صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    الوحدة الوطنية في (السعودية) بين الخطابين: السلفي والليبرالي

    د. محمد بن عبد الله السلومي | 4/7/1432 هـ


    بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

    الوحدة الوطنية (1) في (السعودية) بين الخطابين: السلفي والليبرالي
    -وقفـات تاريخيـة، نتائج ولوازم -
     

    في ظل التطورات السياسية في العالم العربي ومع بداية العام 1432هـ -الموافق 2011م والحكومات العربية تبحث بلهف عن أية عوامل تقوي مناعتها وتعزز صمودها أمام طوفان تحديات ثورات شعوبها المطالبة بالتغيير، وكون الحكومة السعودية قـد تجاوزت بعض هذه التحديات، يـرِد السؤال التالي ونقيضه في آن واحد:
    هل يُعد المنهج (السلفي)(2) بخطابه من عوامل الأمن والاستقرار وتعزيز الوحدة الوطنية؟ أم يُعد من عوامل تفتيت الوحدة الوطنية؟
    والسؤال الأخير يُعبر عن الطرح المتكرر بشكل مباشر وغير مباشر من أصوات ليبرالية (3) طالما طرحت أفكاراً كثيرة موجزها: "أن مقتضى الوطنية للدولة السعودية (الحديثة) يتطلب تخلي الدولة عن المنهج السلفي! وعن خصوصية الوطن وهويته" (4)، بمزاعم وجود أقلية طائفية! ووجود ثقافات أخرى تتساكن الوطن!
    وطالما عملت على تسويق أفكارها وأطروحاتها بمصطلحات: (القولبة، الأدلجة، التكهف التحجر، الجمود)، أو برفع لافتات: (تجديد الخطاب الديني)، (إصلاح الخطاب الديني)، (نحن والآخر، تقبل الآخر، إقصاء الآخر) (وطن بلا هوية)، (وطنية بلا خصوصية) , إلى غير ذلك من المصطلحات واللافتات التي باتت معروفة في الساحة الإعلامية السعودية.
    وتتأكد أهمية طرح السؤال السابق هذه الأيام بعدما تغيرت موازين القوى في الدول العربية بعد نجاح الثورات الشعبية في كل من تونس ومصر في تغيير الأنظمة الحاكمة - وامتداد تأثير هذا النجاح إلى بقية الدول العربية - تلك الثورات التي نقلت المعادلة السياسية العربية من الاعتماد على القمع والتخويف - بمباركة القوى الدولية - إلى الاستجابة لإرادة الشعوب ومطالبها، مؤذنة بنهاية الاحتكار السياسي , وهذا ما سوف يؤدي إلى تغيير الاستراتيجيات الغربية تجاه حكومات العالم العربي وشعوبه، وربما إلى احترامه وتقديره!!
    هذه التساؤلات تفرض نفسها مع الواقع الجديد في تحولات القوة، ولأني مواطن، وباحث في بعض شؤون التاريخ شَاهَدَ وعَاصَرَ حجم التحدي الذي واجهته حكومة المملكة العربية السعودية والمخاطر الجسيمة التي هددت وحدتها الوطنية من جراء ما أُعلن عن يوم للمظاهرات (11 مارس ـ 6/4/1432هـ) وما ارتبط بها من نداءات وشعارات وتحزبات، أقول إنه تحدٍ لا يقل عن التحدي الذي أسقط بعض حكومات الدول العربية المجاورة، ومن يتتبع الإعلام الخارجي والداخلي، والإعلام الجديد(5) الذي أعلن عن موعد المظاهرات وطريقة تنظيمها في المدن السعودية، والذي تزامن مع الزلزال السياسي الذي وقع في دول الجوار، مع قوة الوسائل الإعلامية التي حَرَّضَتَ على المظاهرات في المدن السعودية لطرح برامج التغيير والإصلاحات، إضافةً إلى المناخ الخصب لقبول تلك الدعوات بسبب تأخر الإصلاح السعودي إدارياً وسياسياً - كل ذلك يُعَدُّ من العوامل المساعدة التي تصب في نجاح تلك المظاهرات - ومن يتتبع تصريحات المسئولين أيضاً وبيانات الجهات الرسمية في الحكومة السعودية قبل (11مارس - 6/4/1432هـ) وبعده يدرك حجم ما كان مخططاً له وأبعاده السياسية والاجتماعية الخطيرة ويثمّن القيمة النفيسة للأمر الذي أدى إلى تجاوزه(6).

    إن المتتبع لما سبق بزخمه الإعلامي يلفت انتباهه كثيراً عدم حدوث أي استجابة للمظاهرات في موعدها المنتظر! وهذا ما دعا كل راصد أن يتساءل:

    ما الذي أوقف طوفان المظاهرات وما قد يترتب عليها؟ وما الذي جنب البلاد الفوضى الفكرية والسياسية والاجتماعية على أقل تقدير؟ وجدت نفسي (في البداية) عاجزاً عن تفسيرٍ كاملٍ لفشل تلك المظاهرات المعد لها بقوة، وكانت كل الظروف والأجواء المحيطة تشجع على قيامها ونجاحها؟
    وفي البداية لم أكن أجزم بأن المنهج السلفي برموزه ومؤسساته وبفتاويه ونداءاته من كلا المدرستين (الرسمية) و(المستقلة)(7) قادر على إيقاف طوفان المظاهرات.... حتى بعد صدور آخر فتوى لهيئة كبار العلماء الصادرة بتاريخ 1/4/1432هـ الموافق 6/3/2011م وفيها ما نصه: {.... وهيئة كبار العلماء إذ تستشعر نعمة اجتماع الكلمة على هدي من الكتاب والسنة في ظل قيادة حكيمة فإنها تدعو الجميع إلى بذل كل الأسباب التي تزيد من اللحمة، وتوثِّق الألفة وتحذِّر من كل الأسباب التي تؤدّي إلى ضد ذلك، وهي بهذه المناسبة تؤكِّد على وجوب التناصح والتفاهم والتعاون على البر والتقوى والتناهي عن الإثم والعدوان، وتحذِّر من ضد ذلك من الجور والبغي وغمط الحق.... كما تحذِّر من الارتباطات الفكرية والحزبية المنحرفة إذ الأمة في هذه البلاد جماعة واحدة متمسِّكة بما عليه السلف الصالح وتابعوهم، وما عليه أئمة الإسلام قديماً وحديثاً من لزوم الجماعة والمناصحة الصادقة، وعدم اختلاق العيوب وإشاعتها مع الاعتراف بعدم الكمال ووجود الخطأ وأهمية الإصلاح على كل حال وفي كل وقت.... فإن الهيئة تؤكِّد أن للإصلاح والنصيحة أسلوبها الشرعي الذي يجلب المصلحة، ويدرأ المفسدة وليس بإصدار بيانات فيها تهويل وإثارة فتن وأخذ التواقيع عليها، لمخالفة ذلك ما أمر الله عز وجل به.... والهيئة إذ تؤكِّد على حرمة المظاهرات في هذه البلاد فإن الأسلوب الشرعي الذي يحقِّق المصلحة، ولا يكون معه مفسدة، هو المناصحـة وهي التي سنّها النبي صلى الله عليه وسلم، وسار عليها صحابته الكرام وأتباعهم بإحسان}(8).

    وبدأت أتساءل:
    هل هذه الفتوى وما سبقها أو تبعها من فتاوى علماء المنهج السلفي في السعودية ونداءات الدعاة والخطباء، التي أوضحت رأيها في الحكم الشرعي للمظاهرات في السعودية، هي التي أبطلت دعوات المظاهرات؟ لاسيما أن تلك الفتاوى والنداءات كانت من كلا المدرستين السلفيتين السابق ذكرهما.
    ولا يعنيني في هذا المقام تحرير الحكم الشرعي في كون المظاهرات جائزة، أم غير جائزة! لكن الذي يعنيني هنا هو قياس قوة الفتوى الشرعية لعلماء المنهج السلفي، وفاعليتها، ومدى استجابة المجتمع السعودي لها.

    لذلك بقي السؤال المطروح: هل هذا المنهج السلفي (بمدرستيه) هو الذي قلب الطاولة على دعاة المظاهرات؟ حتى ظهر مشهد سياسي سعودي مختلف بشكل كبير عن بقية دول العالم العربي؟ مشهد فريد لفت انتباه كل أجهزة الرصد الإعلامية والسياسية الداخلية والخارجية، أم أن هناك أمراً آخر غير ظاهر ولا معلوم؟
    لقد كنت متردداً من الإفصاح عن عدم قناعتي بالتفسير القائم على أن فتاوى العلماء وخطاب الدعاة والخطباء لاعب رئيسي في هذه المسألة وأنها كانت عنصـراً أساسيــاً في المعادلة!
    كنت أظن مثل آخرين يشاركونني الرأي: أن تأثير الخطاب السلفي في السعودية قد ضعف كثيراً ولم يَعُد له فاعلية حقيقية، وإن اختلفنا في الأسباب المؤدية لذلك:
    * فهناك من يرى أن الضعف عائد إلى انتهاء دوره الكبير الذي بدأ في ملحمة التأسيس، والبناء ثم ضعفت فاعليته فيما بعد ذلك، وهناك من يرى أنه: راجع إلى عدم حاجة السلطة إليه في ظل التحالفات مع القوى السياسية الدولية الكبرى كما هو رأي بعض الليبراليين الذي عبروا عنه في كثير من كتاباتهم وطروحاتهم، ورأي ثالث: يرى أنه راجع إلى ضعف آليات المنهج السلفي وتخلّف وسائله، إضافةً إلى (الانتقائية) في معظم القضايا التي يتناولها خاصة (الرسمي) ورأي رابع يرجعه إلى: أثر قوة الحملات الإعلامية الدعائية المعادية التي يشنها خصوم المنهج السلفي ممن يتبوؤون مراكز القيادة في الإعلام، حتى وُصف الإرهاب بأنه من مخرجات هذا المنهج! وأن المنهج السلفي (بتشدده) يعدّ من عوامل تفتيت الوحدة الوطنية!

    لكن وبعدما حدث أخيراً: بدأت بعض قناعات ما قبل (جمعة حنين المظاهرات) تتبدد وانجلى الأمر أكثر حينما ألقى (الأمير نايف بن عبدالعزيز) كلمته من موقعه الإداري والأمني في الدولة، وذلك في اليوم التالي لـ (جمعة حنين) السبت 12/ مارس حيث شكر فيها سماحة المفتي والعلماء والخطباء مؤكداً في هذا الخطاب - بمنطوقه ومفهومه- دور الخطاب السلفي وأهميّته قائلاً: {لا يفوتني في هذا المقام أن أضيف إلى شكري لجميع المواطنين، أن أشكر سماحة مفتي المملكة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ وعلماء المملكة وأئمة المساجد ولكل العقلاء من أبناء هذا الوطن، لقد ردُّوا بكل قوة وثقة - بعد الله- على الأشرار الذين يريدون بنا شراً , ولكننا - ولله الحمد- أمناء على هذا الوطن وكل مصالحه، فهذا إيجاز لكل ما أقوله فالكثير في قلبي وعقلي ولكنني أؤكد على أن شعبنا رفع رؤوسنا أمام العالم كله}(9).
    لكن الصورة الكاملة للمشهد لم تتضح عندي بعد، ولا زال شيء من الشك والتساؤل يتراوحان: هل الخطاب السلفي بمدرستيه الرسمية والمستقلة له فعلاً هذه القوة(10)؟ أم أن الخطاب السلفي أقل من ذلك، ولكن ساعدته عوامل وعناصر أخرى؟ مثل قوة العامل الأمني عند الحكومة، والعامل الاقتصادي عند الأكثرية في المجتمع السعودي؟
    ولعل التساؤل الثاني هو ما كنت أميل إليه طيلة الثمانية أيام (من جمعة فشل المظاهرات 11/ مارس وحتى جمعة صدور القرارات 18/ مارس)، لكن بعد جمعة القرارات وخروج الملك بالقرارات (العشرين المعروفة) بتاريخ 13/4/1432هـ الموافق 18/3/2011م.
    وحدوث رد الفعل الايجابي عند أصحاب الخطاب السلفي، وما تزامن معه من رد الفعل السلبي عند معظم أصحاب الخطاب الليبرالي، كل ذلك كشف أن (المجتمع السعودي) كان أمام خيارين لطروحات معسكرين متعاكسين! إما أن يستجيب لنداء المظاهرات، أو يستجيب لفتاوى العلماء التي تحرم ذلك؟ والذي بدا واضحاً أن (المجتمع السعودي) اختار تجاهل نداءات التظاهر، وقرر بحرية كاملة الاستجابة لنداء العلماء!
    وهذا ما يعتبر استفتاءً نزيهاً صحيحاً، صريحاً، غير معلن، نتيجته عالية جداً لصالح ما يمكن تسميته بـ (استمرار صلاحية الخطاب السلفي).
    وبغض النظر عمّن يرى أن تلك الفتاوى السياسية الشرعية ناتجة عن ضغط من صاحب القرار السياسي على العلماء, أو من يرى عدم قناعة صاحب القرار السياسي بالمنهج السلفي إلا عند الحاجة والضرورة وفي أشياء محددة، أو من يرى أن علماء السعودية على سعة علمهم وفقههم وإخلاصهم؛ إلا أنهم فاقدو الأهلية لإصدار فتاوى موثوقة أو مستقلة لفقدانهم أجواء الحرية في إصدار الفتاوى، ومع أن ما سبق يعد آراء معتبرة؛ فإن ما في هذه الورقات ليس معنياً بالأهداف الخبيـئة أو الخفية ولا النوايا القلبية لكلا الطرفين (المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية) بقدر ما هي معنية بالإشارة إلى رصد الحجم الحقيقي لتأثير المنهج السلفي وأهميته ودوره في التأثير على المجتمع السعودي أو ما يسمى (الشارع السعودي) , وأثره على الأمن والاستقرار وبالتالي الإبقاء على الوحدة الوطنية للدولة السعودية.
    ثمّ إن إفراد (الملك) بـ (ستةٍ) من القرارات العشرين الموجهة للشعب الســـعودي أي ما يقارب (الثلث) لصالح المنهج السلفي وحده، ممثلاً بـ (علمائه ورموزه ودعاته ومؤسساته)، لهو إقرار وقبول بنتيجة هذ الاستفتاء (غير الرسمي!) وإن جاء لصالح السلطة السياسية في النهاية إلا أنه رسالة واضحة وصريحة في منطوقها ومفهومها للداخل والخارج، وهي تعكس مصداقية المنهج السلفي ورجاله وخطابه لصالح الوطن ووحدته.
    وفي رأيي أن تلك القرارات (الستة) برمزيتها، وبتفعيلها المنتظر لا تخرج عن أحد أمرين أو ربما كليهما:
    أحدهما: أنها مكافأة مقطوعة لأصحاب الخطاب السلفي مقابل حفظهم للعهود ومواقفهم الثابتة من أيام التأسيس وحتى اليوم.

    والآخر (وهو ما أرجوه): أنها قد تكون (استراتيجية) جديدة بالكامل تصب في دعم المنهج السلفي لمراحل تاريخية قادمة، ظهرت نتيجة قراءة جيدة وواعية للأحداث من صاحب القرار بسبب تحولات القوة في العالم العربي لصالح الشعوب، حيث تضمنت القرارات الستة ما يدعم عقيدة المجتمع وثوابته وهي كالتالي(11) :

    * الإشادة بالعلماء، وحمايتهم من الإعلام، وما تضمنته من التنبيه على عدم تعدي جهات الإعلام على كبار العلماء بالقرار رقم (أ/71)(12) حيث ورد فيه التالي: {..... واستشعاراً منا بما يجب نحو عُلمائنا الأفاضل، وهم أهل العلم، وحراس العقيدة، وَمَنْ حباهم الله بحُسن الهَدْي وعلو السّمْت على جادة شرعنا المُطهر، بوسطيته واعتداله وسعة أفق حَمَلَتِهِ، في مشمول ما أكدوا عليه في فتاواهم، وقراراتهم، وبياناتهم ومحاضراتهم، فمثلوا -بحمد الله- الامتداد العلمي لسلفنا الصالح في سياق مبارك لا نستغربه من عُلمائنا الموفقين بفضل الله عليهم للنهل من معين الكتاب والسنة، بعيداً عن مزالق البدع والأهواء، والغلو والتطرف على محجة بيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، وحرصاً منا على أن يعكس الإعلام نهج الدولة المُستند إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لتحقيق ذلك في آداب التعامل مع عُلمائنا من خلال عدم المساس أو التعرض لسماحة مُفتي عام المملكة، وأصحاب الفضيلة أعضاء هيئة كبار العُلماء، بالإساءة أو النقد، ولأهمية التقيد بذلك والحرص عليه، على كافة وسائل الإعلام الالتزام التام بما ذكر...}(13).

    * تعزيز المؤسسات الدينية وطرحها السلفي بإنشاء فروع للإفتاء في مناطق المملكة بوظائف محددة وميزانية معتمدة بقرار رقم (أ/72)، وهو أيضاً دليل آخر يوضح ما عانت منه المؤسسات الشرعية من تقصير أو تهميش، حيث ورد فيه التالي: {انطلاقاً من قول الحق جل وعلا: ’’فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون‘‘، واستشعاراً منا بأهمية الفتوى وتبصير الناس بشؤون دينهم في مسائل الحلال والحرام، ولما أنعم الله به على بلادنا بالكفاءات الشرعية المؤهلة التي تقدرها مرجعية الفتوى، وتحسن اختيارها وتسدد خطاها}.

    * إنشاء مجمع فقهي بقرار رقم (أ/73)، وفيه ورد التالي: {... رغبةً منا في إنشاء: ”مجمع فقهي“ ليكون مُلتقىً علمياً تُناقَشُ فيه القضايا والمسائل الفقهية، تحت إشراف هيئة كبار العُلماء بحيث يتم من خلاله استقطاب العديد من كفاءاتنا الشرعية المؤهلة، وإتاحة الفرصة لهم لتقديم أطروحاتهم العلمية ومناقشتها، وإبداء الرأي حيالها بقرارات علمية رصينة، تراعي ثوابتنا الشرعية في أفق المبادئ العلمية، والأسس المنهجية لهيئة كبار العُلماء}.

    * دعم مالي لجمعيات تحفيظ القرآن بقرار رقم (أ/75) وفيه ورد التالي: {انطلاقاً من أهمية حفظ وتعلم الكتاب الكريم، وأثره المبارك على تربية النشء، متى ترسخ في وجدان كل منا فهم معانيه العظيمة، وإدراك مقاصده السمحة، بعيداً عن مفاهيم الغلو والتطرف، وارتياحاً منّا للعمل المبارك الذي تضطلع به الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم}.

    *
    تعزيز الخطاب الديني ممثلاً في مكاتب الدعوة، وذلك بتقديم دعم مالي لمكاتب الدعوة والإرشاد بقرار رقم (أ/76) وفيه ورد التالي: {حرصاً منا على استمرار الدولة في اضطلاعها بواجبها في الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، بعيداً عن أساليب الغلو والتطرف اقتداءً بنهج سلفنا الصالح في الوسطية والاعتدال أمرنا بما هو آت: أولاً: يُخصص بشكل عاجل مبلغ (300.000.000) ثلاثمائة مليون ريال لدعم مكاتب الدعوة والإرشاد بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد}.

    * إعادة الثقة بجهاز الحسبة والإقرار بأهميته، حيث قدم دعم لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقرار رقم (أ/77)، وفيه ورد التالي: {.... وإيماناً منا بأهمية شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثرها العظيم في سلوك المجتمع المسلم، وحرصاً على دعم هذه الفريضة الإسلامية التي أولتها المملكة ما تستحق من العناية والرعاية، اعتزازاً منا برفع شعـارها ودعم رجالها ورعاية أعمالها(14)}.
    وكل هذه القرارات (الستة) برمزيتها، أو بأثرها المنتظر- بإجماع الراصدين والمحللين- تصب في تقوية المنهج السلفي بمدرستيه ممثلاً في أهمية المرجعية الدينية الشرعية للمجتمع والحكومة، ولم تكن تلك القرارات من صاحب القرار السياسي لوحدها كافية في التعبير عن الأثر الإيجابي لدور المنهج السلفي وخطابه الديني المجهض للمظاهرات والمعزز لوحدة الدولة السعودية فحسب , فكــان ثناء (الملك) في (جمعة القرارات) على كل من العلمـاء والدعاة بكلمـات تنضـح بالثقـــة حيث قـال: {اسمحوا لي أن أخاطب العلماء في هيئة كبار العلماء أو خارجها الذين وقفوا ديانة للرب عز وجل وجعلوا كلمة الله هي العليا في مواجهة صوت الفرقة ودعاة الفتنة، ولا أنسى مفكري الأمة وكتابها الذين كانوا سهاما في نحور أعداء الدين والوطن والأمة وبكل اعتزاز أقول للجميع ولكل مواطن ومواطنة إن أي أمة ترفع كلمة الحق لا خوف عليها}(15).
    إن هذه الكلمة وما صحبها من قرارات أجهزت على ما بقي في نفسي من شكوك كانت تراودني حول قوة المرجعية السلفية والخطاب السلفي بفتاواه السياسية الشرعية ودورها في إفشـال (مظاهرات حنين 11 مارس) وبالتالي دور الخطاب السلفي في بقاء الوحدة الوطنية وقوتها.
    وقد اتضح لي بعد كل ما سبق أن المنهج السلفي في السعودية لا زال قوة فاعلة لا يستهان بها واضحة الأثر أبطلت أو (أخَّرت) كل الارتدادات الاهتزازية القوية الناتجة عن الزلازل السياسية الهائلة المجاورة، من خلال دور تلك الفتاوى في تحقيق أهداف مزدوجة؛ أعطت معظم الناس شرعية الإحجام والقعود عن التظاهر من جهة، كما أعطت الحكومة شرعية القمع والتصدي للمتظاهرين المخالفين لتلك الفتاوى من جهة أخرى، وبهذا يتأكد خطورة تهميش أو إسقاط المنهج السلفي من الحسابات السياسية للدولة، أو قبول تشويهه، أو حصر دوره في خدمة المؤسسة السياسية بدلاً من تلبية متطلبات وتطلعات المجتمع السعودي بشكل خاص والأمة الإسلامية بشكل عام.
    كما ظهر أن الفترة السابقة الممتدة (من: 11 سبتمبر 2001م، إلى 11 مارس 2011م، أي عشر سنوات كاملة) كانت (بحق) امتحاناً عسيراً، لصبر وحلم علماء المنهج السلفي ورموزه في السعودية! حيث تمت فيها محاولات مستميتة لإقصاء خطابهم السلفي، وتهميش مؤسساتهم بل وإضعاف قوتها وأثرها، من خلال حملات إعلامية مسعورة طيلة عقد كامل من الزمن.
    عقد كامل تطاول فيه الخطاب الإعلامي الليبرالي على كل رموز المنهج السلفي ومؤسساته بكل أنواع التطاول والسخرية والانتقاص، حتى أصبحت جزءاً من حلقات برامج الكوميديا السعودية الساخرة، لاسيما في أشهر الصيام والعبادة! وطالما وضُع المنهج السلفي في موضع الاتهام وعلى كرسي المحاكمة في مواد إعلامية متنوعة جريئة ومبتذلة طالت معظم المؤسسات الدينية ورموزها والمناهج التعليمية الدينية ومعلميها، والمرأة السعودية المحافِظة وحقوقها وكرامتها ووطنية العلماء والدعاة، بل لقد وصل التطاول إلى كل فتاوى العلماء بشكل عام , وفتاواهم عن الأقلية الطائفية بشكل خاص، كمـا نهشت أعراض الخطباء وسفهت نداءاتهم وخطبهم وشككت في نزاهتهم، ولم تسلم حتى القنوات الإسلامية وبرامجها والمواقع الالكترونية الإسلامية وخطابها الدعوي المتوازن في غالب الأحوال لدرجة أن أحـــدهم قـال: ’’ لقد انتهت محاسبة العلماء للصحافة، وبدأت محاسبة الصحافة للعلماء ‘‘.

    إنّ هذه النتيجة التي تعارضت مع كل التوقعات والظنون دعتني إلى المزيد من التأمل فيما وقع في العقد الماضي ما بين (11 سبتمبر 2001م، و11 مارس 2011م):
    ذلك أن قراءات وإيحاءات (جمعة القرارات) أعطت مؤشرات صريحة تبشر بإمكانية تجاوز أوزار (11 /سبتمبر 2001م)، التي حُمِّلت الدولة السعودية (حكومة وشعباً) تبعاتها ظُلماً وبغياً كمـا تـؤشر على بـداية الانعتـاق من ضغــوط الحكــومات الأمــريكية المتعاقبة(16) فيما يتعلق بدعاوى الإرهاب التي كانت موجهة ضد الدولة ممثلة بحكومتها وعلمائها وشعبها ومناهجها الدينية ومؤسساتها الخيرية طيلة عقد من الزمان , كما تدل تلك القرارات على أن الحكومة أدركت شيئاً من الصناعة الليبرالية للصراعات الفكرية الداخلية.

    إن التفسيرات التي دعمت انتصار الخطاب السلفي الذي أفرز (جمعة القرارات) دعتني إلى مراجعة أكثر وقراءةٍ أشمل للتاريخ السعودي مع المنهج السلفي (من زاوية محددة) تتناول تاريخ نصرة المنهج السلفي للقضايا السياسية للحكومة السعودية، فكان تسجيل الوقفات التالية:

    الوقفة الأولى: المتتبع أو الراصد للخصومة على (الوطنية) من معظم أصحاب الاتجاه الليبرالي مع المنهج السلفي طيلة العشرة أعوام الماضية يدرك حجم (مزايدات الخطـاب الليبرالي على الوطنية) حيث كانت المحـاولات المتراوحة ما بين (التجيير والاختطـاف أو الالغـاء) لمفهـوم (الوطنية السعودية)، حتى أن هذه المحاولات تجاوزت حدود المنطـق والعقلانية إلى السخرية من الخصوصية السعودية (التاريخية والجغرافية (17))! التي اختارها الشعب والحكومة على حدٍ سواء أساساً للوحدة الوطنية، لكـن مـوعد (جمعة المظاهرات ـ 11 مارس) كان مختبراً حقيقياً أمام دعاة (الوطنية الليبرالية) بطروحاتهم ومواقفهم الوطنية!! وكانت النتيجة التي ظهرت للناس هي:
    بروز "المنهج السلفي" على السطح (في لحظة الأزمة) على أنه الموجِّه الحقيقي للانتماء والولاء في الدولة السعودية، وأن العقيدة الصحيحة بخطابها السلفي وفتاويها بشكل خاص ورموزها هي عامِل موحِّد وليس عامل فرقة وإثارة كما كان يُكتَب ويُسوَّق في معظم صور الخطاب الليبرالي في كثير من وسائل الإعلام السعودية(18).
    كتب الدكتور غازي القصيبي عن الإصلاح المنشود في العالم العربي، واستبعد أهمية الوحدة الفكرية للوحدة الوطنية فقال: ’’ أتمنى للأنظمة العربية الراغبة في الإصلاح أن تجد الفرصة الكافية لتحقيق الإصلاح، أما الأنظمة التي لا تود تغيير شيء وتعتقد أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان، فأرجو أن تعثر على جبل يعصمها من الموج(19) ‘‘.
    ثم قال عن التجربة البحرينية الناجحة في التعددية "حسب رأيه": (ما على الذين يعتقدون أن هذا الطرح النظري يستحيل تطبيقه عملياً إلا أن يرجعوا إلى الخطوات الإصلاحية المتدرجة على طريق التعددية، والتي اتخذها الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة أمير دولة البحرين منذ توليه الحكم قبل أقل من 3 سنوات "حوالي عام 1421هـ الموافق 2001م" (20)) انتهى كلامه.
    أقول: لقد أكدت أحداث البحرين (أوائل هذا العام 2011م) خطأ حسابات القصيبي ومعظم أصحاب الخطاب الليبرالي، كما أثبتت عدم صحة استنتاجهم الذي يستبعد أهمية الأثر العقدي على الوحدة الوطنية.
    كما أكدت إخفاقات (جمعة المظاهرات 11 مارس) ونتائج (جمعة القرارات 18 مارس) أن تهمة الخيانة الوطنية أصبحت قائمة بحق كل من أراد إضعاف الأفكار والأسس التي قام عليها الكيان السعودي (وهي العقيدة السلفية بخطابها وفتاويها).
    بل ان هذه القرارات أرسلت مؤشرات قوية تبشر بميلاد قناعات جديدة، أو تجدد قناعات سابقة داخل صف أصحاب القرار السياسي في الحكومة السعودية، لاسيما تلك المتعلقة بفشل أصحاب الخطاب الليبرالي والسياسي بمفاهيمه وطروحاته الفكرية أو الوطنية خلال عشر سنوات مضت، أي منذ (أحداث 11 سبتمبر 2001م وحتى جمعة القرارات 2011م)، وفي الوقت الذي سجل التاريخ نجاح المنهج السلفي بخطابه العملي والدعوي، حيث أثبت أنه صمام أمان للأمن والاستقرار وبالتالي للوحدة الوطنية للدولة السعودية، هذه الرؤية قد لا تتفق مع من يرى أن السبب يرجع إلى (تبدلات) في موازين القوى والنفوذ داخل الديوان الملكي السعودي، لكن الواضح في ظني أن تلك القرارات لم تكن ناتجة عن مجاملات من أصحاب القرار السياسي بقدر ما كانت معرفة حقيقية بأثر المنهج السلفي على الناس، وقدرتهم على استثماره لصالحهم كما أنها ناتجة عن تشخيص واقعي لحقيقة حجمه (بمدرستيه) وإدراك لحضوره القوي والفعال في حس المجتمع والأمة كلها.
    هناك فوارق جوهرية بين ثوابت المنهج السلفي بمدرستيه وما قامت عليه الدولة السعودية من جهة وبين طموحات خصومه المضادة له من جهة أخرى، وهذا ما حدا بملك البلاد أن يعبر بوضوح عن رأيه في المنهج السلفي ورجاله بالقول: ’’ الذين وقفوا ديانة للرب ‘‘، فمع أن هذا المنهج قد حانت له الفرصة ليصفي حساباته الكثيرة مع مناوئيه من بعض الرسميين والإعلاميين، بسبب ما حدث له ما بين (11 سبتمبر 2001م و11 مارس 2011م) مما هو معروف ومشاهد على مستوى الداخل والخارج , لكن الذي ظهر للحكومة السعودية قبل غيرها: هو أن الثوابت العقدية والتعبدية تجاوزت بأصحاب المنهج السلفي ردود الأفعال مع جميع خصومه والمناوئين له بما فيهم بعض أجنحة السلطة.

    الوقفة الثانية:
    لقد عُطلت (فضائيات إسلامية) ومنعت من البثّ، كما حُجبت (مواقع اليكترونية) محسوبة على المنهج السلفي خلال السنوات الماضية، وذلك قبل الثورتين التونسية والمصرية، وكان الإغلاق بقرارات رسمية صادرة من وزراء الإعلام في العالم العربي بمزاعم أنها تثير الفتنة الطائفية والفرقة -علماً بأنها كانت تعمل على عكس ذلك- ثم جاءت الأحداث فيما بعد لتصدق رؤية تلك القنوات والمواقع، وعلى سبيل المثال حينما عادت تلك القنوات التي ترتبط بالمنهج السلفي للبث بعد سقوط النظامين التونسي والمصري لم تقم تلك القنوات بانتهاز الفرصة لتصفية الحسابات، لكنها على العكس أسهمت بحماس وقوة مثل غيرها من القنوات الإسلامية المستقلة عن الحكومات بنقل فتاوى العلماء ومحاضراتهم على الهواء مباشرة للتحذير من المظاهرات في السعودية، حتى ورد أن حوالي سبع وعشرين قناة إسلامية محسوبة على الاتجاه السلفي نقلت بشكل مباشر محاضرة لأحد المحسوبين على المدرسة السلفية المستقلة والرسمية في آنٍ واحد، وذلك في ليلة 11/ مارس(21)، مما أثار دهشة كل راصد تجاه ثوابت المنهج السلفي وقوة تأثيره!.
    لقد كانت تلك القنوات مستهدَفَةً بالتشويه والتأليب عليها من كُتَّاب سعوديين وغيرهم فترة طويلة من الزمن حتى تم إيقافها، ثم أصبحت فجأة قنوات شرعية مطلوبة ومرخص لها! مما يدل على أهمية الخطاب السلفي للحكومة بوسائله المتعددة والمتنوعة، كما أن المنهج السلفي ممثلاً هنا بقنواته الفضائية وبمواقعه الإليكترونية تجاوز بمواقفه الشرعية خصومات الإعلام والمسؤولين والحكومات وغيرها إلى تطبيق ثوابته، التي تحتل الوحدة ونبذ الفرقة وإبعاد عوامل الفتنة أعلى هرم أولوياتها، ولذلك فإن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه هو: ما الثمن المعنوي الذي سوف تقبضه المدرسة السلفية المستقلة من الحكومة والدولة؟ وهل ستكون الحماية الحقيقية لهذه المدرسة ومؤسساتها ورموزها من تشويه العابثين هي جزء من الثمن على أقل تقدير؟

    الوقفة الثالثة:
    إن ما حدث من تأثير المنهج السلفي وخطابه بفتاويه؛ دعاني إلى إعادة قراءتي التاريخية للجانب (السياسي وعلاقته بالجانب الديني) عند تأسيس الدولة السعودية، وتعمدت تركيز القراءة عن الدولة السعودية (الثالثة) دون سابقاتها لاعتبارات ترتبط بالواقع، كان الهدف منها تمحيص دور المنهج السلفي وعقيدته في فترة تأسيس الدولة السعودية، ودور هذا المنهج في الوحدة الوطنية للدولة الفتية الناشئة، حيث كشفت القراءة الكثير من حقيقة المنهج السلفي ودوره الرائد في فترة التأسيس، ثم في مراحل البناء من بعدها، وكيف أن هذا المنهج بفتاويه الأخيرة قد أبرز أهمية دوره من جديد، في تجاوزه بالحكومة مخاطر وفتن كبيرة لا يمكن استيعاب حجمها وأثرها على الدولة السعودية لضخامتها، مما يُحمِّل المؤسسة السياسية في الدولة مسؤولية حماية المؤسسة الدينية (الرسمية) بقوة، ما يتطلب إعادة النظر في المناهج الشرعية بتقويتها في التعليم العام، حيث الوحدة الفكرية هي الأساس القوي للوحدة الوطنية حسب معطيات التاريخ والواقع.
    ومَن أعاد القراءة التاريخية لتلك الأحداث مستصحباً دور أولئك العلماء والمطوِّعين والمرشدين الدينين والخطباء والدعاة، سيُدرك أن قيام المملكة العربية السعودية واستقرارها، ثم رسوخ وحدتها الكاملة لم تكن إلا بالمنهج السلفي ورجاله، وقد أكد على هذه الحقيقة كثيرون، ومنهم: الرحالة والباحث الفرنسي (بنواميشان) في حديثه عن الملك عبدالعزيز –رحمه الله- وأنصاره وعصره حيث قال: ’’إن مستقبل الجزيرة العربية كلها في ذهن الملك، كان معلقاً بهذا الإصلاح الكبير في ميادين الاجتماع والجيش والدين من أجل ذلك أعار نجاحه كل هذا الاهتمام الخاص كما أنه لم يكن في وسعه أن يفعل شيئاً في هذا الميدان، إلا بمساعدة الفقهاء والعلماء والواعظين(22) ‘‘ انتهى كلامه.
    والقراءة التاريخية الاجتماعية والسياسية لنشوء الدول وسقوطها تؤكد أن (الدين) كفكرة نظرية مجردة غير كاف لقيام دولة كبيرة موحدة ومستقرة، بل لابد من منهج دعوي وتربوي قائم على العقيدة يطوّع الناس لدين الله، وشهادة التاريخ تؤكد بصورة قاطعة أن الوحدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للدول الإسلامية المتعاقبة؛ والتي امتدت على مساحة جغرافية هائلة تتباين فيها اللغات والعادات والثقافات لم يكن لها أن تنجح إلا بمثل هذا العمل , ونجد أن التاريخ يعيد نفسه عند بناء (المملكة العربية السعودية)، التي لم تقم على شعارات إسلامية فرضت نفسها بقوة السيف فحسب كما يحلو لكثير من الليبراليين أن يصوروا القضية(23) متجاهلين دور رجال الدعوة السلفية وعلمائها وفتاويهم، أولئك الذين جاهدوا بدعوتهم وتربيتهم وإخلاصهم - قبل سيوفهم - تلك الدعوة التي حررت العقول من الجهل والخرافة وطوَّعت القلوب والنفوس، وذللت الأرواح والأبدان لدين الله ممثلاً بالمنهج السلفي الذي يقضي بوجوب (طاعة الله في طاعة ولي الأمر في غير معصية)، والتعالي على النزعات الفردية والعشائرية والقبلية تعبداً لله لصالح وحدة الأمة، وهذا ما تنبَّه إليه الملك عبدالعزيز ((رحمه الله)) خلافاً لمنافسيه من الحكام في الداخل والخارج آنذاك، حيث عمل على تمكين المنهج السلفي بعقيدته وشريعته وعلمائه (بفتاويهم)، ورجاله (بمطوِّعته)، الذين ضحوا بأنفسهم وأوقاتهم وقاموا بدورهم كاملاً في تطويع القلوب والنفوس والعقول لدين الله تزامناً مع توطينها في المدن والقرى والهجر، إدراكاً منه أن الوحدة الفكرية للدولة هي أساس للوحدة السياسية.
    وروايات التاريخ تحكي أن (الملك عبدالعزيز) جاهد خصومه بـ (الإخوان)، كما جاهد ضد بعضهم _ عندما اختلف معهم _ بفتاوى العلماء.
    وكانت وسيلته في ذلك كله علماء السلف وفتاويهم التي تجاوزت بالمملكة الفتية مخاطر التفرق والتمزق، إلى وحدة فريدة قامت بقوة المنهج السلفي.
    تقول الدكتورة (موضي بنت منصور بن عبدالعزيز) عن دور السلفية وأهمية فتاوى العلماء: ’’في مذكرة كتبتها الآنسة بل Miss Bell، تحدثت فيها عن شخصية الملك (عبدالعزيز) وأنه سلفي صارم وكان يطلب من القبائل ليس فقط الطاعة الأدبية ولكن الطاعة الشرعية، وهذا يعني أنه أقام مركزه كزعيم ديني وسياسي، وأن ابن سعود كان حريصاً على أن تصدر الفتاوى الشرعية ليست باسمه وإنما بتوقيع أشهر العلماء(24) ‘‘.
    كما تقول (موضي) عن دور التعاليم السلفية: {لقد صدق الملك في تقديره: إن حركة التوطين وتثبيت التعاليم السلفية؛ ستكون هي العامل الحاسم في تغير موازين القوى في الجزيرة العربية وتكشف الوثائق أن رأياً عاماً قد تكوَّن في أعقاب الكشف عن ذلك المشروع الهائل بأن هذا الحدث هو الذي سيقوِّم مركز ابن سعود في وسط الجزيرة العربية(25)}.
    وتقول: {الوثائق تكشف بصراحة ووضوح عن أهمية التوطين مع نشر التعاليم السلفية(26)}

    الوقفة الرابعة:
    حينما أطلَّت بوادر الخلاف والنزاع والشقاق في فترة تأسيس المملكة زمن المؤسس كانت الحاجة ماسة إلى العلماء وفتاويهم بسبب الخلاف الناشئ بين الملك عبدالعزيز ومجاهديه في نهاية فترة التأسيس، وهي الفتنة المسماة بـ (فتنة الإخوان) حيث قام العلماء عن طريق فتاويهم بإقناع أكثرية الإخوان بالعدول عن فكرة الخروج على الحاكم أو الامام كما كان الإخوان يسمونه، حيث انضم قسم من المجاهدين إلى جيش الإمام واعتزل قسم آخر الفتنة وبقي القسم الثالث منهم على رأيه، وهذا الخطاب السلفي الذي قام به العلماء جَنَّبَ البلاد والعباد فتنة أكبر , لأن تلك الفتوى أقنعت أكثريتهم، وجنَّدت الأنصار والأعوان من غيرهم لقتال المخالف، تقول الباحثة (موضي): {لجأ الملك إلى تهيئة الرأي العام لإجراءات أكثر شدة وحزماً فدعا ذوي الرأي والعلماء إلى مؤتمر الشعراء في السنة التالية وهي عام 1347هـ(27)}.
    وتقول الباحثة: {وقد أحسن الملك في اعتماده على تكوين الرأي العام الصحيح على فتوى العلماء التي أشارت إلى وقوع هؤلاء في أمور تخل في دينهم ودنياهم لأنهم يأتون ذلك محبة للدين بغير دليل(28)}.
    (ويدل مؤتمر الشعراء 1347 هـ، 1928م وهي قرية بين الرياض ومكة في وسط أعالي نجد على اهتمام الملك بالرأي العام المستند إلى العقيدة الصحيحة في مواجهة حركات العصيان(29)}.
    وبهذا تأكد دور السلفية بعناصرها المتعددة في عملية التوطين، كما تأكد دورها في وأد الفتنة وبقاء الوحدة وتفويت فرص الطامعين والمنافسين في حكم الجزيرة العربية.

    الوقفة الخامسة:
    الدور الأساسي الذي قدمته فتاوى علماء المنهج السلفي التي أدت إلى عزل الملك سعود، وتولية ولي عهده الأمير فيصل –رحمهما الله- فكانت تلك الفتاوى عامل أساسي في تثبيت حكومة المملكة العربية السعودية بناء على البيعة الشرعية وليس على غيرها، إضافة إلى دور تلك الفتاوى في نزع فتيل الخلاف والفتنة والإبقاء على الوحدة الوطنية، وقد ورد في الفتوى الأخيرة النص التالي:
    {فبناء على الخلافات القائمة فيما بين جلالة الملك سعود وأخيه سمو الأمير فيصل والتي سبق أن اجتمعنا لها في شهر شعبان، ودرسناها، واتخذنا فيها قرارنا المؤرخ 16/ 8/ 1383 الذي رجونا في ذلك الوقت أن يكون حاسماً لتلك الخلافات، وبناءً على ما ظهر لنا أخيراً من عدم حسم ذلك القرار للنزاع، وبالنظر لتوسع هذه الخلافات في الآونة الأخيرة، وأنه كادت تقع بسببها فتنة وفوضى في البلاد لا يعلم مدى أضرارها ومفاسدها إلا الله عز وجل، وحيث أنه لابد من النظر في وضع حل حاسم لهذه الخلافات والمنازعات التي تتجدد من حين لآخر، والتي لا تعود إلا بالضـرر على العباد والبلاد، فقد عقدنا نحن الموقعين أدناه عدة جلسات، ودرسنا الأوضاع على ضوء تطور الأحداث واستعرضنا حالة الملك الصحية وظروفه الراهنة، وبالنظر إلى أن جلالة الملك غير قادر على القيام بمهام أمور الدولة فقد قررنا بناء على ما تقتضيه المصلحة العامة،........ يقوم سمو الأمير فيصل ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، بتصـريف جميع شؤون الدولة الداخلية والخارجية، في حضور الملك وغيبته، بدون الرجوع إلى الملك في ذلك، هذا ما قررناه متمشين مع ما تقتضيه النصوص الشـرعية، المراعية للمصالح العامة.......... (30)}.

    الوقفة السادسة:
    حين وقعت حادثة ما يسمى بـ (فتنة الحرم المكي) عام 1399هـ /1400هـ، زمن الملك خالد بن عبدالعزيز –رحمه الله-، حيث أربكت تلك الفتنة الحاكم والمحكوم على حد سواء، وكانت الحساسية السياسية الكبرى في هذه الحادثة تكمن في أن تلك الفئة كانت ترفع شعار السلفية والتجأت إلى الحرم المكي، مما زاد الأمر تعقيداً في التعامل الأمني معها، إضافة إلى أنها دعوة احتجاج أو معارضة تستنكر ضعف التزام الحكومة بكامل أحكام الشريعة حسب الأسس التي قامت عليها الدولة، فكان القول الفصل لعلماء المنهج السلفي خاصة (الرسمي) بفتاويهم الواضحة والصريحة عن تلك الحادثة، حيث أسهمت الفتوى في بقاء الوحدة الوطنية.
    وكانت تلك الفتوى في1/1/1400هـ، وأُلحقت بها فتوى أخرى، ومما ورد فيها: {وهذه الطائفة تجرأت على مخالفة أمر الله وأمر رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإجماع الأئمة، ولذلك سأل ولاة الأمر عن الحكم لمكافحة شر هؤلاء، فصدرت الفتوى الشرعية بأن على ولي الأمر أن يقضي على فتنتهم باتخاذ كافة الوسائل، ولو أدى ذلك إلى مقاتلتهم إن لم يندفع شرهم إلا بذلك.. لقوله تعالى: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين) وهذه الآية وإن كانت نازلة في الكفار، فإن حكمها شامل لهم ولغيرهم ممن فعل فعلتهم، فاستحلال قتال في الحرم بإجماع العلماء، ولقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم فاضربوا عنقه كائنا من كان. وهذا حكم من يدعي أنه المهدي وغيره، وهذه الطائفة أرادت شق عصا المسلمين وتفريق كلمتهم والخروج على إمامهم، فدخلت في عموم هذا الحديث وغيره من النصوص الشـرعية الدالة على معناه، وولاة الأمر وفقهم الله لكل خير، مشكورون على ما قاموا به من جهد لإخماد هذه الفتنة والقضاء عليها، فنسأل الله أن يعز بهم الإسلام والمسلمين وأن يوفقهم لما فيه صلاح العباد والبلاد، إنه سميع مجيب وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم(31)}.
    الوقفة السابعة: حين غزا (الجيش العراقي) دولة الكويت ثم أطراف السعودية، وكان دخول القوات الأجنبية لأراضي الحرمين، ففزع الناس حكاماً ومحكومين للعلماء وفتاويهم، فتجاوزت البلاد بتلك الفتاوى أخطاراً جسيمة عندما صدرت فتاوى هيئة كبار العلماء المعروفه عن جواز الاستعانة بالكفار عند الضرورة، وانتصرت تلك الفتاوى على الآراء الفقهية المخالفة بالرغم من وجاهة الأخيرة وأدلتها العلمية، حيث أن وحدة البلاد على أساس من الفتاوى السلفية (الرسمية) كانت عند العلماء فوق كل اعتبار، واستشعر الموافق والمعارض أن وحدة المنهج والفكر هما الأساس القوي الذي جنب البلاد حينها مخاطر كبيرة من الحروب والفتن.
    لقد تجاوزت الدولة السعودية (حكومةً وشعباً) بفتاوى المنهج السلفي مخاطر التمزق الداخلي والأطماع الخارجية، بغض النظر عن ما أثير حول تلك الفتاوى من تحفظات لدى كثير من رواد المدرسة السلفية الأخرى (المستقلة)، والتي لم تُصعّد رأيها المعارض منذ نشوئها إلى مصادمة الفتاوى الشرعية الرسمية، نظراً إلى أن المنهج السلفي -بمدرستيه الرسمية والمستقلة- أثبت أنه يُغلِّب جانب السمع والطاعة وحقن الدماء ووحدة الأمة وعدم الانجرار للفتنة، وقد كثر الجدل والنقاشات والحوارات والأسئلة الفقهية حول هذه المسألة الخلافية وبالرغم من ذلك فقد كانت الفتاوى الرسمية المتتابعة عامل استقرار ووحدة بل وعصاً سحرية للوحدة السياسية.
    والمهم هنا في هذا السياق تدوين قدرة هذا الخطاب على المساندة السياسية للدولة السعودية وذلك بغض النظر عن النتيجة العامة وَرَدِّ فعل شعوب العالم الإسلامي الذي رأى أن نتيجة فتوى الاستعانة بغير المسلمين في الدفاع عن بلاد المسلمين لم تصب في خدمة الأمة الإسلامية، مما انعكس سلباً على إضعاف هذا الخطاب (داخلياً وخارجياً) بسبب اقتصار الخطاب السلفي (الرسمي) على رؤية السلطة الحكومية.

    إن التساؤلات والأجوبة الكثيرة عن حكم جواز الاستعانة بالكفار يكشف ما قد يكون مجهولاً عن حجم الخلاف الفقهي الذي حدث في هذه المسألة , كما يكشف من زاوية أخرى بعض ثوابت المنهج السلفي، ومن أبرزها: السعي لوحدة الأمة، ومنها أن الشيخ ابن باز ((رحمه الله)) كما هو معلوم كان قد أُوقِف زمن الملك عبدالعزيز بسبب إحدى المسائل الفقهية , ومع ذلك كانت له فتاوى لصالح الحكومة، ومن ذلك الفتوى المتضمنة للسؤال وبعض الجواب هنا وهذه الفتوى بالذات كشفت حجم الخلاف الفقهي الكبير داخل المنهج السلفي بمدرستيه حول هذه المسألة:
    سؤال للشيخ عبد العزيز بن باز:{يقول بعض الناس الذين يشككون في فتوى هيئة كبار العلماء بشأن الاستعانة بغير المسلمين في الدفاع عن بلاد المسلمين وقتال حاكم العراق- بعدم وجود الأدلة القوية التي تدعمها فما تعليق سماحتكم على ذلك؟}، الجواب: {قد بيّنا ذلك فيما سبق وفي مقالات عديدة، وبيّنا أن الرب جل وعلا أوضح في كتابه العظيم: أنه سبحانه أباح لعباده المؤمنين إذا اضطروا إلى ما حُرِّم عليهم أن يفعلوه، كما قال تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُـمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْـهِ)، ولما حرم الميتة والدم والخنزير والمنخنقة والموقوذة وغيرها قال في آخر الآية: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) , والمقصود أن الدولة في هذه الحالة قد اضطرت إلى أن تستعين ببعض الدول الكافرة على هذا الظالم الغاشم لأن خطره كبير ولأن له أعوانا آخرين، لو انتصر لظهروا وعظم شرهم، فلهذا رأت الحكومة السعودية وبقية دول الخليج أنه لابد من دول قوية تقابل هذا العدو الملحد الظالم، وتعين على صده وكف شره وإزالة ظلمه , وهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية لما تأملوا هذا ونظروا فيه وعرفوا الحال بينوا أن هذا أمر سائغ، وأن الواجب استعمال ما يدفع الضرر...} انتهى كلام ابن باز.
    وفي سياق عدم قبول الفتوى السابقة وما يماثلها، تَقدم مجموعة متنوعة من أطراف الحراك السياسي في السعودية بمذكرة إصلاحية أسموها (مذكرة النصيحة) آنذاك، وضمت عدداً من رموز المنهج السلفي (المستقلين)، وكان موقف علماء المنهج السلفي الرسميين عدم الرضا تجاه المذكرة وعُدَّت تلك المذكرة في ذلك الوقت تجاوزاً وتحدياً للحكومة، فكان صدور الفتوى الطويلة الشهيرة لهيئةِ كبارِ العلماءِ من مدينةِ الطائفِ في شهر ربيعٍ الأول لعام 1413 هـ، التي انتصرت لموقف الحكومة السعودية على حساب مطالب المذكرة، والذي ينبغي أن يُخص بالتسجيل هنا هو موقف رموز المنهج السلفي (غير الرسمي) منهم، فبالرغم مما وقع بحق بعضهم من أذى أو سجن إلا أنهم لم يخرجوا إلى الخارج كمعارضة سياسية، أو لم يعملوا بالدعوة للخروج على الحاكم واستمروا في حضورهم الدعوي والإعلامي كعناصر فاعلة ومهمة من عناصر الاستقرار والوحدة، وكان لبعضهم مواقف مشهودة في الأحداث الأخيرة -مظاهرات حنين- لصالح الدولة ووحدتها الوطنية، مما يعكس الثوابت لدى المدرسة السلفية (المستقلة).
    وقد رصد كثير من المراقبين النتائج السلبية لمواقف وفتاوى كثير من رموز المنهج السلفي الرسمي في السعودية، المتعلقة بالتصدي للعدوان الأمريكي على العراق عام 2003م، الذي أفضى إلى احتلاله سياسياً وعسكرياً واقتصادياً؛ وأفرز شروراً ومخاطر أكبر من خطر صدام حسين؛ كتلك المخاطر المتعلقة بالمدّ الإيراني العقدي والسياسي المهدد باجتياح المنطقة بأكملها.
    كما أسهمت تلك الفتاوى المتعددة والمتنوعة (أيضا) بالإجهاز على الجبهة العراقية السنيّة التي كانت تقف سداً منيعاً في وجه المطامع الإيرانية في كل من العراق والخليج، فأصبحت إيران التوسعية مصدر خطر حقيقي وكبير يهدد دول المنطقة، والخليج بشكل خاص.

    الوقفة الثامنة:
    عندما أطلت أحداث (الحادي عشر من سبتمبر 2001) كانت نتائجه زلزالاً هائلاً (تجاوزت قوته العشر درجات بمقياس’’ريختر‘‘!؟)، وكان مركز الزلزال الدولة السعودية إلا أنه شمل بارتداداته وتبعاته (الإسلام) والعالم الإسلامي كله، حيث وُضع الإسلام في قفص الاتهام بتهمة جديدة خطيرة! وهنا أقبل كثير من أصحاب الخطاب الليبرالي بخيلهم ورَجِلهم مستصحبين -بحسابات ضيقة الأفق- خصوماتهم مع المنهج السلفي، في خيانة صريحة للأمة والدين، بتقديمهم اعترافاً صريحاً للأعداء بمسؤولية الإسلام عن تلك الأحداث، ليصفُّوا حساباتهم مع المنهج السلفي على حساب الدين كله ومصلحة الأمة بأسرها، كما تماهت مواقفهم تلك مع خصوم الوطن المعادين لـفكر المجتمع السعودي، فوضع الإسلام كله ممثلاً في المنهج السلفي على كرسي المحاكمة عالمياً لدرجة أن قناعات كثير من الناس بالمنهج السلفي اهتزت لكن الفتاوى الشرعية السلفية _ كالعادة _ كانت حاضرة لتثبيت المجتمع السعودي فكانت عنصراً قوياً في تقوية الثقة بالمنهج السلفي من جهة، والحفاظ على الوحدة الفكرية والعقدية... والسياسية للحكومة السعودية من جهة أخرى.
    وزادت الأعباء على الدولة السعودية بعلمائها ودعوتها السلفية ووحدتها الفكرية بتداعيات هذا الحدث، ثم ما ترتب بعد ذلك على غزو العراق وأفغانستان، وطرح مشروعات معلنة في الكونجرس الأمريكي لتقسيم السعودية، ثم بروز بعض مظاهر الإرهاب المحلي , فتجاوزت السعودية بفتاوى علماء المنهج السلفي صوراً كثيرة من الفوضى الفكرية والثقافية، كما تجاوزت بكل ما سبق كثيراً من عوامل التفكك والانقسام نظراً للوحدة الفكرية والفقهية له.
    وصحب ما سبق هجماتٍ مباشرة وغير معهودة من معظم أصحاب الخطاب الليبرالي السياسي على المنهج السلفي - من خلال منابرهم الإعلامية الرسمية لأول مرة في تاريخ المملكة - بوصفه صانعاً للإرهاب الفكري والتخريبي، وظهرت اتهامات صريحة متطرفة لمنهج الشيخ محمد بن عبدالوهاب الفكري والإصلاحي وبصورة مباشرة، وشجع هذا الغطاء الإعلامي المسعور بعض الاتجاهات الطائفية المناوئة لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وغيرهم، واتفق الطرفان أو تقاطعت المصالح بينهما على طرح مشروع الإصلاح والوحدة الوطنية على أسس مدنية ليبرالية وعلى حساب المنهج السلفي، مستبعدين مباديء وقيم الوحدة الوطنية السعودية التاريخية القائمة على أساس حاكميه الشريعة للمجتمع والدولة، فتناغمت جميع تلك الطروحات في الداخل السعودي مع بعضها لتفتك مآلات خطابها بقيم ومقومات الوحدة من الداخل، وصاحبها تناغم موجات إعلامية خارجية , مع ضغوطات سياسية ودعم غربي خارجي مكشوف لتلك الأفكار(32) إضافة إلى حملات التغريب الفكرية والأخلاقية الموجهة ضد المجتمع السعودي من الداخل والخارج، المتزامنة مع مخاطر الليبرالية الاقتصادية(33) على الحياة الاجتماعية وتحويل الأمة إلى مجتمع استهلاكي، تسود فيه أنماط وقيم غربية، إضافة إلى مخاطر الجانب السلبي للعولمة.
    لقد نهض أصحاب الاتجاه الطائفي المعادي للسلفية بالدعوة للخروج وتنظيم المظاهرات مستهدفاً وحدة الدولة السعودية والأساس (العقدي) الذي قامت عليه , في الوقت الذي تربص فيه (الآخر ’’الليبرالي‘‘) – على الأقل بِصمْته - نتائج تلك الأحداث متمنياً - على الأقل - تغيير واقع الوحدة الوطنية التي قامت على أساس العقيدة والمنهج السلفي والبيعة الشرعية، ليستبدلها بمنهج آخر...
    إن هذا وذاك من تلك المخططات والطروحات -التي فشلت -عزَّزا في ذات الوقت أهمية المرجعية الشرعية السلفية في الفتاوى والحاكمية للدولة السعودية، تلك المرجعية التي تَعتبر الفتنة في الدين وتفتيت الأمة بالخلاف والشقاق والدماء خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها.
    إنّ ما سبق من تجاوزات معظم الليبراليين ومعظم الأقلية الطائفية على المنهج السلفي ضاعف من تحديات المجتمع السعودي وعلمائه، إلا أن فتاوى المنهج السلفي والمدرسة السلفية (الرسمية والمستقلة)كانت دوماً حاضرة في الساحة الإسلامية عموماً والسعودية بشكل خاص رغم ضعف الرؤية السياسية عند بعض رموز المنهج السلفي الرسمي، وافتقارهم للوسائل والآليات التي تتناسب مع واقع العصر ومتغيراته، لكنها مع ذلك كله تجاوزت بالمجتمع المؤمن بتعاليم هذا المنهج صنوفاً متنوعة ومتعددة من حملات التشويه، وتصدت لكثير من حملات التغريب التي استهدفت تغيير الهوية الوطنية التي قامت عليها الدولة السعودية، أو إرباك القيم الاجتماعية القائمة على الدين بعقيدته السلفية، وأبقت الوحدة الفكرية والفقهية صامدة رغم الضعف أو الاستحياء في الطرح أو التأخر في الاستجابة أحياناً.

    الوقفة التاسعة:
    إن إعادة القراءة لبعض (الجوانب التاريخية) في عوامل الوحدة الوطنية واجب شرعي على المتخصصين تتطلبه المرحلة الحالية أكثر من أي مرحلة سابقة، وذلك للاستفادة من التاريخ! كما أنّ تحديات التغريب الفكري والأخلاقي التي ينادي بها دعاة الليبرالية والديمقراطية فيما بعد المرحلة التاريخية للتأسيس ليست بأقل خطورة من التحديات التي واجهها الملك عبدالعزيز -عند التأسيس - وعالجها بسياسة التوطين، والعقيدة السلفية، من خلال الدور الكبير الذي قام به العلماء و(المطوِّعون) للناس آنذاك في الهِجَر والمستوطنات فكانت الوحدة الفكريـة، وتجاوز الملك عبدالعزيز بجهود هؤلاء مخاطر تلك التحديات المهدِّدة لقيام الوحدة الوطنية، ولذلك فإن لفت الانتباه إلى المزيد من القراءة السياسية لتاريخ المملكة أمر في غاية الأهمية، ومن ذلك معالجة نقص القراءة في السياسة الشرعية (للمطوِّعين) ودورهم الرائد في عملية التوطين، وهذا أو ذاك أمر مهم في عوامل الوحدة، وقد كتب كثير من الباحثين عن (العلماء) ودورهم، كما كتب آخرون كتباً عن (الإخوان) كقوة عسكرية في ملحمة التأسيس وتخصصت مؤسسات ثقافية علمية في الكتابة عن المؤسس (الملك عبدالعزيز) كما أشارت كتابات أخرى عن (الهِجَر) ودور التوطين في إنجاح الوحدة الوطنية لكنها لا تزال مغمورة أو غير منتشرة، ومن ذلك ما كتبته الأميرة الدكتورة موضي بنت منصور بن عبدالعزيز في رسالة علمية لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة أم القرى -والتي سبق الإشارة إلى بعض من كتاباتها-، وكان هذا البحث من البحوث التي تم نشرها بمناسبة مرور مائة عام(المئوية) على تأسيس المملكة العربية السعودية.
    لكن الكتابة عن دور (فتاوى العلماء) والحاجة الدائمة لها، و(المنهج السلفي) وأهميته و(المطوِّعين) في عهد الملك عبدالعزيز وجهودهم المباشرة في عملية التوطين، ودور (الدعاة والخطباء) فيما بعد ذلك، كل ذلك يحتاج إلى المزيد من القراءات والكشف التاريخي عن عوامل تأسيس الوطن السعودي وبنائه، وعوامل وحدته الفكرية وأسس قوته السياسية المرتبطة بالمنهج السلفي عبر التاريخ السابق واللاحق منذ البيعة التاريخية (الدينية السياسية) بين محمد بن عبدالوهاب ومحمد بن سعود – رحمهما الله - تلك البيعة الشرعية السياسية التي قامت عليها الدولة السعودية الأولى وتوحد بها الكيان السعودي.
    لقد تجاوزت الحكومة السعودية بعد وفاة الملك عبدالعزيز – وتحديداً زمن الملك سعــود وفيصل – تحديات كبيرة اجتاحت معظم دول العالم العربي، واستهدفت تغيير النظام السعودي بشكل خاص وذلك من قبل تنظيمات محلية سعودية وإقليمية ثورية يسارية وناصرية وقومية وطائفية، وقد تجاوزت الدولة السعودية تلك التحديات بالبيعة الشرعية ودعم العلماء، وبقوة القاعدة الشعبية للمنهج السلفي لدى المجتمع السعودي.

    الوقفة العاشرة:
    سَجَّل التاريخ غياب الحضور القوي للصحافة السعودية، وكتابها المحسوبين على الخطاب الليبرالي عن حدث (مظاهرات حنين 11 مارس)، ذلك الغياب الذي لا يتناسب مع هذا الحدث الكبير , حتى وصلت الشكوك إلى (وطنية الصحافة والصحفيين) وذلك ما يحتاج إلى نقاش في المراكز الثقافية والمجالس غير الرسمية والمنتديات الاجتماعية إضافة إلى الجهات الرسمية المعنية مثل (وزارة الإعلام) و(مجلس الشورى) وغيرها , فليس هناك خطر (إرهاب) على الوحدة الوطنية للدولة السعودية أقوى من خطر (إرهاب) (مظاهرات حنين 11مارس) , التي كانت تحتاج إلى حملة صحفية قوية جداً , أو على الأقل تماثل حملات بعض كتاب الصحافة السعودية التي ربطت بين (الإرهاب) وبين المدرسة السلفية.
    إن غياب المادة الصحفية حول الأحداث الأخيرة يدعو كل متابع للمقارنة بما سبق حدوثه تجاه الحملات عن (الإرهاب!)، وقد اكتفت الصحافة بذكر بيان وزارة الداخلية الصادر بمنع المظـاهرات وبيان فتوى هيئة كبار العلماء السابق ذكره فقط!! لكن لعل غياب الصحافة ومعظم كتَّابها ربما يرجع إلى عدم إيمانهم بالمؤامرات المزعومة التي سودوا صفحات الصحافة بذكرها وتهويلها من جهة، أو إلى اعتبارات أخرى غير معلومة حتى الآن.

    إن الرصْد الإعلامي الموثَّق بإحصائيات عن عدم مشاركة الصحافة السعودية في التوعية بهذا الحدث ومخاطره كان لافتاً للنظر , كتب الأستاذ مفرح الجابري عن هذه الظاهرة وسجَّل في رصده الموفَّق نماذج فقط توجب لفت الانتباه إلى ضرورة المزيد من الدراسة في التدقيق في الأرقام, واستقصاء جميع الصحف , ثم دراسة أسباب غياب أو تغييب الغيرة الوطنية عن هذا الموضوع وتقييم ذلك، فكان مما كتب (الجابري): {قمت برصد عدد كبير جدا من المقالات لعدد كبير أيضا من كتاب صحفنا المحلية، وقد اخترت ثلاث صحف من أكبر صحفنا المحلية وأوسعها انتشارا وأكثرها قرَّاءً.. وكان من هذه الصحف: عكاظ والرياض والجزيرة}.

    ويقول الجابري: {كانت الفترة التي رصدتُ فيها هذه المقالات في أوج الفتنة وتعالي الأصوات للدعوة للمظاهرات.. وللأسف كانت النتيجة مخيبة لآمالي، وأظنها ستكون مخيبة لآمالكم كذلك.. قمت برصد مقالات كُتَّاب هذه الصحف الثلاث جميعها في الفترة من (يوم الأربعاء 27/3/1432هـ إلى يوم الأحد 8/4/1432هـ) أي لمدة (12) يوماً وخرجت بالنتائج التالية:
    عدد المقالات التي كُتبت في صحيفة عكاظ في الفترة المشار لها (290) مقالاً، وعدد المقالات في صحيفة الرياض في نفس الفترة كذلك (227) مقالا.. ليصبح عدد المقالات التي اطلعت عليها في الصحيفتين (517) مقالاً.
    عدد الكُتَّاب الذين سُطِّرت تلك المقالات بأسمائهم بلغ في صحيفة عكاظ (92) كاتباً.. وفي صحيفة الرياض (89) كاتباً.. فيصبح عدد الكُتَّاب في الصحيفتين (181) كاتباً بعد هذه الأرقام الكبيرة لكم أن تتخيلوا أو تخمنوا كم هي المقالات التي نددت بالدعوة للمظاهرات وحذرت من الخروج فيها.. وكذلك كم هم أولئك الكُتَّاب المؤتمنون على الكلمة الذين بينوا للناس الحق في مثل هذه الفتنة.
    أتمنى أن تتوقعوا أرقاما معينة في أذهانكم قبل قراءة النتيجة التي سأذكرها..!!!!
    عدد المقالات التي تحدثت عن المظاهرات في المملكة العربية السعودية لم تتجاوز (5) مقالات في صحيفة عكاظ!! نعم (5) مقالات من مجموع (290) مقالاً!! وهي ما يساوي 1.7% من مجموع المقالات(34).
    وفي صحيفة الرياض كان عدد المقالات التي تحدثت عن المظاهرات (5) مقالات أيضا!!, نعم (5) مقالات من مجموع (227) مقالا.. فهي تمثل إذن (2,2 %) من مجموع المقالات في الصحيفة(35)}... {النتيجة لوحدها قد تكون كافية لمعرفة الخادم الحقيقي للوحدة الوطنية، وهل هو الخطاب السلفي؟ أم الخطاب الليبرالي؟ والدراسات والأبحاث في هذه القضية جديرة بالوصول إلى نتائج أدق!!} انتهى كلام الجابري.

    وأخيراً ظهر لي أن النتيجة النهائية لفسيفساء الساحة السعودية قد تشكلت بعد الأحداث الجارية على الصورة التالية:
    صمود الوحدة الفكرية لعموم المجتمع السعودي المحافظ الناتج عن ارتباطه القوي بالمرجعية الشرعية والفقهية السلفية رغم الزلازل والهزات العنيفة على الرغم من عدم الرضا عن بعض الفتاوى السياسية عند البعض.
    بروز دور المنهج السلفي القيادي , حيث كان قبول عموم (المجتمع السعودي) لفتاوى العلماء والدعاة والخطباء في11/ مارس 2011م قبولاً كاملاً ومثيراً للانتباه، في الوقت الذي عصفت دوامة (السونامي) السياسية بالعالم العربي، فكانت الفتاوى السلفية الشرعية –كما سبق- صمام أمان للمجتمع والحكومة والدولة، وعامل وحدة وطنية للمجتمع السعودي.
    سقوط الأقنعة الزائفة عن مفهوم الوطنية وعوامل الوحدة، وظهور الوجه الحقيقي لتوجهات كثير من الليبراليين السياسية في الفترة السابقة الذين استمدوا قوتهم من (سونامي) الحادي عشر من سبتمبر 2001م، ومن رُكام (أبراج مانهاتن).
    انكشاف حقيقة دعاوى الوطنية التي ينادي بها التيارين الليبرالي والطائفي، المعاديَين للمنهج السلفي، والذيْن عملا معاً في خندق واحد بمشروعات مشتركة تحت لافتات متعارضة مع ثوابت الأمة والدولة، من خلال محاولاتهما إقصاء المنهج السلفي من عناصر الوحدة الوطنية للدولة.
    ظهور الفشل الكبير للطروحات المستوردة، التي كانت تسعى إلى اختطاف قيم ومبادئ الوطنية التي وحَّدت الدولة السعودية حوالي ثلاثة قرون، وبرزت بشكل واضح في الدولة السعودية الثالثة، وفي مقابل ذلك الفشل برز نجاح كبير للمنهج السلفي، الذي برهن على أنه ليس من عوامل الوحدة الوطنية فحسب , وإنما هو عامل رئيس ومهم لاستمرار تلك الوحدة.
    ثبوت أهمية المنهج السلفي وخطابه الدعوي للحاكم والحكومة، باعتباره العامل الأساس في توطيد الأمن والاستقرار من خلال الواقع والأحداث التاريخية المتعاقبة للملكة.

    وبعد تلك الوقفـات السابقة ونتائجها، تأتي تسـاؤلات كثيرة وكبيرة ومهمة، منها:

    * ماذا بعد القرارات الملكية؟
    * ماذا بعد (المواقف) الأخيرة للمنهج السلفي بمدارسه وأطيافه الدعوية المتعددة(36)؟
    * ما هو المقابل لتلك المواقف التي أنقذت الحكومة من مخاطر الزلازل المجاورة؟
    * ما هي الخطوات العملية الصادقة عند الأطراف المعنية لضمان استمرار فاعلية الخطاب السلفي لتحقيق الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية؟
    * ما مدى قدرة الخطاب السلفي في السعودية على مواجهة التحديات القادمة واستيعابها؟
    * هل انتهت بتلك (المواقف)، و(القرارات) كل التحديات التي سوف تواجهها الحكومة والمنهج السلفي مستقبلاً.... أم أن ذلك بداية للتحديات؟
    كل المؤشرات تدل على أن التحديات في بداياتها تجاه كل من الحكومة والمنهج السلفي بكافة مدارسه، وألوان طيفه.
    إن ما سبق من نتائج وتساؤلات هو أمر كبير بلا شك، ويترتب عليها (لوازم) كبيرة على قدرها، ويمكن أن نشير إلى ابرز تلك اللوازم المترتبة على النتائج السابقة فيما يلي:
    * التفعيل السريع من الحكومة للقرارات الملكية الـ (20)، كبادرة لإثبات المصداقية والجدية.
    * الاستجابة السريعة للمطالب الشعبية الملحة، والتي تشكل ضرورة وطنية؛ سواءً تلك المتعلقة بالتنمية والبطالة، أو البنية التحتية، أو التعليم، أو المظالم، أو الأمور الاجتماعية الأخرى المتنوعة.
    * الجدية في محاربة الفساد المالي والإداري، والمعالجة الإستراتيجية للأخطاء السابقة كتلك التي أدت إلى كوارث السيول في جدة (على سبيل المثال لا الحصر).
    * إعادة النظر في بعض القرارات الحكومية السابقة التي تتعارض مع فتاوى العلماء، ومع المنهج الذي قامت عليه الدولة، مثل تلك القضايا المتعلقة بـ: التعليم والمناهج الدراسية و(المرأة) في مجالات العمل والاختلاط....، وغيرها.
    * على المنهج السلفي - بكافة مدارسه ورموزه وألوان طيفه الدعوي - مسؤولية استمزاج رأي (الشارع) وتبني المطالب الشعبية (المشروعة)، بدلاً من أن يتجه الناس إلى الجهات والهيئـات الحقوقية ذات المرجعية (الليبرالية العلمانية) في الداخل والخارج.
    * على الحكومة بوجه عام والمنهج السلفي على وجه الخصوص مسؤولية الاستعداد للتحدي القادم مع عشرات الألوف من المبتعثين للخارج الذين يراهن (الليبراليون) على أنهم حجر الزاوية في التغيير الثقافي والاجتماعي المنتظر، والسياسي المحتمل، مع شيوع ثقافة الحقوق بالمنظار الغربي الليبرالي.
    * إنشاء لجان مناصحة، ومراكز حوارات متخصصة لمرضى (متلازمة 11 سبتمبر).
    لعل القرارات الملكية برمزيتها، وأثرها المنشود تُعد من الحزمة الأولى في برامج الإصلاح المنتظره، لكن التحديات السياسية والإدارية لكل من الحكومة وللخطاب السلفي كبيرة، وستتعاظم بدرجة أكبر، ما لم تتكامل حزم الإصلاح الإدارية والسياسية الشاملة والمنشودة قبل فوات الأوان... وإلا..... (لا عاصم يومها من أمر الله إلا من رحم).

    وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين.

    -------------------------------------
    (1) المقصود بـ (الوطن) ما هو أكبر من الحكومة والدولة، فالوطن هو: ((مجموع الأرض والهواء والماء والتاريخ والجغرافيا، والقيم والثوابت والمبادئ التي اجتمع عليها وفيها المواطنون، والتي قامت عليها الدولة، ومنها انبثقت شرعية الحكومة))، وبهذا المفهوم فإنّ الوطن حقٌّ للجميع، وله حق على الجميع حكاماً ومحكومين، و(الوطنية)المقصودة هنا هي انتماء للوطن بهذا المفهوم.
    (2) يلاحظ أن رؤية المنهج السلفي في السعودية عن العلاقة بين الحاكم والمحكوم قائمة بموجب حاكمية الشريعة الإسلامية على كل من الحكومة والدولة والمجتمع من خلال بيعة شرعية وفق الكتاب والسنة، بينما هي في الغرب تقوم على أساس نظرية " العقد الاجتماعي" الذي نادى بها ((جان جاك روسو " 1712- 1778م)) وغيره، وبذا يكون للإسلام (بعقيدته وشريعته وفتاوى علمائه) الحاكمية العليا على المجتمع والدولة والحكومة، بينما يرى الليبراليون أن الدين أحد مكونات الدولة وليس المهيمن عليها.
    (3) ينفرد الخطاب الليبرالي في دول العالم العربي عامة وفي السعودية خاصة عن معاني وقيم الليبرالية المعروفة في الغرب - مصدرها الأساس – بكثير من الأمور، لكن أهم ما تزايد به ليبرالية (السعوديين) هو: انتقاص الآخر، وفرض الوصاية عليه والعمل على التغيير القسري لقيم المجتمع.
    (4) لا نقصد بـ الهوية الوطنية، "البطاقة الشخصية"، كما هو شائع " خطأ " في كثير من الاستخدامات، فالهوية الوطنية أكبر من هذا الاختزال بكثير.
    (5) وقد يسمى الإعلام البديل: وهو الإنترنت بكل مكوناته ومن ذلك الفيس بوك، والتويتر، واليوتيوب وغيرها.
    (6) هذه (الورقات) ليست معنية بالثناء على خطاب ونقد آخر، كما أنها ليست معنية بتعداد الجوانب الإيجابية والسلبية للخطاب السلفي أو الليبرالي، وليس من أهدافها نقد أشخاص معينين، ولكنها معنية بتوصيف واقع الخطابين بمخرجاتهما حسب بعض المعطيات التاريخية، وبيان أيُّ الخطابين عمل تاريخياً على تحقيق الوحدة الوطنية بالمفهوم السابق تحديده للوطنية.
    (7) يلاحظ أن من الفُروقات بين المدرستين: أن المدرسة (الرسمية) تستمد قوتها – بعد الشرعية- من السلطة الإدارية (الحكومة) في غالب الأحوال، بينما المدرسة (المستقلة) - بكافة ألوان طيفها الدعوي - تتبنى آلية (الاحتساب والدعوة) وتستمد قوتها من تفاعل المجتمع مع برامجها الدعوية الاحتسابية، والمشاهَد عبر التاريخ الحديث: أن التكامل بين المدرستين قائم في غالب الأحوال خاصةً في الأصول والكليات الشرعية كما هو المعهود في واقع الساحة السعودية، لأنه وبالرغم من الاختلاف أو التحفظ الفقهي والعلمي عند المدرسة السلفية (المستقلة) على بعض القضايا، مثل فتاوى جواز الاستعانة بالكفار، وقد كشفت الأحداث أن الفتنة والنزاع والشقاق خطوطاً حمراء عند كلا المدرستين، وقد تم الاقتصار في هذه (الورقات) على رصد دور هاتين المدرستين دون غيرهما بحكم قوة دورهما في الوحدة (الوطنية) وأثرهما الظاهر.
    (8) انظر عن هذه الفتوى في وسائل الإعلام السعودية والصحافة السعودية في 2/4/1432هـ الموافق 7/3/ 2011م وانظر الرابط التالي: http://www.alifta.net/BayanNew.aspx?NewsID=57
    (9) انظر عن كلمة الأمير نايف بن عبدالعزيز جميع الصحف السعودية الصادرة بتاريخ 13/3/2011م وانظر الرابط التالي: http://www.aleqt.com/2011/03/13/article_514056.html
    (10) خاصة أن الدعوة للمظاهرات العامة بالسعودية كانت مرتبطة بأهداف طائفية، والطائفية بحد ذاتها غير مقبولة عند المجتمع السعودي السلفي.
    (11) عن القرارات، انظر الصحف السعودية بتاريخ السبت 14/4/1432هـ وانظر على سبيل المثال صحيفة الرياض عدد: (15608) في 19/3/2011م.
    (12) ما يُعد أوضح دليل على ما وقع بحق علماء المنهج السلفي من إساءة وتعدٍ وتجاوز في الفترة السابقة.
    (13) يلاحظ صدور أمر ملكي برقم (أ/93) وبتاريخ 25/5/1432هـ، (بعد القرارات الستة بحوالي 40 يوماً) ويتضمن الأمر الملكي تعديل خمس مواد من نظام المطبوعات والنشر، وهذا الأمر الملكي بتفاصيله ومواده يؤكد على القرار المذكور أعلاه بشيء من التفصيل والإيضاح عن كل نشر يخالف أحكام الشريعة الإسلامية، أو المساس بالسمعة، أو الكرامة، أو التجريح، أو الإساءة الشخصية إلى مفتي عام المملكة، أو أعضاء هيئة كبار العلماء، أو رجال الدولة أو أي من موظفيها، أو أي شخص من ذوي الصفة الطبيعية، أو الاعتبارية الخاصة الخ. انظر: (صحيفة الرياض السبت 26/5/1432هـ).
    (14) انظر عن هذه القرارات في وسائل الإعلام السعودية والصحافة السعودية السبت 14/4/1432، الموافق 19/3/2011م وانظر الرابط التالي: http://www.s0kara.com/vb/showthread.php?p=15308
    (15) انظر جميع الصحف السعودية بتاريخ 14/4/1432هـ
    (16) بمناصرة الليبراليين المحليين!
    (17) المقصود بالخصوصية التاريخية: ارتباط الدولة السعودية كإحدى الحلقات التاريخية للإسلام في الجزيرة العربية، والذي ميَّز جزيرة العرب بالوحدة الفكرية وبالتالي الوحدة السياسية، ولذلك فإن الوحدة الفكرية تُعد من خصائص الدولة السعودية ومصادر قوتها، كما أن من خصائص الوحدة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية (مثلاً) التعددية الثقافية والدينية، فلكل دولة خصوصيات ومصادر شرعية للحكم ومصادر قوة لوحدتها الوطنية، والأقليات لها حقوقها المحددة حسب القانون والشريعة في دول العالم الأول والثالث على حدِ سواء.
    (18) انظر: عن مناصحة حركات التطرف السياسي (الليبرالي) محمد السلومي، كتاب القطاع الثالث والفرص السانحة –رؤية مستقبلية، ص 123- 127. طباعة وتوزيع مكتبة العبيكان.
    (19) انظر: غازي القصيبي، أمريكا والسعودية حملة إعلامية أم مواجهة سياسية، ص 134.
    (20) انظر السابق.
    (21) المحاضرة كانت للشيخ الدكتور سعد البريك عن مخاطر المظاهرات على العباد والبلاد, وكانت قد نقلتها أبرز القنوات الإسلامية التي أُوقفت سابقاً بقرارات من وزراء الإعلام العرب القنوات التالية: صفا، والناس، والرحمة، والخليجية، وغيرها ومع ذلك تنافست على نقل المحاضرة بوقت واحد كما ورد.
    (22) انظر: بنواميشان، (ابن سعود ولادة مملكة)، دار اسود للنشر، ص 272.
    (23) وهذا ما يجاهد عليه المستشرقون لتفسير سبب انتشار الإسلام لمآرب معلومة، علماً أن القوة ليست هي الحق، بل الحق هو الذي يُعطي القوة ويذكيها.
    (24) انظر: الدكتورة (موضي) بنت منصور بن عبدالعزيز: الهجر ونتائجها في عهد الملك عبدالعزيز، طبع بمناسبة مرور مائة عام على التأسيس، ص 58-59، نقلاً عن Note by Miss G.L.Bell.P1-3 F.O.371-5061.
    (25) انظر السابق ص 62 , نقلاً عن From S. of state to civil commissioner , Mesopotamia , F.o.. 471-5061
    (26) انظر السابق ص 62, نقلاً عن Addressed of F. O. numbered 383, Files only F. O.371-5061
    (27) انظر السابق ص 352، نقلاً عن خير الدين الزركلي: الوجيز في سيرة الملك عبدالعزيز، ص 18- 123.
    (28) انظر السابق ص 353، نقلاً عن أمين الريحاني: تاريخ نجد الحديث وملحقاته، ص 394.
    (29) انظر السابق ص 354، نقلاً عن عبدالله العلي الزامل: اصدق البنود في تاريخ عبدالعزيز آل سعود، ص 293.
    (30) انظر: الرابط التالي:
    http://www.moqatel.com/openshare/Behoth/Atrikia51/AfterAziz/mol03.doc_cvt.htm
    (31) أنظر الرابط التالي: http://www.alathary.net/vb2/showthread.php?t=6023
    (32) انظر كلمة الأمير نايف عن زوار السفارات http://www.klathmh.net/vb/showthread.php?t=4615.
    وكان مما قاله: (هؤلاء أناس بُهروا بما عليه الغرب، ووظُفوا لخدمتهم، ونعرف اتصالاتهم بجهات أجنبية، وسنحاربهــم وسنقطــع ألسنتهم).
    (33) بأسواقها الضخمة، ومنتجاتها الكمالية المتنوعة، التي تكرس الفكر والسلوك الاستهلاكي لمنتجات مستوردة تقوي الاقتصاد الخارجي وتضعف الاقتصاد المحلي.
    (34) انظر http://www.alazd.net/news-action-show-id-10211.htm
    (35) انظر الموقع السابق.
    (36) إن انحياز المنهج السلفي لصالح السلطة السياسية بالكامل، جعلها مع الحكومة في خندق واحد، وهذا ما سيفرض عليهما في ظل المتغيرات الإقليمية لصالح الشعوب ومطالبها "الإصلاحية" تحديات مستقبلية حقيقية جديدة وخطيرة لأول مرة في تاريخ المملكة.


    المصدر : موقع المسلم

     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    مقالات الفوائد

  • المقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية