق له ودفع السوء عنه وما أشبه ذلك .

    4- أن يتعبد لله يريد صرف وجوه الناس إليه بالمحبة والتقدير .

    ( ج2 / 137 )

    ----

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    فإن قيل : من أراد بعمله الدنيا كيف يقال إنه مخلص مع أنه أراد المال مثلاً ؟ .

    أجيب :
    - إنه أخلص العبادة ولم يرد بها الخلق إطلاقاً ، فلم يقصد مراءاة الناس ومدحهم ، بل قصد أمراً مادياً ، فإخلاصه ليس كاملاً لأن فيه شركاً .
    - ولكن ليس كشرك الرياء يريد أن يمدح بالتقرب إلى الله ، وهذا لم يرد مدح الناس بذلك ، بل أراد شيئاً دنيئاً غيره .
    - ولا مانع أن يدعو الإنسان في صلاته ويطلب أن يرزقه الله المال ، ولكن لا يصلي من أجل هذا الشيء ، فهذه مرتبة دنيئة .
    - أما طلب الخير في الدنيا بأسبابه الدنيوية ، كالبيع ، والشراء ، والزراعة ، فهذا لا شيء فيه .

    والأصل أن لا نجعل في العبادات نصيباً من الدنيا ، وقد سبق البحث في حكم العبادة إذا خالطها الرياء في باب الرياء .

    ( ج2 / 138 )

    ---

    المتن / وفي الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الخميصة ، تعس عبد الخميلة ، إن أعطي رضي ، وإن لم يعط سخط ، تعس وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش ، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله ، أشعث رأسه ، مغبرة قدماه ، إن كان في الحراسة ؛ كان في الحراسة ، وإن كان في الساقة ؛ كان في الساقة ، إن استأذن ، لم يؤذن له ، وأن شفع ، لم يشفع " .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    والحديث قسم الناس إلى قسمين :

    الأول : ليس له هم إلا الدنيا ، إما لتحصيل المال ، أو لتجميل الحال ، فقد استبعدت قلبه حتى أشغلته عن ذكر الله وعبادته .

    الثاني : أكبر همه الآخرة ، فهو يسعى لها في أعلى ما يكون مشقة وهو الجهاد في سبيل الله ، ومع ذلك أدى ما يجب عليه من جميع الوجوه .

    ( ج2 / 146)

    ---

    بابٌ من أطَاعَ العُلمَاءَ والأمَرَاءَ في تَحْرِيمِ مَا أحَلَّ اللهُ أو تَحليلِ مَا حَرَّمَهُ فَقَدِ اتَّخَذَهُم أرْبَابَاً

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وأولو الأمر هم أولو الشأن :
    - وهم العلماء ؛ لأنه يستند إليهم في أمر الشرع والعلم به .
    - والأمراء ؛ لأنه يستند إليهم في تنفيذ الشرع وإمضائه .

    وإذا استقام العلماء والأمراء استقامت الأمور ، وبفسادهم تفسد الأمور ، لأن العلماء أهل الإرشاد والدلالة ، والأمراء أهل الإلزام والتنفيذ .
    ( ج2 / 149 )

    ---

    المتن / وعن عدي بن حاتم : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية : ( أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا أله إلا هو سبحانه عما يشركون ) [ التوبة : 31] ، فقلت له : إنا لسنا نعبدهم . قال : " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ، ويحلون ما حرم الله فتحلونه ؟ " . فقلت : بلى . قال : " فتلك عبادتهم " . رواه أحمد والترمذي وحسنه .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    واعلم أن اتباع العلماء أو الأمراء في تحليل ما حرم الله أو العكس ينقسم إلى ثلاثة أقسام :

    الأول : أن يتابعهم في ذلك راضياً بقولهم ، مقدماً له ، ساخطاً لحكم الله ، فهو كافر لأنه كره ما أنزل الله فأحبط الله عمله ، ولا تحبط الأعمال إلا بالكفر ، فكل من كره ما أنزل الله ؛ فهو كافر .

    الثاني : أن يتابعهم في ذلك راضياً بحكم الله وعالماً بأنه أمثل وأصلح للعباد والبلاد ، ولكن لهوى في نفسه أختاره ، كأن يريد مثلاً وظيفة ؛ فهذا لا يكفر ، ولكنه فاسق وله حكم غيره من العصاة .


    الثالث : أن يتابعهم جاهلاً ، فيظن أن ذلك حكم الله ، فينقسم إلى قسمين :

    أ‌- أن يمكنه أن يعرف الحق بنفسه ، فهو مفرط أو مقصر ، فهو آثم ، لأن الله أمر بسؤال أهل العلم عند عدم العلم .

    ب‌- أن لا يكون عالماً ولا يمكنه التعلم فيتابعهم تقليداً ويظن أن هذا هو الحق ، فهذا لا شيء عليه لأنه فعل ما أُمر به وكان معذوراً بذلك ، ولذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن " من أفتي بغير علم ، فإنما إثمه على من أفتاه " ، لو قلنا : بإثمه بخطأ غيره ، للزم من ذلك الحرج والمشقة ، ولم يثق الناس بأحد لاحتمال خطئه .

    ( ج 2 / 158 ) .

    --

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    (*) فائدة :

    وصف الله الحاكمين بغير ما أنزل الله بثلاثة أوصاف :

    1- قال تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) [ المائدة : 44]

    2- وقال تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) [ المائدة : 45] .

    3- وقال تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) [ المائدة : 47] .

    وأختلف أهل العلم مع ذلك :

    فقيل : إن هذه الأوصاف لموصوف واحد ، لأن الكافر ظالم ، لقوله تعالى : ( والكافرون هم الظالمون ) [ البقرة : 254 ] ، وفاسق ، لقوله تعالى : ( وأما الذين فسقوا فمأواهم النار ) [ السجدة : 20] ، أي : كفروا .

    وقيل : إنها لموصوفين مُتعدِّدين ، وإنها على حسب الحكم ، وهذا هو الراجح .

    - فتكون كافراً في ثلاثة أحوال :

    أ – إذا اعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله ، بدليل قوله تعالى : ( أفحكم الجاهلية يبغون ) [ المائدة : 50] ، فكل ما خالف حكم الله ، فهو من حكم الجاهلية ، بدليل الإجماع القطعي على أنه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله فالمُحل والمُبيح للحكم بغير ما أنزل الله مخالف لإجماع المسلمين القطعي ، وهذا كافر مرتد ، وذلك كمن اعتقد حلّ الزنا أو الخمر أو تحريم الخبز أو اللبن .

    ب‌ - إذا أعتقد أن حكم غير الله مثل حكم الله .

    ج - إذا اعتقد أن حكم غير الله أحسن من حكم الله .
    بدليل قوله تعالى : ( ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ) [ المائده : 50] ، فتضمنت الآية أن حكم الله أحسن الأحكام ، بدليل قوله تعالى مقرراً ذلك : (أليس الله بأحكم الحاكمين) [التين:8]، فإذا كان الله أحسن الحاكمين أحكاماً وهو أحكم الحاكمين؛ ، فمن أدعى أن حكم غير الله مثل حكم الله أو أحسن فهو كافر لأنه مُكذب للقرآن .


    - ويكون ظالماً : إذا اعتقد أن الحكم بما أنزل الله أحسن الأحكام ، وأنه أنفع للعباد والبلاد ، وأنه الواجب تطبيقة ، ولكن حمله البغض والحقد للمحكوم عليه حتى حكم بغير ما أنزل الله ، فهو ظالم .

    - ويكون فاسقاً : إذا كان حكمه بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه مع اعتقادة أن حكم الله هو الحق ، لكن حكم بغيره لهوى في نفسه ، أي محبة لما حكم به لا كراهية لحكم الله ولا ليضر أحداً به ، مثل : أن يحكم لشخص لرشوة رُشِيَ إياها ، أو لكونها قريباً أو صديقاً ، أو يطلب من ورائه حاجة ، وما أشبه ذلك مع اعتقاده بأن حكم الله هو الأمثل والواجب اتباعه ، فهذا فاسق ، وإن كان أيضاً ظالماً ، لكن وصف الفسق في حقه أولى من وصف الظلم .

    (ج2/ 158 - 160 )

    -----

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    أما بالنسبة لمن وضع قوانين تشريعية مع علمه بحكم الله وبمخالفة هذه القوانين لحكم الله ، فهذا قد بدل الشريعة بهذه القوانين ، فهو كافر لأنه لم يرغب بهذا القانون عن شريعة الله إلا وهو يعتقد أنه خير للعباد والبلاد من شريعة الله ، وعندما نقول بأنه كافر ، فنعني بذلك أن هذا الفعل يوصل إلى الكفر .

    ولكن قد يكون الواضع له معذوراً ، مثل أن يغرر به كأن يقال : إن هذا لا يخالف الإسلام ، أو هذا من المصالح المرسلة ، أو هذا مما رده الإسلام إلى الناس .

    ( ج2 / 160)

    -----

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وتكفير الشخص يترتب عليه أحكام كثيرة ، فيكون مباح الدم والمال ، ويترتب عليه جميع أحكام الكفر ، وكما لا يجوز أن نطلق الكفر على شخص معين حتى يتبين شروط التكفير في حقه يجب أن لا َنجبُن عن تكفير من كفره الله ورسوله .

    ولكن يجب أن نفرق بين المُعَيّن وغير المُعَيَّن ، فالمعين يحتاج الحكم بتكفيره إلى أمرين :

    1 ) ثبوت أن هذه الخصلة التي قام بها مما يقتضي الكفر .

    2 ) انطباق شروط التكفير عليه ، وأهمها العلم بأن هذا مُكفِّر ، فإن كان جاهلاً ، فإنه لا يكفر ، ولهذا ذكر العلماء أن من شروط إقامة الحد أن يكون عالماً بالتحريم ، هذا وهو إقامة حد وليس بتكفير ، والتحرز من التكفير أولى وأحرى .

    قال تعالى : ( رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) [ النساء : 165 ] وقال تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ) [ الإسراء : 15 ] ، وقال تعالى :( وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ) [ التوبة : 115] .

    ولابد مع توفر الشروط من عدم الموانع ، فلو قام الشخص بما يقتضي الكفر إكراهاً أو ذهولا لم يكفر ، لقوله تعالى : ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من إكراه وقلبه مطمئن بالإيمان )[ النحل : 106] ، ولقول الرجل الذي وجد دابته في مهلكة : " اللهم ! أنت عبدي وأن ربك ، أخطأ من شدة الفرح " ، فلم يؤاخذ بذلك .

    ( ج2/ 163 )
     

    بابٌ قول الله تعالى : ( ألَم تَرَ الَّذِينَ يَزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً ) [ النساء : 60 ] الآيات .

    المتن / وقوله : ( فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا أحساناً وتوفيقاً ) .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    الاستفهام هنا يراد به التعجب ، أي : كيف حالهم إذا أصابتهم مصيبة ، والمصيبة هنا تشمل المصيبة الشرعية والدنيوية لعدم تضاد المعنيين .

    - فالدنيوية مثل : الفقر ، والجدب ، وما أشبه ذلك ، فيأتون يشكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقولون : أصابتنا هذا المصائب ونحن ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق .

    - والشرعية : إذا أظهر الله رسوله على أمرهم ، خافوا وقالوا : يا رسول الله ! ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق .

    ( ج2 / 169)

    ----
    المتن / قوله : ( وقل لهم في أنفسهم بليغاً ) .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وبلاغة القول تكون في أمور :

    الأول : هيئة المتكلم بأن يكون إلقاؤه على وجه مؤثر ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب ، احمرَّت عيناه ، وعلا صوته ، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيشاً ، يقول : صبَّحكم ومَسَّاكم .

    الثاني : أن تكون ألفاظه جزْلة مترابطة محدودة الموضوع .

    الثالث : أن يبلغ من الفصاحة غايتها بحسب الإمكان ، بأن يكون كلامه : سليم التركيب ، موافقاً للغة العربية ، مطابقاً لمقتضى الحال .

    ( ج2 / 171 )

    -----

    المتن / الآية الثانية قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض ) .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    الإفساد في الأرض نوعان :

    الأول : إفساد حسي مادي : وذلك مثل هدم البيوت وإفساد الطرق وما أشبه ذلك .

    الثاني : إفساد معنوي ، وذلك بالمعاصي ، فهي من أكبر الفساد في الأرض ، قال تعالى : ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) [ الروم : 41] .

    (ج2/172)

    ----
    المتن / الآية الرابعة قوله تعالى : ( أفحكم الجاهلية يبغون ) .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    والإضافة للجاهلية تقتضي التقبيح والتنفير .

    وكل حكم يخالف حكم الله ، فهو جهل وجهالة .

    - فإن كان مع العلم بالشرع ، فهو جهالة .
    - وإن كان مع خفاء الشرع ، فهو جهل .


    والجهالة هي العمل بالخطأ سفهاً لا جهلاً ، قال تعالى : ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ) [ النساء : 17 ] .
    وأما مَن يعمل السوء بجهل فلا ذنب عليه ، لكن عليه أن يتعلم .

    ( ج2 / 174 )

    بابٌ من جَحَدَ شَيْئاً مِن الأسْمَاءِ والصِّفَاتِ

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    الجحد : الإنكار ، والإنكار نوعان :

    الأول : إنكار تكذيب ، وهذا كفر بلا شك ، فلو أن أحداً أنكر أسماً من أسماء الله أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة ، مثل أن يقول : ليس لله يد ، أو أن الله لم يستو على عرشه ، أو ليس له عين ، فهو كافر بإجماع المسلمين ، لأن تكذيب خبر الله ورسوله كفر مخرج عن المللة بالإجماع .

    الثاني : إنكار تأويل ، وهو أن لا ينكرها ولكن يتأولها إلى معني يخالف ظاهرها ، وهذا نوعان :

    1- أن يكون للتأويل مُسَوِّغ في اللغة العربية ، فهذا لا يُوجب الكفر .

    2- أن لا يكون له مُسَوِّغ في اللغة العربية ، فهذا حكمه الكفر لأنه إذا لم يكن له مسوغ صار في الحقيقة تكذيباً ، مثل أن يقول : المراد بقوله تعالى ( تجري بأعيننا ) [القمر : 14 ] تجري بأراضينا ، فهذا كافر لأنه نفاها نفياً مطلقاً ، فهو مُكذَّب .

    ( ج2 / 183 )

    -----

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    والمراد بالأسماء هنا أسماء الله عز وجل ، وبالصفات صفات الله عز وجل .

    والفرق بين الاسم والصفة :
    - أن الاسم ما تسمي به الله .
    - والصفة ما اتصف بها .


    ( ج2 / 184 )

    -----------

    البحث في أسماء الله :

    المبحث الأول :

    أن أسماء الله أعلام وأوصاف ، وليست أعلاماً محضة ؛ فهي من حيث دلالتها على ذات الله تعالى أعلام ، ومن حيث دلالتها على الصفة التي يتضمنها هذا الاسم أوصاف ، بخلاف أسمائنا ، فالإنسان يسمي ابنه محمداً وعلياً دون أن يلحظ معنى الصفة ، فقد يكون اسمه علياً وهو من أوضع الناس ، أو عبدالله وهو من أكفر الناس ، بخلاف أسماء الله ، لأنها متضمنة للمعاني ، فالله هو العلي لعلو ذاته وصفاته ، والعزيز يدل على العزة ، والحكيم يدل على الحكمة ، وهكذا .


    ودلالة الاسم على الصفة تنقسم إلى ثلاثة أقسام :

    الأول : دلالة مطابقة ، وهي دلالته على جميع معناه المحيط به .

    الثاني : دلالة تَضَمُّن ، وهي دلالته على جزء معناه .

    الثالث : دلالة التزام على أمر خارج لازم .

    مثال ذلك :
    - الخالق يدل على ذات الله وحده .
    - وعلى صفة الخلق وحدها دلالة تضمن .
    - ويدل على ذات الله وعلى صفة الخلق فيه دلاله مطابقة .
    - ويدل على العلم والقدرة دلالة التزام .


    كما قال الله تعالى : ( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً ) [ الطلاق : 12] ، فَعَلمْنَا القدرة من كونه خلق السماوات والأرض ، وعَلّمنَا العلم من ذلك أيضاً ، لأن الخلق لابد فيه من علم ، فمن لا يعلم لا يخلق ، وكيف يخلق شيئاً لا يعلمه ؟!.
    ---

    المبحث الثاني :

    أن أسماء الله مترادفة متباينة ، المترادف : ما أختلف لفظه واتفق معناه ، والمتباين : ما اختلف لفظه ومعناه .

    - فأسماء الله مترادفة باعتبار دلالتها على ذات الله عز وجل لأنها تدل على مسمى واحد ، فالسميع ، البصير ، العزيز ، الحكيم ، كلها تدل على شيء واحد هو الله .
    - ومتباينة باعتبار معانيها ، لأن معنى الحكيم غير معنى السميع وغير معنى البصير ، وهكذا .

    ----

    المبحث الثالث :

    أسماء الله ليست محصورة بعدد معين ، والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود الحديث الصحيح المشهور : " اللهم إني عبدك ، ابن عبدك ، ابن أمتك .. – إلى أن قال : أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك " ، وما استأثر الله به في علم الغيب لا يمكن أن يُعلَم به ، وما ليس بمعلوم فليس بمحصور .

    وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " أن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة " ، فليس معناه أنه ليس له إلا هذه الأسماء ، لكن معناه أن مَن أحصى من أسمائه هذه التسعة والتسعين فإنه يدخل الجنة ، فقوله : " من أحصاها " تكميل للجمله الأولى ، وليست استئنافية منفصلة ، ونظير هذا قول القائل : عندي مئة فرس أعدتها للجهاد في سبيل الله ، فليس معناه أنه ليس عنده إلا هذه المئة بل معناه أن هذه المئة مُعدَّة لهذا الشيء .

    ---

    المبحث الرابع :

    الاسم من أسماء الله يدل على الذات وعلى المعنى كما سبق ، فيجب علينا أن نؤمن به اسماً من الأسماء ، ونؤمن بما تَضَمَّنه من الصفة .

    - ونؤمن بما تَدُلّ عليه هذه الصفة من الأثر والحكم إن كان الاسم متعدياُ ، فمثلاً :
    السميع نؤمن بأن من أسمائه تعالى السميع ، وأنه دال على صفة السمع ، وأن لهذا السمع حُكماً وأثراً وهو أنه يسمع به ، كما قال تعالى : ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله و الله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير ) [ المجادلة : 1] .

    - أما إن كان الاسم غير متعد ، كالعظيم ، والحي ، والجليل ، فنثبت الاسم والصفة ، ولا حكم له يتعدى إليه .

    ---

    المبحث الخامس :

    هل أسماء الله تعالى غيره ، أو أسماء الله هي الله ؟.

    - إن أُريد بالاسم اللفظ الدال على المسمى ، فهي غير الله عز وجل .
    - وإن أُريد بالاسم مدلول ذلك اللفظ ، فهي المسمى .


    فمثلاً :

    - الذي خلق السماوات والأرض هو الله ، فالاسم هنا هو المُسَمَّى ، فليست " اللام ، والهاء " هي التي خلقت السماوات والأرض .

    - وإذا قيل : اكتب بسم الله ، فكتبت بسم الله ، فالمراد به الاسم دون المسمى .

    - وإذا قيل : اضرب زيداً ، فضربت زيداً المكتوب في الورقة لم تكن ممتثلاً ، لأن المقصود المسمى .

    - وإذا قيل : اكتب زيد قائم ، فالمراد الاسم الذي هو غير المسمى .

    ( ج2 / 184- 187 )

    --

    البحث في صفات الله :

    المبحث الأول :

    تنقسم صفات الله إلى ثلاثة أقسام :

    الأول : ذاتية ويقال معنوية .

    الثاني : فعلية .

    الثالث : خبرية .


    فالصفات الذاتية : هي الملازمة لذات الله ، والتي لم يزل ولا يزال متصفاً بها ، مثل : السمع والبصر وهي معنوية ، لأن هذه الصفات معاني .

    والفعلية : هي التي تتعلق بمشيئته إن شاء فعلها وإن لم يشأ لم يفعلها ، مثل : النزول إلى السماء الدنيا ، والاستواء على العرش ، والكلام من حيث آحاده ، والخلق من حيث آحاده ، لا من حيث الأصل ، فأصل الكلام صفة ذاتية ، وكذلك الخلق .

    والخبرية : هي أبعاض وأجزاء بالنسبة لنا ، أما بالنسبة لله ، فلا يقال هكذا ، بل يقال : صفات خبرية ثبت بها الخبر من الكتاب والسنة ، وهي ليست معنىً ولا فعلاً ، مثل : الوجه ، والعين ، والساق ، واليد .

    ----

    المبحث الثاني :

    الصفات أوسع من الأسماء ، لأن كل اسم متضمن لصفة ، وليس كل صفة تكون اسماً ، وهناك صفات كثيرة تطلق على الله وليست من أسمائه ، فيوصف الله بالكلام والإرادة ، ولا يسمي بالمتكلم أو المريد .

    ---

    المبحث الثالث :

    إن كل ما وصف الله به نفسه ؛ فهو حق على حقيقته ، لكن ينزه عن التمثيل والتكييف .

    أما التمثيل : فلقوله تعالى : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) [ الشورى : 11] ، وقوله : ( فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) [ النمل : 74] .

    والتعبير بنفي التمثيل أحسن من التعبير بنفي التشبيه ، لوجوه ثلاثة :

    أحدهما : أن التمثيل هو الذي جاء به القرآن وهو منفي مطلقاً ، بخلاف التشبيه ، فلم يأت القرآن بنفيه .

    الثاني : أن نفي التشبيه على الإطلاق لا يصح ، لأن كل مَوجودَيْن فلا بد أن يكون بينهما قَدُرٌ مشترك يشتبهان فيه ويتميز كل واحد بما يختص به ، فـ : " الحياة " مثلاً وصف ثابت في الخالق والمخلوق ، فبينهما قدر مشترك ، ولكن حياة الخالق تليق به وحياة المخلوق تليق به .

    الثالث : أن الناس اختلفوا في مسمى التشبيه ، حتى جعل بعضهم إثبات الصفات التي أثبتها الله لنفسه تشبيهاً ، فإذا قلنا من غير تشبيه ، فَهمَ هذا البعض من هذا القول نفي الصفات التي أثبتها الله لنفسه .


    وأما التكييف : فلا يجوز أن نُكيِّف صفات الله ، فمن كيَّف صفة من الصفات ، فهو كاذب عاص ، كاذب لأنه قال بما لا علم عنده فيه ، عاص لأنه واقع فيما نهى الله عنه وحَرّمه في قوله تعالى : ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) [الإسراء : 36] ، وقوله تعالى : ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) بعد قوله : ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن .. ) [الأعراف : 33 ] الآية ، ولأنه لا يمكن إدراك الكيفية ، لقوله تعالى : ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً ) [ طه : 110] وقوله : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) [ الأنعام : 103] .

    وسواء كان التكييف :
    - باللسان تعبيراً .
    - أو بالجنان تقديراً .
    - أو بالبيان تحريراً
    .

    ولهذا قال مالك رحمه الله حين سئل عن كيفية الاستواء : " الكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعه " ، وليس معنى هذا أن لا نعتقد أن لها كيفية ، بل لها كيفية ، ولكنها ليست معلومة لنا ، لأن ما ليس له كيفية ليس بموجود .

    فالاستواء والنزول واليد والوجه والعين لها كيفية ، لكننا لا نعلمها .


    ففرق بين أن نثبت كيفية معينه ولو تقديراً وبين أن نؤمن بأن لها كيفية غير معلومة ، وهذا هو الواجب ، فنقول : لها كيفية ، لكن غير معلومة .

    فإن قيل : كيف يُتَصَوَّر أن نعتقد للشيء كيفية ونحن لا نعلمها ؟.

    أجيب : إنه متصور ، فالواحد منا يعتقد أن لهذا القصر كيفية من داخله ، ولكن لا يعلم هذه الكيفية إلا إذا شاهدها ، أو شاهد نظيرها ، أو أخبره شخص صادق عنها .


    ( ج2 / 187- 190)

    -

    تابع لباب من جحد شيئا من الأسماء والصفات :

    المتن / قوله : " ويهلكون عند متشابه " .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    أي : متشابه القرآن .

    - والمحكم : الذي اتضح معناه وتبين .
    - والمتشابه: هو الذي يخفي معناه ، فلا يعلمه الناس .

    وهذا إذا جمع بين المحكم والمتشابه .

    - وأما إذا ذكر المحكم مفرداً دون المتشابه ، فمعناه المتقن الذي ليس فيه خلل : لا كذب في أخباره ، ولا جور في أحكامه ، قال تعالى : ( وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً ) [الأنعام : 115] ، وقد ذكر الله الإحكام في القرآن دون المتشابه ، وذلك مثل قوله تعالى : ( تلك آيات الكتاب الحكيم ) [ يونس : 1 ] ، وقال تعالى : ( كتاب أحكمت آياته ) [ هود : 1].

    - وإذا ذكر المتشابه دون المحكم صار المعنى أنه يشبه بعضه بعضاً في جودته وكماله ، ويصدق بعضه بعضاً ولا يتناقض ، قال تعالى ( الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني ) [ الزمر : 23] .

    والتشابه نوعان :
    1- تشابه نسبي .
    2- وتشابه مطلق .


    والفرق بينهما :

    - أن المطلق يخفى على كل أحد .
    - والنسبي يخفى على أحد دون أحد .


    وبناء على هذا التقسيم ينبني الوقف في قوله تعالى : ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ) [ آل عمران : 7 ] فعلى الوقف على ( إلا الله ) يكون المراد بالمتشابه المتشابه المطلق ، وعلى الوصل ( إلا الله والراسخون في العلم ) يكون المراد بالمتشابه المتشابه النسبي .

    ( ج2 / 195 )

    ----

    بابٌ قولُ الله تعالى : ( يُعْرفُونُ نِعْمَةَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرونَهَا )

    المتن/ قال مجاهد ما معناه : " هو قول الرجل : هذا مالي ، ورثته عن آبائي " .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله : " هذا مالي ورثته عن آبائي " .

    ظاهر هذه الكلمة أنه لا شيء فيها ، فلو قال لك واحد : من أين لك هذا البيت ؟ قلت : ورثته عن آبائي ، فليس فيه شيء لأنه خبر محض .

    لكن مراد مجاهد أن يضيف القائل تملكه للمال إلى السبب الذي هو الإرث متناسياً المسبب الذي هو الله ، فبتقدير الله – عز وجل – أنعم على آبائك وملكوا هذا البيت ، وبشرع الله – عز وجل – انتقل هذا البيت إلى ملكك عن طريق الإرث - ، فكيف تتناسى المسبب للأسباب القدرية والشرعية فتضيف الأمر إلى ملك آبائك وإرثك إياه بعدهم ؟! فمن هنا صار هذا القول نوعاً من كفر النعمة .

    أما إذا كان قصد الإنسان مجرد الخبر كما سبق ، فلا شيء في ذلك ولهذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له يوم الفتح : " أتنزل في دارك غداً ؟ " فقال : " وهل ترك لنا عقيل من دار أو رباع " فبين صلى الله عليه وسلم أن هذه الدور انتقلت إلى عقيل بالإرث .

    فتبين أن هناك فرقاً بين إضافة الملك إلى الإنسان على سبيل الخبر ، وبين إضافته إلى سببه متناسياً المسبب وهو الله – عز وجل .

    ( ج2 / 203 )

    ----

    قوله : " وقال عون بن عبد الله : يقولون لولا فلان لم يكن كذا " .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وهذا القول من قائله فيه تفصيل :
    - إن أراد به الخبر وكان الخبر صدقاً مطابقاً للواقع ، فهذا لا بأس به .
    - وإن أراد بها السبب ، فلذلك ثلاث حالات :

    الأولى : أن يكون سبباً خفياً لا تأثير له إطلاقاً ، كأن يقول : لولا الولي الفلاني ما حصل كذا وكذا ، فهذا شرك أكبر لأنه يعتقد بهذا القول أن لهذا الولي تصرفاً في الكون مع أنه ميت ، فهو تصرف سري خفي .

    الثانية : أن يضيفه إلى سبب صحيح ثابت شرعاً أو حساً ، فهذا جائز بشرط أن لا يعتقد أن السبب مؤثر بنفسه ، وأن لا يتناسى المنعم بذلك .

    الثالثة : أن يضيفه إلى سبب ظاهر ، لكن لم يثبت كونه سبباً لا شرعاُ ولا حساً ، فهذا نوع من الشرك الأصغر ، وذلك مثل : التوله ، والقلائد التي يقال أنها تمنع العين ، وما أشبه ذلك ، لأنه أثبت سبباً لم يجعله الله سببا ، فكان مشاركاً لله في إثبات الأسباب .

    ويدل لهذا التفصيل أنه ثبت إضافة ( لولا ) إلى السبب وحده بقول النبي صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب : " لولا أنا ، لكان في الدرك الأسفل من النار " ، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم أبعد الناس عن الشرك ، وأخلص الناس توحيداً لله تعالى ، فأضاف النبي صلى الله عليه وسلم الشيء إلى سببه ، لكنه شرعي حقيقي ، فإنه أُذن له بالشفاعة لعمه بأن يخفف عنه ، فكان في ضحضاح من النار ، عليه نعلان يغلي منهما دماغه لا يرى أن أحداً أشد منه عذاباً ، لأنه لو يرى أن أحداً أشد منه عذاباً أو مثله هان عليه بالتسلي ، كما قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر :

    ولولا كثرة الباكين حولي *** على إخوانهم لقتلت نفسي
    ومايبكون مثل أخي ولكن *** أسلي النفس عنه بالتأسي

    وابن القيم رحمه الله – وإن كان قول العالم ليس بحجة لكن يستأنس به – قال في القصيدة الميمية يمدح الصحابة :

    أولئك أتباع النبي وحزبه *** ولولا هُمُو ماكان في الأرض مسلمُ
    ولولا هُمُو كادت تميدُ بأهلها *** ولكن رواسيها وأوتادها همُ
    ولولا هُمُو كانت ظلاماً بأهلها *** ولكن هُمُو فيها بدورٌ وأنجُمُ

    فأضاف ( لولا ) إلى سبب صحيح .

    ( ج2/ 203 - 204 )

    -

    بابٌ قولُ اللهِ تَعَالَى : ( فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَندَاداً وأنتُم تَعْلَمُونَ )

    المتن / وقال ابن عباس في الآية : " الأنداد هو الشرك ، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوادء في ظلمة الليل ، وهو أن تقول : والله وحياتك يا فلان ، وحياتي ، وتقول : لولا كليبة هذا ، لأتانا اللصوص ، ولولا البط في الدار ، لأتى اللصوص ، وقول الرجل لصاحبه : ما شاء الله وشئت ، وقول الرجل : لولا الله وفلان ، لا تجعل فيها فلاناُ ، هذا كله به شرك " . رواه ابن أبي حاتم " .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله : " وقال ابن عباس في الآية " : أي : في تفسيرها .

    قوله : " هو الشرك " : هذا تفسير بالمراد ، لأن التفسير تفسيران :

    1- تفسير بالمراد ، وهو المقصود بسياق الجملة بقطع النظر عن مفرداتها .

    2- تفسير بالمعنى ، وهو الذي يسمى تفسير الكلمات .

    فعندنا الآن وجهان للتفسير :

    أحدهما : التفسير اللفظي : وهو تفسير الكلمات ، هذا يقال فيه : معناه كذا وكذا .

    والثاني : التفسير بالمراد ، فيقال : المراد بكذا وكذا ، والأخير هنا هو المراد .


    - فإذا قلنا : الأنداد الأشباه والنظراء ، فهو تفسير بالمعنى .
    - وإذا قلنا الأنداد الشركاء أو الشرك فهو تفسير بالمراد ، يقول رضي الله عنه : " الأنداد هو الشرك " فإذاً الند الشريك المشارك لله _ سبحانه وتعالى _ فيما يختص به .

    ( ج2 / 209 )

    ----

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وقوله : " والله وحياتك " : فيها نوعان من الشرك :

    الأول : الحلف بغير الله .

    الثاني : الإشراك مع الله بقوله : والله ! وحياتك ! فضمها إلى الله بالواو المقتضية للتسوية فيها نوع من الشرك .

    - والقسم بغير الله إن اعتقد الحالف أن المقسم به بمنزلة الله في العظمة ، فهو شرك أكبر .
    - وإلا ، فهو شرك أصغر .


    ( ج2 / 211 )

    ----

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وقوله : " لولا كليبة هذا " :
    - يكون فيه شرك إذا نظر إلى السبب دون السبب ، وهو الله – عز وجل .
    - أما الاعتماد على السبب الشرعي أو الحسي المعلوم ، فقد تقدم أنه لا بأس به ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لولا أنا ، لكان في الدرك الأسفل من النار " .

    لكن قد يقع في قلب الإنسان إذا قال : لولا كذا لحصل كذا أو ما كان كذا ، قد يقع في قلبه شيء من الشرك بالاعتماد على السبب بدون نظر إلى المسبِب ، وهو الله عز وجل .

    ( ج2/ 211 )

    ---

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وقوله : " وقول الرجل لصاحبه : ما شاء الله وشئت " : فيه شرك ، لأنه شرك غير الله مع الله بالواو :

    - فإن اعتقد أنه يساوي الله عز وجل في التدبير والمشيئة ، فهو شرك أكبر .
    - وإن لم يعتقد ذلك واعتقد أن الله سبحانه وتعالى فوق كل شيء ؛ فهو شرك أصغر ، وكذلك قوله : " لولا الله وفلان " .

    ( ج2 / 212 )

    ----

    المتن / وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك " . رواه الترمذي وحسنه ، وصححه الحاكم .

    قوله : " وعن عمر " . صوابه عن ابن عمر ، نبه عليه الشارح في " تيسير العزيز الحميد ".

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    والحلف : تأكيد الشيء بذكر معظم بصيغة مخصوصة بالباء أو التاء أو الواو .

    وحروف القسم ثلاثة : الباء ، والتاء ، والواو .

    1- والباء : أعمها ، لأنها تدخل على الظاهر والمضمر وعلى اسم الله وغيره ، ويذكر معها فعل القسم ويحذف :
    - فيذكر معها فعل القسم ، كقوله تعالى : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) [ الأنعام : 109] .
    - ويحذف مثل قولك : بالله لأفعلن .
    - وتدخل على المضمر مثل قولك : الله عظيم أحلف به لأفعلن .
    - وعلى الظاهر كما في الآية .
    - وعلى غير لفظ الجلالة ، مثل قولك : بالسميع لأفعلن .

    2- وأما الواو : فإنه لا يذكر معها فعل القسم ، ولا تدخل على الضمير ، ويُحلف بها مع كل اسم ،.

    3- وأما التاء : فإنه لا يذكر معها فعل القسم وتختص بالله ورب ، قال ابن مالك : " والتاء لله ورب " .

    ( ج2 / 213 )


    ----

    المتن / وقال ابن مسعود : " لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً ".

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    فابن مسعود رضي الله عنه لا يحب لا هذا ولا هذا ، ولكن الحلف بالله كاذباً أهون عليه من الحلف بغيره صادقاً ، فالحلف كاذباً محرم من وجهين :

    1- أنه كذب ، والكذب محرم لذاته .

    2- أن هذا الكذب قرن باليمين ، واليمين تعظيم لله – عز وجل ، فإذا كان على كذب صار فيه شيء من تنقص لله – عز وجل ، حيث جعل اسمه مؤكداً لأمر كذب ، ولذلك كان الحلف بالله كاذباً عند بعض أهل العلم من اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار .

    وأما الحلف بغير الله صادقاً ، فهو محرم من وجه واحد وهو الشرك ، لكن سيئة الشرك أعظم من سيئة الكذب ، وأعظم من سيئة الحلف بالله كاذباً ، وأعظم من اليمين الغموس .

    ( ج2 / 218 )


    ----

    تابع لباب قول اللهِ تَعَالَى : ( فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَندَاداً وأنتُم تَعْلَمُونَ )

    المتن / وجاء عن إبراهيم النخعي : " أنه يُكره : أعوذ بالله وبك ، ويجوز أن يقول : بالله ثم بك " . قال : " ويقول : لولا الله ثم فلان ، ولا تقولوا : لولا الله وفلان " .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وقوله : " أعوذ بالله وبك " : هذا محرم ، لأنه جمع بين الله والمخلوق بحرف يقتضي التسوية وهو الواو .

    ويجوز "بالله ثم بك" ، لأن " ثم " تدل على الترتيب والتراخي .


    فإن قيل : سبق أن من الشرك الأستعادة بغير الله ، وعلى هذا يكون قوله : أعوذ بالله ثم بك محرماً .

    أجيب : أن الاستعاذة بمن يقدر على أن يعيذك جائزة ، لقوله صلى الله عليه وسلم في " صحيح مسلم " وغيره : " من وجد ملجاً ، فليعُذ به " .

    لكن لو قال : أعوذ بالله ثم بفلان ؛ وهو ميت ، فهذا شرك أكبر لأنه لا يقدر على أن يعيذك .

    ( ج2 / 221 )
    ----

    فيه مسائل :

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    الخامسة : الفرق بين "الواو" و "ثم" في اللفظ :

    - لأن "الواو" تقتضي المساواة ، فتكون شركاً .

    - و "ثم" تقتضي الترتيب والتراخي ، فلا تكون شركاً .

    ( ج2 / 223 )

    -

    بابٌ ما جَاءَ فِيمَنْ لمْ يَقْنَعْ بالحَلِفِ باللهِ


    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد :

    أن الاقتناع بالحلف بالله من تعظيم الله ، لأن الحالف أكد ما حلف عليه بالتعظيم باليمين وهو تعظيم المحلوف به ، فيكون من تعظيم المحلوف به أن يُصدَّق ذلك الحالف ، وعلى هذا يكون عدم الاقتناع بالحلف بالله فيه شيء من نقص تعظيم الله ، وهذا ينافي كمال التوحيد ، والاقتناع بالحلف بالله لا يخلو من أمرين :

    الأول : أن يكون ذلك من الناحية الشرعية ، فإنه يجب الرضا بالحلف بالله فيما إذا توجهت اليمين على المدعى عليه فحلف ، فيجب الرضا بهذا اليمين بمقتضى الحكم الشرعي .

    الثاني : أن يكون ذلك من الناحية الحسية :

    - فإن كان الحالف موضع صدق وثقة ، فإنك ترضى بيمينه .
    - وإن كان غير ذلك ، فلك أن ترفض الرضا بيمينه .

    ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لحُوِّيصة ومُحَيِّصة : " تبرئكم يهود بخمسين يميناً . قالوا : كيف نرضي يا رسول الله بأيمان اليهود ؟ " . فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك .

    ( ج2 / 224 )

    ----

    المتن / عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تحلفوا بآبائكم ، من حلف بالله ؛ فليصدق ، ومن حُلف له بالله ؛ فليرض ، ومن لم يرض ، فليس من الله " . رواه ابن ماجه بسند حسن .


    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله صلى الله عليه وسلم : " من حلف بالله ؛ فليصدق ، ومن حلف له بالله ، فليرض " .

    هنا أمران :

    الأمر الأول : للحالف ؛ فقد أُمر أن يكون صادقاً .

    الثاني : للمحلوف له ، فقد أمر أن يرضى بيمين الحالف له .

    فإذا قرنت هذين الأمرين بعضهما ببعض ، فإن الأمر الثاني يُنَزّل على ما إذا كان الحالف صادقاً ؛ لأن الحديث جمع أمرين :

    - أمراً موجهاً للحالف .
    - وأمراً موجها للمحلوف له .


    فإذا كان الحالف صادقاً ؛ وجب على المحلوف له الرضا .

    ( ج2 / 225 )

    --

    فيه مسائل :

    الرابعة : - ولم يذكرها المؤلف - أمر الحالف أن يصدُق لأن الصدق واجب في غير اليمين ، فكيف باليمين ؟! .

    وقد سبق أن من حلف على يمين كاذبة أنه آثم ، وقال بعض العلماء : إنها اليمين الغموس .

    وأما بالنسبة للمحلوف له ، فهل يلزمه أن يُصدِّق أم لا ؟.

    المسألة لا تخلو من أحوال خمس :

    الأولى : أن يُعلم كذبه ؛ فلا أحد يقول : إنه يلزم تصديقه .

    الثانية : أن يترجح كذبه ؛ فكذلك لا يلزم تصديقه .

    الثالثة : أن يتساوى الأمران ؛ فهذا يجب تصديقه .

    الرابعة : أن يترجح صدقه ، فيجب أن يصدق .

    الخامسة : أن يعلم صدقه ؛ فيجب أن يصدقه .

    وهذا في الأمور الحسية ، أما الأمور الشرعية في باب التحاكم ، فيجب أن يرضى باليمين ويلتزم بمقتضاها ، لأن هذا من باب الرضا بالحكم الشرعي ، وهو واجب .

    ( ج2 / 227 )

    بابٌ قولُ : مَا شَاءَ اللهِ وشِئْتَ

    مناسبة الباب لكتاب التوحيد

    أن قول : ( ماشاء الله وشئت ) من الشرك الأكبر أو الأصغر :

    - لأنه إن اعتقد أن المعطوف مساوٍ لله ؛ فهو شرك أكبر .

    - وإن اعتقد أنه دونه لكن أشرك به في اللفظ ؛ فهو أصغر .

    وقد ذكر بعض أهل العلم : أن من جملة ضوابط الشرك الأصغر أن ما كان وسيلة للأكبر فهو أصغر .

    ( ج2 / 228 )

    ---

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله : " أن يهودياً " اليهودي : هو المنتسب إلى شريعة موسى عليه السلام ، وسموا بذلك :
    - من قوله تعالى : ( إنا هدنا إليك ) ، أي : رجعنا .
    - أو لأن جدهم اسمه "يهوذا بن يعقوب" ، فتكون التسمية من أجل النسب ، وفي الأول تكون التسمية من أجل العمل ، ولا يبعد أن تكون من الاثنين جميعاً .

    ( ج2 / 228 )

    ---

    فيه مسائل :

    الخامسة : أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي :
    تؤخذ من حديث الطفيل ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : " الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة " .
    وهذا موافق للواقع بالنسبة للوحي الذي أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن أول الوحي كان بالرؤيا الصالحة من ربيع الأول إلى رمضان ، وهذا ستة أشهر ، فإذا نسبت هذا إلى بقية زمن الوحي ، كان جزءاً من ستة وأربعين جزءاً ، لأن الوحي كان ثلاثاً وعشرين سنة وستة أشهر مقدمة له .

    - والرؤيا الصالحة : هي التي تتضمن الصلاح ، وتأتي منظمة ، وليست بأضغاث أحلام .
    - أما أضغاث الأحلام : فإنها مشوشة غير منظمة .

    ( ج2 / 237 )

    بابٌ مَنْ سَبَّ الدَّهْرَ ؛ فَقَدْ آذَى الله

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    السب : الشتم ، والتقبيح ، والذم ، وما أشبه ذلك .

    الدهر : هو الزمان والوقت .

    وسب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام :

    الأول : أن يقصد الخبر المحض دون اللوم ، فهذا جائز ، مثل أن يقول : تعبنا من شدة حر هذا اليوم أو برده ، وما أشبه ذلك ، لأن الأعمال بالنيات ، ومثل هذا اللفظ صالح لمجرد الخبر ، ومنه قول لوط عليه الصلاة والسلام : ( هذا يوم عصيب ) [هود : 77] .

    الثاني : أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل ، ، كأن يعتقد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر ، فهذا شرك أكبر لأنه اعتقد أن مع الله خالقاً ؛ لأنه نسب الحوادث إلى غير الله ، وكل من اعتقد أن مع الله خالقاً ؛ فهو كافر ، كما أن من اعتقد أن مع الله إلهاً يستحق أن يعبد ؛ فإنه كافر .

    الثالث : أن يسب الدهر لا لاعتقاد أنه هو الفاعل ، بل يعتقد أن الله هو الفاعل ، لكن يسبه لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده ، فهذا محرم ، ولا يصل إلى درجة الشرك ، وهو من السَّفه في العقل والضلال في الدين ، لأن حقيقة سبِّه تعود إلى الله سبحانه ، لأن الله تعالى هو الذي يصرف الدهر ويكون فيه ما أراد من خير أو شر ، فليس الدهر فاعلاً ، وليس هذا السب يُكفِّر ، لأنه لم يسب الله تعالى مباشرة .

    ( ج2 / 240 )

    ----

    بابٌ التَّسَمِّي بقَاضِي القُضَاةِ ونَحْوِه

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    مناسبة الباب لكتاب التوحيد :

    أن من تسمى بهذا الاسم ، فقد جعل نفسه شريكاً مع الله فيما لا يستحقه إلا الله ، لأنه لا أحد يستحق أن يكون قاضي القضاة أو حاكم الحكام أو ملك الأملاك إلا الله – سبحانه وتعالى - ، فالله هو القاضي فوق كل قاض ، وهو الذي له الحكم ، ويُرجع إليه الأمر كله كما ذكر الله ذلك في القرآن .

    وقد تقدم أن قضاء الله ينقسم إلى قسمين :

    1- قضاء كوني .
    2- قضاء شرعي .


    والقضاء الكوني لابد من وقوعه ، ويكون فيما أحب الله وفيما كرهه ، قال تعالى : ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ) [ الإسراء : 4 ] فهذا قضاء كوني متعلق بما يكرهه الله ، لأن الفساد في الأرض لا يحبه الله ، والله لا يحب المفسدين ، وهذا القضاء الكوني لابد أن يقع ولا معارض له إطلاقاً .

    وأما النوع الثاني من القضاء ، وهو القضاء الشرعي ، فمثل قوله تعالى :( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً ) [ الإسراء : 23] ، والقضاء الشرعي لا يلزم منه وقوع المقضي ، فقد يقع وقد لا يقع ، ولكنه يتعلق فيما يحبه الله ، وقد سبق الكلام عن ذلك .

    ( ج2 249 - 250 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :


    فإن قلت : إذا أضفنا ( القضاة ) وحصرناها بطائفة معينة ، أو ببلد معين ، أو بزمان معين ، مثل أن يقال : قاضي القضاة في الفقه ، أو قاضي قضاه المملكة العربية السعودية ، أو قاضي قضاة مصر أو الشام ، أو ما أشبه ذلك ، فهل يجوز هذا ؟ .

    فالجواب : أن هذا جائز ، لأنه مقيد ، ومعلوم أن قضاء الله لا يتقيد ، فحينئذ لا يكون فيه مشاركة لله – عز وجل - ، على أنه لا ينبغي أيضاً أن يتسمى الإنسان بذلك أو يسمَّى به وإن كان جائزاً ، لأن النفس قد تصعب السيطرة عليها فيما إذا شعر الإنسان بأنه موصوف بقاضي قضاة الناحية الفلانية ، فقد يأخذه الإعجاب بالنفس والغرور حتى لا يقبل الحق إذا خالف قوله ، وهذه مسألة عظيمة لها خطرها إذا وصلت بالإنسان إلى الإعجاب بالرأي بحيث يرى أن رأيه مفروض على من سواه ، فإن هذا خطر عظيم ، فمع القول بأن ذلك جائز لا ينبغي أن يقبله اسماً لنفسه أو وصفاً له ، ولا أن يتسمى به .

    - فإذا قيد بزمان أو مكان ونحوهما ، قلنا : إنه جائز ، ولكن الأفضل ألا يفعل .

    - لكن إذا قيد بفن من الفنون ، هل يكون جائزاً ؟.

    مقتضى التقييد أن يكون جائزاً ، لكن إن قيد بالفقه بأن قيل : ( عالم العلماء في الفقه ) ، وقلنا : إن الفقه يشمل أصول الدين وفروعه على حد قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين " ، صار فيه عموم واسع ، ومعنى هذا أن مرجع الناس كلهم في الشرع إليه ، فهذا في نفسي منه شيء ، والأولى التنزه عنه .

    - وأما إن قيد بقبيلة ، فهو جائز ، لكن يجب مع الجواز مراعاة جانب الموصوف أن لا يغتر ويعجب بنفسه ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للمادح : " قطعت عنق صاحبك " .

    - وأما التسمي بـ ( شيخ الإسلام ) ، مثل أن يقال : شيخ الإسلام ابن تيميه ، أو شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ، أي أنه الشيخ المطلق الذي يرجع إليه الإسلام ، فهذا لا يصح ، إذ إن أبا بكر رضي الله عنه أحق بهذا الوصف ، لأنه أفضل الخلق بعد النبيين ، ولكن إذا قصد بهذا الوصف أنه جدد في الإسلام وحصل له أثر طيب في الدفاع عنه ، فلا بأس بإطلاقه .

    - وأما بالنسبة للتسمية بـ ( الإمام ) ، فهو أهون بكثير من التسمي بـ ( شيخ الإسلام ) ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى إمام المسجد إماماً ولو لم يكن عنده إلا اثنان .
    لكن ينبغي أن ينبه أنه لا يتسامح في إطلاق كلمة "إمام" إلا على من كان قدوة وله أتباع ، كالإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم ممن له أثر في الإسلام ، لأن وصف الإنسان بما لا يستحق هضم للأمة ، لأن الإنسان إذا تصور أن هذا إمام وهذا إمام هان الإمام الحق في عينه ، قال الشاعر :

    ألم تر أن السيف ينقص قدره *** إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

    - ومن ذلك أيضاً : ( آية الله ، حجة الله ، حجة الإسلام ) ، فإنها ألقاب حادثة لا تنبغي لأنه لا حجة لله على عباده إلا الرسل .

    وأما آية الله ، فإن أريد به المعنى الأعم ، فلا مدح فيه لأن كل شيء آية لله ، كما قيل :

    وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد

    وإن أريد المعنى الأخص ، أي : أن هذا الرجل آية خارقة ، فهذا في الغالب يكون مبالغاً فيه ، والعبارة السليمة أن يقال : عالم مفت ، قاض ، حاكم ، إمام لمن كان مستحقاً لذلك .

    ( ج2 / 250 - 252 )

    -----

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    فيه مسائل :
    الرابعة : التفطن أن هذا لأجل الله - سبحانه - : يؤخذ من قوله : " لا مالك إلا الله " ، فالرسول صلى الله عليه وسلم أشار إلى العلة ، وهي : " لا مالك إلا الله " ، فكيف تقول : ملك الأملاك وهو لا مالك إلا الله عز وجل ؟ ‍‍‍‍‍‍‍.

    الفرق بين ملك ومالك :

    - ليس كل ملك مالكاً ، وليس كل مالك ملكاً .

    - فقد يكون الإنسان ملكاً ، ولكنه لا يكون بيده التدبير .

    - وقد يكون الإنسان مالكاً ويتصرف فيما يملكه فقط .

    - فالملك من ملك السلطة المطلقة ، لكن قد يملك التصرف فيكون ملكاً مالكاً .

    - وقد لا يملك فيكون ملكاً وليس بمالك .

    - أما المالك ، فهو الذي له التصرف بشيء معين ، كمالك البيت ، ومالك السيارة وما أشبه ذلك ، فهذا ليس بملك ، يعني : ليس له سلطة عامة .


    ( ج2 /256 )


    بابٌ احْتِرَامُ أسْمَاءِ اللهِ وتَغْيِيرُ الاسْمِ لأجْلِ ذلِكَ


    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :


    أسماء الله - عز وجل - هي : التي سمَّى بها نفسه أو سماه بها رسوله صلى الله عليه وسلم .

    وقد سبق لنا الكلام فيها في مباحث كثيرة منها :

    قال رحمه الله :

    السادس : معنى إحصاء هذه التسعة والتسعين الذي يترتب عليه دخول الجنة ليس معنى ذلك أن تكتب في رقاع ثم تكرر حتى تحفظ فقط ، ولكن معنى ذلك:

    أولاً : الإحاطة بها لفظاً .

    ثانياً : فهمها معنىً .

    ثالثاً : التعبد لله بمقتضاها ، ولذلك وجهان :

    الوجه الأول : أن تدعو الله بها ، لقوله تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) [ الأعراف : 180] بأن تجعلها وسيلة إلى مطلوبك ، فتختار الاسم المناسب لمطلوبك ، فعند سؤال المغفرة تقول : يا غفور ‍ ! وليس من المناسب أن تقول : يا شديد العقاب ! اغفر لي ، بل هذا يشبه الاستهزاء ، بل تقول : أجرني من عقابك .

    الوجه الثاني : أن تتعرض في عبادتك لما تقتضيه هذه الأسماء ، فمقتضى الرحيم الرحمة ، فاعمل الصالح الذي يكون جالباً لرحمة الله ، ومقتضي الغفور المغفرة ، إذاً افعل ما يكون سبباً في مغفرة ذنوبك ، هذا هو معنى إحصائها ، فإذا كان كذلك ، فهو جدير لأن يكون ثمناً لدخول الجنة ، وهذا الثمن ليس على وجه المقابلة ، ولكن على وجه السبب ، لأن الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة وليست بدلاً ، ولهذا ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : " لن يدخل الجنة أحد بعمله . قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمته " .

    ( ج2 / 258 )

    ----

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    الثامن : أسماء الله - عز وجل - لايتم الإيمان بها إلا بثلاثة أمور إذا كان الاسم متعدياً :
    - الإيمان بالاسم اسماً لله .
    - والإيمان بما تضمنه من صفة .
    - وما تضمنه من أثر وحُكم .


    فالعليم مثلاً لا يتم الإيمان به حتى :
    - نؤمن بأن العليم من أسماء الله .
    - ونؤمن بما تضمنه من صفة العلم .
    - ونؤمن بالحُكم المرتب على ذلك ، وهو أنه يعلم كل شيء .


    وإذا كان الاسم غير متعد ، فنؤمن بأنه من أسماء الله وبما يتضمنه من صفة .


    ( ج2 / 260 )

    ----

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله : " باب احترام أسماء الله " : أي وجوب احترام أسماء الله ، لأن احترامها احترام لله عز وجل ومن تعظيم الله عز وجل ، فلا يسمى أحد باسم مختص بالله ، وأسماء الله تنقسم إلى قسمين :

    الأول : ما لا يصح إلا لله ، فهذا لا يسمى به غيره ، وإن سُمي وجب تغييره ، مثل : الله ، الرحمن ، رب العالمين ، وما أشبه ذلك .

    الثاني : ما يصح أن يوصف به غير الله ، مثل : الرحيم ، والسميع ، والبصير ، فإن لوحظت الصفة منع من التسمي به ، وإن لم تلاحظ الصفة جاز التسمي به على أنه علم محض .

    ( ج2 / 260 )

    ----

    المتن / عن أبي شريح ، أنه كان يكنى أبا الحكم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله هو الحكم ، وإليه الحكم ".

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وقوله : " وإليه الحكم " : الخبر فيه جار ومجرور مقدم ، وتقديم الخبر يفيد الحصر ، وعلى هذا يكون راجعاً إلى الله وحده .

    وحكم الله ينقسم إلى قسمين :

    الأول : كوني ، وهذا لا راد له ، فلا يستطيع أحد أن يرده ، ومنه قوله تعالى : ( فلن أبرح الأرض حتى بأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ) [ يوسف : 80] .

    الثاني : شرعي ، وينقسم الناس فيه إلى قسمين :
    - مؤمن .
    - وكافر .

    - فمن رضيه وحكم به فهو مؤمن .
    - ومن لم يرض به ولم يحكم به فهو كافر .


    ومنه قوله تعالى : ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمة إلى الله ) [ الشوري : 10 ] .

    وأما قوله : ( أليس الله بأحكم الحاكمين ) [ التين : 8] ، وقوله تعالى : ( ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ) [ المائدة : 50] ، فهو يشمل الكوني والشرعي ، وإن كان ظاهر الآية الثانية أن المراد الحكم الشرعي ، لأنه في سياق الحكم الشرعي ، والشرعي يكون تابعاً للمحبة والرضا والكراهة والسخط ، والكوني عام في كل شيء .

    ( ج2 / 262 )

    ----

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله : " فأنت أبو شريح " . غيره النبي صلى الله عليه وسلم ، لأمرين :

    الأول : أن الحكم هو الله ، فإذا قيل : يا أبا الحكم ! كأنه قيل : يا أبا الله ! .

    الثاني : إن هذا الاسم الذي جعل كنية لهذا الرجل لوحظ فيه معنى الصفة وهي الحكم ، فصار بذلك مطابقاً لاسم الله ، وليس لمجرد العلمية المحضة ، بل للعلمية المتضمنة للمعنى ، وبهذا يكون مشاركاً لله – سبحانه وتعالى – في ذلك ، ولهذا كناه النبي صلى الله عليه وسلم بما ينبغي أن يكنى به .

    ( ج2 / 263 )

    ----

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    فائدة :

    يجب على طالب العلم أن يعرف الفرق بين :
    - التشريع الذي يجعل نظاماً يمشى عليه ويستبدل به القرآن .
    - وبين أن يحكم في قضية معينة بغير ما أنزل الله ، فهذا قد يكون كفراً أو فسقاً أو ظلماً .

    - فيكون كفراً : إذا اعتقد أنه أحسن من حكم الشرع أو مماثل له .

    - ويكون فسقاً : إذا كان لهوى في نفس الحاكم .

    - ويكون ظلماً : إذا أراد مضرة المحكوم عليه ، وظهور الظلم في هذه أبين من ظهوره في الثانية ، وظهور الفسق في الثانية أبين من ظهوره في الثالثة .

    ( ج2 / 266 )

    ----


    بابٌ مَنْ هَزَلَ بِشَيء فيهِ ذِكْرُ اللهِ أوِ القُرْآنِ أوِ الرَّسُولِ

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله : " من هزل " : سخر واستهزأ ورآه لعباً ليس جداً .

    ومن هزل بالله أو بآياته الكونية أو الشرعية أو برسله ، فهو كافر ، لأن منافاة الاستهزاء للإيمان منافاة عظيمة .

    كيف يسخر ويستهزئ بأمر يؤمن به ؟! فالمؤمن بالشيء لابد أن يعظمه وأن يكون في قلبه من تعظيمه ما يليق به .


    والكفر كفران :
    - كفر إعراض .
    - وكفر معارضة .

    والمستهزئ كافر كفر معارضة ، فهو أعظم ممن يسجد لصنم فقط ، وهذه المسألة خطيرة جداً ، ورب كلمة أوقعت بصاحبها البلاء بل والهلاك وهو لا يشعر ، فقد يتكلم الإنسان بالكلمة من سخط الله عز وجل لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار .

    - فمن استهزأ بالصلاة ولو نافلة ، أو بالزكاة ، أو الصوم ، أو الحج ، فهو كافر بإجماع المسلمين .

    - كذلك من استهزأ بالآيات الكونية بأن قال مثلاً : إن وجود الحر في أيام الشتاء سفه ، أو قال : إن وجود البرد في أيام الصيف سفه ، فهذا كفر مخرج عن الملة ، لأن الرب عز وجل كل أفعاله مبنية على الحكمة وقد لا نستطيع بلوغها بل لا نستطيع بلوغها .


    ( ج2 / 267 )


    -----

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    إلا أن ساب الرسول صلى الله عليه وسلم تقبل توبته ويجب قتله ، بخلاف من سب الله ، فإنها تقبل توبته ولا يقتل ، لا لأن حق الله دون حق الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل لأن الله أخبرنا بعفوه عن حقه إذا تاب العبد إليه بأنه يغفر الذنوب جميعاً .

    أما ساب الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإنه يتعلق به أمران :

    الأول : أمر شرعي لكونه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن هذا الوجه تقبل توبته إذا تاب .

    الثاني : أمر شخصي لكونه من المرسلين ، ومن هذا الوجه يجب قتله لحقه صلى الله عليه وسلم ويقتل بعد توبته على أنه مسلم ، فإذا قتل ، غسلناه وكفناه وصلينا عليه ودفناه مع المسلمين .

