صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    التنويريون في السعودية بين الوهم والحقيقة

    ناصر بن سعيد السيف
    @Nabukhallad


    بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم


    التنوير مصطلح يطلق في الفكر الغربي على مجموعة من الكتابات التي ظهرت في أواسط القرن الثامن عشر الميلادي على أيدي الفلاسفة والمفكرين من فرنسا وانتشر الفكر تدريجياً بعد ذلك في أوروبا واختلفت قوة وجوده في كل دولة بحسب المؤثرات والواقع.

    ونستطيع أن نجمع منطلقات التنوير الغربي تحت منطلق العقلانية وإخضاع كل الموجودات والغيبيات تحت نطاق العقل البشري في القبول والرفض , وقد تبين هذا كله في كلام الفيلسوف كانط عن التنوير في حواره مع إحدى الصحف الألمانية بقوله : (التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي يرجع الذنب فيه إليه ، وهذا القصور هو عدم المقدرة على استخدام العقل إلا بتوجيه من إنسان آخر ، والذنب في هذا القصور يرجع إلى صاحبه ، إذ لم يكن سببه هو نقص في العقل ، بل كان نقصاً فيما ينبغي من عزم وشجاعة لاستخدام العقل دونما توجيه من إنسان آخر. لتكن لديك الشجاعة لتستخدم عقلك هذا هو شعار التنوير ، وإن الكسل والجبن هما السببان اللذان يرجع إليهما رضاء نسبة كبيرة من الناس بالقصور طوال حياتهم بعد أن خلصتهم الطبيعة من توجيه الآخرين. وهما كذلك السببان اللذان يرجع إليهما سهولة استئثار الآخرين بالوصاية عليهم ، وإن في القصور لراحة ، فهناك الكتاب الذي له في نظري العقل والكاهن الذي له في نظري الضمير والذي يقرر لي ما أتناوله ، وهكذا فليست بي حاجة لأن أجهد نفسي ، لست بحاجة إلى التفكير ما دام يمكنني الدفع ، وهناك من يقومون من أجلي بهذه المهمة الثقيلة .. وليس هناك شيء يتطلبه التنوير قدر ما يتطلب حرية الاستخدام العلني للعقل في كل الأمور).

    وإذا أردنا أن نحدد الأسباب التي دعت إلى خروج هذا الفكر في الغرب نجدها كثيرة ومتقاربة في أكثرها ولعل جامعها أنها ردود أفعال من الحكومات المستبدة والكنائس القامعة - لكل من يخالفها – باسم الدين – المحرف - التي واجهت بقوة الفكر المعتمد على العقل والمتحرر من كل القيود على مستوى الأفراد والمجتمعات والحكومات.

    وأظهر الفكر التنويري عداءه الواضح على كل من يخالفه وخاصة على الدين – المسيحي المحرف – وأصبح كل من دعا إلى التنوير في زمن الحكومات المستبدة والكنائس القامعة في أوروبا يتشرب أيدلوجيات الفلاسفة والمفكرين عبر كل وسائلهم وقنواتهم المتنوعة المتاحة التي ساهمت في إيصال مبتغاهم وتحقيق أهدافهم بصورة كبيرة.

    ومن المعلوم أن من طرق انتقال الأفكار المستوردة من أوروبا إلى العالم الإسلامي جاءت عبر احتكاك الأوربيين بالمسلمين من خلال البعثات الطلابية إلى المدن الكبرى في العالم العربي , وأهمها جاء من خلال الحملة الفرنسية على مصر في عام (1798م) من جهة الخصوص , ومن جهة العموم الاستعمار الذي لم تسلم منه غالب البلاد العربية بعد سقوط الدولة العثمانية , وبعد خروجهم تركوا حلفاءهم يقومون بعملهم وينشرون أفكارهم , وزاد تركيز الغرب على الخطط الإستراتيجية بعد التحديد الجغرافي لكل دولة وأصبحت كل واحدة منعزلة عن الأخرى وخاصة في المجال السياسي والاقتصادي وتصارعت الأفكار والقيم المستوردة في داخل مجتمعاتها وبمتابعة أسيادهم من خارجها.

    وفي سياق عرض انتقال الأفكار المستورة من أوروبا إلى العالم الإسلامي استوقفتني كلمات في غاية الدقة من الدكتور مسفر بن علي القحطاني في مقاله : (التنويريون السعوديون .. قراءة هادئة وسط الضجيج) حيث قال : (امتد الأثر الفكري للثورة الفرنسية مع امتدادها العسكري وكذلك من خلال الاتصال الغربي بالمشرق الإسلامي وقد أوجد هذا الاتصال الثقافي ذو النزعة الطوباوية إلى تأثر بعض المثقفين المسلمين بمبادئ التنوير الفلسفي والعقلاني كالطهطاوي والأفغاني وخير الدين التونسي والكواكبي وغيرهم , وانتشرت مؤلفاتهم وأفكارهم الإصلاحية في عموم البلاد الإسلامية حتى جاء الجيل الأكثر وعياً بالفكر التنويري الغربي كزكي نجيب محمود و العشماوي وحسن حنفي وجمال البنا والجابري وأركون .. فحاولوا تأطير الفكر والمزاوجة بينه وبين الفلسفة الإسلامية بنفض الغبار عن فكر ابن رشد وابن سيناء والفارابي وعموم الفكر الاعتزالي والباطني مما ولَّد أجنة مشوهة بقيت حبيسة أسوار " المدينة الفاضلة " ولا أدري عن مدى صمودها لتغيرات العصر وتحدياته القادمة إذا تجسدت في أرض الواقع !! ).

    وهناك قواسم مشتركة بين فكر التنوير الغربي وفكر التنوير الإسلامي إذ تكمن في تشابه الأسماء والمصطلحات وتختلف في بعض المفاهيم والمنطلقات لأن التنوير الأوروبي جاء بشكل واضح عن طريق ردود الأفعال لقمع سدنة الكنيسة لكل من تجاوز سياستها بسيطرتها على عقول الناس بتحجيم أفكارهم في قوالب أراء قساوستها وتوعدوا كل من خالفهم بالتعذيب تارة وبالقتل تارة أخرى أمام الناس واستمدوا أفعالهم من دينهم – المحرف – واعتبروا مخالفتهم لاتجوز مع رفع الشعارات على أن منطلق فعلهم من الدين الكنسي – المسيحية المحرفة – وهذا المنطلق لايقع في عالمنا الإسلامي لأن الإسلام ليس كالكنيسة والحضارة الإسلامية ليست كالحضارة الغربية والإسلام لايحارب العلم والعقل وهذه هي الحقيقة ولكن مازال بعض دعاة التنوير في العالم الإسلامي يحاولون أن يكونوا على خطى التنوير الغربي بطريقة مباشرة وغير مباشرة.
    واختلف الباحثون والمؤرخون حول تسمية هذا الاتجاه الفكري , فقد أُطلق عليه مصطلحات عدة مثل : (الاتجاه العصراني) أو (الاتجاه العقلاني) أو (التنوير الإسلامي) , ويطلق عليه مؤخراً مصطلح (الإسلاميون الجدد) وقد بيَّن هذا الأمر الدكتور وليد الهويريني في كتابه : (عصر الإسلاميين الجدد).

    واتجاه التنوير العربي في واقعنا المعاصر اتجاه فكري إسلامي – في الجملة – حيث يسعى إلى التوفيق بين نصوص الشرع وبين الحضارة الغربية والفكر الغربي المعاصر , متبنياً منهجاً عقلانياً , ويعلي من مكانة العقل في مقابل النص الشرعي , ويؤول النص إن أمكنه , أو يرده بتعليلات عقلية إن لم يمكنه ذلك , وموقفه من النص الشرعي يكون بتقديم العقل – في الجملة – عند توهم التعارض , ويدعو إلى التجديد والنظر في الأحكام الشرعية حسب مقتضيات العصر الحديث , ولايعتمد على سلف الأمة – رحمهم الله تعالى - في فهم الكتاب والسنة , وأصحاب هذا الاتجاه هم ممن يتبنون المرجعية الإسلامية في الجملة , يقول الشيخ أحمد سالم في هذا السياق : (المحدد الذي على أساسه نفصل بين التنوير الإسلامي وبين مذاهب الفقهاء السائغة , أن رجال هذا التيار قاموا بعملية مواءمة وتوفيق بين مفاهيم التنوير الغربي العلماني وبين نصوص الوحي والشريعة , وأنهم في عملية التوفيق هذه أضاعوا قطعيات من الشريعة وخالفوها ؛ إما بقبول باطل , وإما برد حق , فكانت مخالفة القطعي , بقبول ماهو باطل من المفاهيم الغربية , أو برد ماهو ثابت قطعي من الدين ؛ هي الموجب لتصنيفهم على الصورة السابق ذكرها).

    وإذا أردنا تحديد بداية ظهور الاتجاه التنويري في العالم الإسلامي فيمكن أن يقال منذ قرنين تقريباً , في الفترة التي ظهرت فيها دعوة الشيخ محمد عبده – المؤسس الأول للاتجاه العقلي في العصور المتأخرة – وقد رفعت دعوته شعار التجديد في الدين , ومارست أسلوب تقريب أحكام الإسلام من المدنية الغربية , وخاضت غمار التأويل في كثير من نواحي الدين وهي التي جعلت الاقتداء بالغرب وحضارته الفكرية والمادية منطلقاً في محاولتهم التغيير والنهوض بأوطانهم وشعوبهم , وتجاهلت الإسلام بالكلية ويتضح هذا المنهج في كلام طه حسين حينما قال : (إن سبيل النهضة واضحة بيِّنة مستقيمة , ليس فيها عوج ولا التواء , وهي واحدة فذة ليس لها تعدد , وهي : أن نسير سيرة الأوروبيين , ونسلك طريقهم , لنكون لهم أنداداً ولنكون لهم شركاء في الحضارة , خيرها وشرها , وحلوها ومرها , وما يحب منها وما يكره , وما يحمد منها وما يعاب).

    وتعود جميع أسباب الانزلاق نحو الاتجاه التنويري إلى ضعف التسليم لله – تعالى – ولرسوله – صلى الله عليه وسلم – , ثم الانبهار بالثقافة والحضارة الغربية , وقد وصف الأستاذ سيد قطب – رحمه الله تعالى - ما حصل من انبهار بالثقافة الأجنبية آنذاك مع إعراض المسلمين عن المنهج الرباني , وكيف تتكرر المأساة اليوم , فيقول : (لقد وقع في طور من أطوار التاريخ الإسلامي أن احتكت الحياة الإسلامية الأصلية المنبثقة من التصور الإسلامي الصحيح بألوان الحياة الأخرى التي وجدها الإسلام في البلاد المفتوحة , وفيما وراءها كذلك , ثم بالثقافات السائدة في تلك البلاد , واشتغل الناس في الرقعة الإسلامية , وقد خلت حياتهم من هموم الجهاد واستسلموا لموجات الرخاء , اشتغل الناس بالفلسفة الإغريقية وبالمباحث اللاهوتية التي تجمعت حول المسيحية , والتي ترجمت إلى اللغة العربية , ونشأت عن هذا الاشتغال الذي لا يخلو من طابع الترف العقلي – في عهد العباسيين وفي الأندلس أيضاً – انحرافات واتجاهات غريبة على التصور الإسلامي الأصيل , كذلك وجد بين المفكرين المسلمين مَنْ فُتن بالفلسفة الإغريقية , وبخاصة شروح فلسفة أرسطو , أو المعلم الأول - كما كانوا يسمونه - , وبالمباحث اللاهوتية الميتافيزيقية , وظنوا أن الفكر الإسلامي لا يستكمل مظاهر نضوجه واكتماله أو مظاهر أبهته وعظمته إلا إذا ارتدى هذا الزي , زي التفلسف والفلسفة وكانت له فيه مؤلفات , وكما يفتن منا اليوم ناس بأزياء التفكير الغريبة . فكذلك كانت فتنتهم بتلك الأزياء وقتها).

    ويمكن أن نحدد – بدقة - عوامل ظهور التنوير في العالم الإسلامي كما ذكر ذلك الشيخ عبدالوهاب آل غظيف في كتابه : (التنوير الإسلامي في مشهد السعودي) إلى عاملين مهمين :
    الأول : الانبهار بالحضارة الغربية والاستسلام لضغط مفاهيمهما والنهل من معين الفكر الغربي إما مباشرة وإما عبر وسائط عربية.
    الثاني : قلة المحصول المعرفي من كلام السلف في بيان القرآن والسنة وحقائق الإسلام , وقلة مطالعة كتب أهل العلم في العقائد والفروع , ولاشك أن ذلك يورث التغرب , وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى - : (ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم , لايبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع , ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم ؛ لايبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام , ونظير هذا كثير).

    وتزايد الاتجاه التنويري في العالم العربي تدريجياَ واختلف المنتسبون له في قربهم من الدين الإسلامي وبعدهم منه حتى وصل الأمر ببعضهم إلى وقوعهم في مستنقعات العلمانية والليبرالية بالصراحة تارة وبلبوس الإسلام تارة أخرى بحسب ما تقتضيه الطبيعة الاجتماعية والسياسية , وأوضح الشيخ عبدالوهاب آل غظيف في كتابه : (التنوير الإسلامي في مشهد السعودي) أن مسالك التنوير في العالم الإسلامي تنقسم إلى مسلكين :
    الأول : مسلك صارخ في أن نبذ الدين هو الحل النهضوي , وكان لهذا المسلك انعكاسان : أحدهما سياسي والأخر ثقافي , فالجانب السياسي مثلته أنظمة ديكتاتورية ؛ كنظام أتاتورك وأبو رقيبة وعبدالناصر وأحزاب البعث وغيرهم , والجانب الفكري مثله بعض دعاة التغريب كطه حسين ومحمد أركون وصادق جلال العظم ونصر حامد أبو زيد وسواهم.
    الثاني : الاتجاه الذي يظهر أصحابه التسليم للمرجعية الإسلامية , لكنهم يمارسون تطويع أحكام الشريعة والنصوص ذات الدلالة القطعية بما يتوافق مع الثقافة الغربية المسيطرة , وربما يذيب التمييز الإسلامي الشكلي والضمني عن الأمم الكافرة , ويتجلى ذلك التطويع بصورة أكبر في القضايا السياسية والاجتماعية ؛ كنظم الحكم وغايته وشرائع الحدود والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقضايا المرأة والعلاقة مع الكافر والمبتدع والولاء والبراء ... إلخ , وأورثت عملية التطويع هذه حاجة إلى التخفف من قيود المنهج الشرعي فطالت التحريفات قضايا منهجية أيضاً , وكانت المبررات لهذه التنصلات محشودة تحت لوافت من قبيل الاستنارة ومواكبة العصر والنهوض والتجديد.

    وننتقل إلى بدايات ظهور الاتجاه العقلاني في السعودية - التنوير الإسلامي – الذي بدأ بشكل سريع بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر باستغلال الحدث في الظهور الإعلامي وعرف في خضم الأحداث بانتقاداته للجماعات الإسلامية وتيارات العنف والتطرف ومسبباته برؤية شرعية , وأظهر روح التسامح والتعايش والألفة مع الغرب وألبسها من الشريعة الإسلامية وتزايدت أطروحاته التي تنادي بمراجعة التراث وتجديد الخطاب الديني وإشكالات النهضة والتنمية , وظهور هذا التيار في وقت تسارع الأحداث بيَّن عدم وضوح المنهجية التي يسير عليها المنتمي إليه ومن الطبيعي أن يتمايز بعضهم بعد فترة من الزمن ويختلف تصنيفهم فأصبح التيار على قسمين :
    الأول : بقي على انتمائه الإسلامي مع إصراره على العملية التحديثية للتراث الإسلامي والنقد لرموز السلفية والحركات الإسلامية بشكل عام والمنهج السلفي بشكل خاص , ويمثل هذا التيار على سبيل المثال : محمد الأحمري وسليمان الضحيان وعبدالعزيز القاسم وعبدالعزيز الخضر ونواف القديمي ومحمد العبدالكريم وعبدالله المالكي.
    الثاني : ترك الفكر الإسلامي إلى الفكر الليبرالي وأصبح ناقداً – بجرأة - على للتراث الإسلامي من جهة وللإسلاميين من جهة أخرى حتى وصل الأمر بأكثرهم إلى نقد ثوابت الدين , ويمثل هذا التيار على سبيل المثال : منصور النقيدان ومشاري الذايدي وعبدالله بن بجاد ومحمد المحمود وإبراهيم البليهي ويوسف أبا الخيل ووائل القاسم.

    وأصبح من الواضحات - بحسب الاستقراء والتقسيم السابق - أن الفكر التنويري منطقة بين الإسلام والعلمانية , وحول هذه الحقيقة كان مدخل الشيخ عبدالوهاب آل غظيف في مقاله : (الإسلامي حين يؤسس للعلمانية) بقوله : (كان البعض يقول عن التنوير: إنه جسر بين الإسلامية والعلمانية ، يصف بذلك الحالة التلفيقية بينهما التي هي عماده وقوامه , بيد أن ثمة (صقور) في الحالة التنويرية لم ترتضِ لنفسها أن تكون جسراً ، في ذات الوقت ليست مستعدة للرجوع إلى الحضن الإسلامي الذي ما فتئت تخدشه وتكلبه في تحامل ملفت ، فتَحَدَّد مكانها في أطروحات علمانية كالحة ليس شيء - سوى الورع البارد - يمنع من تصنيفها كذلك!!).

    ومنطلق التيار التنويري في السعودية حدده الأستاذ نواف القديمي بقوله : (تيارنا يقوم على نقد التيار السلفي ، وتفكيك بنيته التقليدية ، ومنظومته في التفكير ، والتعامل لتجاوز التأزمات التي أنتجها في المجتمع ، والتي أسهمت في إعاقة مشروعات النهضة والتطور الحضاري. إذن هو تيار فكري ثقافي أكثر منه سياسي ؛ لذلك فهو- إلى الآن - غيرُ معنيٍّ بشكلٍ مباشر بالإصلاح السياسي بقدر عنايته بالإصلاح الثقافي ، لذا لا توجد له مشكلة مع السلطة السياسية) , وهذا التصريح بيَّن الكثير من منطلقات التيار التنويري في السعودية , ومن المناسب أن يذكر كلام الدكتور وليد الهويريني في هذا السياق عندما بيَّن الأزمة التي يعيشها التيار التنويري والاضطرابات المنهجية التي انطلقت فقال : (التيار التنويري قدم نفسه كتيار هدم للتيار السلفي لا تيار بناء ومشاركة مع الطيف السلفي للإصلاح ... لقد كان من المفترض لتيار أن يرفع راية الإصلاح والتنوير وأن يقدم رؤيته الخاصة دون أن يجعل أحد دعائمه ضرب وتفكيك التيار السلفي والذي يعد المكون الأكبر للبلاد بشهادة صناديق انتخابات البلدية , كما أن هذا يتنافى مع حديث الإخوة التنويريين بأنهم أبناء للحالة الإسلامية).

    ويتفنن التنويريون بسبك العبارات في نقد المنهج السلفي والسلفيين كقول الأستاذ عبدالله بن سلمان العودة : (ظاهرة التنويريين أو الإصلاحيين تكثفت بعد أن اجتمع الهاربون من جحيم التبديع السلفي أو التصنيف الصحوي إلى جزيرة التنوير .. فكانت تلك الجزيرة محل تجمع الصحويين المغادرين والحركيين المستقيلين والسلفيين الذي أحرقوا سفن العودة).

    ويسعى التنويريون بكل وسائلهم إلى تكثير سوادهم بإقناع الكثير من الشباب – خاصة خريجي الجامعات - بغفلة الخطاب الشرعي الذي يمثله العلماء – الرسميين والمستقلين - ورموز الصحوة من المشايخ وطلبة العلم عن قضايا الواقع والسياسة ومشكلات الاقتصاد والحريات الشخصية والشباب وإبطال الاستبداد والنهوض بالأمة ويسعون كذلك لإلصاق التهم جزافاً وتشويه المتدين المحافظ ووصفه بالتشدد والانغلاق وتقديم نموذج عصري للمتدين الحقيقي عبر كتبهم – المدعومة - في المعارض الدولية للكتاب بطباعة مؤسسة الشبكة العربية للأبحاث والنشر , وعبر ملتقاهم - المشبوه – المعروف بملتقى النهضة , وعبر موقع المقال الإلكتروني , وفي هذا السياق يوضح الأستاذ نواف القديمي نوافذ التيار التنويري على المجتمع السعودي بقوله : (يعتمد التيار بشكل مباشر على الإعلام والنشر والحضور في الصحافة والإنترنت والفضائيات , كما أن هناك مشروعاً لإنشاء مجلة تسمى : " التنوير الإسلامي " قد تشكل إضافة لهذا الاتجاه).

    والمتابع يجد أن التنويريين - منذ بداياتهم - وهم مشغولين بنقد المنهج السلفي وتفكيك بنيته الفكرية وإسقاط رموزه ومؤسساته , وزاد على هذا تقديمهم لأطروحات فكرية في قضايا الحريات والديمقراطية والموقف من الآخر متقاربة بشكل كبير من الرؤية العلمانية , والعجيب أنهم نسبوا أكثرها للإسلام وبعضها سلطوا عليها أفهامهم الجديدة وحاولوا أن تكون عليها صبغة شرعية وحاولوا في خضم هذا الانشغال نقد الحركات الإسلامية واتهامها في مقاصدها بتسييس الدين لصالحها ووصفها بالانتهازية وربطها أحيانا بالعمالة لدول أجنبية .

    والملاحظ أن أطروحات التيار التنويري السعودي غير ناضجة وتفتقر للمنهجية الواضحة نتيجة حداثته مما أوقع بعض المنتسبين إليه في صدامات حادة مع المجتمع المحافظ , بالإضافة إلى احتكاك بين أفراد التيار ذاته من الداخل والذي يظهر على السطح - أحياناً -.
    وأصبحت من العلامات الواضحة للتيار التنويري السعودي تأثره بإعادة قراءة كتب التراث بكتابات محمد عابد الجابري وكتابات الإسلاميين الحديثة حول الديمقراطية والتنمية وكذلك كتابات محمد أركون وحامد أبو زيد في تفكيك النص ونقده ورفع القداسة عنه واستنتاج بعض النظريات الفلسفية الغربية الحديثة مما تسبب في عدم توازن بعض منتسبي هذا التيار فاندفع بعضهم إلى ساحات العلمانية وابتعد عن الفكر الإسلامي , ويقترب فكر مجموعة من التيار التنويري السعودي بأفكار شخصيات فكرية معروفة كالدكتور محمد سليم العوا والأستاذ فهمي هويدي.

    ويتبين في هذا السياق تأثر بعض أفراد التيار التنويري السعودي بالمضامين العلمانية ومحاولة طلاء الدعوة بالأدلة الشرعية وذلك في إخضاع الشريعة للتصويت مع الاعتبار برضا الناس عن الدين وقبولهم له وعدم إكراههم كقول الأستاذ عبد الله المالكي : (يكون المجتمع حراً في اختيار الأفكار والرؤى والمعتقدات التي يرى أنها هي الحق ، أو في اختيار المرجعية والمبادئ التي تتأسس عليها قوانينه) , وهذا الكلام وماشابهه نتج عن تشبع بثقافة الغرب وانبهار بحضارتهم مع مايجده من الانهزامية في واقعنا المعاصر , والحقيقة التي لاشك فيها أننا لسنا بحاجة إلى المناداة بالديمقراطية ولا التأصيل لقبولها بل نحن بحاجة ماسة إلى دعوة الناس إلى معنى تطبيق الشريعة الصحيحة.

    وأصبحت هموم التيار التنويري السعودي – مؤخراً - الإصلاح السياسي ودفع الاستبداد وزجر المستبد ونشر الحرية المطلقة – طبعاً وفق الضوابط الشرعية كما يزعمون - مع إهمال الأولويات بتقديم التوحيد ونبذ الشرك , ويتضح هذا الأمر في كلام الدكتور محمد العبدالكريم : (وأعظم العدل هو التوحيد , وأشرف مقامات التوحيد ليس ملاحقة عجوز تتوسل عند قبر , بل تحرير الإنسان من المعبودات البشرية , التي تستلزم الاحتساب في مواجهة كل قيد وسلطة وجبروت وكهنوت على الإنسان , ولو كانت سلطة دينية كما قال تعالى : (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) ولذا فإن الحرية ملازمة للعدل , فإن تحقق العدل تحققت الحرية , وإذا تحققت الحرية بهذا المعنى تحققت الإنسانية في أشرف مقاماتها , وبهذا الإنسان الحر ظهر الإسلام وانتشر) , ومن الواضح لمن له أدنى علم ومعرفة أن الخضوع للقبر أشد شركاً من الخضوع للمستبد عقلاً وشرعاً وهذا يدل على الخلل الواضح في أولويات التيار التنويري السعودي واضطراب منهجه الذي تشرب بعض المفاهيم العلمانية.

    وبقي في التيار التنويري السعودي طلبة علم وأكاديميين ومثقفين يؤمنون بمرجعية النص وقداسته , وإن اختلفوا على الأوليات التي يرى فيها بعضهم مجالاً لتطوير هذا الخطاب ليشمل التيارات كافة , فالتوعية الحقوقية والنهضة والتنمية والسياسة هاجس لدى بعضهم , وتجديد الخطاب الديني أولوية لدى آخرين , كما أن الوعي السياسي والسياسة الشرعية حاضران لدى بعضهم الآخر , ويمكن أن نحدد التباين الفكري بين المحسوبين على التيار التنويري السعودي في أن بعضهم يقترب في أطروحاته من الفكرة العلمانية , وبعضهم الآخر يكاد يكون قريباً من السلفيين ؛ وسبب ذلك أن الفروق بين التنويريين هي فروق ذاتية وليست موضوعية لأنهم يشتركون في القضايا ويختلفون في كيفية التعاطي معها بحسب الخلفيات العلمية والدوافع الشخصية.

    ومن الملاحظ تباين التنويريين في القضايا الشرعية مثل ماحدث من تطاول الكاتب حمزة كاشغري على ثوابت الدين ورأى الجميع التباين الواضح قبل اعتذاره وبعد اعتذاره , حيث بدأت الطرق بالاستعطاف تارة وبلي أعناق النصوص تارة أخرى , وكل هذا في محاولة لانسجام بعض أفكار التيار التنويري ليتماشى مع مبادئ الديمقراطية التي تجيز قيام أحزاب علمانية وإلحادية ويكون لها الحق التام في حرية التعبير عن الأفكار والمعتقدات , ولكن القول الحق الذي لاشك فيه أن الفكر الذي يشجع على الاعتداءات المادية جناية وجريمة في القانون , وأن الفكر الذي يشجع على الكفر بالله – عزوجل - والتكذيب بالدين أشد جرماً في دين الله – تعالى – فالعقوبة عليه متعينة , ومنعه مستمد من حكم الشريعة الإسلامية.

    ويحاول التيار التنويري إقحام نفسه أو بدفع غيره في كثير من القضايا مع ما يعانيه من اضطراب في المنهجية وفقدانه للرموز المؤثرين , ومن هذه المحاولات ما كتبه الإعلامي عبد العزيز قاسم في أحد مقالاته بقوله : (من واقع رصدي للساحة الشرعية ، ألفيت أن ثمة تياراً بدأ بالتشكل في الآونة الأخيرة ، بعدما كان بضعة أفراد في منتصف تسعينيات القرن الفارط ، وأخذت أطروحات هذا التيار ؛ التي تضرب على وتر الأدبيات المدنية ، وحقوق الإنسان ، والحرية ، والديمقراطية ، في أسر كثير من الشباب الذين تربوا في المحاضن الشرعية. وقتما انفلت أولئك الإخوة بطرح خطابهم - هم يزعمون أنه إصلاحي ومن داخل التيار السلفي - جوبهوا بمعارضة شديدة ، ما زالت إلى اليوم ، غير أنهم تعرضوا لانتكاسة شديدة ، بعد عبور أبرز آبائهم التاريخيين إلى العلمانية ، وجهرهم بذلك. بيد أن هذا التيار عاد إليه الوهج من جديد ، بدخول شخصية لها كاريزما وذات ثقل فكري عميق ، وهو الدكتور محمد الأحمري الذي أعاد الاعتبار لهذا التيار التنويري ، عبر أطروحاته المؤصلة ؛ ذات النفس الإسلامي الإصلاحي ؛ بعدما انفضَّ الشباب الإسلامي عنهم ، وهو ما كان ينقص هذا التيار الذي بقي - طوال تاريخه القصير- بدون رمز له كاريزما واسم فكري لامع كالدكتور الأحمري .. كثير من منتسبي هذا التيار ، يطلقون على أنفسهم التنويريون).

    وفي نهاية المطاف تتشكل صورة التنويريين أنهم سيصبحون في الحقيقة مطايا - دون أن يشعروا – للغرب ولأصحاب الأهواء ولمن يرغب في نشر الفساد والشهوات في بلاد الحرمين وسيكونون الجسر الإسلامي لتمرير نزع الحجاب واختلاط المرأة بالرجال ونحوها من وسائل التغريب والانحلال , ولهذا يجد المتابع احتفاء وسائل الإعلام و قنوات الرذيلة بمن يقدم هذه الخدمات وتحديد مساحات كبيرة لهم من أجل بث ما يحقق مآربهم كخلخلة الثوابت الدينية وتمييع المسلمات العقدية وزعزعة العادات والتقاليد , وسينجح في تحقيقها المفسدون عبر بوابة التنوير الإسلامي تحت لواء الضوابط الشرعية وهم يعيشون في الحقيقة تحت غطاء الوهم الذي يزينه شياطين الإنس والجن أن بأيديهم إخراج الإسلام الحقيقي للناس الذي اختفى تحت حطام الاستبداد والتشدد الديني , ويقول الدكتور وليد الهويريني في تشخيص الخطاب التنويري : (.. أن خطابهم الإعلامي وإنتاجهم الفكري يكاد يخلو من التصدي للتيارات الليبرالية والعلمانية , وأصبح (نقد السلفية المعاصرة) وخلخلة الأحكام الشرعية المستقرة – سواء أكانت مجمعاً لديها أو ما كان منها اجتهادياً- هو المظهر البارز الذي تراه حاضراً بصورة مباشرة أو غير مباشرة في خطاب التنوير ... وعندما يرصد المتابع الإنتاج الإعلامي والفكري لهذا التيار – الذي يمكن تقديره بمئات الساعات التلفزيونية وآلاف التغريدات التويترية وعشرات الكتب الفكرية – يلحظ غياباً كاملاً عما يتعرض له المجتمع المسلم من اختراق تغريبي هائل لمنظومته القيمية الإسلامية ..).

    والواجب على العلماء وطلبة العلم وأهل الغيرة والمحتسبين الوقوف أمام هذا التجاوزات بالحكمة والموعظة الحسنة وفتح القنوات للحوار والمجالسة من أجل النقاش ومعالجة الأخطاء والمخالفات من أجل تحقيق الوئام والاتفاق على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة الصالح ؛ ليتحقق توحيد الصفوف والمشاركة في نصرة الدين وأهله في كل مكان وزمان.

    وأختم المقال بكلمات رائعة سطَّرها الشيخ ماجد البلوشي بقوله : (.. التنوير المزعوم باب شر عظيم للخروج عن الشريعة وتوقيرها وامتثال أمر الله وتعظيم نهيه ، والذي يصدّق دعواي هذه ويكون برهاناً عليها هو سبر أحوال القوم فإنه لم يكدْ يسلم أحد منهم من الانحراف النوعي الخطير في قضايا شرعيّة كليٍّّة ، وأما بقاء نفر يسير جداً منهم دون الوصول للانحراف النهائي أو مراوحته في مرحلة التذبذب والتيه والشتات فهذا هو الشذوذ الذي يُثبتُ القاعدة .. أين مكانة العبادات الفرديّة وعمارة بيوت الله – تعالى - بالصلاة والعبادة وإصلاح الباطن والانكباب على تلاوة الوحي وتهذيب النفس بالإيمان والتنسك الصادق وحُسن السمت وعمارة الظاهر بالسنة وإدمان النظر في كتب السنة وإصلاح السرائر وإغاثة الفقراء والمساكين والمساهمة في نشر الدعوة إلى الله والانتصار لدين الله – تعالى - والدفاع عن الإسلام وكسر شوكة المناوئين للمسلمين والاهتمام بعموم المسلمين وقضاياهم وتعظيم العلماء الربانيين والاهتمام بالعفاف والسمو الأخلاقي ونشر العلم النافع والعمل الصالح ؟ أين مكانة كل هذه المآثر الشرعية الحميدة من أنفسهم وتقريراتهم وكتاباتهم ؟ ولهذا تجد أحدهم يفني ساعات ليله ونهاره في نقد التوجه السلفي ولا تجد له كلمة واحدة في الانتصار لدين الله – تعالى - أو القيام بحق المسلمين المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربه).

    أبوخلاد ناصر بن سعيد السيف
    17 جمادى الأخرة 1434 هـ
    https://twitter.com/Nabukhallad


     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    مقالات الفوائد

  • المقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية