بسم الله الرحمن الرحيم

إرهاب الإرهاب !


الحمد لله رب العالمين ؛ وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ؛ وبعد :
فتعليقاً على ما حدث في الرياض _ حرسها الله _ من تفجيراتٍ رأيت كتابة هذه المقالة تعبيراً عن رأي ونفثاً لما في الصدر ولا بد للمصدور أن ينفثا كما قال شاعرٌ عربيٌ قديم.
وبدايةً لا بد من الاتفاق على مقدماتٍ ننطلق بعدها إلى صلب الموضوع:
المقدمة الأولى : أن هذه الأعمال مرفوضةٌ شرعاً وعقلاً وعرفاً.
المقدمة الثانية : أن الأمن مطلبٌ ملح تتفق الفطر السوية على ضرورته وضرورة الحفاظ عليه؛ إذ لا عيش بلا أمن !
المقدمة الثالثة : أن علاج المشكلات يكون بقطع أسبابها الحقيقية؛ والانشغال بالمظاهر دون الحقائق مضيعة للوقت والجهد.
المقدمة الرابعة : أن الإرهاب - الذي لم يعرف دولياً بعد- عام في جميع بلدان العالم؛ وقد استقر لدى العقلاء بعد تجارب مريرة أن النار لا تطفئ بنارٍ مثلها.

وبعد المقدمات نستعرض بعض الطرق الخاطئة في عرض هذه المشكلة بعد حدوثها؛ فمنها:
1- ربط هذه الأعمال بالتدين والصلاح رغبة في استئصال جرثومة الدين من النفوس.
2- تجريم جميع الصالحين؛ وتقسيم المجتمع إلى متدينين غلاة ومدنيين معتدلين ! .
3- ازدراء بعض السنن كإعفاء اللحية وتقصير الثياب؛ بل حرصت صحيفة _ إمعاناً في الكيد _ على التنبيه أن صاحب إحدى الصور قد حلق لحييه قبل التفجير؛ إذ من غير المنطقي أن يكون المفجر بلا لحية عند تلك الصحيفة المؤدلجة ! .
4- الهجوم الضاري العنيف على المناهج ونسبة الإجرام إليها؛ وهذا أمر لا ينقضي منه العجب ! فالمناهج في بعض البلدان التي تعاني من الاغتيالات والتفجيرات شبه خالية أو خالية تماماً من الدروس الشرعية ومع ذلك فالعنف فيها تغلي مراجله؛ والمشتكى لله وحده.
5- تحميل بعض الجهات الدينية كالحسبة والحلق والجمعيات الخيرية وزر هذه الأعمال، واتهامها بتفريخ الإرهاب؛ وقد رد هذه الفرية غير مرة الأمير نايف نضر الله وجهه؛ وهو على قمة الهرم الأمني والإعلامي ومع ذلك لا زال الجهلانيون في غيهم سادرون ! كأنما قد أمنوا العقوبة فتخلوا عن الأدب مع الله ثم مع رجل الأمن الأول !
6- ومن المضحك المبكي إلماح الشهوانيين إلى مواجهة الإرهاب بإفساد المرأة؛ وقد أُفسدت المرأة في بلدان شتى فكان فسادها سبباً في كثير من الجرائم وعاملاً من عوامل الانحراف الذي يغذي الإرهاب.
7- ومن التعامل الخاطئ مع هذه الحادثة استكتاب العلماء وإظهارهم في الصحف والشاشات بعد تغييب طويل ومنع مستمر؛ فهذه الوسائل لا تعرف العلماء وفتاواهم إلا إذا كانت تحقق ما يريدون من باب " كلمة حق يراد بها باطل " .
8- تجريم الجهاد وتحريمه واعتباره متلازماً مع التكفير؛ وهذا خطأ منهجي بين فقد يكون الإنسان تكفيرياً دون جهاد؛ وكثير من المجاهدين الأبطال لا يكفرون الناس أبداً؛ ولو كانوا تكفيريين لما تجشموا المشاق لقتال أعداء الله المعتدين.

ولعلاج هذه الظواهر اقترح ما يلي:
1- إعطاء العلماء مكانتهم الحقيقية؛ ورفع الحظر عنهم بحيث يتحدثون بصراحة ويناقشون القضايا ويصدرون الفتاوى بحرية ويفتحون أبوابهم للحديث مع الشباب بحرية تامة وصدر رحب دون قيود تفرض أو توجيهات يلزمون بها . ومن هذا الباب تغيير بعض الأنظمة في هيئة كبار العلماء وإضافة أسماء كبيرة لها لتستعيد عافيتها ومكانتها؛ وكمثال لا حصر: الشيخ عبد الله الجبرين والشيخ عبد الرحمن البراك.
2- تصحيح المناهج الدراسية وتكثيف المقررات الدينية واللغوية وتأخير التخصصات الدقيقة إلى المرحلة الجامعية؛ فتخلف المسلمين روحي ومادي؛ ومن البدهي أن البدء بإصلاح الروح أولى من إصلاح المادة؛ بل صلاح الروح طريق أكيد للنبوغ المادي وتاريخنا الحضاري خير شاهد؛ علماً أني لا أقصد هجر العلوم التطبيقية فهي مهمة لكن توضع في إطارها الصحيح وسياقها المنطقي.
3- دعم حلق تحفيظ القرآن الكريم وتكثيف المحاضرات العامة والدروس العلمية ونشر العلم الشرعي والأخلاق الإسلامية بكل وسيلة متاحة. وتوفير فرص العمل والدراسة للشباب وتهيئة أسباب الزواج لهم؛ والتوسع في افتتاح المراكز الدائمة والصيفية والمكتبات والنوادي.
4- إصلاح الإعلام ومعاقبة الصحف والصحفيين الذين ينتقصون شرع الله ويروجون للرذيلة وينشرون الأكاذيب والاتهامات ويبذرون الفتنة في البلد الآمن ويستثيرون غيرة الصالحين وحماسة المتهورين؛ علماً أن الصحافة قد بالغت وتهوكت في قضايا خطيرة من افتراء على الله ورسوله وتحريف لأحكام الشريعة الغراء وتطاول على الأئمة كأحمد بن أحنبل وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب ولو تجرأ الكاتب قليلاً لقال: ومحمد بن سعود ! وإعادة النظر في توجهات هذه الصحف؛ فهل يُعقل خلو البلاد من صحيفة واحدة تمثل الاتجاه الإسلامي بينما تخدم الصحف المؤدلجة التوجهات اللادينية ؟
5- منع التدخل الأجنبي والأمريكي بخاصة في البلاد والعباد؛ ومعارضة ذلك قولاً وفعلاً؛ والتضييق عليه قدر الإمكان.
6- الإصلاح من منطلق شرعي وبدوافع داخلية على أن يشارك العلماء مشاركة حاسمة في المشاريع الإصلاحية ويستفاد من الخبرات والتجارب بما يتلاءم مع خصوصيتنا.
7- مقاومة دعاوى تغريب المجتمع وتخريب المرأة وقطع مادة الشائعات والأكاذيب حول هذه المسائل.
8- فتح أبواب الحوار الصريح المؤدب؛ وإصلاح الأخطاء دون التركيز على جهات وتضخيم أخطائها والتغافل عن أخرى وإبراز محاسنها فقط.
9- العناية بقطاع الشباب؛ ويا حبذا لو تشكلت في مجلس الشورى ووزارة الشؤون الإسلامية ووزارة العمل ورئاسة الهيئات ووزارة التربية لجان خاصة للعناية بهذه الشريحة العريضة من مجتمعنا.
10- وهو مربط الفرس وقد أخرته ليبقى حاضراً في الذهن وهو الصدق والعزم في تطبيق شرع الله وامتثال حكمه ، فلا يكون شرع الله في بعض الحدود والأحوال الشخصية وبض المعاملات الفردية ؛بل يكون مهيمناً على كل مناشط الدولة والمواطنين .

وأخيراً فهذه اقتراحات ورؤى قابلة للتعديل والنقاش والتطوير؛ وقد كتبتها لتداول الرأي مع القراء كي نصل إلى خطاب موحد نساهم جميعاً في نشره وتفعيله؛ وليس في ما كُتب بعاليه ما يسوغ هذه التفجيرات وأمثالها ولو ببعض كلمة؛ وما الغاية من تسطير هذه الكلمات إلا حباً في بلادي وإرادة للإصلاح ودعماً للأمن الشامل.
حفظ الله بلادنا من كل سوء وشر؛ ووفق ولاتها من العلماء والأمراء لتجاوز هذه الفاجعة بما ينفع الناس في دينهم ودنياهم. ونسأل الله أن يمكن لهم ويمكنهم من اجتثاث الفساد اللاديني ودعاته ومؤسساته وأن يهيئ لهم إصلاح الانحرافات وتصحيح الأفكار الخاطئة حتى تنعم بلادنا بعيش آمن هنيء رغيد وظل وارف دائم وبيئة يؤمر فيها بالمعروف وينهى عن المنكر ويعز فيها الطائع ويهدى العاصي؛ وما ذلك على الله بعزيز؛ والسلام.

أحمد السرحاني
[email protected]

الصفحة الرئيسة