    ( ج2 / 268 )

    ----

    قوله : ( إنما كنا نخوض ونعلب ) : أي ما لنا قصد ، ولكننا نخوض ونعلب :
    - واللعب : يقصد به الهزء .
    - وأما الخوض : فهو كلام عائم لا زمام له .

    هذا إذا وصف بذلك القول ، وأما إذا لم يوصف به القول ، فإنه يكون الخوض في الكلام واللعب في الجوارح .

    ( ج2 / 270 )

    ----

    قوله : ( قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ) .

    قوله : ( وآياته ) : جمع آية ، ويشمل :
    - الآيات الشرعية : كالاستهزاء بالقرآن ، بأن يقال : هذا أساطير الأولين - والعياذ بالله - ، أو يستهزئ بشيء من الشرائع ، كالصلاة والزكاة والصوم والحج .

    - والآيات الكونية : كأن يسخر بما قدَّره الله تعالى ، كيف يأتي هذا في هذا الوقت ؟ ، كيف يخرج هذا الثمر من هذا الشيء ؟ ، كيف يخلق هذا الذي يضر الناس ويقتلهم ؟ ؛ استهزاء وسخرية .

    ( ج2 / 271 )


    ----

    فيه مسائل :

    الثالثة : الفرق بين النميمة والنصيحة لله ولرسوله .

    - النميمة : من نمَّ الحديث ، أي : نقله ونسبه إلى غيره : وهي نقل كلام الغير للغير بقصد الإفساد ، وهي من أكبر الذنوب ، قال صلى الله علسه وسلم : " لا يدخل الجنة نمام " وأخبر عن رجل يعذب في قبره ، لأنه كان يمشي بالنميمة .

    - وأما النصحية لله ورسوله : فلا يقصد بها ذلك ، وإنما يقصد بها احترام شعائر الله - عز وجل- وإقامة حدوده وحفظ شريعته ، وعوف بن مالك نقل كلام هذا الرجل لأجل أن يقام عليه الحد أو ما يجب أن يقام عليه وليس قصده مجرد النميمة .

    ومن ذلك لو أن رجلاً اعتمد على شخص ووثق به ، وهذا الشخص يكشف سره ويستهزئ به في المجالس ، فإنك إذا أخبرت هذا الرجل بذلك ، فليس هذا من النميمة ، بل من النصيحة .


    ( ج2 / 278 )

    ----

    بابٌ قولُ اللهِ تَعَالَى : ( وَلَئنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي ) .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    مناسبة الباب لـ " كتاب التوحيد " :
    - أن الإنسان إذا أضاف النعمة إلى عمله وكسبه ، ففيه نوع من الإشراك بالربوبية .
    - وإذا أضافها إلى الله لكنه زعم أنه مستحق لذلك وأن ما أعطاه الله ليس محض تفضل ، لكن لأنه أهل ، ففيه نوع من التعلي والترفع في جانب العبودية .


    ( ج2 / 280 )

    ----

    المتن / الآية الثانية قوله تعالى : ( إنما أوتيته على علم ) .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وشكر النعمة له ثلاثة أركان :

    1. الاعتراف بها في القلب .

    2. الثناء على الله باللسان .

    3. العمل بالجوارح بما يرضي المنعم .


    فمن كان عنده شعور في داخل نفسه أنه هو السبب لمهارته وجودته وحذقه ، فهذا لم يشكر النعمة ، وكذلك لو أضاف النعمة بلسانه إلى غير الله أو عمل بمعصية الله في جوارحه ، فليس بشاكر لله تعالى .

    ( ج2 / 284 )

    ----

    قوله : ( أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن ) :

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    السؤال هنا :
    - ليس سؤال استخبار .
    - بل سؤال استجداء .

    لأن " سأل " تأتي بمعنى استجدى وبمعنى استخبر ، تقول :
    - سألته عن فلان ، أي : استخبرته .
    - وسألته مالاً ، أي استجديته واستعطيته .


    ( ج2 / 289 )

    ----

    قوله : " فرد الله علي بصري " .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    أعترف بنعمة الله ، وهذا أحد أركان الشكر ، والركن الثاني : العمل بالجوارح في طاعة المنعم ، والركن الثالث : الاعتراف بالنعمة في القلب ، قال الشاعر :

    أفادتكم النعماءُ مني ثلاثة *** يدي ولساني والضمير المحجبا

    ( ج2 / 292 )

    ----

    قوله : " وسخط على صاحبيك " .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وفي هذا الحديث من العبر شيء كثير ، منها :


    6. أن الإنسان لا يلزمه الرضاء بقضاء الله - أي بالمقضي - ؛ لأن هؤلاء الذين أصيبوا قالوا : أحب إلينا كذا وكذا ، وهذا يدل على عدم الرضا .

    وللإنسان عند المصائب أربع مقامات :

    - جزع : وهو محرم .

    - صبر : وهو واجب .

    - رضا : وهو مستحب .

    - شكر : وهو أحسن وأطيب .

    وهنا إشكال وهو : كيف يشكر الإنسان ربه على المصيبة وهي لا تلائمة ؟.
    أجيب : أن الإنسان إذا آمن بما يترتب على هذه المصيبة من الأجر العظيم عرف أنها تكون بذلك نعمة ، والنعمة تشكر .


    ( ج2 / 294 )

    ----

    وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " فمن رضي ؛ فله الرضا ، ومن سخط ؛ فعليه السخط " .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    فالمراد بالرضا هنا الصبر ، أو الرضا بأصل القضاء الذي هو فعل الله ، فهذا يجب الرضا به لأن الله - عز وجل - حكيم ، ففرق بين :
    - فعل الله .
    - والمقضي .


    والمقضي ينقسم إلى :
    - مصائب لا يلزم الرضا بها .
    - وإلى أحكام شرعيه يجب الرضا بها .


    ( ج2 / 294 )

    ----

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    16. أن من صفات الله - عز وجل - الرضا والسخط والإرادة ، وأهل السنة والجماعة يثبتونها على المعنى اللائق بالله على أنها حقيقة .

    وإرادة الله نوعان :
    1- كونية .
    2- وشرعية .


    والفرق بينهما :

    - أن الكونية : يلزم فيها وقوع المراد ولا يلزم أن يكون محبوباً لله ، فإذا أراد الله شيئاً قال له : كن فيكون .

    - وأما الشرعية : فإنه لا يلزم فيها وقوع المراد ويلزم أن يكون محبوباً لله .

    ولهذا نقول :
    - الإرادة الشرعية : بمعنى المحبة .
    - والكونية : بمعنى المشيئة .


    فإن قيل : هل الله يريد الخير والشر كوناً أو شرعاً ؟.

    أجيب :
    - إن الخير إذا وقع ؛ فهو مراد لله كوناً وشرعاً .
    - وإذا لم يقع ، فهو مراد لله شرعاً فقط .

    - وأما الشر فإذا وقع ، فهو مراد لله كوناً لا شرعاً .
    - وإذا لم يقع ، فهو غير مراد كوناً ولا شرعاً .

    ( ج2 /296 )

    ----

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    19. أن التذكير قد يكون :
    - بالأقوال .
    - أو الأفعال .
    - أو الهيئات .


    ( ج2 / 297 )


    بابٌ قولُ اللهِ تَعَالَى : ( فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحَاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا )

    قوله : ( ليسكن إليها ) .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    سكون الرجل إلى زوجته ظاهر من أمرين :

    أولاً : لأن بينهما من المودة والرحمة ما يقتضي الأنس والاطمئنان والاستقرار .

    ثانياً : سكون من حيث الشهوة ، وهذا سكون خاص لا يوجد له نظير حتى بين الأم وابنها .

    ( ج2 / 299 )

    -----

    قوله : ( دعوا الله ربهما ) .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    أتى بالألوهية والربوبية ؛ لأن الدعاء يتعلق به جانبان :

    الأول : جانب الألوهية من جهة العبد أنه داع ، والدعاء عبادة .

    الثاني : جانب الربوبية ، لأن في الدعاء تحصيلاً للمطلوب ، وهذا يكون متعلقاً بالله من حيث الربوبية .

    والظاهر أنهما قالا : اللهم ربنا ، ويحتمل أن يكون بصيغة أخرى .

    ( ج2 / 301 )

    ----

    قوله : ( لئن آتيتنا صالحاً ) .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    أي : أعطيتنا .

    وقوله : " صالحاً " ؛ هل المراد صلاح البدن أو المراد صلاح الدين ، أي : لئن آتيتنا بشراً سوياً ليس فيه عاهة ولا نقص ، أو صالحاً بالدين ، فيكون تقياً قائماً بالواجبات ؟.

    الجواب : يشمل الأمرين جميعاً ، وكثير من المفسرين لم يذكر إلا الأمر الأول ، وهو الصلاح البدني ، لكن لا مانع من أن يكون شاملاً للأمرين جميعاً .

    ( ج2 / 301 )

    ----

    وقوله : ( جعلا له شركاء فيما آتاهما ) .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    فإن قيل : هذا الولد الذي آتاهما الله - عز وجل - كان واحداً ، فكيف جعلا في هذا الولد الواحد شِرْكاً بل شركاء ؟.

    فالجواب أن نقول هذا على ثلاثة أوجه :

    الوجه الأول : أن يعتقدا أن الذي أتى بهذه الولد هو الولي الفلاني والصالح الفلاني ونحو ذلك ؛ فهذا شرك أكبر لأنهما أضافا الخلق إلى غير الله .

    ومن هذا أيضا ما يوجد عند بعض الأمم الإسلامية الآن ، فتجد المرأة التي لا يأتيها الولد تأتي إلى قبر الولي الفلاني ، كما يزعمون أنه ولي الله - والله أعلم بولايته - ، فتقول : يا سيدي فلان ! ارزقني ولداً .

    الوجه الثاني : أن يضيف سلامة المولود ووقايته إلى الأطباء وإرشاداتهم وإلى القوابل وما أشبه ذلك ، فيقولون مثلاً : سَلِمَ هذا الولد من الطلق ، لأن القابلة امرأة متقنة جيدة ؛ فهنا أضاف النعمة إلى غير الله ، وهذا نوع من الشرك ولا يصل إلى حد الشرك الأكبر ، لأنه أضاف النعمة إلى السبب ونسي المسبب وهو الله - عز وجل - .

    الوجه الثالث : أن لا يشرك من ناحية الربوبية ، بل يؤمن أن هذا الولد خرج سالماً بفضل الله ورحمته ، ولكن يشرك من ناحية العبودية ؛ فيقدم محبته على محبة الله ورسوله ، ويلهية عن طاعة الله ورسوله ، قال تعالى : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم ) [ التغابن : 15] ، فكيف تجعل هذا الولد نداً لله في المحبة ، وربما قدمت محبته على محبة الله ، والله هو المتفضل عليك به ؟! .

    ( ج2 / 303 - 304 )

    ----

    المتن / قال ابن حزم : " اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله ، كعبد عمرو ، وعبد الكعبة ، وما أشبه ذلك ، حاشا عبد المطلب " .

    قوله : " اتفقوا " .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    أي : أجمعوا ، والإجماع أحد الأدلة الشرعية التي ثبتت بها الأحكام ، والأدلة هي :
    1- الكتاب .
    2- والسنة .
    3- والإجماع .
    4- والقياس .


    (ج2 / 305 )

    ----

    ولكن الصواب تحريم التعبيد للمطلب ، فلا يجوز لأحد أن يسمي ابنه "عبد المطلب" ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " أنا ابن عبد المطلب " ، فهو :
    - من باب الإخبار .
    - وليس من باب الإنشاء .

    فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن له جداً اسمه عبد المطلب .
    - ولم يرد عنه صلى الله عليه وسلم أنه سمى عبد المطلب .
    - أو أنه أذن لأحد صحابته بذلك .
    - ولا أنه أقر أحداً على تسميته عبد المطلب .

    والكلام في الحكم لا في الإخبار ، وفرق بين الإخبار وبين الإنشاء والإقرار ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنما بنو هاشم وبنو عبد المطلب شيء واحد " ، وقال صلى الله عليه وسلم : " يا بني عبد مناف " ولا يجوز التسمي بعبد مناف .

    وقد قال العلماء : إن حاكي الكفر ليس بكافر ، فالرسول صلى الله عليه وسلم يتكلم عن شيء قد وقع وانتهى ومضى ، فالصواب أنه لا يجوز أن يعبّد لغير الله مطلقاً ؛ لا بعبد المطلب ولا غيره ، وعليه ؛ فيكون التعبيد لغير الله من الشرك .


    ( ج2 / 6 30 )

    ----

    فيه مسائل :

    الخامسة : ذكر السلف الفرق بين الشرك في الطاعة والشرك في العبادة :

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وقبل ذلك نبين الفرق بين الطاعة وبين العبادة :

    - فالطاعة إذا كانت منسوبة لله ، فلا فرق بينهما وبين العبادة ، فإن عبادة الله طاعته .

    - وأما الطاعة المنسوبة لغير الله ، فإنها غير العبادة ، فنحن نطيع الرسول صلى الله عليه وسلم لكن لا نعبده ، والإنسان قد يطيع ملكاً من ملوك الدنيا وهو يكرهه .

    فالشرك بالطاعة : أنني أطعته لا حباً وتعظيماً وذلاً كما أحب الله وأتذلل له وأعظمة ، ولكن طاعته اتباع لأمره فقط ، هذا هو الفرق .

    وبناء على القصة ، فإن آدم وحواء أطاعا الشيطان ولم يعبداه عبادة ، وهذا مبني على صحة القصة .


    ( ج2 / 312 )

    باب قول الله تعالى : (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ) .الآية .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    هذا الباب يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات ، لأن هذا الكتاب جامع لأنواع التوحيد الثلاثة :
    - توحيد العبادة .
    - وتوحيد الربوبية .
    - وتوحيد الأسماء والصفات .


    وتوحيد الأسماء والصفات : هو إفراد الله عز وجل بما ثبت له من صفات الكمال على وجه الحقيقة ، بلا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل .

    لأنك إذا عطلت لم تثبت ، وإن مثلت لم توحد .

    والتوحيد مركب من :
    - إثبات .
    - ونفي .


    أي : إثبات الحكم للموَحَّد ، ونفيه عما عداه ، فمثلاً :
    - إذا قلت : زيد قائم ، لم توحده بالقيام .
    - وإذا قلت : زيد غير قائم ، لم تثبت له القيام .
    - وإذا قلت : لا قائم إلا زيد ، وحدته بالقيام .



    وإذا قلت : لا إله إلا الله ؛ وحَّدته بالألوهية :
    -وإذا أثبتّ لله الأسماء والصفات دون أن يماثله أحد : فهذا هو توحيد الأسماء والصفات .
    - وإن نفيتها عنه : فهذا تعطيل .
    - وإن مثلت : فهذا إشراك .


    ( ج2 / 313 )

    -----

    المتن : وقوله : " وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى " .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وقد سبق لنا مباحث قيمة في أسماء الله تعالى :

    الأول : هل أسماء الله تعالى أعلام أو أوصاف ؟.

    الثاني : هل أسماء الله مترادفة أو متباينة ؟.

    الثالث : هل أسماء الله هي الله أو غيره ؟ .

    الرابع : أسماء الله توفيقية .

    الخامس : أسماء الله غير محصورة بعدد معين .

    السادس : أسماء الله :
    - إذا كانت متعدية : فإنه يجب أن تؤمن بالاسم والصفة وبالحكم الذي يسمى أحياناً بالأثر .
    - وإن كانت غير متعدية : فإنه يجب أن تؤمن بالاسم والصفة .

    السابع : إحصاء أسماء الله معناه :

    1. الإحاطة بها لفظاً ومعنى .

    2. دعاء الله بها ، لقوله تعالى : ( فادعوا بها ) ، وذلك بأن تجعلها وسيلة لك عند الدعاء ، فتقول : يا ذا الجلال والإكرام ! ، يا حي يا قيوم ! ، وما أشبه ذلك .

    3. أن تتعبد لله بمقتضاها ، فإذا علمت أنه رحيم تتعرض لرحمته ، وإذا علمت أنه غفور تتعرض لمغفرته ، وإذا علمت أنه سميع اتقيت القول الذي يغضبه ، وإذا علمت أنه بصير أجتنبت الفعل الذي لا يرضاه .

    ( ج2 / 314)

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    واعلم أن دعاء الله بأسمائه له معنيان :

    الأول : دعاء العبادة ، وذلك بأن تتعبد لله بما تقتضيه تلك الأسماء ، ويطلق على الدعاء عبادة ، قال تعالى : ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي ) ، ولم يقل : عن دعائي ، فدل على أن الدعاء عبادة .

    فمثلاً : الرحيم يدل على الرحمة ، وحينئذ تتطلع إلى إسباب الرحمة وتفعلها .
    والغفور يدل على المغفرة ، وحينئذ تتعرض لمغفرة الله عز وجل بكثرة التوبة والاستغفار كذلك وما أشبه ذلك .


    الثاني : دعاء المسألة ، وهو أن تقدمها بين يدي سؤالك متوسلاً بها إلى الله تعالى .

    مثلاً : يا حي ، يا قيوم أغفر لي وارحمني ، وقال صلى الله عليه وسلم : " فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم " ، والإنسان إذا دعا وعلل ، فقد أثنى على ربه بهذا الاسم طالباً أن يكون سبباً للإجابة ، والتوسل بصفة المدعو المحبوبة له سبب للإجابة ، فالثناء على الله بأسمائه من أسباب الإجابة .

    ( ج2 / 316 )

    ----

    المتن : " وذروا الذين يلحدون " .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    والإلحاد : مأخوذ من اللحد ، وهو الميل ، لحد وألحد بمعنى مال ، ومنه سمي الحفر بالقبر لحداً ، لأنه مائل إلى جهة القبلة .

    والإلحاد في أسماء الله : الميل بها عما يجب فيها ، وهو أنواع :

    الأول : أن ينكر شيئاً من الأسماء أو مما دلت عليه من الصفات أو الأحكام ، ووجه كونه إلحاداً أنه مال بها عما يجب لها ، إذ الواجب إثباتها وإثبات ما تتضمنه من الصفات والأحكام .

    الثاني : أن يثبت لله أسماء لم يسم الله بها نفسه ، كقول الفلاسفة في الله : إنه علة فاعلة في هذا الكون تفعل ، وهذا الكون معلول لها ، وليس هناك إله .
    وبعضهم يسميه العقل الفعّال ، فالذي يدير هذا الكون هو العقل الفعال ، وكذلك النصاري يسمون الله أباً وهذا إلحاد .

    الثالث : أن يجعلها دالة على التشبيه ، فيقول : الله سميع بصير قدير ، والإنسان سميع بصير قدير ، اتفقت هذه الأسماء ، فيلزم أن تتفق المسميات ، ويكن الله سبحانه وتعالى ممائلاً للخلق ، فيتدرج بتوافق الأسماء إلى التوافق بالصفات .

    ووجه الإلحاد : أن أسماءه دالة على معان لائقة بالله لا يمكن أن تكون مشابهة لما تدل عليه من المعاني في المخلوق .

    الرابع : أن يشتق من هذه الأسماء أسماء للأصنام ، كتسمية اللات من الإله أو من الله ، والعزى من العزيز ، ومناة من المنان حتى يلقوا عليها شيئاَ من الألوهية ليبرروا ما هم عليه .

    ( ج2 / 318 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    واعلم أن التعبير بنفي التمثيل أحسن من التعبير بنفي التشبيه ، لوجوه ثلاثة :

    1. أنه هو الذي نفاه الله في القرآن ، فقال : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) .

    2. أنه ما من شيئين موجودين إلا وبينهما تشابه من بعض الوجوه ، واشتراك في المعني من بعض الوجوه .

    فمثلاً : الخالق والمخلوق اشتركاً في معنى الوجود ، لكن وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه ، وكذلك العلم والسمع والبصر ونحوها اشترك فيها الخالق والمخلوق في أصل المعنى ، ويتميز كل واحد منهما بما يختص به .

    3. أن الناس اختلفوا في معنى التشبيه حتى جعل بعضهم إثبات الصفات تشبيهاً ، فيكون معنى بلا تشبيه ، أي : بلا إثبات صفات على اصطلاحهم .

    ( ج2 / 318 )


    المتن
    : ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس : ( يلحدون في أسمائه ) : " يشركون " . وعنه : " سموا اللات من الإله ، والعزى من العزيز " . وعن الأعمش : " يدخلون فيها ما ليس منها" .


    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قول ابن عباس : " يشركون " . تفسير للإلحاد ، ويتضمن الإشراك بها في جهتين :

    1. أن يجعلوها دالة على المماثلة .

    2. أو يشتقوا منها أسماء للأصنام ، كما في الرواية الثانية عن ابن عباس التي ذكرها المؤلف .

    - فمن جعلها دالة على المماثلة ؛ فقد أشرك لأنه جعل لله مثيلاً .
    - ومن أخذ منها أسماء لأصنامه ، فقد أشرك لأنه جعل مسميات هذه الأسماء مشاركة لله عز وجل .

    ( ج2 / 319 ) .

    ----

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    تتمة :
    جاءت النصوص بالوعيد على الإلحاد في آيات الله تعالى كما في قوله تعالى : ( إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا ) ، فقوله :( لا يخفون علينا ) فيها تهديد ، لأن المعنى سنعاقبهم ، والجملة مؤكدة بـ ( إن ) .

    · وآيات الله تنقسم إلى قسمين :

    1. آيات كونية : وهي كل المخلوقات من السماوات والأرض والنجوم والجبال والشجر والدواب وغير ذلك ، قال الشاعر :

    فواعجباً كيف يُعصى الإله *** أم كيف يجحده الجاحد
    وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد

    والإلحاد في الآيات الكونية ثلاثة أنواع :

    1. اعتقاد أن أحداً سوى الله منفرد بها أو ببعضها .

    2. اعتقاد أن أحداً مشارك لله فيها .

    3. اعتقاد أن لله فيها مُعيناً في إيجادها وخلقها وتدبيرها .

    والدليل قوله تعالى : ( قل أدعو الذين زعمتهم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ) ، ظهير ، أي : معين .

    وكل ما يخل بتوحيد الربوبية ، فإنه داخل في الإلحاد في الآيات الكونية .

    2. آيات شرعية ، وهو ما جاءت به الرسل من الوحي كالقرآن ، قال تعالى : ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ) .

    والإلحاد في الآيات الشرعية ثلاثة أنواع :

    1. تكذيبها فيما يتعلق بالأخبار .

    2. مخالفتها فيما يتعلق بالأحكام .

    3. التحريف في الأخبار والأحكام .


    والإلحاد في الآيات الكونية والشرعية حرام .

    - ومنه ما يكون كفراً ، كتكذيبها ، فمن كذَّب شيئاً مع اعتقاده أن الله ورسوله أخبَرا به ؛ فهو كافر .

    - ومنه ما يكون معصية من الكبائر ، كقتل النفس والزنا .

    - ومنه ما يكون معصية من الصغائر ، كالنظر لأجنبية لشهوة .

    · قال الله تعالى في الحرم :( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب إليم ) ، فسمّى الله المعاصي والظلم إلحاداً ، لأنها ميل عما يجب أن يكون عليه الإنسان ، إذ الواجب عليه السير على صراط الله تعالى ، ومن خالف ، فقد ألحد .

    ( ج2 / 320- 321 )

    بابٌ : لا يُقالُ : السَّلامُ عَلَى اللهِ

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    والسلام له عدة معان :

    1. التحية ؛ كما يقال : سلم على فلان ؛ أي : حيّاة بالسلام .

    2. السلامة من النقص والآفات ؛ كقولنا : " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ".

    3. السلام : اسم من أسماء الله تعالى ، قال تعالى : ( الملك القدوس السلام ) [ الحشر : 23] .

    ( ج2 / 324 )

    ---

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    والسلام : اسم ثبوتي سلبي .

    فسلبي : أي أنه يراد به نفي كل نقص أو عيب يتصوره الذهن أو يتخيله العقل ، فلا يلحقه نقص في ذاته أو صفاته أو أفعاله أو أحكامه .

    وثبوتي : أي يراد به ثبوت هذا الاسم له ، والصفة التي تضمنها وهي السلامة .

    ( ج2 / 325 )
    ---

    المتن : في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قال : كنا إذا كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ؛ قلنا : السلام على الله من عباده ، السلام على فلان وفلان . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تقولوا : السلام على الله ، فإن الله هو السلام " .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله : " قلنا : السلام على الله من عباده " . أي : يطلبون السلامة لله من الآفات ، يسألون الله أن يسلم نفسه من الآفات ، أو أن اسم السلام على الله من عباده ، لأن قول الإنسان السلام عليكم خبر بمعني الدعاء ، وله معنيان :

    1. اسم السلام عليك ، أي : عليك بركاته باسمه .

    2. السلامة من الله عليك ، فهو سلام بمعني تسليم ، ككلام بمعني تكليم .

    ( ج2 / 326 )

    ---

    بابٌ قَولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ

    المتن : في الصحيح عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يقل أحدكم : اللهم أغفر لي إن شئت . اللهم ارحمني إن شئت . ليعزم المسألة ، فإن الله لا مُكره له " .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله : " اللهم اغفر لي ، اللهم ارحمني " .
    - ففي الجملة الأولى : " أغفر لي " النجاة من المكروه .
    - وفي الثانية : " ارحمني " الوصول إلى المطلوب .

    فيكون هذا الدعاء شاملاً لكل ما فيه حصول المطلوب وزوال المكروه .

    ( ج2 / 331 )

    ---

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    والمحظور في هذا التعليق من وجوه ثلاثة :

    الأول : أنه يُشعر بأن الله له مكره على الشيء ، وأن وراءه من يستطيع أن يمنعه ، فكأن الداعي بهذه الكيفية يقول : أنا لا أكرهك ، إن شئت فاغفر وإن شئت فلا تغفر .

    الثاني : أن قول القائل : " إن شئت " كأنه يرى أن هذا أمر عظيم على الله فقد لا يشاؤه لكونه عظيماً عنده ، ونظير ذلك أن تقول لشخص من الناس - والمثال للصورة بالصورة لا للحقيقة بالحقيقة - ، أعطني مليون ريال إن شئت ، فإنك إذا قلت له ذلك ، ربما يكون الشيء عظيماً يتثاقله ، فقولك : إن شئت ، لأجل أن تهون عليه المسألة ، فالله عز وجل لا يحتاج أن تقول له : إن شئت ، لأنه سبحانه وتعالى لا يتعاظمه شيء أعطاه ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : " وليعظم الرغبة ، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه " .

    الثالث : أنه يشعر بأن الطالب مستغن عن الله ، كأنه يقول : إن شئت فافعل ، وإن شئت فلا تفعل لا يهمني ، ولهذا قال : " وليعظم الرغبة " ، أي : يسأل برغبة عظيمة ، والتعليق ينافي ذلك .

    ( ج2 / 331 )

    ---

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وهل يجزم بالإجابة ؟.

    الجواب : إذا كان الأمر عائدا إلى قدرة الله ، فهذا يجب أن تجزم بأن الله قادر على ذلك ، قال الله تعالى : ( ادعوني أستجب لكم ) [ غافر : 60] .

    أما من حيث دعائك أنت باعتبار ما عندك من الموانع ، أو عدم توافر الأسباب ، فإنك قد تتردد في الإجابة ، ومع ذلك ينبغي أن تحسن الظن بالله ، لأن الله عز وجل قال ( ادعوني أستجب لكم ) ، فالذي وفقك لدعائه أولاً سَيَمُنّ عليك بالإجابة آخراً ، لا سيما إذا أتى الإنسان بأسباب الإجابة وتجنب الموانع .

    ومن الموانع :
    - الاعتداء في الدعاء ، كأن يدعو بإثم أو قطيعة رحم .
    - ومنها أن يدعو بما لا يمكن شرعاً أو قدراً :

    فشرعاً : كأن يقول : اللهم اجعلني نبياً .

    وقدراً : بأن يدعو الله تعالى بأن يجمع بين النقيضين ، وهذا أمر لا يمكن ، فالاعتداء بالدعاء مانع من إجابته ، وهو محرم ، لقوله تعالى : ( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين ) [ الأعراف : 55 ] ، وهو أشبه ما يكون بالاستهزاء بالله سبحانه .

    ( ج2 / 333 )

    ---

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    مناسبة الباب للتوحيد : من وجهين :

    1. من جهة الربوبية ، فإن من أتى بما يشعر بأن الله له مكره لم يقم بتمام ربو بيته تعالى ، لأن من تمام الربوبية أنه لا مكره له ، بل إنه لا يسأل عما يفعل ؛ كما قال تعالى : ( لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون ) [ الأنبياء : 23] .
    وكذلك فيه نقص من ناحية الربوبية من جهة أخرى وهو أن الله يتعاظم الأشياء التي يعطيها فكان فيه قدح في جوده وكرمه .

    2. من ناحية العبد ؛ فإنه يشعر باستغنائه عن ربه ، وهذا نقص في توحيد الإنسان ، سواء من جهة الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات ، ولهذا ذكره المصنف في الباب الذي يتعلق بالأسماء والصفات .

    ( ج2 / 333 )

    --

    بَابٌ لا يَقُول : عَبْدِي وَأمَتِي

    المتن : في الصحيح عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يقل أحدكم : أطعم ربك ، وضيء ربك ، وليقل : سيدي ومولاي . ولا يقل أحدكم : عبدي وأمتي . وليقل : فتاي وفتاتي وغلامي ".

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :

    قوله صلى الله عليه وسلم : " لا يقل " . الجملة نهي .

    " عبدي " ، أي : للغلام .

    و " أمتي " ، أي : للجارية .

    والحكم في ذلك ينقسم إلى قسمين :

    الأول : أن يضيفه إلى غيره ، مثل أن يقول : عبد فلان أو أمة فلان ، فهذا جائز قال تعالى : ( وأنكحوا الأيامي منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة " .

    الثاني : أن يضيفه إلى نفسه ، وله صورتان :

    الأولى : أن يكون بصيغة الخبر ، مثل : أطعمت عبدي ، كسوت عبدي ، أعتقت عبدي :
    - فإن قاله في غيبة العبد أو الأمة ، فلا بأس به
    - وإن قاله في حضرة العبد أو الأمة ، فإن ترتب عليه مفسدة تتعلق بالعبد أو السيد منع ، وإلا فلا ؛ لأن قائل ذلك لا يقصد العبودية التي هي الذل ، وإنما يقصد أنه مملوك .

    الثانية : أن يكون بصيغة النداء ، فيقول السيد : يا عبدي ! هات كذا ، فهذا منهي عنه ، وقد اختلف العلماء في النهي : هل هو للكراهة أو التحريم ؟ والراجح التفصيل في ذلك ، وأقل أحواله الكراهة .

    ( ج2 / 338 )

    ---

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :

    قوله صلى الله عليه وسلم : " لا يقل أحدكم : أطعم ربك … .. ألخ " أي : لا يقل أحدكم لعبد غيره ، ويحتمل أن يشمل قول السيد لعبده حيث يضع الظاهر موضع المُضْمَر تعاظماً .

    واعلم إن إضافة الرب إلى غير الله تعالى تنقسم إلى أقسام :

    القسم الأول : أن تكون الإضافة إلى ضمير المُخاطَب ، مثل : أطعم ربك ، وضّيء ربك ، فيكره ذلك للنهي عنه ، لأن فيه محذورين :

    1. من جهة الصيغة ، لأنه يوهم معنى فاسداً بالنسبة لكلمة رب ، لأن الرب من أسمائه سبحانه ، وهو سبحانه يُطعِم ولا يطعَم ، وإن كان بلا شك إن الرب هنا غير رب العالمين الذي يطعم ولا يطعم ، ولكن من باب الأدب في اللفظ .

    2. من جهة المعني أنه يشعر العبد أو الأمة بالذل ، لأنه إذا كان السيد رباً كان العبد أو الأمة مربوباً .

    القسم الثاني : أن تكون الإضافة إلى ضمير الغائب ، فهذا لا بأس به ، كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أشراط الساعة ، " أن تلد الأمة ربها " .

    القسم الثالث : أن تكون الإضافة إلى ضمير المتكلم ، بأن يقول العبد : هذا ربي ، فهل يجوز هذا ؟.
    قد يقول قائل : إن هذا جائز ، لأن هذا من العبد لسيده ، وقد قال تعالى عن صاحب يوسف : ( إنه ربي أحسن مثواي ) [ يوسف : 23] أي : سيدي ، ولأن المحذور من قول ( ربي ) هو إذلال العبد ، وهذا منتف ، لأنه هو بنفسه يقول : هذا ربي .

    القسم الرابع : أن يضاف إلى الاسم الظاهر ، فيقال : هذا رب الغلام ، فظاهر الحديث الجواز ، وهو كذلك ما لم يوجد محذور فيمنع ، كما لو ظن السامع أن السيد رب حقيقي خالق ونحو ذلك .

    ( ج2 / 339 )
    ---

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :

    وقوله " سيدي " . السيادة في الأصل علو المنزلة ، لأنها من السؤدد والشرف والجاه وما أشبه ذلك .

    والسيد يطلق على معان ، منها :
    - المالك .
    - الزوج .
    - والشريف المطاع .


    وسيدي هنا مضافة إلى ياء المتكلم وليست على وجه الإطلاق ، فالسيد على وجه الإطلاق لا يقال إلا لله عز وجل قال صلى الله عليه وسلم : " السيد الله " .

    ( ج2 / 341 )

    ---

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :

    قوله : " ومولاي " . أي : وليقل مولاي .

    والولاية تنقسم إلى قسمين :

    القسم الأول : ولاية مطلقة ، وهذه لله عز وجل لا تصلح لغيره ، كالسيادة المطلقة .

    وولاية الله نوعان :

    النوع الأول : عامة ، وهي الشاملة لكل أحد ، قال الله تعالى : ( ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون ) ، فجعل له ولاية على هؤلاء المفترين ، وهذه ولاية عامة .

    النوع الثاني : خاصة بالمؤمنين ، قال تعالى : ( ذلك بأن الله مولي الذين آمنوا وأن الكافرون لا مولي لهم ) ، وهذه ولاية خاصة ، ومقتضي السياق أن يقال : وليس مولى الكافرين ، لكن قال : ( لا مولى لهم ) ، أي : لا هو مولى للكافرين ولا أولياؤهم الذين يتخذونهم آلهة من دون الله موالي لهم لأنهم يوم القيامة يتبرءون منهم .

    القسم الثاني : ولاية مقيدة مضافة ، فهذه تكون لغير الله ، ولها في اللغة معان كثيرة ، منها الناصر ، والمتولي للأمور ، والسيد ، والعتيق .


    ( ج2 / 342 )
    ---

    بابٌ : لا يُرَدُّ مَنْ سَأَلَ باللهِ

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وقوله‏:‏ ‏"‏ من سأل بالله ‏"‏‏.‏ أي‏:‏ من سأل غيره بالله ، والسؤال بالله ينقسم إلى قسمين‏ :‏
    أحدهما ‏:‏ السؤال بالله بالصيغة ، مثل أن يقول‏ :‏ أسألك بالله كما تقدم في حديث الثلاثة حيث قال الملك‏ :‏‏(‏أسالك بالذي أعطاك الجلد الحسن واللون الحسن بعيرًا‏).‏
    الثاني‏ :‏ السؤال بشرع الله عز وجل ، أي‏ :‏ يسأل سؤالًا يبيحه الشرع ، كسؤال الفقير من الصدقة ، والسؤال عن مسألة من العلم ، وما شابه ذلك ‏.‏

    ( ج2 / 347 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وأما إجابة السائل ، فهو موضوع بابنا هذا ، ولا يخلو السائل من أحد أمرين ‏:‏

    الأول‏ :‏ أن يسأل سؤالًا مجردًا ، كأن يقول مثلا ‏:‏ يا فلان‏ ؛‏ أعطني كذا وكذا ، فإن كان مما أباحه الشارع له فإنك تعطيه ، كالفقير يسأل شيئًا من الزكاة ‏.‏

    الثاني‏ :‏ أن يسأل بالله ، فهذا تجيبه وإن لم يكن مستحقًا ، لأنه سأل بعظيم فإجابته من تعظيم هذا العظيم ، لكن لو سأل إثمًا أو كان في إجابته ضرر على المسؤول ؛ فإنه لا يجاب‏ .‏

    مثال الأول ‏:‏ أن يسألك بالله نقودًا ليشتري بها محرمًا كالخمر ‏.‏

    ومثال الثاني ‏:‏ أن يسألك بالله أن تخبره عما في سرك وما تفعله مع أهلك ، فهذا لا يجاب لأن في الأول إعانة على الإثم ، وإجابته في الثاني ضرر على المسؤول ‏.‏

    ( ج2 / 349 )

    ---
    المتن : عن ابن عمر رضي الله عنهما ؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏( ‏من سأل بالله ؛ فأعطوه ، ومن استعاذ بالله ؛ فأعيذوه ، ومن دعاكم ؛ فأجيبوه ، ومن صنع إليكم معروفًا ، فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه ؛ فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه ‏)‏‏.‏ رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح ‏.‏

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله‏:‏ ‏"‏ ومن دعاكم فأجيبوه ‏"‏‏.‏ ‏"‏ من ‏"‏ شرطية للعموم ، والظاهر أن المراد بالدعوة هنا الدعوة للإكرام ، وليس المقصود بالدعوة هنا النداء ‏.‏

    وظاهر الحديث وجواب إجابة الدعوة في كل دعوة ، وهو مذهب الظاهرية‏ .‏

    وجمهور أهل العلم ‏:‏ أنها مستحبة إلا دعوة العرس ، فإنها واجبة لقوله صلى الله عليه وسلم فيها ‏:‏ ‏( ‏شر الطعام طعام الوليمة ، يدعي إليها من يأباها ويمنعها من يأتيها ، ومن لم يجب ، فقد عصي الله ورسوله ‏).‏

    وسواء قيل بالوجوب أو الاستحباب ، فإنه يشترط لذلك شروط ‏:‏
    1‏.‏ أن يكون الداعي ممن لا يجب هجره أو يسن‏ .‏

    2‏.‏ إلا يكون هناك منكر في مكان الدعوة ، فإن كان هناك منكر ، فإن أمكنه إزالته ، وجب عليه الحضور لسببين ‏:‏
    - إجابة الدعوة‏ .‏
    - وتغيير المنكر ‏.‏
    وإن كان لا يمكنه إزالته حرم عليه الحضور ؛ لأن حضوره يستلزم إثمه ، وما استلزم الإثم ؛ فهو إثم‏ .‏

    3‏.‏ أن يكون الداعي مسلمًا ، وإلا لم تجب الإجابة ، لقوله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏( ‏حق المسلم على المسلم ست ..‏‏.‏ ‏) ‏، وذكر منها‏ :‏ ‏( ‏إذا دعاك فأجبه ‏)‏ ‏.‏ قالوا ‏:‏ وهذا مقيد للعموم الوارد ‏.‏

    4‏.‏ أن لا يكون كسبه حرامًا ، لأن إجابته تستلزم أن تأكل طعامًا حرامًا، وهذا لا يجوز، وبه قال بعض أهل العلم‏ .( وذكر الشيخ رحمه الله الخلاف والراجح ) .‏

    5‏.‏ أن لا تتضمن الإجابة إسقاط واجب أو ما هو أوجب منها ، فإن تضمنت ذلك حرمت الإجابة ‏.‏

    6‏.‏ أن لا تتضمن ضررًا على المجيب ، مثل أن تحتاج إجابة الدعوة إلى سفر أو مفارقة أهله المحتاجين إلى وجوده بينهم ‏.‏

    ( ج2 / 351-352 )

    ---

    بابٌ : لا يُسْألُ بِوَجْهِ اللهِ إلا الجَنَّةُ بابٌ : لا يُسْألُ بِوَجْهِ اللهِ إلا الجَنَّةُ

    لم يذكر الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى فروقا أو تقاسيم في هذا الباب ، بل ذكر الاختلاف في معنى ( لا يسأل بوجه الله إلا الجنة ) .
     

    بابٌ : ما جاء في الـ( ‏لو ‏)‏

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    والمؤلف رحمه الله جعل الترجمة مفتوحة ولم يجزم بشيء ؛ لأن ‏"‏ لو‏"‏ تستعمل على عدة أوجه ‏:‏

    الوجه الأول ‏:‏ أن تستعمل في الأعتراض على الشرع ، وهذا محرم ، قال الله تعالى ‏:‏ ‏{ ‏لو أطاعونا ما قتلوا ‏}‏ ‏، في غزوة أحد حينما تخلف أثناء الطريق عبد الله بن أبي في نحو ثلث الجيش ، فلما استشهد من المسلمين سبعون رجلًا اعترض المنافقون على تشريع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقالوا ‏:‏ لو أطاعونا ورجعوا كما رجعنا ما قتلوا ، فرأيُنا خير من شرع محمد ، وهذا محرم وقد يصل إلى الكفر ‏.‏

    الثاني ‏:‏ أن تستعمل في الاعتراض على القدر ، وهذا محرم أيضًا ، قال الله تعالى ‏:‏ ‏{ ‏يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا‏}‏ ، أي‏:‏ لو أنهم بقوا ما قتلوا ، فهم يعترضون على قدر الله ‏.‏

    الثالث‏ :‏ أن تستعمل للندم والتحسر ، وهذا محرم أيضًا ، لأن كل شيء يفتح الندم عليك فإنه منهي عنه ، لأن الندم يكسب النفس حزنًا وانقباضًا ، والله يريد منا أن نكون في انشراح وانبساط ، قال صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏( ‏احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء ؛ فلا تقل‏ :‏ لو أني فعلت كذا لكان كذا ، فإن لو تفتح عمل الشيطان‏ )‏ ‏.‏
    مثال ذلك‏ :‏ رجل حرص أن يشتري شيئًا يظن أن فيه ربحًا فخسر ، فقال لو أني ما اشتريته ما حصل لي خسارة ، فهذا ندم وتحسر ، ويقع كثيرًا ، وقد نهي عنه ‏.‏

    الرابع‏ :‏ أن تستعمل في الاحتجاج بالقدر على المعصية ، كقول المشركين‏ :‏ ‏{‏لو شاء الله ما أشركنا‏}‏‏، وقولهم‏ :‏ ‏{‏لو شاء الرحمن ما عبدناهم‏}‏ ‏، وهذا باطل ‏.‏

    الخامس‏ :‏ أن تستعمل في التمني ، وحكمه حسب التمني ‏:‏
    - إن كان خيرًا فخير .
    - وإن كان شرًا فشر .
    وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة النفر الأربعة قال أحدهم ‏:‏ ‏" ‏لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان " ؛ فهذا تمنى خيرًا ، وقال الثاني ‏:‏ ‏" لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان ‏"‏ فهذا تمنى شرًا فقال النبي صلى الله عليه وسلم في الأول : " فهو بنيته ؛ فأجرهما سواء " ، وقال في الثاني ‏:‏ ‏" ‏فهو بنيته ؛ فوزرهما سواء‏ "‏‏.‏

    السادس‏ :‏ أن تستعمل في الخبر المحض ‏؛ وهذا جائز ، مثل‏ :‏ لو حضرت الدرس لاستفدت ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏" ‏لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، لأحللت معكم‏ " ‏، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لو علم أن هذا الأمر سيكون من الصحابة ما ساق الهدي ولأحل ، وهذا هو الظاهر لي ‏.‏
    وبعضهم قال ‏:‏ إنه من باب التمني ، كأنه قال ‏:‏ ليتني استقبلت من أمري ما استدبرت حتى لا أسوق الهدي ‏.‏
    لكن الظاهر ‏:‏ أنه خبر لما رأي من أصحابه ، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يتمني شيئًا قدّر الله خلافه‏ .‏

    ( ج2 / 361-362 )

    ---
    المتن : وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي اله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏:‏ ‏( ‏احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ، ولا تعجزن ، وإن أصابك شيء ، فلا تقل ‏:‏ لو أني فعلت كذا ، لكان كذا وكذا ، ولكن قل‏:‏ قَدَر الله وما شاء فعل ؛ فإن ‏" ‏لو " تفتح عمل الشيطان‏ )‏ ‏.‏

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله‏ :‏ ‏"‏ احرص على ما ينفعك ‏"‏‏.‏ الحرص ‏:‏ بذلك الجهد لنيل ما ينفع من أمر الدين أو الدنيا ‏.‏
    وأفعال العباد بحسب السبر والتقسيم لا تخلو من أربع حالات ‏:‏
    1‏.‏ نافعة ، وهذه مأمور بها ‏.‏
    2‏.‏ ضارة ، وهذه محذر منها ‏.‏
    3‏.‏ فيها نفع وضرر ‏.‏
    4‏.‏ لا نفع فيها ولا ضرر
    ، وهذه لا يتعلق بها أمر ولا نهي ، لكن الغالب أن لا تقع إلا وسيلة إلى ما فيه أمر أو نهي ، فتأخذ حكم الغاية ، لأن الوسائل لها أحكام المقاصد ‏.‏

    (ج2 / 367 )

    ---
    قوله ‏:‏ ‏"‏ إن أصابك شيء فلا تقل ‏:‏ لو أني فعلت كذا ؛ لكان كذا وكذا ‏"‏‏.‏

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    هذه هي المرتبة الرابعة مما ذكر في هذا الحديث العظيم إذا حصل خلاف المقصود‏ .‏
    فالمرتبة الأولى ‏:‏ الحرص علي ما ينفع ‏.‏
    والمرتبة الثانية ‏:‏ الاستعانة بالله ‏.‏
    والمرتبة الثالثة ‏:‏ المضي في الأمر والاستمرار فيه وعدم التعاجز ، وهذه المراتب إليك‏ .‏
    المرتبة الرابعة ‏:‏ إذا حصل خلاف المقصود ؛ فهذه ليست إليك ، وإنما هي بقدر الله ، ولهذا قال‏ :‏ ‏"‏ وإن أصابك‏.‏‏.‏ ‏" ‏، فَفَوِّض الأمر إلى الله تعالى ‏.‏

    ( ج2 / 370 )

    ---
    قوله ‏:‏ ‏"‏ وإن أصابك شيء ‏"‏‏.‏ أي‏ :‏ مما لا تحبه ولا تريده ومما يعوقك عن الوصول إلى مرامك فيما شرعت فيه من نفع ‏.‏

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    فمن خالفه القدر ولم يأت على مطلوبه لا يخلو من حالين ‏:‏
    الأول ‏:‏ أن يقول‏ :‏ لو لم أفعل ما حصل كذا‏ .‏
    الثاني‏ :‏ أن يقول ‏:‏ لو فعلت كذا - لأمر لم يفعله - لكان كذا ‏.‏
    مثال الأول قول القائل ‏:‏ لو لم أسافر ما فاتني الربح ‏.‏
    ومثال الثاني أن يقول : لو سافرت لربحت .

    ( ج2 / 370 )

    بابٌ : النَّهْي عَن سَبِ الرِّيحِ

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله‏:‏ ‏"‏ الريح ‏"‏‏.‏ الهواء الذي يصرفه الله عز وجل ، وجمعه رياح ‏.‏
    وأصولها أربعة ‏:‏
    - الشمال .
    - والجنوب .
    - والشرق .
    - والغرب
    .
    - وما بينهما يسمي النكباء ، لأنها ناكبة عن الاستقامة في الشمال ، أو الجنوب ، أو الشرق ، أو الغرب‏ .‏

    وتصريفها من آيات الله عز وجل :
    - فأحيانًا تكون شديدة تقلع الأشجار ، وتهدم البيوت ، وتدفن الزروع ، ويحصل معها فيضانات عظيمة .
    - وأحيانًا تكون هادئة .
    - وأحيانًا تكون باردة .
    - وأحيانًا حارة .
    - وأحيانًا عالية .
    - وأحيانًا نازلة .
    كل هذا بقضاء الله وقدره .

    ( ج2/378 )

    ---

    باب قول الله تعالى‏ :‏ ‏{ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ } الآية ‏.

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    ذكر المؤلف في هذا الباب آيتين‏ :‏
    الأولى قوله تعالى ‏:‏ ‏{ ‏يظنون ‏}‏‏ :‏ الضمير يعود على المنافقين ، والأصل في الظن‏ :‏ أنه الاحتمال الراجح ، وقد يطلق علي اليقين ، كما في قوله تعالى : ‏{ ‏الذين يطنون أنهم ملاقو ربهم ‏}‏ ‏‏، أي ‏: ‏ يتيقنون ، وضد الراجح المرجوح ، ويسمي وهما‏ .‏

    والظن بالله عز وجل على نوعين ‏:‏
    الأول‏ :‏ أن يظن بالله خيرًا ‏.‏
    الثاني‏ :‏ أن يظن بالله شرًا .

    والأول له متعلقان‏ :‏
    1‏.‏ متعلق بالنسبة لما يفعله في هذا الكون ؛ فهذا يجب عليك أن تحسن الظن بالله عز وجل فيما يفعله سبحانه وتعالى في هذا الكون .
    2. متعلق بالنسبة لما يفعله بك ، فهذا يجب أن تظن بالله أحسن الظن ، لكن بشرط أن يوجد لديك السبب الذي يوجب الظن الحسن .

    ( ج2 / 382 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله ‏:‏ ‏{‏قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم‏}‏‏ .‏ هذا رد لقولهم‏ :‏ لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ‏.‏
    وهذا الاحتجاج لا حقيقة له ؛ لأنه إذا كتب القتل على أحد ، لم ينفعه تحصنه في بيته ، بل لابد أن يخرج إلى مكان موته ، والكتابة قسمان ‏:‏
    1‏.‏ كتابة شرعية ، وهذا لا يلزم منها وقوع المكتوب ، مثل قوله تعالى ‏:‏ ‏{ ‏إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا ‏}‏ ‏‏، وقوله‏ :‏ ‏{‏ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ‏}‏.‏
    2‏.‏ كتابة كونية ، وهذه يلزم منها وقوع المكتوب كما في هذه الآية ، ومثل قوله تعالى‏ :‏ ‏{ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون‏}‏ ، وقوله ‏{‏كتب الله لأغلبن أنا ورسلي‏}‏ ‏.

    ( ج2 / 384 )‏

    ---
    المتن : وقوله‏:‏ ‏{‏الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء‏}‏ الآية‏:‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 6‏]‏‏.‏
    قال ابن القيم في الآية الأولى‏ :‏ ‏"‏ فُسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله ، وأن أمره سيضمحل ، وفُسر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته .‏
    ففسر بإنكار الحكمة ، وإنكار القدر ، وإنكار أن يُتِمَّ أمرَ رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن يظهره على الدين كله ، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح .
    وأنما كان هذا ظن السوء ؛ لأنه ظنُ غيرِ ما يليق به سبحانه ، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق‏ .‏
    فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق ، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره ، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد ، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة ، فذلك ظن الذين كفروا ، فويل للذين كفروا من النار ‏.‏
    وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم ، وفيما يفعله بغيرهم ، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده ‏.‏
    فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا ، وليتب إلى الله ، وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء ‏.‏
    ولو فتشت من فتشت ؛ لرأيت عنده تعنتًا على القدر وملامة له ، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا ، فمستقل ومستكثر ، وفتش نفسك ؛ هل أنت سالم‏ ؟.‏
    فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة === وإلا فإني لا إخالك ناجيًا

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وخلاصة ما ذكر ابن القيم في تفسير ظن السوء ثلاثة أمور ‏:‏
    الأول ‏:‏ أن يظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق ، فهذا هو ظن المشركين والمنافقين في سورة الفتح ، قال تعالى ‏:‏ ‏{ ‏بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدًا‏ }‏ ‏.
    الثاني‏ :‏ أن ينكر أن يكون ما جرى بقضاء الله وقدره ؛ لأنه يتضمن أن يكون في ملكه سبحانه ما لا يريد ، مع أن كل ما يكون في ملكه فهو بإرادته ‏.‏
    الثالث ‏:‏ أن ينكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد ، لأن هذا يتضمن أن تكون تقديراته لعبًا وسفهًا ، ونحن نعلم علم اليقين أن الله لا يقدر شيئًا أو يشرعه إلا لحكمة ، قد تكون معلومة لنا وقد تقصر عقولنا عن إدراكها ، ولهذا يختلف الناس في علل الأحكام الشرعية اختلافًا كبيرًا بحسب ماعندهم من معرفة حكمة الله سبحانه وتعالى‏.‏
    (ج2 / 389 ) .
     

    بابٌ : ما جَاءَ في مُنْكِري القَدَر

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله ‏:‏ ‏"‏ القدر ‏"‏‏.‏ هو تقدير الله عز وجل للكائنات ، وهو سر مكتوم لا يعلمه إلا الله أو من شاء من خلقه ‏.‏
    قال بعض أهل العلم ‏:‏ القدر سر الله عز وجل في خلقه ، ولا نعلمه إلا بعد وقوعه ؛ سواء كان خيرًا أو شرًا ‏.‏

    والقدر يطلق على معنيين‏ :
    الأول ‏:‏ التقدير ؛ أي‏ :‏ إرادة الله الشيء ‏.‏
    الثاني ‏:‏ المقدر ؛ أي ‏:‏ ما قدره الله عز وجل ‏.‏

    والتقدير يكون مصاحبًا للفعل وسابقًا له ، فالمصاحب للفعل هو الذي يكون به الفعل ، والسابق هو الذي قدره الله عز وجل في الأزل ، مثال ذلك ‏:‏
    خلقُ الجنين في بطن الأم فيه تقدير سابق علمي قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، وفيه تقدير مقارن للخلق والتكوين ، وهذا الذي يكون به الفعل ، أي ‏:‏ تقدير الله لهذا الشيء عند خلقه‏ .‏

    ( ج2 / 396 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    والناس في القدر ثلاث طوائف ‏:‏

    الأولى ‏:‏ الجبرية الجهمية ، أثبتوا قدر الله تعالى وغلوا في إثباته حتى سلبوا العبد اختياره وقدرته ، وقالوا ‏:‏ ليس للعبد اختيار ولا قدرة في ما يفعله أو يتركه ، فأكله وشربه ونومه ويقظته وطاعته ومعصيته كلها بغير اختيار منه ولا قدرة ، ولا فرق بين أن ينزل من السطح عبر الدرج مختارًا وبين أن يلقى من السطح مكرهًا‏ .‏

    الطائفة الثانية ‏:‏ القدرية المعتزلة ، أثبتوا للعبد اختيارا وقدرة في عمله وغلوا في ذلك حتى نفوا أن يكون لله تعالى في عمل العبد مشيئة أو خلق ، ونفى غلاتهم علم الله به قبل وقوعه ؛ فأكل العبد وشربه ونومه ويقظته وطاعته ومعصيته كلها واقعة باختياره التام وقدرته التامة وليس لله تعالى في ذلك مشيئة ولا خلق ، بل ولا علم قبل وقوعه عند غلاتهم‏ .‏

    ( وذكر الشيخ رحمه الله شبهاتهم ورد عليها )

    الطائفة الثالثة ‏:‏ أهل السنة والجماعة ، الطائفة الوسط ، الذين جمعوا بين الأدلة وسلكوا في طريقهم خير ملة ، فآمنوا بقضاء الله وقدره ، وبأن للعبد اختيارًا وقدرة ، فكل ما كان في الكون من حركة أو سكون أو وجود أو عدم ، فإنه كائن بعلم الله تعالى ومشيئته ، وكل ما كان في الكون فمخلوق لله تعالى ، لا خالق إلا الله ولا مدبر للخلق إلا الله عز وجل ، وآمنوا بأن للعبد مشيئة وقدرة ، لكن مشيئته مربوطة بمشيئة الله تعالى ، كما قال تعالى‏ :‏ ‏{ ‏لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ‏}‏ ، فإذا شاء العبد شيئًا وفعله ، علمنا أن مشيئة الله تعالى قد سبقت تلك المشيئة ‏.‏

    (ج2 / 397 - 402 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    مراتب القدر ‏:‏

    المرتبة الأولى ‏:‏ العلم ، وذلك بأن تؤمن بأن الله تعالى علم كل شيء جملة وتفصيلًا ، فعلم ما كان وما يكون ، فكل شيء معلوم لله ، سواء كان دقيقًا أم جليلًا من أفعاله أو أفعال خلقه ‏.‏
    وأدلة ذلك في الكتاب كثيرة ، منها‏ :‏ قوله تعالى‏ :‏ ‏{ ‏وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين‏ }‏ ‏‏، فالأوراق التي تتساقط ميتة ؛ أي ورقة كانت صغيرة أو كبيرة في بر أو بحر ، فإن الله تعالى يعلمها ، والورقة التي تخلق يعلمها من باب أولى ‏.‏

    ثم قال رحمه الله :
    ومنها قوله تعالى‏ :‏ ‏{ ‏ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير‏ }‏ ‏‏، ففي الآية أيضًا إثبات العلم وإثبات الكتابة ‏.‏

    المرتبة الثانية‏ :‏ الكتابة ، وقد دلت عليها الآيتان السابقتان ‏.‏

    المرتبة الثالثة‏ :‏ المشيئة ، وهي عامة ، ما من شيء في السماوات والأرض إلا وهو كائن بإرادة الله ومشيئته ، فلا يكون في ملكه ما لا يريد أبدًا ، سواء كان ذلك فيما يفعله بنفسه أو يفعله المخلوق ، قال تعالى‏ :‏ ‏{ ‏إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون‏ }‏ ‏‏، وقال تعالى ‏:‏ ‏{ ‏ولو شاء ربك ما فعلوه ‏}‏ ‏‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم‏.‏‏.‏ ‏}‏ الآية ‏‏.‏

    المرتبة الرابعة ‏:‏ الخلق ، فما من شيء في السماوات ولا في الأرض إلا الله خالقه ومالكه ومدبره وذو سلطانه ، قال تعالى ‏:‏ ‏{ ‏الله خالق كل شيء‏ }‏ ‏‏، وهذا العموم لا مخصص له ، حتى فعل المخلوق مخلوق لله ، لأن فعل المخلوق من صفاته ، وهو وصفاته مخلوقان ، ولأن فعله ناتج عن أمرين‏ :‏
    1‏.‏ إرادة جازمة ‏.‏
    2‏.‏ قدرة تامة ‏.‏

    والله هو الذي خلق في الإنسان الإرادة الجازمة والقدرة التامة ، ولهذا قيل لأعرابي ‏:‏ بم عرفت ربك‏ ؟‏ .قال‏ :‏ بنقض العزائم ، وصرف الهمم ‏.‏

    والعبد يتعلق بفعله شيئان ‏:‏
    1‏.‏ خلق ، وهذا يتعلق بالله ‏.‏
    2‏.‏ مباشرة ، وهذا يتعلق بالعبد وينسب إليه ، قال تعالى ‏:‏ ‏{‏جزاء بما كانوا يعملون‏}‏ ‏‏، وقال تعالى : ‏{ ‏ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون‏ }‏ ‏‏ ولولا نسبة الفعل إلى العبد ما كان للثناء على المؤمن المطيع وإثابته فائدة ، وكذلك عقوبة العاصي وتوبيخه‏ .‏

    وأهل السنة والجماعة يؤمنون بجميع هذه المراتب الأربع ، وقد جمعت في بيت‏ :‏

    علمٌ كتابةُ مولانا مشيئتهُ ** وخَلْقُه وهو إيجادٌ وتكوينُ
     

    ( ج2 / 403 )

    --
    تابع لباب : لا يُرَدُّ مَنْ سَأَلَ باللهِ

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وهناك تقديرات أخرى نسبية‏ ‏:‏
    - منها : تقدير عمري ‏:‏ حين يبلغ الجنين في بطن أمة أربعة أشهر يرسل إليه الملك ؛ فينفخ فيه الروح ، ويكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد‏ .‏

    - ومنها ‏:‏ التقدير الحولي : وهو الذي يكون في ليلة القدر ، يكتب فيها ما يكون في السنة ، قال الله تعالى‏ :‏ ‏{ ‏فيها يفرق كل أمر حكيم ‏}‏ ‏‏‏.‏

    - ومنها : التقدير اليومي‏ كما ذكره بعض أهل العلم واستدل له بقوله تعالى‏ :‏ ‏{ ‏يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن‏ }‏ ‏‏، فهو كل يوم يغني فقيرًا ، ويفقر غنيًا‏ ،‏ ويوجد معدومًا ، ويعدم موجودًا ، ويبسط الرزق ويَقْدِرُه ، وينشئ السحاب والمطر ، وغير ذلك ‏.‏

    ( ج2 / 405 )

    ---
    المتن : وقال ابن عمر ‏:‏ ‏( ‏والذي نفس ابن عمر بيده ؛ لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبًا ، ثم أنفقه في سبيل الله ، ما قبله الله منه ، حتى يؤمن بالقدر ) ، ثم استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم :‏ ‏" ‏الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر وتؤمن بالقدر خيره وشره‏ " رواه مسلم .

    ‏قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله ‏:‏ ‏"‏ أن تؤمن بالله ‏"‏‏.‏ والإيمان بالله عز وجل يتضمن أربعة أمور ‏:‏
    1‏.‏ الإيمان بوجوده‏ .‏
    2‏.‏ وبربو بيته ‏.‏
    3‏.‏ وبألوهيته ‏.‏
    4‏.‏ وبأسمائه وصفاته ‏.‏


    فمن أنكر وجود الله ، فليس بمؤمن، ومن أقر بوجوده وأنه رب كل شيء ، لكنه أنكر أسماءه وصفاته ، أو أنكر أن يكون مختصًا بها ، فهو غير مؤمن بالله‏ .‏

    ( ج2 / 409 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله ‏:‏ ‏"‏ وملائكته ‏"‏‏.‏ والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور‏ :‏
    1‏.‏ الإيمان بوجودهم‏ .‏
    2‏.‏ الإيمان باسم من عَلِمْنا اسمه منهم‏ .‏
    3‏.‏ الإيمان بأفعالهم ‏.‏
    4‏.‏ الإيمان بصفاتهم ‏.


    ( ج2 / 410 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله ‏:‏ ‏"‏ وكتبه ‏"‏‏.‏ أي‏ :‏ الكتب التي أنزلها على رسله‏ .‏
    والإيمان بالكتب يتضمن ما يلي ‏:‏
    1‏.‏ الإيمان بأنها حق من عند الله ‏.‏
    2‏.‏ تصديق أخبارها ‏.‏
    3‏.‏ التزام أحكامها ما لم تنسخ
    ، وعلي هذا، فلا يلزمنا أن نلتزم بأحكام الكتب السابقة ، لأنها كلها منسوخة بالقرآن ، إلا ما أقره القرآن‏ .‏
    وكذلك لا يلزمنا العمل بما نسخ في القرآن ، لأن القرآن فيه أشياء منسوخة‏ .‏
    4‏. ‏الإيمان بما علمناه مُعيّنًا منها ، مثل ‏:‏ التوراة ، والإنجيل ، والقرآن ، والزبور ، وصحف إبراهيم وموسى ‏.‏
    5‏. ‏الإيمان بأن كل رسول أرسله الله معه كتاب ؛ كما قال تعالى ‏:‏ ‏{ ‏لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب‏ }‏ ‏‏، وقال عيسى‏ :‏ ‏{ ‏إني عبد الله آتاني الكتاب‏ }‏ ‏، وقال عن يحيي ‏كذلك .

    * تنبيه ‏:‏
    الكتب التي بأيدي اليهود والنصارى اليوم قد دخلها التحريف والكتمان ، فلا يوثق بها ، والمراد بما سبق الإيمان بأصل الكتب ‏.‏

    ( ج2 / 410 - 411 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله ‏:‏ ‏"‏ ورسله ‏"‏‏.‏ هم الذين أوحى الله إليهم وأرسلهم إلى الخلق ليبلغوا شريعة الله ‏.‏
    والإيمان بالرسل يتضمن ما يلي ‏:‏
    1‏.‏ أن نؤمن بأنهم حق صادقون مصدقون ‏.‏
    2‏.‏ أن نؤمن بما صح عنهم من الأخبار ، وبما ثبت عنهم من الأحكام ؛ ما لم تنسخ ‏.‏
    3‏.‏ أن نؤمن بأعيان من علمنا أعيانهم ، وما لم نعلمه ، فنؤمن بهم على سبيل الإجمال ، ونعلم أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير ، وأن الله سبحانه وتعالى أرسل لكل أمة رسولًا تقوم به الحجة عليهم ، كما قال تعالى ‏:‏ ‏{ ‏رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ‏}‏ ‏.‏

    ( ج2 / 411 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله ‏:‏ ‏"‏ واليوم الآخر ‏"‏‏.‏ اليوم النهائي الأبدي الذي لا يوم بعده ، وهو يوم القيامة الكبرى ‏.‏

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ‏:‏ يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت ، ذكر هذا في ‏"‏ العقيدة الواسطية‏ "‏ ، وهو كتاب مختصر ، لكنه مبارك من أفيد ما كتب في بابه ‏.‏

    وعلى هذا :
    - فالإيمان بفتنة القبر ، وعذابه ، ونعيمه من الإيمان باليوم الآخر ‏.‏
    - والإيمان بالنفخ في الصور ، وقيام الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلًا بهما من الإيمان باليوم الآخر .
    - والإيمان بالموازين ، والصحف ، والصراط ، والحوض ، والشفاعة ، والجنة وما فيها من النعيم ، والنار وما فيها من العذاب الأليم ؛ كل هذا من الإيمان باليوم الآخر ‏.‏

    - ومنه ما هو معلوم بالقرآن .
    - ومنه ما هو معلوم بالسنة بالتواتر وبالآحاد فكل ما صحت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر اليوم الآخر ، فإنه يجب علينا أن نؤمن به ‏.‏

    ( ج2 / 412 - 413 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله ‏:‏ ‏( ‏وتؤمن بالقدر خيره وشره ‏)‏‏.‏ هنا أعاد الفعل ولم يكتف بواو العطف ، لأن الإيمان بالقدر مهم ، فكأنه مستقل برأسه ‏.‏

    والإيمان بالقدر ‏هو :
    - أن تؤمن بتقدير الله عز وجل للأشياء كلها ، سواء ما يتعلق بفعله أو ما يتعلق بفعل غيره .
    - وأن الله عز وجل قدرها وكتبها عنده قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة .

    وقوله ‏:‏ ‏"‏ خير وشره ‏"‏‏.‏ الخير ‏:‏ ما يلائم العبد ، والشر‏ :‏ ما لا يلائمه ‏.‏

    ومعلوم أن المقدورات خير و شر ، فالطاعات خير ، والمعاصي شر ، والغني خير ، والفقر شر ، والصحة خير ، والمرض شر ، وهكذا ‏.‏

    ( ج2 / 413 )

    ---
    المتن : وفي رواية لأحمد‏ :‏ ‏( ‏إن أول ما خلق الله تعالى القلم ، فقال له ‏:‏ اكتب ، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة ‏).‏

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله‏ :‏ ‏"‏ إلى يوم القيامة ‏"‏ ‏:‏ هو يوم البعث ، وسمي يوم القيامة ؛ لقيام أمور ثلاثة فيه ‏:‏
    الأول : قيام الناس من قبورهم لرب العالمين ، كما قال تعالى‏ :‏ ‏{ ‏ليوم عظيم * يوم يقوم الناس لرب العالمين ‏}‏ .
    الثاني ‏:‏ قيام الأشهاد الذين يشهدون للرسل وعلى الأمم ، لقوله تعالى‏ :‏ ‏{ ‏إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ‏}‏ ‏‏.‏
    الثالث ‏:‏ قيام العدل ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{ ‏ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ‏}‏ ‏‏‏.‏

    ( ج2 / 424 )

    ---
    المتن : وفي رواية لابن وهب ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏{ ‏فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره ، أحرقه الله بالنار‏ }‏ ‏.‏

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وقوله ‏:‏ ‏"‏ أحرقه الله بالنار ‏"‏ بعد قوله ‏:‏ ‏"‏ فمن لم يؤمن ‏"‏ يدل على أن من أنكر أو شك فإنه يحرق بالنار ؛ لأن لدينا ثلاث مقامات‏ :‏
    الأول ‏:‏ الإيمان والجزم بالقدر بمراتبه الأربع ‏.‏
    الثاني‏ :‏ إنكار ذلك ‏.‏

    وهذان واضحان ، لأن الأول إيمان والثاني كفر ‏.‏

    الثالث‏ :‏ الشك والتردد ‏.‏
    فهذا يلحق بالكفر ، ولهذا قال ‏:‏ ‏"‏ فمن لم يؤمن ‏"‏ ، ودخل في هذا النفي من أنكر ومن شك‏ .‏

    ( ج2 / 425 )

    بابُ : ما جاء في المصورين

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    والتصوير له أحوال ‏:‏

    الحال الأولى‏ :‏ أن يصور الإنسان ما له ظل كما يقولون ، أي‏:‏ ما له جسم على هيكل إنسان أو بعير أو أسد أو ما أشبهها ، فهذا أجمع العلماء فيما أعلم على تحريمه ، فإن قلت ‏:‏ إذا صور الإنسان لا مضاهاة لخلق الله ، ولكن صور عبثًا ، يعني‏ :‏ صنع من الطين أو من الخشب أو من الأحجار شيئًا على صورة حيوان وليس قصده أن يضاهي خلق الله ، بل قصده العبث أو وضعه لصبي ليهدئه به ، فهل يدخل في الحديث ‏؟.‏

    فالجواب ‏:‏ نعم‏ ؛‏ يدخل في الحديث ، لأنه خلق كخلق الله ، ولأن المضاهاة لا يشترط فيها القصد ، وهذا هو سر المسألة ، فمتى حصلت المضاهاة ثبت حكمها ، ولهذا لو أن إنسانًا لبس لبسًا يختص بالكفار ثم قال ‏:‏ أنا لا أقصد التشبه بهم ، نقول ‏:‏ التشبه منك بهم حاصل أردته أم لم ترده ، وكذلك لو أن أحدًا تشبه بامرأة في لباسها أو في شعرها أو ما أشبه ذلك وقال‏:‏ ما أردت التشبه ، قلنا له ‏ :‏ قد حصل التشبه ، سواء أردته أم لم ترده ‏.‏

    الحال الثانية ‏:‏ أن يصور صورة ليس لها جسم بل بالتلوين والتخطيط ، فهذا محرم لعموم الحديث ، ويدل عليه حديث النمرقة حيث أقبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته ، فلما أراد أن يدخل رأى نمرقة فيها تصاوير ، فوقف وتأثر ، وعرفت الكراهة في وجهه ، فقالت عائشة رضي الله عنها ‏:‏ ما أذنبت يا رسول الله ‏؟‏ فقال ‏:‏ ‏( ‏إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ، يقال لهم ‏:‏ أحيوا ما خلقتم‏ )‏ ، فالصور بالتلوين كالصور بالتجسيم ، وقوله في ‏"‏ صحيح البخاري ‏"‏ ‏:‏ ‏( ‏إلا رقمًا في ثوب‏ )‏ ، إن صحت الرواية هذه ، فالمراد بالاستثناء ما يحل تصويره من الأشجار ونحوها‏ .‏

    الحال الثالثة ‏:‏ أن تلتقط الصور التقاطًا بأشعة معينة بدون أي تعديل أو تحسين من الملتقط ، فهذا محل خلاف بين العلماء المعاصرين . ‏( وذكر الشيخ الخلاف والراجح ) .‏

    الحال الرابعة ‏:‏ أن يكون التصوير لما لا روح فيه ، وهذا على نوعين‏ :‏
    النوع الأول ‏:‏ أن يكون مما يصنعه الآدمي ؛ فهذا لا بأس به بالاتفاق ؛ لأنه إذا جاز الأصل جازت الصورة ، مثل أن يصور الإنسان سيارته ؛ فهذا يجوز ، لأن صنع الأصل جائز ، فالصورة التي هي فرع من باب أولى ‏.‏
    النوع الثاني ‏:‏ ما لا يصنعه الآدمي وإنما يخلقه الله ، فهذا نوعان ‏:‏ نوع نام، ونوع غير نام :
    - فغير النامي : كالجبال ، والأودية ، والبحار ، والأنهار ، فهذه لا بأس بتصويرها بالاتفاق .
    - أما النوع الذي ينمو ؛ فاختلف في ذلك أهل العلم ، فجمهور أهل العلم على جواز تصويره لما سيأتي في الأحاديث ‏.‏

    (ج2 / 438 - 440 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وقوله ‏:‏ ‏"‏ أشد ‏"‏ مبتدأ، ‏"‏ والذين يضاهئون ‏"‏ خبره ، ومعنى يضاهئون ؛ أي ‏:‏ يشابهون .
    ‏"‏ بخلق الله ‏" ‏، أي ‏:‏ بمخلوقات الله سبحانه وتعالى ‏.‏
    والذين يضاهئون بخلق الله هم المصورون ، فهم يضاهئون بخلق الله سواء كانت هذا المضاهاة جسمية أو وصفية :
    - فالجسمية : أن يصنع صورة بجسمها .
    - والوصفية : أن يصنع صورة ملونة ؛ لأن التلوين والتخطيط باليد وصف للخلق ، وإن كان الإنسان ما خلق الورقة ولا صنعها لكن وضع فيها هذا التلوين الذين يكون وصفًا لخلق الله عز وجل ‏.

    ( ج2 / 442 )

    ---
    المتن : ولمسلم عن أبي الهياج، قال‏:‏ قال لي علي‏.‏ ‏(‏ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ أن لا تدع صورة، إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا، إلا سويته‏)‏ ‏.‏

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله‏ :‏ ‏"‏ ولا قبرًا مشرفًا ‏"‏‏.‏ أي ‏:‏ عاليًا ‏.‏
    قوله ‏:‏ ‏"‏ إلا سويته ‏"‏‏.‏ له معنيان‏ :‏
    الأول‏ :‏ أي سويته بما حوله من القبور ‏.‏
    الثاني ‏:‏ جعلته حسنًا على ما تقتضيه الشريعة ، قال تعالى‏ :‏ ‏{ ‏الذي خلق فسوى‏ }‏ ‏‏، أي‏ :‏ سوّى خلقه أحسن ما يكون ، وهذا أحسن ، والمعنيان متقاربان ‏.‏

    والإشراف له وجوه ‏:‏
    الأول ‏:‏ أن يكون مشرفا بكبر الأعلام التي توضع عليه ، وتسمي عند الناس ‏( ‏نصائل ‏)‏ أو ‏( ‏نصائب ) ‏ ، ونصائب أصح لغة من نصائل ‏.‏
    الثاني‏ :‏ أن يبني عليه ، وهذا من كبائر الذنوب ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏( ‏لعن المتخذين عليها المساجد والسرج ‏) ‏‏.‏
    الثالث‏ :‏ أن تُشرف بالتلوين ، وذلك بأن يوضع على أعلامها ألوان مزخرفة ‏.‏
    الرابع ‏:‏ أن يرفع تراب القبر عما حوله فيكون بينًا ظاهرًا ‏.‏

    فكل شيء مشرف ، أي‏ :‏ ظاهر على غيره متميز عن غيره يجب أن يسوى بغيره ، لئلا يؤدي ذلك إلى الغلو في القبور والشرك ‏.‏

    ( ج2 / 448 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    تؤخذ من حديث علي رضي الله عنه ، وهو قوله ‏:‏ ‏"‏ أن لا تدع صورة إلا طمستها ‏"‏ أنه لا يجوز اقتناء الصور ، وهذا محل تفصيل ، فإن اقتناء الصور على أقسام‏ :‏

    القسم الأول ‏:‏ أن يقتنيها لتعظيم المصوَّر ، لكونه ذا سلطان أو جاه أو علم أو عبادة أو أُبُوَّة أو نحو ذلك ، فهذا حرام بلا شك ، ولا تدخل الملائكة بيتًا فيه هذه الصورة ، لأن تعظيم ذوي السلطة باقتناء صورهم ثلم في جانب الربوبية ، وتعظيم ذوي العبادة باقتناء صورهم ثلم في جانب الألوهية ‏.‏

    القسم الثاني ‏:‏ اقتناء الصور للتمتع بالنظر إليها أو التلذذ بها ، فهذا حرام أيضًا ، لما فيه من الفتنة المؤدية إلى سفاسف الأخلاق‏ .‏

    القسم الثالث ‏:‏ أن يقتنيها للذكرى حنانًا أو تلطفًا ، كالذين يصورون صغار أولادهم لتذكرهم حال الكبر ، فهذا أيضًا حرام للحوق الوعيد به في قوله صلى الله عليه وسلم :‏ ‏( ‏إن الملائكة لا تدخل بيتًا في صورة‏ )‏ ‏.‏

    القسم الرابع ‏:‏ أن يقتني الصور لا لرغبة فيها إطلاقًا ، ولكنها تأتي تبعًا لغيرها ، كالتي تكون في المجلات والصحف ولا يقصدها المقتني ، وإنما يقصد ما في المجلات والصحف من الأخبار والبحوث العلمية ونحو ذلك ، فالظاهر أن هذا لا بأس به ، لأن الصور فيها غير مقصودة ، لكن إن أمكن طمسها بلا حرج ولا مشقة ، فهو أولى ‏.‏

    القسم الخامس‏ :‏ أن يقتني الصور على وجه تكون فيه مهانة ملقاة في الزبل ، أو مفترشة ، أو موطوءة ؛ فهذا لا بأس به عند جمهور العلماء ، وهل يلحق بذلك لباس ما فيه صورة لأن في ذلك امتهانًا للصورة ولا سيما إن كانت الملابس داخلية‏ ؟.‏
    الجواب ‏:‏ نقول لا يحلق بذلك ، بل لباس ما فيه الصور محرم على الصغار والكبار ، ولا يلحق بالمفروش ونحوه ؛ لظهور الفرق بينهما ، وقد صرح الفقهاء رحمهم الله بتحريم لباس ما فيه صورة ، سواء كان قميصًا أو سراويل أم عمامة أم غيرها ‏.‏
    وقد ظهر أخيرًا ما يسمي بالحفائظ ، وهي خرقة تلف على الفرجين للأطفال والحائض لئلا يتسرب النجس إلى الجسم أو الملابس ، فهل تلحق بما يلبس أو بما يمتهن ‏؟.‏
    هي إلى الثاني أقرب ، لكن لما كان امتهانًا خفيًا وليس كالمفترش والموطوء صار استحباب التحرز منها أولى ‏.‏

    القسم السادس‏ :‏ أن يلجأ إلى اقتنائها إلجاءً ، كالصور التي تكون في بطاقة إثبات الشخصية والشهادات والدراهم فلا إثم فيه لعدم إمكان التحرز منه ، وقد قال الله تعالى ‏:‏ ‏{ ‏وما جعل عليكم في الدين من حرج ‏}‏ ‏‏‏.‏

    ( ج2 / 450 )
     

    بابُ : ما جاء في كثرة الحلف

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله تعالى‏ :‏ ‏{ ‏واحفظوا أيمانكم‏ }‏‏.‏ هذه الآية ذكرها الله في سياق كفارة اليمين، وكل يمين لها ابتداء وانتهاء ووسط :
    - فالابتداء الحلف .
    - والانتهاء الكفارة .
    - والوسط الحنث
    ؛ وهو أن يفعل ما حلف على تركه ، أو يترك ما حلف على فعله .

    ( ج2 / 454 )

    ---
    والكفارة ‏:‏
    - إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم .
    - أو كسوتهم .
    - أو تحرير رقبة .
    وهذا على سبيل التخيير ، فمن لم يجد :
    - فصيام ثلاثة أيام ، وفي قراءة ابن مسعود متتابعة ‏.‏

    فحفظ اليمين له ثلاثة معان :
    1‏.‏ حفظها ابتداء ، وذلك بعدم كثرة الحلف ، وليعلم أن كثرة الحلف تضعف الثقة بالشخص وتوجب الشك في أخباره ‏.‏
    2‏.‏ حفظها وسطًا ، وذلك بعدم الحنث فيها ، إلا ما استثني كما سبق‏ .‏
    3‏.‏ حفظها انتهاء في إخراج الكفارة بعد الحنث‏ .‏

    ويمكن أن يضاف إلى ذلك معنى رابع ، وهو أن لا يحلف بغير الله ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سمى القسم بغير الله حلفًا ‏.‏

    ( ج2 / 457 )

    ---
    المتن : وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال‏ :‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏: ‏ ‏( ‏الحلف منفقة للسلعة ، ممحقة للكسب‏ )‏‏.‏ أخرجاه ‏.‏

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله ‏:‏ ‏"‏ منفقة للسلعة ‏"‏‏‏ أي ‏:‏ ترويج للسلعة ، مأخوذ من النّفاق وهو مضي الشيء ونفاذه ، والحلف على السلعة قد يكون حلفًا على ذاتها أو نوعها أو وصفها أو قيمتها ‏.‏
    - الذات ‏:‏ كأن يحلف أنها من المصنع الفلاني المشهور بالجودة وليست منه ‏.‏
    - النوع ‏:‏ كأن يحلف أنها من الحديد ، وهي من الخشب‏ .‏
    - الصفة ‏:‏ كأن يحلف أنها طيبة ، وهي رديئة ‏.‏
    - القيمة ‏:‏ كأن يحلف أن قيمتها بعشرة ، وهي بثمانية‏ .‏

    ( ج2 / 457 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله ‏:‏ ‏"‏ممحقة للكسب‏"‏‏ أي‏ :‏ متلفة له ، والإتلاف يشمل :
    - الإتلاف الحسي : بأن يسلط الله على ماله شيئًا يتلفه من حريق أو نهب أو مرض يلحق صاحب المال فيتلفه في العلاج .
    - والإتلاف المعنوي : بأن ينزع الله البركة من ماله فلا ينتفع به لا دينًا ولا دينا ، وكم من إنسان عنده مال قليل ، لكن نفعه الله به ونفع غيره ومن وراءه ، وكم من إنسان عنده أموال لكن لم ينتفع بها صار - والعياذ بالله - بخيلًا يعيش عيشة الفقراء وهو غني ، لأن البركة قد محقت‏ .‏

    ( ج2 / 458 )

    ---
    المتن : وعن سلمان ؛ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم‏:‏ أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه‏)‏ ‏.‏ رواه الطبراني بسند صحيح‏.‏

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله ‏:‏ ‏"‏ عائل مستكبر ‏"‏‏.‏ أي فقير ، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ ووجدك عائلًا فأغنى‏ }‏ ‏‏، فالمقابلة هنا في قوله ‏: ‏ ‏{ فأغنى‏ }‏ بينت أن معني عائلًا ‏:‏ فقيرًا ‏.‏

    والاستكبار ‏:‏ الترفع والتعاظم ، وهو نوعان‏ :‏
    - استكبار عن الحق بأن يرده أو يترفع عن القيام به ‏.‏
    - واستكبار على الخلق باحتقارهم واستذلالهم ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :‏ ‏( ‏الكبر بطر الحق وغمط الناس ‏)‏ ‏.‏

    ( ج2 / 461 )

    ---

    باب : مَا جَاءَ فِي ذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم

    المتن : وعن بريدة ؛ قال ‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية ؛ أوصاه بتقوى الله ، وبمن معه من المسلمين خيرًا ، فقال ‏:‏ " اغزوا باسم الله في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ‏.‏ اغزوا ، ولا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليدًا ‏. ‏ وإذا لقيت عدوك من المشركين ؛ فادعهم إلى ثلاث خصال ( ‏أو ‏:‏ خلال ‏) ‏، فأيتهن ما أجابوك ؛ فاقبل منهم ، وكف عنهم‏ : ‏ثم ادعهم إلى الإسلام ، فإن أجابوك ؛ فاقبل منهم ، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك ، فلهم ما للمهاجرين ، وعليهم ما على المهاجرين ، فإن أبوا أن يتحولوا منها ؛ فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين ، يجري عليهم حكم الله تعالى ، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء ، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين‏ ، فإن هم أبوا ؛ فاسألهم الجزية ، فإن هم أجابوك ؛ فاقبل منهم وكف عنهم .
    فإن هم أبوا ؛ فاستعن بالله ، وقاتلهم .
    وإذا حاصرت أهل حصن ؛ فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك ، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه ‏.‏
    وإذا حاصرت أهل حصن ؛ فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله ، فلا تنزلهم على حكم الله ، ولكن أنزلهم على حكمك ، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا ‏"‏ . رواه مسلم ‏.‏


    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله ‏:‏ ‏"‏ أو سرية ‏"‏‏.‏ هذه ليست للشك ، بل للتنويع ، فإن الجيش ما زاد على أربع مئة رجل ، والسرية ما دون ذلك ‏.‏

    والسرايا ثلاثة أقسام ‏:‏
    أ‌‏.‏ قسم ينفذ من البلد ، وهذا ظاهر ، ويقسم ما غنمه كقسمة ما غنم الجيش ‏.‏
    ب‌‏.‏ قسم ينفذ في ابتداء سفر الجهاد ، وذلك بأن يخرج الجيش بكامله ثم يبعث سرية تكون أمامهم‏.‏
    ت‌‏.‏ قسم ينفذ في الرجعة ، وذلك بعد رجوع الجيش‏ .‏

    وقد فرق العلماء بينهما من حيث الغنيمة :
    - فلسرية الابتداء الربع بعد الخمس ، لأن الجيش وراءها ، فهو ردء لها وسيلحق بها .
    - ولسرية الرجعة الثلث بعد الخمس ، لأن الجيش قد ذهب عنها ، فالخطر عليها أشد ‏.‏

    وهذا الذي تعطاه السريتان راجع إلى اجتهاد الإمام ‏:‏ إن شاء أعطى وإن شاء منع حسبما تقتضيه المصلحة ‏.‏

    ( ج2 / 477 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله ‏:‏ ‏"‏ ولا تغدروا ‏"‏‏.‏ الغدر ‏:‏ الخيانة ، وهذا هو الشاهد من الحديث ، وهذا إذا عاهدنا ، فإنه يحرم الغدر ، أما الغدر بلا عهد ، فلنا ذلك لأن الحرب خدعة ، وقد ذُكر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج إليه رجل من المشركين ليبارزه ، فلما أقبل الرجل على علي صاح به علي ‏:‏ ما خرجت لأبارز رجلين ، فالتفت المشرك يظن أنه جاء أحد من أصحابه ليساعده ، فقتله علي رضي الله عنه ‏.‏

    وليعلم أن لنا مع المشركين ثلاث حالات‏ :‏
    الحال الأول ‏:‏ أن لا يكون بيننا وبينهم عهد ؛ فيجب قتالهم بعد دعوتهم إلى الإسلام وإبائهم عنه وعن بذل الجزية ، بشرط قدرتنا على ذلك ‏.‏
    الحال الثانية ‏:‏ أن يكون بيننا وبينهم عهد محفوظ يستقيمون فيه ، فهنا يجب الوفاء لهم بعهدهم ؛ لقوله تعالى ‏:‏ ‏{ ‏فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين ‏}‏ ‏‏، وقوله ‏:‏ ‏{ ‏فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم‏}‏ ‏‏‏.‏
    الحالة الثالثة ‏:‏ أن يكون بيننا وبينهم عهد نخاف خيانتهم فيه ، فهنا يجب أن ننبذ إليهم العهد ونخبرهم أنه لا عهد بيننا وبينهم ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{ ‏وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين‏ }‏ ‏‏‏.

    ( ج2 / 480 )

    ---
    ‏قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله ‏:‏ ‏" ‏ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين ‏"‏‏.‏ يعني ‏:‏ إذا لم يتحولوا إلى دار المهاجرين ، فليس لهم في الغنيمة والفيء شيء‏ .‏
    والغنيمة ‏:‏ ما أخذ من أموال الكفار بقتال أو ما ألحق به ‏.‏
    والفيء ‏:‏ ما يصرف لبيت المال ؛ كخمس خمس الغنيمة ، والجزية ، والخراج ، وغيرها‏ .‏

    ( ج2 / 485 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وقوله ‏:‏ ‏"‏ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين ‏"‏‏.‏ يفيد أنهم إن جاهدوا مع المسلمين استحقوا من الغنيمة ما يستحقه غيرهم ‏.‏

    فإذا أسلموا فلهم ثلاث مراتب ‏:‏
    1‏.‏ التحول إلى دار المهاجرين ، وحينئذ يكون لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين ‏.‏
    2‏.‏ البقاء في أماكنهم مع الجهاد ؛ فلهم ما للمجاهدين من الغنيمة وفي الفيء الخلاف ‏.‏
    3‏.‏ البقاء في أماكنهم مع ترك الجهاد ؛ فليس لهم من الغنيمة والفيء شيء‏ .‏

    ( ج2 / 485 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    فيه إثبات الحكم لله عز وجل ، وحكم الله ينقسم إلى قسمين‏ :‏
    أ‏.‏ حكم كوني ، وهو ما يتعلق بالكون ، ولا يمكن لأحد أن يخالفه ، ومنه قوله تعالى ‏:‏ ‏{ ‏فلن أبرح الأرض حتى بأذن لي أبي أو يحكم الله لي ‏}‏ ‏‏‏.‏
    ب‏.‏ حكم شرعي ، وهو ما يتعلق بالشرع والعبادة ، وهذا من الناس من يأخذ به ومنهم من لا يأخذ به ، ومنه قوله تعالى ‏:‏ ‏{ ‏ذلكم حكم الله يحكم بينكم ‏}‏ ‏‏‏.‏

    ( ج2 / 493 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في مسائل الباب :

    السادسة ‏:‏ الفرق بين حكم الله وحكم العلماء‏ : وفيه فرقان ‏:‏
    1‏.‏ أن حكم الله مصيب بلا شك ، وحكم العلماء قد يصيب وقد لا يصيب‏ .‏
    2‏.‏ تنزيل أهل الحصن على حكم الله ممنوع ؛ إما في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فقط أو مطلقًا ، وأما على حكم العلماء ونحوه ، فهو جائز‏ .‏

    ( ج2 / 495 )

    باب مَا جَاءَ في الأِقْسَامِ عَلَى اللهِ

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    والحلف له عدة أسماء ، هي‏ :‏
    - يمين .
    - وأَلْيَة .
    - وحلف .
    - وقسم .

    وكلها بمعنى واحد ، قال تعالى ‏:‏ ‏{ ‏فلا أقسم بمواقع النجوم ‏}‏ ‏، وقال ‏:‏ ‏{‏ للذين يؤلون من نسائهم‏ }‏ ‏‏، أي ‏:‏ يحلفون ، وقال‏ :‏ ‏{ ‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏ }‏ ‏‏، وقال تعالى ‏:‏ ‏{ ‏يحلفون بالله لكم ليرضوكم ‏}‏ ‏‏، وقال تعالى ‏: ‏ ‏{‏ وأقسموا بالله جهد أيمانهم‏ }‏ ‏‏‏.‏

    ( ج2 / 497 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    والقسم على الله ينقسم إلى أقسام ‏:‏

    الأول ‏:‏ أن يقسم على ما أخبر الله به ورسوله من نفي أو إثبات ؛ فهذا لا بأس به ، وهذا دليل على يقينه بما أخبر الله به ورسوله ، مثل ‏:‏ والله ؛ ليشفّعن الله نبيه في الخلق يوم القيامة ، ومثل ‏: ‏ والله ؛ لا يغفر الله لم أشرك به‏ .‏

    الثاني ‏:‏ أن يقسم على ربه لقوة رجائه وحسن الظن بربه ، فهذا جائز لإقرار النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في قصة الربيّع بنت النضر عمة أنس بن مالك رضي الله عنهما ، ‏"‏ حينما كسرت ثنية جارية من الأنصار " .‏

    القسم الثالث‏ :‏ أن يكون الحامل له هو الإعجاب بالنفس ، وتَحَجُّر فضل الله عز وجل ، وسوء الظن به تعالى ؛ فهذا محرم وهو وشيك بأن يحبط الله عمل هذا المُقْسِم ، وهذا القسم هو الذي ساق المؤلف الحديث من أجله ‏.‏

    ( ج2 / 497 - 499 )

    بابٌ لا يُسْتَشْفَعُ باللهِ عَلَى خَلْقِهِ


    لم يذكر الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى فروقا أو تقاسيم في هذا الباب

    بابُ ما جَاءَ فِي حِمَايَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حِمَى التَّوْحِيدِ وسَدِّهِ طُرُقَ الشِّرْكِ

    المتن : وعن أنس رضي الله عنه ‏:‏ ‏( ‏أن ناسًا قالوا ‏:‏ يا رسول الله ؛ يا خيرنا وابن خيرنا ‏!‏ وسيدنا وابن سيدنا ‏!‏ فقال ‏:‏ ‏"‏ يا أيها الناس ؛ قولوا بقولكم ، ولا يستهوينكم الشيطان ، أنا محمد عبد الله ورسوله ، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل ‏)‏‏.‏ رواه النسائي بسند جيد ‏.‏

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :
    قوله‏:‏ ‏"‏ ورسوله ‏"‏‏.‏ أي‏ :‏ المرسل من عنده إلى جميع الناس ، كما قال تعالى ‏:‏ ‏{ ‏قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا ‏}‏ ‏.

    وقد تَطَرَّف في الرسول صلى الله عليه وسلم طائفتان ‏:‏
    - طائفة غلت فيه حتى عبدته ، وأعدته للسراء والضراء ، وصارت تعبده وتدعوه من دون الله ‏.‏
    - وطائفة كذبته ، وزعمت أنه كذاب ، ساحر ، شاعر ، مجنون ، كاهن ، ونحو ذلك ‏.‏

    وفي قوله ‏:‏ ‏"‏عبد الله ورسوله‏"‏ رد على الطائفتين ‏.‏

    ( ج2 / 521 )

    باب ما جاء في قول الله تعالى‏:‏ ‏{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ }‏ الآية ‏.

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله ‏:‏ ‏( ‏والله فوق العرش‏ )‏‏.‏ هذا نص صريح بإثبات علو الله تعالى علوًا ذاتيًا ، وعلو الله ينقسم إلى قسمين‏ :‏
    أ‏.‏ علو الصفة ، وهذا لا ينكره أحد ينتسب للإسلام ، والمراد به كمال صفات الله ؛ كما قال تعالى ‏:‏ ‏{‏ للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ‏}‏ ‏‏‏.‏

    ب‏.‏ علو الذات ، وهذا أنكره بعض المنتسبين للإسلام ، فيقولون كل العلو الوارد المضاف إلى الله المراد به علو الصفة ، فيقولون في قوله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏( ‏والله فوق العرش ‏) ‏، أي‏ :‏ في القوة والسيطرة والسلطان ، وليس فوقه بذاته ‏.‏

    ولا شك أن هذا تحريف في النصوص وتعطيل في الصفات ‏.‏

    والذين أنكروا علو الله بذاته انقسموا إلى قسمين ‏:‏
    أ‏.‏ من قال ‏:‏ إن الله بذاته في كل مكان ، وهذا لا شك ضلال مقتض للكفر ‏.‏
    ب‏.‏ من قال ‏:‏ إنه لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا متصل بالخلق ولا منفصل عن الخلق ، وهذا إنكار محض لوجود الله والعياذ بالله ، ولهذا قال بعض العلماء ‏:‏ لو قيل لنا ‏:‏ صفوا العدم ؛ ما وجدنا أبلغ من هذا الوصف‏ .‏

    ففروا من شيء دلت عليه النصوص والعقول والفطر إلى شيء تنكره النصوص والعقول والفطر ‏.‏

    ( ج2 / 539 )

    ---
    المتن : وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ، قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏( ‏هل تدرون كم بين السماء والأرض ‏؟‏‏.‏ قلنا ‏:‏ الله ورسوله أعلم ‏.‏ قال ‏:‏ بينهما مسيرة خمسمائة سنة ، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة ، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة ، وبين السماء السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض ، والله تعالى فوق ذلك ، وليس يخفي عليه شيء من أعمال بني آدم ‏)‏‏.‏ أخرجه أبو دواد وغيره .‏

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    قوله ‏:‏ ‏"‏ قلنا ‏:‏ الله ورسوله أعلم ‏"‏‏.‏ جاء العطف بالواو ، لأن علم الرسول من علم الله ، فهو الذي يُعلِّمه بما لا يدركه البشر ‏.‏

    وكذلك في المسائل الشرعية يقال‏ :‏ الله ورسوله أعلم ، لأنه صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بشرع الله ، وعلمه به من علم الله ، وما قاله صلى الله عليه وسلم في الشرع فهو كقول الله ، وليس هذا كقوله ‏:‏ ‏( ‏ما شاء الله وشئت‏ )‏ ، لأن هذا في باب القدر والمشيئة ، ولا يمكن أن يُجعل الرسول صلى الله عليه وسلم مشاركًا لله في ذلك ، بل يقال ‏:‏ ما شاء الله ، ثم يعطف بـ ‏( ‏ثم ‏) ‏، والضابط في ذلك أن الأمور الشرعية يصح فيها العطف بالواو ، وأما الكونية ؛ فلا ‏.‏

    ومن هنا نعرف خطأ وجهل من يكتب على بعض الأعمال ‏:‏ ‏{ ‏وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ‏}‏ ‏بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم وتَعَذُّر رؤيته ، فالله يرى ، ولكن رسوله لا يرى ، فلا تجوز كتابته لأنه كذب عليه صلى الله عليه وسلم .‏

    ( ج2 / 542 )

    ---
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى :

    وفي الحديث صفتان لله ‏:‏
    - ثبوتية : وهي العلو المستفاد من قوله ‏:‏ ‏"‏ والله فوق ذلك ‏"‏‏.‏
    - وسلبيه المستفاد من قوله ‏:‏ ‏"‏ ليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم ‏"‏.

    ولا يوجد في صفات الله عز وجل صفة سلبية محضة ، بل صفاته السلبية التي هي النفي متضمنة لثبوت ضدها على وجه الكمال ، فيُنفي عنه الخفاء لكمال علمه ، ويُنفي عنه اللغوب لكمال قوته ، ويُنفي عنه العجز لكمال قدرته ، وما أشبه ذلك ‏.‏

    فإذا نفي الله عن نفسه شيئًا من الصفات ، فالمراد انتفاء تلك الصفة عنه لكمال ضدها، كما قال تعالى‏ :‏ ‏{ ‏لا تأخذه سنة ولا نوم ‏}‏ ‏‏، السِّنة ‏:‏ النعاس ، والنوم ‏:‏ الإغفاء العميق ، وذلك لكمال حياته وقيوميته ، إذ لو كان ناقص الحياة لا حتاج إلى النوم ، ولو نام ما كان قيومًا على خلقه ، لأنه حين ينام لا يكون هناك من يقوم عليهم ، ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون لكمال حياتهم ، ولأن النوم في الجنة يذهب عليهم وقتًا بلا فرح ولا سرور ولا لذة ؛ لأن السرور فيها دائم ، ولأن النوم هو الوفاة الصغرى ، والجنة لا موت فيها ‏.

    ( ج2 / 545 )

     

    تم بحمد الله تعالى وعونه وتوفيقه الانتهاء من جمع وترتيب وتفريغ ( فروق وتقاسيم القول المفيد على كتاب التوحيد ) للشيخ العلامة / محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى وأسكنه الفردوس الأعلى .
    وكانت بداية الجمع والتفريغ : يوم الإربعاء الموافق 30 / 5 / 1426هـ
    وكان نهاية الجمع بتاريخ : 15 / 8 / 1431 هـ

    وكان التأخير بسبب التفريط والتسويف .. أسأل الله أن يصلح الحال .

    وكما ذُكر سابقا .. سيتم عرض الموضوع على مؤسسة الشيخ ..

    وعليه ؛ فلا أسمح ولا أبيح بأن يستغل هذا العمل تجاريا .. أيا كانت الأسباب .

     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    بحوث علمية
  • بحوث في التوحيد
  • بحوث فقهية
  • بحوث حديثية
  • بحوث في التفسير
  • بحوث في اللغة
  • بحوث متفرقة
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية