صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    مقدمات في تذوق النص الأدبي *

    فواز بن عبدالعزيز اللعبون
    أستاذ الأدب والنقد في كلية اللغة العربية
    @fawaz_dr


    بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ


    أ- التذوق الأدبي بين المهارة والعلم:

    طبيعة العربي مَيّال إلى الكلمة الجميلة، سريع التأثر بها، ولذا وجدنا الأمة العربية أمة بيان، يؤكد ذلك دستورها الخالد القرآن الكريم، وقبل ذلك تاريخها العريق الذي كان ولم يزل يؤكد أن من البيان سحرا.
    على هذا تتوفر مهارة التمييز الجمالي عند كثيرين، غير أن صقل هذه المهارة اختصاص علمي ينمو بالممارسة والقراءة.
    وقد ظل تذوق الشعر بخاصة يميل إلى الأحكام الانطباعية طوال قرون ماضية، فكنا نسمع ونقرأ أمثال هذه التوصيفات: أشعر بيت، أجمل بيت، أجود قصيدة، أفضل شاعر، وهذا أحكام انطباعية مرهونة بحالات انفعالية غالبا، وقد جاء النقد القديم والحديث ليرسخ للتعليل، ويقلل من هذه العموميات.

    ب- عوامل تساعد على تنمية التذوق الأدبي:

    أولا- اختيار ما يلائم الحالة الشعورية للمتلقي:
    على سبيل المثال تبدو المرحلة العمرية مثالا مناسبا للتوضيح، فللفتيان نصوص تلائمهم، وللشباب نصوص شعرية تبدو أكثر مناسبة من سواها، وكبار السن ربما لاءمتهم مضامين أكثر وقارا.
    إن من المناسب جداً أن ينتقي المتلقي ما يعينه على التذوق من خلال مراعاة حالته العمرية أو حالته الشعورية، إذ لا بد له من الإحساس بالنص إحساساً جليّا، وإلا فإن تواصله معه سيكون ضعيفا.
    وفي تراثنا العربي نماذج تؤكد أن انقطاع التواصل بين المتلقي والنص يولد فجوة سلبية، ولعلكم تذكرون البيت الذي قاله أحد الشعراء في ممدوحه الأمير الذي كان متخوفاً من فشل يحيق به، فقال الشاعر في بدء قصيدته:

    لا تَقُلْ بُشْرَى وَلَكِنْ بُشْرَيَانِ *** غُرُّةُ الدَّاعِي وَيَوْمُ المَهْرَجَانِ

    فاغتم الأمير، ولم يُقبل على القصيدة.
    ومن ذلك أيضاً ذلك الشاعر الذي ابتدأ مديح أحد الأمراء الوقورين بقوله:

    يَا بَلِـيَّ البَالِ قَدْ بَلْبَلْتَ بِالبَلْبَالِ بَالي

    فما كان من الأمير إلا أن رفضه ورفض قصيدته.

    ثانيا- اختيار ما يلائم المستوى الفكري للمتلقي:

    هناك متلقون يحفلون بالأداء الفني الذي يخدم الرؤية بعمق، وهناك أيضا من يفضل التناول المباشر، لأجل ذلك يجب أن ينتقي المتلقي ما يلائم وعيه، فقصائد ابن الرومي مثلا تلائم أولئك الذين يحبون اعتصار المعاني، والذين لا يحبون الاسترسال والتطويل لن يروق لهم شعر ابن الرومي كثيرا، والذين تستهويهم الحكمة سيفضلون شعر المتنبي على شعر البحتري، ومن يروق لهم الشعر الغنائي المطبوع سيجدون في شعر البحتري ضالتهم.
    والطريف أن يتعصب بعض المعاصرين في رفض شاعر أو قبول آخر، ومرد ذلك كله إلى اختلاف الأذواق، فما يكون له قبول عند متلقٍّ ربما يكون محدود القبول عند آخر.
    على هذا فإن مبدأ التذوق الشعري يتيح للمتلقي أن يقرأ ويسمع لمن يجد في شعره مبتغاه الذي يلائم معطيات تكوينه ووعيه.


    ثالثا- اختيار ما يلائم العصر:

    يحاول بعض الهواة تذوق الشعر، فيقعون في انفصام جمالي، هذا الانفصام مؤداه الانقطاع عن المعاصرة، والانغماس في التراث، أو العكس، وهذا من شأنه تشكيل ذائقة مغيَّبة مشوهة، فالأساس في التذوق الجمالي للشعر أن يتربص المتلقي بالجمال البياني الحقيقي أيّاً كان، ثم يترصد للجماليات الأدبية التي تشكلت في زمنه، فكثيراً ما صادفنا متذوقين لا يجدون الجمال إلا في الشعر القديم، ولا يعترفون بجماليات المعاصرة، أو يقللون من شأن إنتاجها، وأمثال هؤلاء يفرضون على أنفسهم وعلى من يؤثرون فيهم عزلة وغربة.

    ولنذكر على سبيل المثال موقف الشاعر صفي الدين الحلي أحد شعراء القرن الثامن الهجري، فقد كان يدعو المبدعين إلى معايشة الواقع، ويسخر من أولئك الذين يتخاصمون مع المعاصرة، ولا يرون إلا النموذج الأقدم، يقول معالجاً هذا الإشكال:

    إنَّمَا الحَيْزَبُوْنُ وَالدَّرْدَبِيْسُ *** وَالطَّخَا وَالنُّـقَـاخُ وَالعَطْلَبِيْسُ
    وَالسَّبَنْتَى وَالحَقْصُ وَالهِيْقُ وَالهِجْـ *** ـرِسُ وَالطِرْقَسَانُ وَالعَسَطَوْسُ
    لُغَةٌ تَنْفِرُ المَسَامِعُ مِنْها *** حِيْنَ تُرْوَى وَتَشْمَئِزُّ النُّفُوْسُ
    وَقَبِيْحٌ أَن يُذْكَرَ النَّافِرُ الوَحْـ *** ـشِـيُّ مِنْهَا وَيُـتْـرَكَ المَأْنُوْسُ
    أَيْنَ قَوْلي هَذا كَثِيْبٌ قَدِيْمٌ *** وَمَقَالـي عَقَنْقَلٌ قُدْمُوْسُ؟!

    وأذْكر أيضاً أن طلاباً انقطعوا للشعر القديم يتذوقونه ويدرسونه، وينظمون على منواله، وهجروا الشعر المعاصر، كما أذكر أيضاً زملاء آخرين تعصبوا للمعاصرة والتحديث، واستنقصوا القديم، وبسبب هذه الهوة من هؤلاء وهؤلاء تحول بعضهم فجأة إلى الشعر العامي ينظم على منواله، أو يوغل في دراسته وتحليله.


    ج- آليات التذوق النقدي للنص الأدبي: (المضمون، البناء، اللغة، الصورة، الإيقاع).


    أولا - المضمون: (الأفكار العامة، الأفكار الجزئية).

    المضمون هو ما اشتمل عليه النص من موضوعات ورؤى، ويجب التنويه إلى أن المضامين التي ترد بصفتها موضوعات يناسبها وصف: (الغرض)، أما المضامين التي تكشف عن رؤية الشاعر وفكرِه فيناسبها وصف: (اتجاه)، ويحسن التنويه هنا إلى أن معظم الشعر القديم يناسبه تصنيف الأغراض أكثر من تصنيف الاتجاهات، بخلاف معظم الشعر الحديث والمعاصر الذي يناسبه تصنيف الاتجاهات لا الأغراض، على أنه يمكن الجمع بين التصنيفين في القصيدة الواحدة -سواء أكانت قديمة أم حديثة- متى وجد الدارس حضوراً ظاهراً لهما.
    وعلى ذلك فالغرض هو موضوع القصيدة الرئيس الذي تكشف عنه -في العادة- مناسبة النص، ومن أبرز الأغراض الشعرية: الغزل، والمديح، والرثاء، والهجاء، والوصف، وما يتفرع من هذه الأغراض؛ كبكاء المدن والبلدان الذي يتفرع عن الرثاء.
    والاتجاه هو رؤية النص العامة، ومن أبرز الاتجاهات في الشعر الحديث والمعاصر: الاتجاه الوجداني، والاتجاه التأملي، والاتجاه الاجتماعي، والاتجاه السياسي، على أن كل اتجاه قابل لأن تنخرط تحته تفريعات أخرى؛ فالاتجاه الوجداني مثلاً يدخل في إطاره شعر الغزل، وشعر الحنين، وشعر الشكوى، وبعض أنواع الرثاء.

    ولتحليل مضمون النص بعد أن يُصَنَّف ضمن الأغراض أو الاتجاهات يُدرس ما يلي:


    1- الأفكار العامة:

    وهي الأفكار المحورية التي يدور فيها مضمون النص، وقد تكون فكرة واحدة أو أكثر.


    2- الأفكار الجزئية:

    وهي التي يمكن تتبعها من خلال مقاطع القصيدة، ويعالج فيها الشاعر جزئيات محددة.


    ثانيا - البناء:
     (العنوان، المطلع، توالد النص، الوحدات الفنية، التعالق النصي، الخاتمة).

    1- العنوان:

    لم تكن عنونة النصوص الشعرية مطلباً فنيّاً ولا مضمونيّاً في العصور المتقدمة، وإن وُجدَتْ فهي وسيلة تعريفية بالنص تقوم مقام الاسم، وفي بعض المصادر عدد من القصائد التي عنونت بعناوين مجردة، مثل: (سِمْط الدهر، واليتيمة، والبتّارة، والدامغة، والزينبية)، وما إلى ذلك من عناوين يُستدل بها على النص، دون أن يكون لها نصيب يُذكر من الإيحاء الإبداعي.
    وحديثاً مع بزوغ معالم النهضة في العالم العربي أصبحت عنونة الدواوين والنصوص عنصراً عضويّاً بارزاً يتأنق الشعراء في صياغاتها والابتكار فيها، وصار عنوان النص بخاصة جزءاً فنيّاً منه، ولبنة مهمة من بنائه.. يتأثر به ويؤثر فيه، ولم يعد من المتصوَّر أن ينظم الشاعر قصيدة ويخرجها إلى المتلقين دون عنوان، كما لم يعد من السائغ أن يُمَرِّر الشاعر على المتلقين عناوين لم يبذل فيها جهداً إبداعيّا.
    ولعل أهم ما يلحظ على عناوين النصوص الحديثة والمعاصرة مجيئها في إطارين رئيسين تنبثق عنهما أشكال وأساليب، وهما:
    أ - العنوان المضمون: وهذا الإطار أقرب إلى المباشرة، والأكثر اتصالاً بفحوى النص، ومن خلاله يمكن الكشف عن مسار النص، وتحديد رؤيته الرئيسة، أو الاقتراب منها، مثل: (فلسطين الأبية، أجمل المصايف، وطني، هموم، الكوكب الآفل، كبرياء).
    ب - العنوان الإبداع: وهو إطار فني عميق يخضع في صياغته وفي كشفه للإيحاء وللتأويل، وقد يُلْمِح من بعيد إلى الرؤية التي يتمحور حولها النص، ولكنه في الغالب يحمل قدراً من الإبهام قد يتعذر معه التحقق من مسار النص ودلالاته، وهو يهدف -في كلٍّ- إلى إيجاد جو من الإغراء والتشويق واستعراض القوى الإبداعية والابتكارية لكل من صاحب النص والمتلقي الواعي، مثل: (الينابيع التي غادرت، غناء في حضرة الشمس، حديث القمر، رقصة العاصفة، الموت في الساعة التاسعة، طفل أبابيل).

    2- المطلع:

    يُعد المطلع في الدراسات النقدية القديمة الواجهة التي تعطي التصور الأول عن القصيدة، ومن خلاله تستعذب القصيدة أو تُمَج، ورأوا أن الشعر قفل أوله مفتاحه، ولأجل ذلك طالب النقادُ الأوائلُ الشعراءَ بأن يبذلوا غاية الجهد في إجادته وإتقانه، ومن جمالياته المقررة في تلك الدراسات أن يجيء مُصَرَّعا، وحسن اللفظ والمعنى، وسلس الجرس، وخالياً من التعقيد.
    وحديثاً راعى الشعراء المحافظون بعض هذه الجماليات، وأضافوا إليها ما جد من أبعاد تتطلبها طبيعة المواكبة العصرية، كما همشوا بعضها، كالتصريع الذي لم يعد ضرورة ملحة في النص الحديث.
    أما الشعراء المجددون والتحديثيون على وجه الخصوص فيمكن القول بأنهم حَوَّلوا جماليات الابتداء (المطلع) إلى العنوان؛ فليس في ابتداءاتهم ما يستقل عن جماليات النص بعامة، وغالباً تخلو ابتداءاتهم من معالم التمهيد المتبعة في المطالع، فتدلف إلى المضمون مباشرة، بل تقتحمه في كثير من الأحيان.

    ويغلب على مطالع الشعر الحديث والمعاصر مجيئها في الأساليب الآتية:

    أ - المطلع التمهيد: وهو أسلوب يمهد لمضمون النص بطرائق مختلفة، مثل:

    سُحُبٌ تَلُوْحُ وَرَعْدُها يَتَكَلَّمُ      والأَرْضُ تَسْمَعُ ما يُقَالُ وَتَفْهَمُ

    ب - المطلع المباغت: وهو أسلوب يثب على المضمون مباشرة، ويتخطى كل شكليات المبادأة، مثل:

    عَامَانِ مَرّا عَلَيْها يا مُقَبِّلَتي *** وَعِطْرُها لَمْ يَزَلْ يَجْري على شَفَتي

    ج - المطلع القصصي: وهو أسلوب يستفيد من آليات الافتتاح القصصي، أو يقدم معنى من معاني التشويق الخبري، مثل:
    في بيتِنا القديم
    جدي ينامُ مُشْرِعا..
    يستقبلُ النسيم


    3- توالد النص:

    ويراد به حجم النص ومدى استيفائه للأفكار العامة والجزئية، وهل وفق المبدع في المزاوجة بين آليات المضمون والتشكيل الفني.
    وقديماً كان طول النص أو النفس من مقاييس الجودة؛ إذ كان طول القصيدة لديهم دليلاً على غزارة الطبع، وقوة المَلَكة، في حين عَدُّوا أصحاب المُقطعات في هواة الشعر، أو المتطفلين عليه، ولتلك الأسباب وغيرها نعتوا جيِّد شعرهم بالمطوّلات، أو القصائد الطوال.
    وظل الأمر كما هو عليه في بدايات النهضة، وفي أواخر عصر النهضة وزمن المعاصرة الحالي.. لم يعد عامل الطول في القصيدة خاضعاً لما كان عليه في السابق، ولم يعد من صلاحيات القصيدة الطويلة منح قائلها وسام طبع وقدرة لا يناله شعراء القصائد القصيرة أو المقطعات، بدليل انتشار هذا النوع من الشعر بوصفه ظاهرة لا يمكن تجاهلها، واستقلال أنواع منها بأسماء ذائعة؛ كالثلاثيات، والرباعيات، والخماسيات، والسداسيات، واستعاض أكثرهم عن آلية التطويل بآليات إبداعية محقَّقة، كالتكثيف، واللمح، والإيجاز.


    4- الوحدات الفنية:

    لعل أهم محاور هذه الوحدات في بناء النص ما يتناول الوحدة الموضوعية، والوحدة العضوية، وهاتان الوحدتان مدار كثير من الدراسات النقدية القديمة والحديثة، وقد تجاوزت بعض الدراسات المعاصرة هذين البعدين إلى أبعاد أخرى نفسية وشعورية ومنطقية.

    أ - الوحدة الموضوعية: وهي أن يعالج النص موضوعاً واحدا.
    ولم تكن هذه الوحدة مطلباً مهماً في الشعر القديم، بل كانوا يرون في تعدد الموضوعات براعة وتمكنا، أما في العصر الحديث وزمن المعاصرة الحالي فقد عاب النقاد على الشاعر الجمع بين الموضوعات في القصيدة الواحدة، حتى لو أجاد الانتقال من موضوع إلى آخر، ورأوا أن النص وحدة موضوعية مستقلة يجب أن يعالج الشاعر فيها موضوعاً واحداً محددا.

    ب - الوحدة العضوية: وتعني تلاحم أجزاء النص تلاحماً أسلوبيّاً ومعنويا، بحيث يصبح من المخل بالنص تغيير مواقع أجزائه، أو الاستغناء عنها في سياق متكامل، ومن مستلزمات ذلك ترتيب الصور والأفكار ترتيباً يتقدم به النص شيئاً فشيئاً حتى النهاية.
    وأول من نظر لهذه الوحدة نقاد مدرسة الديوان متأثرين ببناء الشعر الملحمي والقصصي في الآداب الأجنبية، والوحدة العضوية وإن كانت مطلباً فنيّاً جيداً إلا أنها من المطالب الثانوية التي لا تكاد تضر بالقصيدة الغنائية حضوراً أو غيابا، ولذلك أول نقاد آخرون هذه الوحدة تأويلات نفسية وشعورية ومنطقية تعني انسجام أجزاء القصيدة فحسب.


    5- التعالق النصي (التناصّ) :

    وهو مصطلح نقدي حديث يشير إلى وجود علاقة ما تربط بين نص وآخر، سواء أكانت هذه العلاقة جزئية أم كلية.. باطنة أم ظاهرة، ويَدخل فيه بعض أنواع السرقات الأدبية، ويتسع ليشمل كل أنواع التأثر سواء أكان تأثراً بوعي أم بغير وعي، وقد أدخل بعض النقاد المعاصرين المعارضات، والمناقضات، والاقتباس، والتضمين.. ضمن وجوه ذلك التعالق.


    6- الخاتمة:

    إذا كان المطلع مفتاح النص فمن اللازم أن تكون الخاتمة قفلاً عليه، وأهم متطلبات هذه الفرضية أن تتساوى عناية الشاعر بهما، وألا يُفاوِت في أدائه لهما.
    وقد أجمل المتقدمون القول في الخاتمة، ولم يرسموا للقصيدة نهايات محددة، إنما رأوا في كل نهاية جيدة براعة خاصة، ومن إجمالاتهم تلك أن المقطع (الخاتمة) عمدة في النص، وغاية في كماله، واشترطوا فيه أوصافاً عامة؛ كأن يكون محكماً لا تمكن الزيادة عليه، ولا يأتي بعده أحسن منه.
    من هذا المنطلق يتضح أن الخواتيم -على تنوعها- لا تجمع بينها إلا الدلالة على نهاية، فتعددت فيها الأساليب، وجاء كل أسلوب حاملاً سماته الخاصة.

    ومن أبرز أساليب الاختتام ما يلي:

    أ - الخاتمة الآلية: وهي خاتمة توظف ألفاظاً وتراكيب متداولة في سائر الكلام لإشعار المتلقي -المعني وغير المعني- بالنهاية، مثل:

    فَلْتَبْقَ يا وَطَني لِلْحُبِّ سُنْبُلَةً *** على ثَرَاها غَرَسْنا أَجْمَلَ الصُّوَرِ

    ب - الخاتمة الخلاصة: وهي خاتمة توجز الرؤية الرئيسة، ومن ثم تُقْفِل عليها النص، مثل:

    هَذي الحَيَاةُ صَلاحُها بِالأُمِّ أَوْ         فَعَلَيْكُمُ يَا قَوْمُ أَلْفُ سَلامِ

    ج - الخاتمة الحكمة: ومن خلالها يغلق الشاعر نصه على رؤية تأملية أو تساؤلية يراها جوهرَ النص، مثل:

    لا حَاضِرٌ يَقْوَى بِغَيْرِ جُذُوْرِهِ *** أَيُشَادُ مِنْ غَيْرِ الأَسَاسِ بِنَاءُ؟

    د - الخاتمة المفتوحة: وهي خاتمة لا تظهر معها ملامح واضحة للنهاية، وقد يظن المتلقي أن للنص بقية، وربما يعمد بعض الشعراء إلى هذا الأسلوب لعجزهم عن إيجاد قفل مناسب، وقد يركنون إليه لوازع شعوري يريدون من خلاله الإيحاء باستمرار النص في وعي المتلقي، مثل:

    مَجْرُوْحَةٌ أَحْيَا بِهَمٍّ دَائمٍ *** لِـي خَافِقٌ أَجْبَرْتُهُ أَنْ يَكْتُما
     

    ثالثا - اللغة: (المستوى التركيبي، المستوى الدلالي، المستوى الصوتي).

    1- المستوى التركيبي:

    وأبرز ما يُدرس في هذا المستوى:
    أ - النظام النحوي والصرفي: ويتناول سلامة اللغة نحواً وصرفا، ويدرس أيضاً تجريب الإمكانات اللغوية المتاحة الخارجة عن القواعد المقرَّرَة.
    ب - النظام الأسلوبي: ويتناول أساليب النظم الشعري، نحو: أحوال الفصل والوصل، ومظاهر التقديم والتأخير، وما يتصل بالحذف والتكرار، والإطناب والاختزال، ومستويات التقليد والإبداع والابتكار في البنى الشكلية للتركيب.


    2- المستوى الدلالي:

    في الدراسات النقدية الحديثة تحظى الدلالة اللغوية بنصيب وافر من العناية والاهتمام، ولم تعد الدلالة مقتصرة على مُخْرَجات المعاجم اللغوية، فقد تخطتها إلى ما وراء ذلك، حتى صار من شبه المقرَّر أن أعظم ما في القصيدة من جمال ومعنى وفاعلية لا يقيم إلا في دلالاتها اللغوية.
    أ - الدلالة القريبة: وهي التي تفصح عنها المعاجم اللغوية بدون جهد تأويلي يُذكر، ويعيه المتلقي العادي، مثل:

    قَدْ خَلَّفُوا القُدْسَ فَوْقَ الوَحْلِ عَارِيَةً *** تُبِيْحُ عِزَّةَ نَهْدَيْها لِمَنْ رَغِبا

    فالعري وما تبعه من توصيف لا يصح إلا لامرأة ممتهنة كما تقرر المعاجم، ولكن المتلقي العادي سيسقط هذه الحالة على القدس، وسيربط بيسر بين وضعها المضيَّع ووضع المرأة المضيَّعة.

    ب - الدلالة العميقة: وهي التي ترتكز على الترميز، ويعيه غالباً المتلقي المتوسط، مثل:

    يَا مَنْ تَحَدَّيْتُ في حُبِّي لَهُ مُدُناً *** بِحَالِها، وَسَأَمْضِي في تَحَدِّيْها

    فالمدن هي الأماكن التي تضم دوراً ونشاطاً تجاريّاً وسياسيّا، هذا ما تلمح إليه المعاجم، ولكن الشاعر يلمح على لسان محبوبته أنها تحدت لأجله أعراف المدن المتفتحة، وما اكتفت فقط بتحدي أعراف القرية ذات العادات المتشددة.

    ج - الدلالة الغامضة: وهي التي يتركها الشاعر مفتوحة قابلة لأكثر من تأويل، ولا يكاد يقترب منها إلا المتلقي المميِّز، مثل:

    رَحَلْتِ وَالحُزْنُ في عَيْنَيَّ خَارِطَةٌ *** لَـمَحْتُ فِيْها خُطُوْطَ الوَهْمِ خَطَّيْنِ

    الخارطة، والخطوط، والوهم.. مفردات معروفة بمعجم وبدونه، ولكن كشف دلالاتها يحتاج إلى تسويغ معقول يتناسب مع فكرة البيت ومضمون النص، والدلالة العامة للبيت هي أن الشاعر حين رحلت من يعنيها غشاه الحزن، فأبصر العالم (الأرض) من خلال خريطة تتقاطع فيها الخطوط الوهمية للطول والعرض المعروفة جغرافيّا، ولكنه لم ير من هذه الخطوط غير خطين صنعتهما دموع عينيه، ولذا فهو بعد رحيلها يرى العالم بكل ما فيه وهماً في وهم، وأن الذي يؤطر حدود العالم خَطَّان حقيقيان من دموعه.
    ويجدر التنويه إلى أن بعض هذه الدلالات الغامضة ينشئها الشاعر اعتباطاً وعبثا؛ رغبة في التمويه على المتلقين بأن لديه ما يصعب كشفه.


    3- المستوى الصوتي:

    وأبرز ما يُتناول فيه ما يلي:
    أ - بعض المحسنات البديعية، وأبرزها صوتيّا: فن التجنيس، والترصيع، والتقسيم، ورد العجز على الصدر.
    ب - توالي حروف اللين بشكل ملحوظ، وهي: (الألف والواو والياء) في وضع السكون.
    ج - حضور بعض الحروف بشكل ملحوظ، وبخاصة حروف الصفير أو حروف الهمس.
    د - التكرار؛ كتكرار بعض المفردات، وتكرار بعض الجمل.


    رابعا - الصورة:
     (الصورة المفردة، الصورة المركبة).

    1- الصورة المفردة:

    وهي تلك التي تكتسب مقوماتها البيانية بشكل منفرد، كالصور التشبيهية، والصور الاستعارية، ويتسم هذا النوع من الصور بوضوح أجزائه، واعتدال دلالته، ووفرة نماذجه في النص الواحد.


    2- الصورة المركبة:

    وهي تلك التي تتوالد في مقطع شعري من خلال مشهد جزئي متكامل، وتتضافر في بنيتها وسائل بيانية مكثَّفة من تشبيهات واستعارات، وتمتاز معظم هذه الصور بتواليها الحركي المتتابع، حتى لَيُخيَّلُ للمتلقي أنه يتابع مشهداً مرئيّاً قصيرا، فيتحفز لمتابعة أجزاءه من بدايته، حتى يصل إلى آخره، كقصيدة "عبث النهايات" (من قصائدي):

    هُنَالِكَ حَيْثُ انْتَـزَعْنَا اليَدَيْنْ *** وَفَاضَتْ لَنَا بِالنِّهَايَاتِ عَيْنْ
    وَقَفْنَا نُصَعِّدُ أَنْفَاسَنَا *** وُكُنَّا نُـحَدِّقُ في المُقْلَتَيْنْ
    كِـلانَا يُقَلِّبُ صَفْحَاتِهِ *** وَمَا إنْ وَجَدْنَا سِوَى صَفْحَتَيْنْ
    وَشَيْئاً فَشَيْئاً تَغِيْمُ الرُّؤَى *** وَيَلْفِظُنَا الصَّمْتُ في مَسْلَكَيْنْ
    وَتُبْعِدُ عَنْ مَوْضِعِي خُطْوَةً *** وَأُبْعِدُ عَنْها أَنَا خُطْوَتَيْنْ
    وَمَا سَأَلَتْنِـيَ عَنْ وُجْهَتِـي *** وَلا أَنَا -إذْ أَبْعَدَتْ- قُلْتُ: أَيْنْ؟
    وَلَكِنَّنَا حِيْنَ ضَاقَ المَدَى *** رَجَعْنَا إلى بَعْضِنَا مُسْرِعَيْنْ


    خامسا - الإيقاع: (الوزن، القافية).


    1- الوزن:

    ويتناول تحديد وزن القصيدة، ومدى التزام الشاعر بضوابط البحر، وبعض النقاد والدارسين يولون مضمون النص ونوعية البحر جانباً نفسيّاً وشعوريّا؛ فيحاولون اعتساف روابط بين المضمون والبحر، وذلك كله لا يصح، وأول من سيقع في تناقضاته هم أنفسهم؛ إذ سيجدون نصوصاً مختلفة المضامين وربما متناقضة على بحر واحد، ولأجل ذلك فإن الأجدى من هذا كله تحديد بحور مستعملة بكثرة، وأخرى قليلة الاستعمال.


    2- القافية:

    وتتناول تحديد قافية القصيدة وحروفها وحركاتها، ومدى التزام الشاعر بضوابطها المقررة، وما قيل عن الأوزان واعتساف الملاءمة بينها وبين المضامين يقال أيضاً في القوافي.

    انتهى..

    فواز بن عبدالعزيز اللعبون -    @fawaz_dr
     


    ---------------------------------

    * هذه الأوراق مأخوذة بتصرف من محاضرة لي ألقيتها في نادي الرياض الأدبي في 17/12/1432هـ، ومن مجموعة محاضرات جامعية كنت أقدمها لطلابي في كلية اللغة العربية.


     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    بحوث علمية
  • بحوث في التوحيد
  • بحوث فقهية
  • بحوث حديثية
  • بحوث في التفسير
  • بحوث في اللغة
  • بحوث متفرقة
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية