صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    النهضويون الجدد

    أحمد بن عمير العمير


    بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم


    مع إنطلاق الثورات العربية، بدأت دول الخليج العربي تشعر بقلق من انتقال عدوى الثورات لمجتمعاتها وشعوبها، لا لتخوف من استعداد حقيقي لدى الشعوب الخليجية نحو الثورة ولكن لتخوف من تطورات متلاحقة غير مقصودة تخرج عن السيطرة.ومع تباين في درجات التخوف بين دولة خليجية وأخرى بحسب أوضاعها السابقة والراهنة، عمدت هذه الدول لخطوات تحاول بها امتصاص التحفز نحو التغيير الذي أفرزته هذه الثورات ونتائجها الضخمة.

    وبعد مرور أكثر من عام على "ربيع الثورات"أخذت هذه الدول تتنفس الصعداء ظنا منها أنها تجاوزت الخطر، ولم يدر بخلدها أن الخطر آخذ في التزايد ويأتي من داخلها لا من خارجها.

    إذا تذكرنا أن هدف الثورات البعيد هو التغيير، وأن صور التغيير هذه متعددة وليس شرطا أن تكون بسقوط الأنظمة كما هو السمة الغالبة للثورات العربية، وأن الثورات قد تأخذ منحى التغيير البنيوي الضخم في هوية وشرعية وتركيبة الدول دون الحاجة لثورات صاخبة، فمن الممكن جدا أن يفضي الحراك والصراع الفكري والثقافي داخل المجتمعات الخليجية في إطار مغالبتها للاستبداد والظلم والاستئثار بالسلطة والثروة وهدر الحقوق وإخفاقات التنمية، إلى حالة من التغيير ما فتئت الأسر الحاكمة في الخليج تحاول تعطيلها أو تأجيلها وتوجيهها للحفاظ على الامتيازات.

    وفرص تحقق هذه الحالة من التغيير ليست بغائبة عن النخب الفاعلة في منطقة الخليج، بل الحكومات نفسها أصبحت أقرب لتهيئة نفسها لهذه الحالة الجديدة ولكن بالوتيرة البطيئة المعتادة لهذه الدول.ولكن يبدو أن بعض النخب الفكرية الخليجية ليست مستعدة بعد اليوم لانتظار هذا التردد الخليجي ولا قبول قيوده المعتاده.

    وبهذا الاعتبار تبقى المغالبة السياسية حقا مشروعا لكل مكونات المجتمع، ولا غضاضة أن تتجه نحوه أي حركة أو مجموعة خليجية وهو شأنها الذي تتحمل تبعاته الكاملة بينها وبين حكومات المنطقة، ولكن أن تتوسع مجالات التغيير والثورة والانقلاب التي تريد أن تصنعها هذه الحركات لتشمل منظومة القيم والمفاهيم التي تنطلق منها شعوب المنطقة وتميز تاريخها وواقعها ومستقبلها، فعندها لا تصبح القضية مناكفة سياسية مجردة بين توجهات أو نخب وحكومات بل تصبح حركة انقلاب على ذات وجود وهوية وثقافة هذه المجتمعات.

    وفي هذا الاستعراض سنحاول التعرف على أحدث نموذج لهذا النوع من التوجهات من خلال ملتقى النهضة الشبابي الثالث الذي دار حوله جدل طويل مؤخرا، ومنطلق الحديث هنا سيحاول قدر المستطاع أن يكون بلسان الأغلبية للشخصية الدينية والثقافية الخليجية، لا بلسان حركة أو توجه معين فنحن هنا بصدد الدفاع عن وجود هويتنا وثقافتنا لا عن وجود فصيل أو تيار.وسأعبر عنها فيما يأتي بالأغلبية الوسطية.

    نبذة عن الملتقى

    ملتقى النهضة الشبابي، ملتقى سنوي يستهدف فئة الشباب من الجنسين (18-30)وذلك لرفع مستوى وعيهم ونوعية مشاريعهم لصناعة النهضة، بحسب ما ينص على ذلك موقعه الرسمي على الشبكة.

    ويلخص هدفه العام بالارتقاء المعرفي بالمهتمين بالنهضة، وذلك من خلال ثلاثة أمور:
    بناء نموذج للنهضة، والتفكير بعقلية قانونية سننية.
    تعريف المشاركين برواد العمل النهضوي، وإطلاعهم على تجارب ناجحة في هذا المجال.
    تعريف المشاركين ببعضهم وبأعمالهم، وتكوين صلات تعاون بين الجميع.

    وهو لا يتقدم - في هذه المرحلة على الأقل -بنموذج محدد للنهضة ولا بمشاريع محددة، وإنما يكتفي بإثارة التساؤل وإطلاق الجدليات والتشكيك بما يحفز على البحث عن المخارج باستثمار عقول الشباب، كما يعبر عن ذلك مديره العام وصانع فكرته الأساسية.

    ويشترط على المشاركين التقدم بطلباتهم قبل انعقاد الملتقى السنوي بثلاثة أشهر ليتم انتقاء من تنطبق عليه المواصفات غير المعلنة في موقع الملتقى (يتقدم مئات وينتقى 120: 70 شباب + 50فتيات)، كما يشترط المشاركة بكل الفعاليات المكثفة والإقامة طيلة أيام الملتقى في مقر انعقاده، وبغرف يشترط أن تكون مشتركة لاثنين أو ثلاثة بهدف استمرار تواصل الأفكار دون انقطاع.

    ويشرف عليه فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة ومديره العام د.مصطفى الحسن (تخصص التفسير وعلوم القرآن بجامعة الملك فهد، وصدر له كتابان لدراسة فكر محمد أركون ونصر أبو زيد).

    وانعقد منه الملتقى الأول في البحرين(إبريل 2010)والثاني في قطر (إبريل 2011)بصفة مستقلة وبتراخيص رسمية دون الحاجة لمنظمة أو جمعية محلية ينعقد تحت مظلتها، ولم ينشأ عن الملتقيين جدل ونقاش وذلك لأسباب ثلاث:

    -نوعية الضيوف المتحدثين التي انحصرت في الوسط الإسلامي من أصحاب طيف محدد(فيما عدا د عزمي بشارة الذي فرضت دعوته أجواء الثورات العربية).
    -الطبيعة المغلقة للملتقى والانكفاء على الذات -في هذه المرحلة -التي تمنع الحوار المفتوح معه ولا التواصل الذي يستطيع به الآخرون التعبير عن موقفهم وقراءتهم لمحتوى الطرح المقدم فيه للشباب
    -نهج الملتقى بنشر المواد الصوتية الكاملة لأوراق عمل المتحدثين وحوارات الشباب معهم على موقع الملتقى دون السماح بكتابة تعليق، مع التحكم التام بنوعية الضيوف المتحدثين والشباب والشابات المشاركين.

    ومن هنا فلقد كان من المتوقع أن يثير الملتقى الثالث في الكويت جدلا ونقاشا وهذا ما وقع فعلا وانتهى بمنع عقده لأنه لم يتحصل على ترخيص باعتبار كونه جهة خليجية(ملكيته وإدارته سعودية)وليس لها مكتب قانوني في الكويت، ولكنه انعقد ببعض ضيوفه فقط وبدون مشاركة الشباب المستهدفين بمسمى مختلف تحت مظلة كويتية محلية وهي جمعية الخريجين المعروفة بتوجهاتها الليبرالية.ولتوضيح الظروف الواقعية المحيطة بالجدل والنقاش لا بد من الإشارة للتالي:


    الاختيار للضيوف المتحدثين في الملتقى والمعلن عنهم، يمثل رسالة مقصودة أراد بها منظمو الملتقى تقديم نموذج عملي للشباب والشابات وللمجتمعات الخليجية عن القفزة النهضوية التي يقدمونها، وهم كانوا يتوقعون الاعتراض وإن لم يكن بهذا المستوى من"الحدة" كما عبروا، رغم استعدادهم للمواجهة.

    اختيار موضوع الملتقى المعلن عنه يمثل قفزة نهضوية أخرى مقصودة بالنسبة للمنظمين، ولم يكترثوا بكل الظروف والأجواء الملتبسة خليجيا التي تحيط بموضوع المجتمع المدني تحديدا.

    يأتي الملتقى الثالث بعد أن أحاط الملتقى مشروعه ورسالته بكثير من علامات الاستفهام في أوساط الأغلبية الوسطية، التي تكونت لديها من خلال متابعة برامج ومواد وتوجهات الملتقى المنشورة في موقعه.

    وفي ظل أجواء الاعتراض الذي نشأ من الكويت أولا، شنّ رُّواد ومؤيدو الملتقى حملة دفاعية هدفت بالأساس لتشويه صورة المعترضين وتحالف معهم المستفيدون من مشروع ملتقى النهضة وأهدافه البعيدة فاشتركوا معهم في توجيه الرأي العام الخليجي ليخرج من ملابسات منع الملتقى بالتصور التالي:

    المعترضون خصوم حقيقيون للنهضة وأنهم هم السبب الحقيقي لتخلف الأمة. بل وصفهم د.خالد الدخيل بمقالة له عن منع الملتقى بأنهم"متشددون …متطرفون …منغلقون"
    المعترضون ضد حرية الرأي وعاجزون عن الحوار مع المخالف، وعاجزون عن مجابهة الفكر والمنطق المقنع لأنهم في واقع الحال يفتقرون لأيٍ منهما
    المعترضون إقصائيون ويرفضون التعددية ويمارسون وصاية على غيرهم تحت شعار الدين"السلفي"
    المعترضون يرفضون المجتمع المدني لأنهم ضد سيادة القانون، بل لأنهم حلفاء للمستبد ويستعدون المستبد ضد مخالفيهم، والمستبد يستغلهم بسذاجة وغباء منهم لتحقيق مصالحه السياسية
    هذه باختصار مجمل القضايا التي روج لها أنصار الملتقى، وفيما يلي قراءة مختلفة للمشهد، وأترك للقاريء الكريم بعدها حرية تحديد الموقف الذي يقتنع به. وسأجمل الحديث عن(ملتقى النهضة الشبابي) في إطاره العام بالتركيز على جوانب إجرائية وجوانب موضوعية ولعلها تعبر عن وجهة النظر بصورة منصفة وبعيد عن تهمة"الإستعداء".

    الجوانب الإجرائية

    دلالات التسمية:اختيار مسمى النهضة تحدث عنه د مصطفى الحسن، المدير العام للملتقى وصانع فكرته الأساسية، في مقطع صوتي مثبت على مدونته"رواق الحسن:
    http://rowaqalhasan.com " وأشار فيه إلى أن ملتقى"النهضة" هو امتداد لتطلعات النهضة التي أطلقها في عالمنا الإسلامي كل من رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده قبل أكثر من قرن من الآن.وأرجع سبب فشل تلك المحاولات الرائدة لإخفاقات النموذج الغربي(المرحلية)بسبب وقوع الحرب العالمية الأولى ثم الثانية مما لم يسعف الرواد الأوائل لمتابعة مشروع نهضتهم وتطويره.ولكن نجاحات ونهضة النموذج الغربي مع إستمرار تخلف عالمنا الإسلامي وإخفاقاته المتتالية، تجعل من المقبول جدا أن نعود لبعث الروح في النهضة ولكن بمعايير وأدوات أكثر تطورا وإبداعا مما قد يكون تحقق لرواد النهضة الأوائل.

    ومن هنا ليس من الإجحاف في شيء وصف هذا المشروع وأصحابه بـــ"النهضويين الجدد"، فهم الذين ربطوا مشروعهم بــ "الرواد"السابقين إمعانا في بث كل التصورات والانطباعات المترسخة عن التجربة السابقة قبل إنطلاقة هذه التجربة واستعدادا لاستحضار ومواجهة كل رصيد النقد السابق وتاريخه.

    فلسفة النهضة:

    النهضة في جوهرها تتضمن تطورا وتغيرا في أنماط التفكير والتعبير يفضي لانقلابات ضخمة في أسس الحياة الثقافية والفنية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية، تتجاوز إنغلاقات المرحلة الزمنية(ويكيبيديا:بتصرف). ولقد نشأت النهضة الأوروبية بسبب ما مرت به مجتمعتهم من صراعات وجدليات يزخر بها التاريخ الأوروبي.لكن في بيئتنا الإسلامية فالأغلبية الوسطية تعتبر أن الإسلام بذاته قدم نهضة قلبت كيان البشرية ما بعد الإسلام، ولا يمكن أن تأتي أنماط تفكير وتعبير جديدة بعد بعثة الإسلام لتقدم لنا نهضة أرقى منه.ولمعرفة الإسلام بطبائع الشعوب والمجتمعات التي قد يتطاول عليها الزمن وتأسن أنظمتها وأحوالها شرع للأمة مبدأ التجديد لا مبدأ الثورات والانقلاب على منظومة القيم والمفاهيم الإسلامية الراسخة.ومن هنا لا بد أن يتجدد السؤال الذي واجه رواد النهضة الأوائل: هل أصولنا الدينية الإسلامية ومنظومة قيمنا ومفاهيمنا هي من أفرز مظاهر التخلف الحضاري وتراجع التمدن الإسلامي وممارسات الإستبداد والطغيان التي غلبت على المنطقة الإسلامية في أواخر الإمبراطورية العثمانية!؟، أم أن أصول الدين ومنطلقات الثقافة بريئة تماما من هذه النتائج، ويتحمل مسؤولية التخلف والتراجع:الحكام المستبدين والعلماء والمفكرين والمثقفين المتواطئين أو الصامتين بل وحتى الشعوب العربية الإسلامية بممارساتهم وتطبيقاتهم الخاطئة. ولذا تجد أن الأغلبية الوسطية في منطقة الخليج وبقية العالم الإسلامي يؤمنون أن أجواء التخلف لدينا تختلف عما وقع في أوروبا، فرغم إعتراف الجميع بأنها ناتجة عن إستبداد سياسي وإجتماعي بل وحتى فقهي، ولكنها أبدا ليست ناتجة عن إنحراف أو إنغلاق دين وقيم وثقافة. فما بال النهضويين الجدد يعرضون عن ذلك كله ويتجهون لينهلوا من الحضارة الأوروبية المادية ليتحقق لهم ما ينقضون به كل طرائق تفكيرنا ومفاهيمنا!؟ ألم يكن في حضارتنا ونهضتنا الإسلامية السابقة قيم ومفاهيم وأخلاق إرتقت بجنس الإنسان وقدمت عدالة وحماية حقوق وتنمية بشرية وعمرانية مع تطورات علمية وتقنية بحسب عصرها وحضارة فنية وثقافية أذهلت العالم في حينها وجعلته يقبل على الإسلام دينا وحضارة، فلماذا ننسى ذلك كله ونقبل فقط على النهضة الأوروبية المادية الفقيرة جدا في بعدها القيمي الأخلاقي!؟ ألمجرد أن تطبيقاتنا السياسية التاريخية قد إبتعدت عن جوهر النهضة الإسلامية!؟، فالحقيقة أن النهضة الإسلامية لم يعوقها أبدا أن تكون تطبيقاتها السياسية لم تحافظ على نموذج الحكم الإسلامي الراشد كما شرعه الله، فلقد إستمرت نهضتنا وحضارتنا لأكثر من عشر قرون بينما حضارتهم ونهضتهم لا تزال في قرنها الثالث.

    الرؤية والرسالة والنموذج:

    تردد في الكثير من مطبوعات وندوات وعبارات إدارة ملتقى النهضة الشبابي أن رؤيته ورسالته تتلخص في صناعة الارتقاء المعرفي للشباب والشابات، وصناعة مرحلة جديدة بصياغة وعيهم، وتعريفهم ببعض وبتجاربهم وتكوين صلات تعاون بينهم، وإطلاعهم على تجارب ناجحة لرواد العمل النهضوي، ومن هنا قد يفهم أن كل المحاضرين يمثلون نوعا من أنواع الريادة النهضوية ولذلك يستضافون بينما في ذات الوقت تكررت أسئلة شباب وشابات الملتقى(كما في الندوات المنشورة على موقع الملتقى) عن ضبابية هذه الرؤية والرسالة، وافتقارها لبرنامج ومشروع عملي ملموس، وأن النهضة لا يمكن أن تنشأ إلا بإرادة سياسية تقتنع بمشاريع وثقافة النهضة وتتيح لها المجال. وهم محقون تماما في ذلك، وحينها لا تجد تفسيرا مقنعا لطبيعة ونهج الملتقى إلا إذا كان يعتبر صناعة المرحلة الجديدة من الارتقاء المعرفي وصياغة الوعي هي التي ستصنع بالضرورة الإرادة السياسية إما بإقناع الحكومات القائمة وقبولها أو بإرغامها بأي صورة من صور الإرغام، وبما في ذلك صورة الثورة كما سيظهر في محتوى الندوات.

    واللافت أن المعرفة المطلوبة تقتضي كذلك تقويضا لعدد من المفاهيم الإسلامية الراسخة لأن النهضة المطلوبة لا يمكن لها أن تتم إلا بتجاوزها، وذلك لأن إستمرار المفاهيم القديمة يعيق معالم النهضة (!!)، ومن هنا فالرؤية والرسالة تتضمن كذلك تغييرا لثقافة المجتمع وانقلابا عليها إما إقناعا أو إلزاما.والملتقى بطبيعة الحال يتبنى هكذا رؤية ورسالة ونموذج لأنه ببساطة يشعر بانهزام أمام النموذج الأوروبي للنهضة، ويشعر بافتقاد لثقته ويقينه بنموذج النهضة الإسلامي، كما سيظهر من محتواه الموضوعي.

    النمط والأسلوب:

    استهداف الشباب والشابات عبر ملتقيات حوار مغلقة تماما، كما يقول مدير الملتقى العام في مقابلته مع قناة الرسالة، ينطلق من قناعة بأن المشهد الخليجي يثبت إخفاقات متتالية من كل الأطراف وأن الشباب هم من يتأذى من هذا الوقع ومن حقهم أن يكون لهم قناعاتهم الخاصة بطريق النهضة المطلوب.وعبر الحوار قد يقبلون أو يرفضون الأفكار وينتقون قناعاتهم من خلال إختيار الأفكار الناجحة على المشهد بتقديرهم هم أو يخرجون بقناعات أخرى مختلفة. ومن خلال الصدمة المعرفية التي سيتعرضون لها بالتحاور المباشر مع بعض من لهم تجارب نهضوية قد تساعدهم بالتفكير لصناعة وصياغة النهضة التي نريدها.

    وهنا نصل لجوهر الهدف الحقيقي للملتقى وعبر عنه مدير الملتقى في ورقته للملتقى الأول أن النهضة الحقيقية تقوم على إثارة الشك والجدل والنقاش حول المفاهيم المحيطة بنا لنصل لصياغة النهضة عبر إعادة تشكيل طرائقنا للتفكير والتعبير حتى نصل لفهم جديد لمقاصد الدين ومنطلقاته الثقافية، ولماذا كل ذلك، لأن قناعة الملتقى أن التخلف الذي يحيط بنا أسبابه ثقافية ومفاهيمية ولن يتغير واقعنا إلا بتغيير ذلك.

    ولا بد أن يرد سؤال عن المشرف العام على الملتقى وموقفه من كل ذلك، وخصوصا بما يعرف عن الشيخ من رمزية تاريخية وبما يحفظ له من أسبقية علمية ودعوية فهل يعقل أن يكون الشيخ يقر بكل هذه الإختراقات والإنقلابات الثقافية، الحقيقة تشي بغير ذلك، وكما سيأتي في الحديث عن محتوى ورقة الشيخ يظهر أن فهمه للملتقى وموقفه منه يختلف تماما عما يصرح به ويعلنه مدير الملتقى مصطفى الحسن.

    الاختراقات الاجتماعية:

    أول مظاهر الانقلاب على مفاهيم الأغلبية الوسطية الخليجية وخصوصا السعودية منها ويأتي بها مؤتمر ذو واجهة إسلامية، يتمثل في إختراق مفهوم العلاقة بين المرأة والرجل، وكما نص مدير الملتقى مصطفى الحسن في أكثر من صعيد أن الملتقى يريد أن يؤسس لعلاقة ندية بين المرأة والرجل ويريد أن يصحح خطأ المفهوم السائد خصوصا في السعودية عن علاقة المرأة بالرجل.فإذاً يأتي الملتقى كمنقذ للمرأة ومؤسس لنهضة"إسلامية"حقيقية للمرأة تمنحها حقوقها كاملة ولو عبر مشاركة ندية في التعبير عن الرأي والفكر في ذات القاعة وعلى مقاعد متساوية.بما يمثل إشارة واضحة عن منحى الإنتقاص للثقافة السائدة وممارساتها الاجتماعية إنطلاقا من تخطئة إجتهاداتها الفقهية ومفاهيمها الدينية في الأساس كما سيظهر لاحقا.والغريب أنهم لا ينطلقون في هذه التخطئة من خلال منهجية إستدلال علمي وفقهي معتبر، وإنما ينطلقون من خلال إنهزامهم النفسي والثقافي بمقابل نموذج النهضة الأوروبي الذي يستلهموه.

    التعالي والفوقية المفضية للتمرد:

    عند استعراض محتوى الندوات وطبيعة الرسائل المبطنة والإيحاءات التي تبث هنا وهناك أثناء النقاش مع الشباب والشابات المشاركين، لا تخطأ العين استقراء مشاعر التمرد على ثقافة الأغلبية الوسطية ومفاهيمها، ولا تجد مبررا لهذا التمرد إلا بوجود نظرة التعالي والفوقية على ثقافة الأغلبية واعتبارها هي بذاتها سبب التخلف الذي نعيش فيه ولا نهضة إلا بالانقلاب على هذه الثقافة، انطلاقا من النهضة الأوروبية التي تُستلهمُ في هذا الملتقى كنموذج النهضة المثالي.

    من حق الأغلبية الوسطية أن تتساءل هنا عن هذه النهضة التي يبشرنا بها الملتقى ورواده، كيف لها أن تنجح وتنتشر بيننا وأنتم تعاملوننا بهذه الفوقية على ثقافتنا ومفاهيمنا!؟.

    الحرية والتعددية والمواطنة بدلا من فرض الوصاية:

    من أعجب ما يقدمه النهضويون الجدد لمنطقتنا الخليجية، بشارتهم لنا بحرية رأي وتعددية فكرية وثقافية ومذهبية ومبدأ مواطنة تكفل حقوقا متساوية، في وقت تتهاوى فيه كل هذه الشعارات الباهتة التي لا تقل خداعا ومخاتلة عن غيرها من الشعارات.فأين وزن وقيمة هذه الشعارات أولا في دول ما بعد الثورات، ولنأخذ مثالا وضع الأقباط أو العلمانيين في مصر، أو الأمازيغية والليبرالية في تونس وليبيا، فبرغم مستوى الحرية المتفاوت بين بلد وآخر، نجد أنهم جميعا غير راضين عن مستوى الحرية ودرجة المواطنة المتاحة لهم ويتهمون الإسلاميين الذين استلموا الحكم في هذه الدول بالإستئثار بالسلطة والمخادعة(!!). ومن جانب آخر لننظر لدرجة الحرية ومستوى المواطنة المتاحة لأهل السنة في العراق بعد قدوم رياح الديموقراطية الأمريكية للعراق، فيا ترى أين يكمن فرض الوصاية وتكريس الطائفية بدلا من المواطنة المتساوية!؟ ألدينا في منطقة الخليج، أم لدى دولة المالكي القادم على ظهر الدبابة الأمريكية، أم في إيران الملالي وتعاملها مع الأهواز أو سوريا العلوية وتعاملها مع الأغلبية السنية والأقلية الكردية!!؟

    عجبا لهم كيف يتهمون الأغلبية الوسطية بالعنصرية والطائفية وأطفالنا ونساؤنا وشيوخنا يذبحون أمام العالم كله في سوريا والعراق من قبل، لا لتهمة إلا دعوى الإرهاب في حين أن أهل السنة كانوا يطالبون بحقوق المواطنة والحرية التي يتشدق بها النهضويون الجدد، ويطالبوننا في ذات الوقت أن نكفل حقوق المواطنة المتساوية لكل أقليات مذهبية وفكرية لدينا، ونتيح لها كل مجالات المشاركة بما في ذلك إعادة صياغة هويتنا وثقافتنا ودستورنا وسياساتنا وفوق ذلك كله نتيح لهم كل مستويات المشاركة في المناصب القيادية والقضائية والسيادية!!!!. أي إستخفاف وأي نهضة ساذجة يقدمها هؤلاء، ألا فليعلم رواد ملتقى النهضة أنه حتى بالمعايير الأوروبية لا تتيح نهضتهم فرص مشاركة سيادية ولا فرص إعادة صياغة هوية وثقافة ومفاهيم كما يتوهم هؤلاء، فهاهي أوروبا وأمريكا، تمتلأ بالأقليات التي تعاني مثلها في ذلك مثل كل المجتمعات والدول. ولو كان النهضويون الجدد منصفين لاعترفوا أن نهضة الإسلام الخالدة هي أفضل الحضارات والنهضات تعاملا مع الأقليات ومنحا للحقوق ولكن دون أن تخادعهم بأنها تمنحهم مشاركة سيادية وقضائية دستورية متساوية.

    استعداء السُّلْطة:

    لولا أن هذه التهمة قد تكررت من إدارة الملتقى ومريديه ضد المعترضين عليه وتوجيهها للسلفيين، لظننتها اجحافا وتطاولا في حقهم.ولكنها بالفعل تكررت وأكدها د.مصطفى الحسن في مقابلته مع قناة الرسالة.والحقيقة أنني يطول بي العجب ولا ينتهي من الاستغفال الذي يمارسه هؤلاء للساحة المحلية السعودية.

    أي استعداء للسلطة تتحدثون عنه!!؟، في حين أنه لم يتعرض أحد من مكونات المجتمع المحلي ومشاريعه الإصلاحية السلمية لقمع واستبداد السلطة السياسية والأمنية وتشويهها الإعلامي كمثل ما تعرضت له الأوساط السلفية العلمية والدعوية في الوضع المحلي ، والأغلبية الوسطية في الداخل تدرك أن مراعاة السلطة السياسية الأمنية لهذه الأوساط يقوم على اعتبارات سياسية وتاريخية أكثر من أي شيء آخر، وأن السلطة السياسية والأمنية تعمل على خلق تغيرات فقهية وإجتماعية وثقافية وإعلامية مضادة تماما لهذه المدرسة وتفسح المجال لنقلة أقرب ما تكون لمفاهيم ملتقى النهضة، فيما عدا شقها السياسي بطبيعة الحال.وملتقى النهضة يتساوى بهذا الإعتبار(وربما يتحالف) مع الليبرالية الخليجية التي تتفق مع سلطات المنطقة كلها بتوجهاتها الإجتماعية الثقافية الإعلامية وتختلف معها بنموذجها السياسي(ولنا أن نعتبر عقد ملتقى النهضة الثالث تحت مظلة جمعية الخريجين الكويتية الليبرالية، دليلا مباشرا على درجة من هذا التحالف). فمن يا ترى يستعدي السلطة ضد الآخر، بل من يستعدي الشباب والمجتمع بأسره ضد الآخر ويتهمه بالمسؤولية عن تخلف مجتمعاتنا وبلادنا!!!؟؟؟

    وهنا أستحلف القاريء الكريم أن يتخلص من ضغط واقعنا المحلي ويتأمل في المشهد الأوسع لواقعنا المعاصر، وينظر لموقف المجتمع المصري أو التونسي أو اليمني بعد الثورات أو بل حتى في تركيا وماليزيا وأندونيسيا، ويتأمل في حال وواقع من يحمل قناعة بالمدرسة السلفية في هذه الدول كيف هو واقعه وحاله، وما مستوى المكانة الفقهية المتاحة لهم وحجم حرية الرأي وحقوق المواطنة المتساوية الممنوحة له، وأنظر في ذات الوقت كيف يتحدثون عن نوعية الحكم السياسي الذي يحيط بهم وكيف يتعامل معهم. وأنا أذكِّر بهذه الحقائق هنا حتى لا يقال أن السبب في واقعنا هو إنغلاق فهم وإجتهادات المدرسة السلفية المحلية، فهذا هو واقعها في كل مكان لأن هذا هو نتاج منهجها العلمي الإستدلالي لفهم الشريعة وتطبيقاتها إنطلاقا من إلتزامها بأصول الإسلام الراسخة وبعيدا عن أي خضوع لضغوط ظرفية زمانية ومكانية أو لأحوال سياسية تتبدل من مرحلة لأخرى.

    وبذلك نعرف أن السلفية العلمية الدعوية المستقلة(وليست الرسمية أو تابعتها)أبعد ما تكون عن إحتمالية التحالف مع السلطة بل وأضعف ما تكون عن التأثير فيها باستعدائها ضد كائن من كان. وفي واقع الحال، لا أستبعد أبدا (رغم الخلافات العميقة بينهما في هذه المرحلة) أن تنشأ تحالفات بين السلطة السياسية والأمنية في السعودية وملتقى النهضة تسمح بعقده في داخل المملكة إنطلاقا من التحولات الضخمة التي ستتعرض لها منطقة الخليج قريبا(...)، وحينها سيتذكر الجميع من هو المتحالف مع السلطة.

    مكارم الأخلاق النهضوية:شنّت إدارة ملتقى النهضة ومريديه حملة ضد المعترضين على الملتقى بفلسفته ورؤيته ورسالته المقوضة لمنظومة المفاهيم والثقافة المستقرة، ووصفوهم بأوصاف كالتشدد والتطرف والإنغلاق والإقصاء والوصاية، ووظفوا ذلك كله ليثبتوا به لشباب وشابات النهضة وللمجتمع الخليجي كله، ما كانوا يتحدثون به من قبل عن هذه الثقافة المحلية وإخفاقاتها الأخلاقية ويرددونه نظريا وإستشهادا تاريخيا غير مشهود، والآن يأتيهم هذا الحدث ليقدم لهم أكبر خدمة يثبتوا بها صحة موقفهم من هذه الثقافة وحاجة المجتمع للثورة ضدها حتى يحقق النهضة الموعودة (!!!).طبعا هذا بحسب قناعاتهم وتصوراتهم، وأكتفي هنا بالعرض فقط وأترك للأغلبية الوسطية أن تتأمل في مكارم الأخلاق النهضوية.


    الجوانب الموضوعية

    لن يتمكن القاريء الكريم من تفهم وتقبل كل ما سبق، حتى يسمع ويتابع ندوات الملتقى الأول والثاني المثبتة على موقع ملتقى النهضة الرسمي (
    http://multqa-alnhdhah.com/index.php )، وأنا أنصح جميع المهتمين أن يقوموا بمتابعة كافة الندوات على الموقع وليطيلوا صبرهم على الأوقات الطويلة المخصصة لكل متحدث وليتأملوا بنمط أسئلة الشباب والشابات والتي قد تصل أحيانا لثلاث ساعات في بعض الندوات، ليتمكنوا من تشكيل موقفهم المستقل من ملتقى النهضة وفلسفته ورسالته، قبل الإستمرار في قراءة هذا القسم من الورقة، ثم يتأملوا ويقارنوا.

    وستكون قراءة المحتوى الموضوعي هنا، من خلال إستعراض مادة بعض المتحدثين والتعليق عليها، وسأجعل عبارات المتحدث المباشرة بين قوسين والتعليقات بعدها.

    فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة:

    تقدم الشيخ للملتقى الأول بورقة جمع فيها رؤية متفرقة كتبها في مواضع متعددة من منطلق همومه المعروفة بنهضة الأمة، وبعد الاستماع لورقة الشيخ وإجاباته على إستفسارات الشباب والشابات أجزم أن فهمه ونظرته لملتقى النهضة تختلف تماما عما يريده المدير العام من الملتقى.وألخص ذلك فيما يلي:

    عرض الشيخ رؤيته للنهضة من خلال عشرين نقطة جوهرية، ركز فيها على(المعاني الإيمانية وأصول الوحدة ومرجعية الإسلام التي يجب أن تحكمنا في كل مراحل ومبادرات النهضة).ولله موقفه وثباته في ذلك.

    تحدث الشيخ بمرارة عن(تأخر إجابات ومشاريع النهضة، وأنها كما هي منذ مرحلة شبابه في بريدة لم تتغير، وضرب أمثلة لذلك تتعلق بالجوانب المدنية الحضارية والسلوكية في مجتمعاتنا، وأنها لا تزال كما هي، في حين أن تركيا وماليزيا فضلا عن الدول الأوروبية والآسيوية المتقدمة التي أجادت في خلق نهضة سلوكية بين شعوبها وسبقتها بنهضة عمرانية وتنموية وإدارية ونظامية في مجتمعاتها ومؤسساتها).ولا أحد قطعا يجادله في هذه الحقائق، وهي كلها تمثل نمط الهاجس الذي يشغل الشيخ منذ زمن، ولكن يبقى السؤال أي نموذج نهضة يفترض بنا التطلع إليه ليوصلنا للتمدن الحضاري!!؟

    طرح الشيخ تطلعاته من هذا الملتقى وأمثاله وخصوصا من جيل الشباب(أن يعتبروه كلام لتحفيز تفكيرهم بالنهضة، دون أن يتخلّوا عن مشاريعهم الخاصة، ولينوع الشباب قراءاتهم وليلتزموا بمعاني الإنضباط والنظام وليحلِّقوا في إبداعات المعرفة والتقنية وليبادروا وليتعاونوا مع الجميع، وإذا عزّ وجود المشروع العام فليصنعوا مشاريعهم الخاصة، الشباب والفتيات في ذلك سواء)وهذه معاني قطعا يحتاجها الجيل.

    تحدث الشيخ حفظه الله عن معوقات النهضة وركز على(المفاهيم السلبية بيننا وطرائق التفكير التي تحتاج للتغيير، وذكر منها الشتات والولع بالخلاف وإدمان الصراعات البينية، والإنشغال بإسقاط المنافسين وإفتعال العراكات معهم، وأن نحذر من إعتبار فهمنا الخاص هو الإسلام ونخطِّأ كل ما سواه من الأفهام)وهذه المعاني يكثُرُ حديث الشيخ سلمان عنها مؤخرا، ولا تثريب في ذلك، ولكن ألا يمكن أن يدور في خلد الشيخ سدده الله أن هذه الطرائق للتفكير ليست حكرا على هذه الجهة أو تلك، بل هي أقرب للطباع البشرية وتجدها لدى الإسلامي وغير الإسلامي(موقف الليبراليين من د.عبدالله الغذامي مثالا) ولدى السني والشيعي(كموقف ملالي إيران من الإصلاحيين الإيرانيين مثلا) بل لدى المسلم وغير المسلم(موقف بعض المارونية اللبنانية من مفاجئات ميشيل عون مثلا)والأمثلة لذلك كثيرة فلماذا يضيق صدر الشيخ منها في الوسط السلفي بالذات.

    وفي حقيقة الأمر كل هذه الأطراف والأمثلة، إذا وجدت إنقساما في داخلها أو إبتعادا لرمز من رموزها أو تشكيكا لجمهورها عبر الهجوم على طرائق تفكيرها وآلتها الفقهية والاستدلالية، ستشعر بالإحراج الموضوعي وستعمل على دفع ذلك بكل طريقة مشروعة، والجدال والمناقشة العلمية والنقد الموضوعي لا يفترض بنا التذمر منه، فقد يكون الحق مع غيرنا. وبالمناسبة، بإمكان هؤلاء أن يردوا على دعوى إدمان الصراعات، بدعوى إدمان المفاجئات.

    تحدث الشيخ في إجابة لأحد الأسئلة عن معوق آخر وهو محاكمة الآخرين لك من خلال قناعاتهم،(وحكى قصة شاب تجادل معه حول إختيارات فقهية محددة للشيخ)وقطعا الشيخ محق في ذلك فهو قامة علمية فقهية مؤهلة للاجتهاد.ولكن لم يكن أول ولن يكون آخر من يكون له إجتهادات فقهية تخالف المستقر في زمنه ويعترض عليها الناس، بل التاريخ البعيد يسجل لنا تفاصيل لا تنسى عن مخالفة شيخ الإسلام ابن تيمية لعلماء زمانه، والتاريخ القريب سجل لنا مخالفة الشيخ ابن باز لشيخه ابن ابراهيم وقضاء بلده الرسمي في مسألة الطلاق، ومع هذا لم يتبع ذلك أزمة حضارية ولم ينشأ عنه إعاقة للنهضة الفقهية، لإنهما ببساطة إستخدما آلة الإستدلال الفقهي المعتبرة وخلال وقت قصير عاد الناس إلى قولهما بعد إتضاح الحق، وفي ذات الإطار علينا أن نفهم بكثير من الإكبار الأمانة العلمية الرائعة التي دفعت الشيخ ابن عثيمين للتراجع عن فهم خطأ وقع لدى الناس عند سماع وقراءة كلامه عن المعية.وهكذا النهضة الفقهية التي نعرفها من الشيخ سلمان حفظه الله ومن سابقيه.

    عندما علق أحد الحضور على نموذج النهضة الذي يتحدث عنه الشيخ وأنه لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إرادة سياسية وسأل آخر عن الخلافة هل يمكن أن تكون مطلب النهضة، أجاب الشيخ بأنه (يتفق على أهمية الإرادة السياسية في صناعة النهضة، ولكن يجب ألا نقف مكتوفي الأيدي ننتظر قرار السياسي بل لا بد أن نعمل مع السياسي لإقناعه بالنهضة التي نريد عبر (تديين السياسي)وأن هذا قابل للتحقق في كل بلد إسلامي بذاته وأن الاجتماع بنموذج الخلافة قد لا يكون ضروريا لكل مرحلة)، وأظن أن الكثير سيتفقون مع الشيخ وفقه الله في هذه النظرة، ولكن هل تتفق معه إدارة ملتقى النهضة في ذلك!؟ وإذا كانت تتفق معه فلماذا تنطلق في فلسفتها للنهضة بالانقلاب على مفاهيم وثقافة مجتمعاتنا وكأنها هي المسؤولة عن التخلف وتتناسى الاستبداد السياسي وهو العامل الأهم كما ظهر من النقاش!!؟

    وللإستدلال على هذه القضية من خلال النموذج الأوروبي الذي تُباهينا به إدارة الملتقى وتطالبنا بالتطلَّع إليه كحلم النهضة البعيد، فمن المهم أن نستعيد قصة نضال أسبانيا للتخلص من إستبداد فرانسيسكو فرانكو وطغيانه الذي أبقاها وأبقى شعبها في ظل التخلف ونقص التمدن الذي لا يختلف عما نشهده في عالمنا العربي اليوم، رغم أنها بلد يعيش في أوروبا، ولم تلحق بالنهضة الأوروبية إلا بعد زوال المستبد السياسي.وتحول أداء شعبها بإخلاص قياداتها الجديدة وبالإنسجام بينهم وبين مفكريها ومثقفيها دون أن تحتاج لثورة على ثقافتها ومفاهيمها وطرائق تفكير شعبها.

    الدكتور مصطفى الحسن:

    بحسب ما يتوفر من معلومات منشورة على موقع ملتقى النهضة وبحسب إجراءات البدء والختام لكل ملتقى، يبدو أن د.الحسن هو الصانع الأساسي للفكرة ومحركها المحوري.وطبيعة طرحه القادم ستظهر حقيقة ما يقصده بالنهضة، التي ربما لا تكون ملزمة لغيره في الملتقى، ولكن لأنها عرضت وقدمت للشباب والشابات دون تحفظ ولا تزال مثبتة فمن المهم تناولها بالنقد.

    تحدث في الملتقى الأول عن مفهوم الإستخلاف والنهضة، واستعرض أقوال المفسرين عن مدلول الإستخلاف ولم يتوقف بالإعجاب إلا عند تفسير الطاهر بن عاشور، ثم تحدث عن تعجب الملائكة"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"وقرر بعد تفصيل أن(الإستخلاف هو العبادة المطلوبة من الناس وهي أن يعمل الإنسان صالحاً ويحسن في الأرض والكون، وأن يتعايش مع كل إنسان حوله وألا يسفك دم أحد من الناس) ثم ربط ذلك بقوله تعالى لنبيه المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه "فلعلك باخع نفسك على آثارهم إلم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا"فاستدل(بأننا ونبينا مطالبون أن نحب الناس كحب العاشق الولهان حتى وإن دعانا ذلك لإهلاك أنفسنا وهو معنى البخع، وألا نشغل أنفسنا بما يفسده الإنسان ولا حتى بإعراضهم عن ديننا وعدم إيمانهم به).فتخيلوا هذا الفهم القائم على مبدأ"التعايش" مع كل إنسان دون تقييد بإسلام أو كفر ودون حديثٍ أبداً عن مفهوم الولاء والبراء الذي لا يقبله الدكتور، ويهدر قيمة الجهاد وبعثة المصطفى بالسيف بين يدي الساعة، ويقوض مفهوم الإسلام للعلاقة مع الغير من البشر المرتكز على نص النبي صلى الله عليه وسلم أن الخلق لا يعصمون دماءهم وأموالهم منه إلا بشهادة ألا إله إلا الله. ويريد أن يصور للشباب والفتيات أن سفك الدماء المذكور في هذه الآيات الكريمة، يتعارض مع سفكها بحق، ويعتبر أن هدر هذه الدماء إذا حالت بين الناس ونور الهداية وأن قتالهم بالمبررات الشرعية المعتبرة، يتعارض مع التعايش البشري للنهضة.

    والغريب أنه في ذات الوقت الذي يطالب شباب وفتيات الإسلام أن يتحلوا بهذه الأخلاق"الإنسانية"الحالمة، يتناسى تماما حجم الدماء التي سفكتها النهضة الأوروبية التي يبشرنا بها!!!.

    ويتحدث في ذات الإطار عن مفهوم إصلاح الكون وعمارة الأرض كأحد أهم معاني الإستخلاف، وكيف أن الفن والرسم والنحت كانت من أهم معاني الإصلاح التي خلدت النهضة الأوروبية، وأن (التفوق المدني والحضاري خاضع لمنطق السببية وقدرة الإنسان وبحثه عن وجود الطاقة وغيرها من معاني الحضارة التي يحتاجها الإنسان ولها الأولوية في عالم الشهادة "!!!")، ثم يشير بإشارة غريبة إلى أن (النفط موجود تحت هذه الأرض وقت بعثة النبي، ومع هذا عاش النبي حالة مدنية صعبة ولم يستخرج النفط حتى جاء الرجل الغربي في هذا العصر واستخرجه للبشرية)فيالله العجب، ما أقبح قياس نور الوحي الذي جاء به سيد الخلق أجمعين للبشرية، باستخراج الرجل الغربي للنفط بعد قرون رغم وجود الإسلام والمسلمين.نعم النفط كان موجود وقتها، كما أن حصيلة العلم البشري وقتها لم تكن مكتملة لأي نوع من إستخراج الطاقة واستمرت كذلك قرون متطاولة، وفي نفس الوقت النفط كان موجودا تحت أرض ألاسكا وتكساس الأمريكية بل ولا حتى حلمت الكنيسة الإنجليزية في حينها بنفط برنت بحر الشمال القريب منها. فكيف يسأل هذا المتطاول والمتجرأ على نور الحق وحياة القلوب، مستغربا عدم إكتشاف المسلمين لهذا النفط!!؟؟.

    وحتى يتواضع هذا المبهور بالحضارة والنهضة الأوروبية عليه أن يتذكر أن نبي الله سليمان صلى الله عليه وسلم، أحضر له من عنده علم من الكتاب عرش بلقيس ونقله نقلا ماديا في طرفة عين، فأين يا ترى هذه الحضارة المادية الأوروبية بكل مستويات تقدمها وتقنياتها عن هذا التفوق البشري، وهذه العمارة للأرض !!.

    ثم تحدث عن الأسئلة الكبرى التي يطالب الفلاسفة بالإجابة عليها وفك شفرة مجتمعاتنا من خلالها وإعادة صياغة تكوينها لتحقيق النهضة، وهي الله والإنسان والكون، فيكرر بحديثه شيئا مما سبق، حتى يصل لأخطر مفهوم قد يقوض كل تربية إيمانية وروحانية تعرّض لها الشباب من قبل، فهو يطرح سؤال تشكيكي آخر يقول فيه: (من الذي أوهمنا أن الإصلاح والتجديد الديني شرط لصحة النهضة!؟ إن صوابية الفكرة الدينية التي ينطلق منها المجتمع ليست شرطا للحضارة) ثم يتحدث بسخرية مريرة عن(حضارة الصين واليابان رغم عقائدهم الأسطورية فضلا عن أوروبا وأمريكا ذات المسيحية التي نعتبرها نحن المسلمين محرفة، ومع هذا أنتجوا حضارة متفوقة)، ولكنه لا يملك قدرا كافيا من الأمانة العلمية ليفرّق لهؤلاء الشباب بين النهضة المادية ونهضة الهداية الإيمانية والروحية والاجتماعية والاقتصادية، وأن هذه الحضارة المادية مهما تنوعت فهي مجرد إستهلاك برّاق وسالب للأبصار المخدوعة، وأنها لا تمثل نوع الإصلاح للأرض الذي كان يتحدث عنه الملائكة.

    تحدث عن بواعث العمل، وذكر منها طلب نعيم الآخرة، ثم علق على ذلك بقوله (وهذا الباعث يشعر الطرف الآخر بانتهازية غير محمودة لأن منطلقها بحثنا عن منفعتنا نحن، بينما المفروض أن نتعامل مع الناس بالسعي نحو منفعة الآخرين ولا نفكر بأنفسنا أولا) (فيجب أن يشعر غير المسلمين أننا نحسن لهم وأننا خير وأنفع لهم حتى وإن بقوا على كفرهم، فهذا أرفع درجة للمنفعة وأدعى لتأثرهم بدعوتنا)مسكين د مصطفى الحسن، أويظن أن دخول الكفار في دين الله أفواجا مبعثه هو نفعهم المادي الحضاري إذا جاءهم من المسلمين!!إنها أنوار الهداية التي تنساب من آيات الكتاب وسيرة المصطفى هي من يؤثر فيهم وليس منتجات مادية، ونعم لن يدفع المسلمين لنشر دين الله إلا وعد الله الكريم لهم بثواب الجنة وربنا هو الأعلم والأحكم، ودينه وثواب عباده المحسنين لخلقه بدعوتهم للإسلام ليس من الانتهازية في شيء.

    تحدث عن العبادة، وأفهم الشباب والشابات أن التربية الدينية أضرّتنا كثيرا إذ صورت أن النسك بالعبادات الأصلية هو مركز العمل الإسلامي، وأن أعمالنا المدنية ما هي إلا عادات ولا تتحول لعبادة إلا باستحضار النية فأضرتنا بذلك إذ جعلت"العبادات"المدنية في أقصى الأطراف بدلا من جعلها عبادات أصلية.ويتناسى د الحسن أنه بذلك يهون من شأن العبادة، وينسى أن عادات البشر الطبعية قد تكون هي بذاتها إثما ووزرا إذا جُعِلت في حرام، كما في نص الحديث، ولذلك يختلف شأنها وتفتقر للنية التي تجعلها عبادة.

    وفي الملتقى الثاني تحدث بشكل مطول عن مركزية الإنسان وأعاد فيها وأبدأ حول فكرته الجوهرية عن أن الإنسان كل الإنسان هو مركز الكون وهو مقصود الاستخلاف وأننا مطالبون بالتعايش مع كل الناس وبالإحسان إليهم والتعاون معهم لتحقيق نهضة البشرية وإصلاح الكون. ثم إنتقل منها للتأسيس على مفهوم المواطنة داخل المجتمعات وأنها بهذا المفهوم عن الإنسان ودوره في الكون، (يجب أن نقبل على أساسها دور وحقوق ومشاركات كل مواطن أيا كان دينه أو طائفته أو فكره) وهنا بيت القصيد فيما يبدو، وسيأتي الرد عليه.

    وتحدث تفصيلا هنا عن تفريق في الكتب الإسلامية بين الروح والجسد، لكنه علق تعليقات وأشار بيده إلى السماء بأن الروح هي من روح الله وأنها نفخة سماوية تمنح كل إنسان مزية بهذه الروح، وحينما سألته إحدى الفتيات عن رواية خيالية وشخصيتها زوربا، وكيف أن زوربا قال:الله لم يسعه شيء في الأرض إلا قلب الإنسان (!!)، فأجابها أن(نعم، هذه نظرة جميلة ورائعة وتثبت أننا لو فكرنا بهذه الصفة المركزية للإنسان، فلا يمكن إلا أن نحترم ونوقّر كل إنسان على وجه الأرض).

    ولا أجد أي تعليق، ألا أن أُذكِّر دكتور التفسير بأن نسبة الروح هنا لله تعالى هي نسبة ملكية وتكريم وأن الروح خلق من خلق الله كما هو قول العلماء الثابت في أيما تفسير، وأنصح د.مصطفى الحسن بأن ينشر توضيحا لمقصوده من هذه العبارات، الذي قد يكون فهم خطأً.

    الدكتور محمد المختار الشنقيطي:

    د. الشنقيطي(
    http://www.shinqiti.net /)معروف بتخصصه في السياسة الشرعية من جامعة تكساس الأمريكية، وهو صاحب مقالات متعددة في موقع الجزيرة نت، وهو صاحب المقولة المشهورة أن أزمة العالم الإسلامي هي أزمة دستورية بدأت من ليلة السقيفة (!!).وهنا مادته للملتقى.

    (إنتقال السلطة في زمن الخلفاء الراشدين كان دائما يثير أزمة)، هل من المعقول أن يطرح حديثنا عن الخلفاء الراشدين على الشباب والشابات بمثل هذه اللهجة، يا أخي صحابة رسول الله لن تبلغوا مُدّ أحدهم ولا نصيفه.أفلا يمكن أن نعتبر هذه التفاصيل التي حدثت في زمنهم هي مما يمثل رصيدا لفقهنا السياسي وأن هذا الفقه ما كان للأمة أن تفهمه وتدركه باللفظ المجرد وكان لا بد من الممارسة العلملية.

    (فقهنا السياسي هو فقه منحرف لأنه متكيف مع السلطة الزمنية القاهرة، وأن مبادئنا السياسية تكيفت كذلك مع سلطة سياسية قاهرة) وهذا إختزال مخل جدا أمام مخزون فقهي ضخم يعرفه المتخصصون في السياسة الشرعية، وربما يعتبر التكيف السياسي -بعيدا عن الأخطاء المحيطة به -هو جزء من فقهنا السياسي، وطبعا يحتاج الآن لدراسة تقيد ضوابطه الشرعية بدلا من تركه للاستغلال السياسي.

    (أدواؤنا السياسية:الوثنية السياسية دواؤها التوحيد السياسي، الهرمية الفرعونية دواؤها الأفقية النبوية القرآنية، ومنطق القوة والسيف دواؤها شورى الجماعة)ولقد صدق في ذلك.

    (الدولة النبوية دولة بسيطة وليست كاملة) وهذا فيه تخرص لا يجمل في حق نبينا، بل إنه نقل عن التراتيب الإدارية للكتَّاني نقلا أثبت فيها عظمة هذه الدولة وتقدمها على عصرها مقارنة بمحيطها.

    (يحتاج السلفيين أن يكونوا سلفيين أكثر في جوانب حياتنا السياسية، وأن يرجعوا لمباديء السلف في فقههم السياسي)وهو محق في ذلك، لكن قد يختلفون معه في تحديد فهم السلف لمباديء السياسة.

    (تضاد الهويات في دولة الإسلام، ظهر بعد أن نشأت المواطنة إعتقادية إيمانية بإتباع دين الدولة ثم توسعت عقدا وعهدا في مناطق الفتوح.والدولة الحديثة معقدة أكثر ولا تقبل بمنطق مواطنة فاتحين بمقابل مواطنة خاضعين)والدكتور ذكر كلاما رائعا عن شورية الإسلام وبعده عن الاستبداد، لكنه مع تشنيعه على الخضوع للأوضاع السياسية المحيطة، نجده هنا يخضع لأوضاع سياسية عالمية قاهرة بشكل مباشر وغير مباشر.وبعيدا عن تفاصيل مبدأ المواطنة مع بلاد الفتوح، أريد فقط أن أذكره بالحروب الأمريكية أو البريطانية قبلها على الدول المختلفة وكيف صنفت هذه الدول عسكرييها في قواعدهم التي بثوها في هذه الدول وكيف جعلت لهم طبقة فوق المواطنة.

    (دولة المدينة هي دولة مواطنة، وتقبل بالتعددية الدينية)هذا صحيح، لكنه حين يتوسع في ذلك ويدعي أن كل أصحاب الديانات تحفظ لهم حقوق مواطنة متساوية مع المسلمين، بما في ذلك الولايات العظمى فمرفوض وفيه سذاجة سياسية أو مخاتلة وخداع، فهاهي دول الغرب والشرق لا يمكن أن تسمح لأصحاب ديانة أخرى للولايات العامة، وإن كانت نصوص الديموقراطيات تثبت ذلك نظريا.ولذلك حين يقول (العقد الإجتماعي يقوم على الجغرافيا والسياسة وليس على إتفاق المعتقد والمذهب.وآية منع ولاية غير المسلم، إنما هي آية وعد قدري وليس أمر شرعي. فلا بد أن نقبل أن يكون غير المسلم وصاحب المذهب المختلف، وزيرا سواء تنفيذيا أو سياديا)فهذا تخرص ومخاتلة كما قلت.والمواطنة في الدولة الإسلامية تختلف عن مفهوم المواطنة الأوروبية الحديثة.

    (الناس على دين دساتيرهم وليس على دين ملوكهم، ورأس الدولة له أن يكون غير مسلما والدستور يلزمه طائعا أو مكرها بمتطلبات المجتمع المسلم) يا للعجب، مخاتلة حقيقية ومصادمة لحقائق الديموقراطية الواقعية التي نراها أمامنا، فهاهي أمريكا لا تزال تجادل وتشكك بديانة أوباما باحتمال كونه مسلما لتاريخ أسرته، وهو ينفي ذلك لعلمه أنه يتناقض مع بقائه في الحكم، وكذلك لا يحكم يهودي أمريكا كذلك.فلماذا ولمصلحة من يتم تشكيك شبابنا وشاباتنا بمبادئنا السياسية.

    (ينقل عن إمام الحرمين قوله لا مدخل للنساء ولا للعوام ولا لأهل الكتاب في تعيين الأئمة، ويعتبره سقفا منخفضا للمساواة السياسية وتقييدا لحقوق الانتخاب)ويتناسى أو يغفل حقيقة أن عبدالرحمن بن عوف إستفتى كل من كان بالمدينة حول تولي عثمان رضي الله عنه، بما فيهم النساء. أما أهل الكتاب وأهل المذاهب والعوام، فأفهم من كلام إمام الحرمين أنهم لا مشاركة لهم في تحديد المرشحين للولايات العامة الكبرى، وهذا تأخذ به عمليا الكثير من النماذج السياسية القائمة اليوم، فلا يقبل أبدا أن يتصدى للولايات العامة الكبرى إلا من تنطبق عليه شروطهم التي يحددونها.

    الدكتور سعد الدين عثماني:

    وهو وزير خارجية المغرب الحالي وتحدث عن تجربة الحركات الإسلامية في المجالات السياسية.
    (النظام الديموقراطي أكثر منطقية من النظام الإسلامي البسيط غير القابل للتطبيق) لا تعليق.
    (الحركات الإسلامية تحتاج لإعادة نظرها بموقف التردد والغموض الذي يحيط بها وبمنهج نظرها للفقه السياسي، ولتحرير الإلتباس الذي يحيط بفهمها للعلاقة بين الدين والسياسة.ولا يكون ذلك إلا أن تقبل بالتعددية السياسية، التي تقبل بدساتير تقر بحكم غير الإسلامي والإسلامي بصورة تداولية) لا تعليق.

    (التمييز بين الدنيا والسياسة وبين الهيئة الدعوية والحزب السياسي وبين الفتيا والسياسة، بحيث نقبل أن يكون دور الحركات الإسلامية دعوة الناس للدين وفتياهم بالقضايا العبادية، ولا يجب أن نخلط ذلك بالعمل بالسياسة ونترك ذلك لأحزاب سياسية دنيوية يكون فيها المسلم وغير المسلم من مواطني البلد، إذ ليس من المقبول وجود أحزاب دينية سياسية) يا للعجب، وكيف ننظر للأحزاب الديموقراطية المسيحية كما تسمي نفسها في أكثر من بلد.

    (التفريق بين آيات التشريع الديني والتدبير السياسي، والشريعة مرجع للقانون ولا يلزم أن نحكم بالشريعة.ودورنا أن نصنع إنسجام بين الشريعة والقانون المدني بالوسائل الديموقراطية.ويجب أن نميز الآيات القرآنية بين ما هو ديني وتلك المتعلقة بالتدبير السياسي أو القانوني المدني المرتبطة بزمانها)وهذا يتفق مع قرار حزب النهضة التونسي الأخير، ويمثل مع غيره نقضا لأصول الحكم الإسلامي والدولة الإسلامية.

    (الولاء الديني يجمع أمة الدين، لكن الولاء السياسي يجمع أمة الدولة السياسية التي تجمع أفرادها بالمواطنة أيا كان أديانهم أو مذاهبهم، ولهم بذلك حقوق ومشاركات متساوية) يا سبحان الله وهل تعتقد د.سعد الدين أن المسلم المقيم في أمريكا أو بذات الإطار الأمريكي المكسيكي، لهما حقوق سيادية مثلهما مثل الأمريكي الأصيل !!؟.

    (ليس من مقصد الشريعة أن يحكم الناس بما لا يريدونه، فلا بد أن يكون هنالك رضا وإنسجام من خلال قوانين مدنية تقر بالوسائل الديموقراطية والمعايير الدستورية، حتى نضمن لها قبول الناس) لا حول ولا قوة إلا بالله، ماذا أبقيتم للإسلام أيها النهضويون الجدد !!!.

    الدكتور عزمي بشارة:

    وهذا المفكر العروبي الكبير كما يبرزه النهضويون الجدد، لم يكن لمشاركته أن تكون ذات قيمة عالية لو شارك في الملتقى الأول الذي أتى قبل الثورات العربية، كما ربما لا يكون له إذا شارك في الثالث بعد أن تناقض في تناوله للثورة السورية.وأترك دلالة توقيت الملتقى ومشاركة عزمي للتأمل المجرد!!.

    (فرق بين المواطنين والرعية، فنحن نريد مواطنين متعاقدين بشكل متساو بحقوقهم وفرصهم في دولتهم، وليس أعضاء جماعة دينية أو رعية تابعة لمستبد سياسي) وهذا تكرا لتأكيد مفهوم المواطنة بما يشعرك أنه مقصود لذاته، ويراد أن توظف قضية الأقليات الدينية والطائفية والفكرية ليمارس من خلالها ضغوط على شباب وشابات الإسلام ومجتمعاتهم، يتم من خلالها تطويع وإخضاع الإسلام ومفاهيم مجتمعاته السياسية.وللتذكير هذا بالضبط هو جوهر المسألة التركية المعروفة تاريخيا.

    (المجتمع المدني صحيح أنه يشمل المؤسسات التطوعية، ولكنه يسبق ذلك بحرية الرأي ومبدأ المواطنة والحقوق المتساوية، وبذلك يصبح المجتمع المدني قادر على إنتاج نفسه وحماية نفسه خارج سلطة وهيمنة الدولة.والدولة القوية هي التي تنتج مجتمعا مدنيا قويا، ولا تخاف منه بل تعتبره مصدر قوة لها) هذا كلام جميل في ظاهره لكنه مخاتل، وذلك لأنه يفترض به من الأساس أن ينطلق من إنسجام ووحدة عقدية ودينية تضمن تكاتف وتوافق مكونات المجتمع المدني، وإلا سيصبح سيفا مسلطا على رقاب مجتمعاتنا الإسلامية ليخترقنا بها أصحاب الأديان والطوائف.ولننظر كأبسط مثال لدول ما بعد الثورات التي أثنى عليها عزمي بشارة، هل تحقق لها مجتمع مدني متماسك ومتفاهم، هاهي لا تزال متناقضة ومتصادمة بين أقباط ومسلمين أو علمانيين وإخوان مسلمين أو أمازيغ وعرب أو حوثيين وسنة، أو غيرها من المكونات التي لم تجتمع بعد ولم تتفق على صياغة المجتمع المدني الذي يبشرنا به المفكر العروبي الكبير ويطرحه لنا بنرجسيته العالية وتضخيمه الكبير لذاته ولكتاباته وأفكاره.

    والفارق الحقيقي بيننا وبين الدول الغربية أن أولئك صاغوا أولا أنظمة مجتمعاتهم المدنية بمكونات مجتمعاتهم المنسجمة فيما بينها، ثم أخضعوا الأقليات لتتوافق معها ولم يتركوا لها فرصة إختراق هذه الأنظمة بما يخدم مصالحهم.فليترك هؤلاء لبلداننا ومجتمعاتنا أن ترسم نمط وصورة مجتمعاتها المدنية بما يحقق مطالبنا ومصالحنا السيادية، ثم نحن سنضمن لكم حقوق هذه الأقليات بأفضل مما هو موجود لدى الغرب الذي تفاخروننا به.

    (نحن نعبيء شعوبنا على الهوية الدينية أو المذهبية أو العشائرية أو الأيديولوجية، وهذا خطأ والأولى أن نعبأهم على بناء الهوية الوطنية الثابتة.فدولة المواطنة أهم وأقوى من الدولة أو الأمة الدينية) لا أجد تفسيرا لكل هذا الإلحاح الذي يقدمه عزمي بشارة إلا خوفه من دولة وأمة الدين، وإستهدافه لتقويضها من خلال وهم دولة المواطنة.وإلا فليخبرنا المفكر العروبي الكبير أين هي دولة المواطنة في إسرائيل التي ينتمي إليها ولماذا لم تحم حقوق المواطن الفلسطيني، وأينها مندولة المواطنة الصينية أو الروسية لماذا لم تحم حقوق المسلم الصيني أو الشيشاني، وأينها من دولة المواطنة الإيرانية لماذا لم تحم حقوق السنة في الأهواز، بل أينها من دولة المواطنة الأمريكية ولماذا لم تحم المسلم الأمريكي بعد الحادي عشر من سبتمبر!!!؟.

    (الهوية العربية ببعدها الثقافي وليس العرقي هي الإمتداد الحقيقي لدول المشرق العربي، فلا نستغني عن البعد العربي في تشكيل هويتنا العامة أو الوطنية، وليس من خلال أيديولوجيا قومية) هنا ضحكت وأدركت أن القومي العروبي لا يمكن أن ينسى منطلقاته، ولكن حين سأله أحد الشباب عن العرقيات الأخرى غير العرب كالأكراد والأمازيغ، راوغ وقال أنها إنصهرت تحت راية اللغة العربية، وهرب تماما من الإعتراف بأن الذي صهرها وجمعها مع العرب في هوية واحدة جامعة هو دين الإسلام وليس شيء غيره.

    (التغيير قادم على كل دول المنطقة لا محالة، والدولة التي تكرس شرعيتها من خلال الإفراط باستخدام القبضة الأمنية أو من خلال الخدمات الريعية، غير قادرة على البقاء ولا بد لها من التغير.ونحن لا يمكن أن نقبل بإستمرارها هكذا مهما كانت الأحوال)وحينما ناقشه أحد الشباب عن نوعية الشرعية القبلية الموجودة في منطقتنا وبوجود إستقرار لبعض هذه الدول، راوغ أيضا وقال أن مصادر الشرعية قد تكون أحيانا غير شرعية لكنها تفرض نفسها بقبول الناس وضرب مثالا بالمملكة المغربية وقال أنها ملكية يدين لها المجتمع المغربي بأسره لثلاثة قرون ويصعب أن نأتي الآن ونطالب بتغييرها، لكن نقبل بتطويرها وإصلاحها لتتحقق فيها شروط الدولة والمجتمع المدني. ولا أدري هل هو يعرّض بذلك بالملكيات والإمارات الخليجية أم أنه يعتبر الخليج شيئا آخر !!!؟.ولا أدري هنا واستدلالا بكلام المفكر العروبي الكبير، ما الذي ينقمه د. محمد المختار الشنقيطي على الفقه الإسلامي، عندما إنتقد قبوله بشرعية فرضت نفسها بقبول المجتمع لها، ولماذا إعتبر ذلك تكيفا وخضوعا من التاريخ الإسلامي للسلطة السياسية القاهرة !!؟ وليس واقعية سياسية.

    (إذا لم تحن لحظة التغيير التاريخية، فلا بد من التوعية والتثقيف والترابط وصولا لذلك.ولا بد من خلق تصور جديد للإسلام يتجاوز الطائفيات ولغة التخوين والتكفير، ولا بد أن تعلو لغة الوطنية والحرية والديموقراطية)لا أجد تحريضا أكبر من هذا التحريض، ولكنه لم يخبرنا عن جهود هؤلاء الشباب التغييرية والتي يطالبها بصناعة اللحظة التاريخية، يريدها أن تصب في مصلحة من ويريدها أن تصنع نهضة جديدة لنا بأي تصور ومرجعية!؟ ربما يريدها بتصور الإسلام الجديد الذي يتحدث عنه وبتصور النظام العالمي الجديد الذي يتفق مع ثورة النهضويين الجدد.

    ختاماً

    لا أجد بعد هذا العرض لمحتويات الملتقى الأول والثاني، إلا أن أوجه النداءات التالية إلى:

    إدارة الملتقى ومموليه:فأناشدهم مراجعة موقفهم، وأتمنى عليهم وضوحهم مع مجتمعاتهم وبلدانهم ومنطقتهم الخليجية، وينتقلوا بعد ذلك لتغيير فلسفة ورسالة ورؤية ونموذج وأنماط ملتقيات نهضتهم لتكون أقرب لقناعة الأغلبية الوسطية حولهم، وأن ينتقلوا من تغيير المفاهيم والثقافة إلى تفعيل وترسيخ نهضتنا الإسلامية التي نعتز بها.

    شباب وشابات منطقة الخليج:لأناشدهم ألا يتوقفوا عن طلب الحوار والنقاش وتقديم الأسئلة المحرجة، ولكن على ألا يهربوا بعيدا عن جوهر نهضتهم الإسلامية الخالدة، وأن يكونوا هم نواة عودة هذه النهضة بتمسكهم بأسبابها وباعتزازهم بتاريخها وإنجازاتها، لا بتشكيكهم فيها وحيرتهم حولها.

    علماء ومفكرو ومثقفو منطقة الخليج:أناشدهم أن يتوقفوا عن هذه السلبية التي أرهقتنا ويبادروا للمطالبة بمعالم النهضة الحقيقية، ويعملوا على صياغة فلسفة ورؤية ورسالة ومشاريع النهضة التي نريدها لتجدد لنا عزّ الإسلام الذي نعرفه من تاريخنا بلا خضوع لسلطة سياسية قاهرة محلية أو دولية، وبلا تأثر بتفوق الحضارة المادية الغربية من حولنا وتشكيكاتها المتعددة، ويتحملوا في سبيل ذلك كل التحديات والتضحيات، وليضغطوا في سبيل تحقيقها على السياسي وليلزموه بقبول التغير المطلوب شرعا نحو العدالة الإسلامية وبخلق الإرادة السياسية التي تحفز للنهضة

    والله أسأل أن يسددنا جميعا لما يحبه ويرضاه.

    المصدر : رؤى فكرية
     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    مقالات الفوائد

  • المقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية