بسم الله الرحمن الرحيم

متلازمة كشاجم !


المواهب فضل من الله وهبة يمتن بها على من يشاء من عباده ؛ وقد تتكاثر في إنسان وتقل عند آخر ، وربما استعملها الأول في الخير والثاني في الشر؛ وأحياناً يعلم الإنسان بموهبته وأحياناً يحتاج لتنبيه ناصح عليها ؛ لكن الشيء المشترك في الناس غالباً هو ظنهم الحسن المفرط في أنفسهم ومواهبهم حتى أدخل البعض نفسه في متاهة قادته للهاوية كما حدث مع الدكتور أجاكس " لويس " عوض كمثال قريب .

وكشاجم هو أبو الفتح بن محمود بن شاهيك من شعراء القرن الرابع المعدودين في شعراء بلاط سيف الدولة ؛ و" كشاجم " لقب له منحوت من أوائل حروف مواهبه لأنه كان كاتباً شاعراً أديباً جميلاً مغنياً ؛ وقد أضاف لها في آخر عمره حرف الطاء تعبيراً عن طبخه أوطبه – على خلاف في الرواية - لكنها لم تشتهر عنه . و أسلوب النحت مشهور  قديم كما في " حنفش " حيث كان حنبلياً فحنفياً ثم شافعياً ؛ وكما في توقيع  للدكتور غازي القصيبي " أبو نفيس " منحوت من أوائل أسماء أولاده : نجاد وفارس ويارا وسهيل أصلحهم الله جميعاً ووالدهم " الكشاجمي "حقاً .

ومتلازمة كشاجم وعقدته تبرز بوضوح عند كثير من الساسة والكتاب وأساتذة الجامعات فيهرفون بما لا يعرفون هروباً من فضيلة " لا أعلم " ؛ وهي منتشرة عند شعوب العالم الثالث الذين يتكلمون في الدين والسياسة والطب دون علم أو تخصص ؛ بل بجهل واضح وتخرص بين لايحتاج إثباته لكبير عناء ، فمن ذا الذي  يحجب الظلام عن العيون المبصرة ؟ .

ولا يعني هذا غياب الموسوعات من عالمنا وتكريس التخصص ؛ فهنا وهناك بكر أبو زيد وعبد الكريم الخضير وسفر الحوالي والطنطاوي ومحمود محمد شاكر ومحمد رواس قلعجي وعبد الكريم بكار ومحمد بن الحسن الددو وغيرهم كثيركثير؛ ولكن المأساة في تكلم الجهلة وتصدر الرويبضة حتى يصدق عليهم قول ابن دقيق العيد رحمه الله :
يقولون هذا عندنا غير جائزٍ !   ***   فمن أنتموا ؟حتى يكون لكم عند ُ !

وصاروا كما قال الناظم :
          صار ينهى عن المعالي سفيه   ***    لا يساوي ثيابه وهو فيها !

ومن المضحكات اتهام الإمام الشافعي من قبل كشاجمي مزيف معاصر بأنه عميل للدولة الأموية ؛ علماً أن الشافعي ولد بعد نهاية الدولة الأموية بثمانية عشر عاماً !وكشاجمية أخرى تعزو التخلف في بلاد المسلمين لحجاب النساء مع أن الحجاب في بلادها منزوع مذ مائة عام دون تقدم ملحوظ بل حالهم فقر وتقهقر وقهر ؛ وعلى ذين المثالين قس ؛ وعلى كل كشاجمي مزيف يصدق قول أهل الصين : " لاتقس عمق الماء بقزم "  .

وتعود عقدة الكشاجمية عند كثير من أصحابها إلى مركب النقص الداخلي فيسعى صاحبه بتغطية نقصه بالبهرج الزائف الذي لا يروج على عقول الأغيلمة بله الرجال ؛ وربما تعود هذه العقدة إلى مكانة صاحبها الاجتماعية أو مقدرته المالية فتعطيه دنياه المقبلة حسنات غيره وتستر عيوبه فتراه الشاعر الكاتب الفارس المفكر الفنان ... إلى ما يريد هو من ألقاب تساق إليه كرهاً وتنضاف إلى اسمه بلا حق  يشهد به أهل الشأن والمعرفة .
اللهم اهد ضال المسلمين ؛ واحفظ بلاد المسلمين وخص بالحفظ بلادنا والعراق وفلسطين وأفغانستان ؛ والسلام .
 

أحمد بن عبد المحسن العساف
الرياض ؛ أمنها الله .
الأربعاء غرة شهر شعبان عام 1425
[email protected]
 

الصفحة الرئيسة