بسم الله الرحمن الرحيم

الخروج من وحل الصفر .!!


الخير الذي يملأ عبقه الآفاق شرقا وغربا يضيء في النفس شمعة تطرد ظلام التشاؤم ، إلا أن ذلك لا يعني مطلق الخيرية ولا تشتت الظلام ؛ لأن ذلك الخير يعتريه من الضعف ما يكاد ينسينا ضوءه .

كثيرة هي الأسباب التي تعلق عليها نكبات الأمة ومن أهمها تلك السلبية المقيتة التي يعيشها أفراد هم من جملة ذلك الخير المعدود !! فإذا ما نظرنا إلى الدور الذي رضوه لأنفسهم ولم ترضه الأمة لهم وجدناه دورا باهتا لا يتجاوز التباكي على سوء حال الأمة-إن كان ثمة دموع- وإسقاط المسؤولية ذات اليمين وذات الشمال ، فهم خارجون عن إطار المسؤولية متدثرون ببُرد الملائكة الذين لا يفترون !! جسومهم أتخمت من أعراض العاملين الباذلين وهم على أرائكهم يأكلون ويشربون كما تأكل الأنعام ، ولعلي أصيب كبد الحقيقة إن قلت إنهم من أعظم رزايا هذه الأمة ومصائبها حيث لم يقدموا لهذه الأمة إلا نواحا.. وهل يجدي النواح ؟! إن هذا النوع من أفراد هذه الأمة بعجزهم عن العمل لهذا الدين وإلقاء التبعات على الآخرين يحرقون بذلك المئات من الصفحات المشرقة لسلف هذه الأمة والتي أضاءت بتضحيات وإنجازات علمية مازال العالم كله يتفيؤ ظلالها ، ولو تأملنا في تلك المنجزات لوجدناها قامت على أفراد اعتزلوا الراحة وعاشوا هما أطار النوم عن أعينهم وسعوا لهدف نسوا لأجله لذائذهم ،وليس المقام مقام حصر حتى آتي بغرائبهم التي أشبه ما تكون بالأساطير وإنما مقام تذكير بأن أولئك بشر مثلنا ولهم من الحواس مثلنا ، بل وتعتريهم النزوات والشهوات التي طالما غرقنا في وحلها ولكن الفرق بيننا وبينهم أن لهم همة لا ترضى بالدون وقلوبا تأبى الخنوع والهوان يرفضون العيش على هامش الحياة وفي ساقة الأمم فإذا ما فترت نفس أحدهم عن طاعة أو تخلفت عن خير عاقبها بل أدبها وزكاها بتكرار تلك الطاعة وأضعاف أضعاف ذلك الخير فجعل من نفسه وقفا لله تعالى إن تأخرت خطوة تقدمت خطوات بإيجابية سابحة في سماء العز والمجد والسؤدد.

إن المشكلة عند الكثيرين أن اهتماهم وأساهم على واقع المسلمين لا يعدو حديث مجالس وفقاعات تتطاير من أفواههم ، وليت أنهم ادخروا تلك الأرتال من الكلمات والمئات من الساعات وفكروا وعملوا ما فيه المصلحة لهذا الدين، ولكن هذا يستحيل مادام أن المشاعر باردة لا تتحرك والعقول جامدة لا تعطي ولا تبدع ، إن من يمسي ويصبح وهمه حال المسلمين لا شك أنه سيعمل جاهدا في سبيل التغيير من ذلك الواقع المر ، بل سيكيف أفراحه وأتراحه على واقع المسلمين كما ذكر عن أحد العلماء أن أمه تسأله إذا رأت عليه كآبة : هل أصيب أحد من المسلمين بمصيبة ، وهل قتل منهم أحد .. وإذا رأت البشاشة تعلو محياه سألته : هل انتصر المسلمون في ثغر أو حصل لأحد من المسلمين ما يفرح مما يعني أنه كيَّف أحزانه وأفراحه على حال المسلمين ، ليس ذلك فقط بل عرف من حوله أن مشاعره مرتبطة بما يصيب المسلمين ، وهذا النوع من الشعور هو الذي يثمر عملا تحتاجه الأمة وتعول عليه .

إن الإنسان قد لا يفلح في أن يكون عالم ذرة أو مبدعا تلاحقه (كاميرات) المصورين ولكنه يملك داخل نفسه طاقات لا حدود لها تحتاج إلى ثقة في النفس وإيمانا عميقا بأهمية العمل للدين وجدواه أيا كان واستعانة بالآخرين بعد الله عز وجل في تفعيل ما يعود على الأمة بالخير وأملا مضيئا يقضي على شعور اليأس من الواقع والذي يتولد عنه التقاعس المقعد عن أي عمل مثمر ؛ فمتى حصل ذلك فإنه يعني أننا خطونا بل قفزنا قفزات طويلة في تحقيق ذواتنا والتي فقدناها يوم أن رضينا لها دور ( النائحة المستأجرة)!! .

الشباب الذين يدخلون في تعداد هذه الأمة كثيرون جدا ، فإذا علمت أيها القارئ الكريم أن مرحلة الشباب تمثل أكثر من 50% في العالم العربي فقط فضلا عن بقية دول العالم الإسلامي فسوف تدرك حجم التقصير والسلبية التي تغتال وببطئ هذه الطاقات المكدسة والتي ليست سوى أرقام دخلت في تعداد الأمة وكانت عبئا عليها ثم احتضنها التراب فلا أثر ولا خبر يذكر !! وها هو الرسول صلى الله عليه وسلم يبين في الحديث الصحيح حتمية أن نعمل وأن نزرع حتى ولو أيقنا أن الرحيل سيكون قبل مواسم الحصاد ورؤية الثمار حيث يقول : ( إنْ قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر ) مؤكدا على أنّ العمل نفسه مقصود في نظر الإسلام ، " ولا ريب أن نتيجة العمل مطلوبة ، ولكنها ليست شرطاً في قيام العمل نفسه، وإلا لكفّ الناس عن العمل بمجرد تحقيق النتائج، على أن ذلك لا يعني أبداً عدم الاهتمام بالنتائج، فلا بد من دراسة النتائج ومراجعتها والوقوف على أسباب تحققها أو تخلّفها، واستخلاص العِبَر المستفادة منها، ومن ثم تقويم العمل نفسه على ضوئها، ويبقى المعيار الأمثل لنجاح أي عمل في نظر هذا الدين هو أن يُرضي الله ـ عز وجل ـ، وبهذا المعنى لا يُخفِق عَمَلُ عـاملٍ مسلم ما دام يجمع بين فضيلتي الإخلاص من جهة والصواب (بموافقة الشرع) من جهة أخرى".جعلني الله وإياكم من العاملين لهذا الدين ... آمين .

سعد بن عبدالرحمن بن سعد النفيسة
[email protected]

الصفحة الرئيسة