صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    صَمَّامُ الأمَانِ لأُمَّةِ الإِسْلاَمِ

    بِقَلَمِ/ عِمَاد حَسَن أَبُو العَيْنَيْنِ
    [email protected]


    إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو صَمَّامُ الأمان لهذه الأمة ومفتاح وحدتها وسعادتها في الدارين، به تُحفظ الحرمات, وتُصان الأعراض، وتظهر شعائر الدين، وهو أحد المقومات الأساسية لصلاح الأمة وحمايتها من غوائل الشرّ وعوامل التقويض والفساد، وهي سبب خيريتها وفضلها قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ أخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } [آل عمران110] فالخيرية في هذه الأمة منوطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليست خيرية ذاتية؛ فإذا تركوا التغيير وتَوَاطَؤُوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم.
     
    ولا شكّ أنَّ من أهم الأسباب التي أدّت إلى ضعف المسلمين بعد قوتهم، وتمزيق شملهم بعد وحدتهم، وما آل إليهِ أمر شرذمتهم وضياع شوكتهم، وتبديد كلمتهم، وتفتيت أوصالهم وانكسار عزيمتهم؛ حتى وصلوا إلى هذهِ الحال المؤلمة؛ إنَّمَا هو من تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
     
    فهذهِ الشَّعيرة هي ركن الشريعة الوطيد الذي لو ساد بين أفراد الأمّة لنالت ما ترجوه من حياة حرة كريمة، سيما بعد عجز سائر الحلول الوضعية في إصلاح ما فسدَ من أخلاق وما اعوجَّ من شئون؛ مما يعني الرجوع إلى منابع الإسلام الصافية، وإحياء ما في دستور الشريعة الغراء من مُثل ونُظم وقوانين وفرائض وشعائر.
     
    ولقد جعل المصطفى صلى الله عليه وسلم القائمين عليه هم الأعلون في التصور والاعتقاد والسلوك وغيرهم هم الأسفلون الواقعون في الشهوات والشبهات، فقال صلى الله عليه وسلم : «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا»(1).
     
    فالأعلون في سفينة الحياة هم أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهم المنقذون لها من جهل الجاهلين الذين يريدون إغراقها بغير وعي ولا فهم.
     
    وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أهمية كبيرة في نشر المفاهيم العقائدية الصحيحة والقيم التشريعية وإصلاح الأخلاق وتهذيبها، ونصرة المظلومين وردع الظالمين، والحفاظ على عزة الإسلام والمسلمين.
     
    ولقد كان النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُ الصحابة كيف يقومون بهذا الواجب فقال صلى الله عليه وسلم : «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ»(2) وذلك تنفيذًا لأمر ربه المُجْمَلِ في قوله تبارك وتعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران104].
     
    ولم يكن أمر النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم هذا نابعًا من فراغ بل لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يصطدم بالأهواء والشهوات التي أصبحت جزءًا من كيان الكثير من الناس، وتصطدم بالاعتزاز بالقيم السائدة الموروثة والطارئة وما يتلبس بها من مصالح مادية ونفعية، وتصطدم مع أعداء الإسلام الذين يرفضون الهداية ويكيدون لمن حمل لواءها، وتصطدم مع ما يحمله الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من رغبات في حب الراحة، والخلود إلى الرخاء؛ لذا كان أمره للمُغَيِّرِ أن يكون أولاً باليد ثم باللسان ثم بالقلب ووصف الأخير بأنه أضعف الإيمان ولكن لا يعدم صاحبه الخير إن شاء الله.
     
    وعلى ذلك قسم العلماء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى مراتب ثلاث:
    الأولى: التغيير باليد، فكثير من الناس لو جئته بكل آية لم يمتثل، وإذا جاءه وازع سلطان بضرب أوسجن ونحو ذلك أذعن وترك باطلة؛ وذلك لمرض قلبه وضعف إيمانه، فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه، الخليفة الراشد أنه قال: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" ويروى عن عمر أيضًا.
     
    الثانية: التغيير باللسان، بأن يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر بواضح القول وحلو البيان، ويعظهم ويذكرهم، ويتحرى الأشياء التي يفعلونها؛ حتى ينبههم إليها، فإن كانت خيرًا مدحها وحثهم عليها وإن كانت شرًّا ذمَّها ونهاهم عنها.
     
    الثالثة: إذا عجز المؤمن عن الإنكار باليد واللسان انتهى إلى القلب، يكره المنكر بقلبه، ويبغضه ولا يكون جليسًا لأهله؛ فعن عبد الله بن مسعود أنه قال له بعض الناس: هلكتُ أن لم آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فقال له رضي الله عنه: هلكتَ إن لم يعرف قلبك المعروف وينكر المنكر.
     
    وقد كان الصحابة بعد تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم لا تأخذهم في الله لومة لائم تجاه هذه الشعيرة، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ فَقَالَ: مَا لِي لا أسْمَعُ النَّاسَ يُلَبُّونَ قُلْتُ: يَخَافُونَ مِنْ مُعَاوِيَةَ فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ فُسْطَاطِهِ فَقَالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ؛ فَإنَّهُمْ قَدْ تَرَكُوا السُّنَّةَ مِنْ بُغْضِ عَلِيٍّ.(3)
     
    وعَنْ هَمَّامٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَأَثْنَى عَلَى عُثْمَانَ فِي وَجْهِهِ فَأَخَذَ الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ تُرَابًا فَحَثَا فِي وَجْهِهِ وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا لَقِيتُمْ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمْ التُّرَابَ.(4)
     
    وعن رِيَاحُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ فُلانٍ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَعِنْدَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فَجَاءَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فَرَحَّبَ بِهِ وَحَيَّاهُ وَأَقْعَدَهُ عِنْدَ رِجْلِهِ عَلَى السَّرِيرِ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يُقَالُ لَهُ: قَيْسُ بْنُ عَلْقَمَةَ فَاسْتَقْبَلَهُ فَسَبَّ وَسَبَّ فَقَالَ: سَعِيدٌ مَنْ يَسُبُّ هَذَا الرَّجُلُ قَالَ: يَسُبُّ عَلِيًّا قَالَ: أَلا أَرَى أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسَبُّونَ عِنْدَكَ ثُمَّ لا تُنْكِرُ وَلا تُغَيِّرُ أَنَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: وَإِنِّي لَغَنِيٌّ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ فَيَسْأَلَنِي عَنْهُ غَدًا إِذَا لَقِيتُهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ وَسَاقَ مَعْنَاهُ ثُمَّ قَالَ: لَمَشْهَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَغْبَرُّ فِيهِ وَجْهُهُ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ عُمُرَهُ وَلَوْ عُمِّرَ عُمُرَ نُوحٍ.(5)
     
    وعن عبيد بن رفاعة قال: إن عبادة بن الصامت مرت عليه قطارة وهو بالشام تحمل الخمر فقال: ما هذه؟ أزيت؟ قيل: لا بل خمر يباع لفلان، فأخذ شفرة من السوق فقام إليها فلم يذر فيها راوية إلا بقرها.(6)
     
    وعن يزيد بن الأصم قال: تلقَيْتُ عائشة وهى مقبلة من مكة أنا وابن أختها ولدٌ لطلحة وقد كنا وقعنا فى حائط بالمدينة فأصبنا منه فبلغها ذلك فأقبلت على ابن أختها تلومه, ثم وعظتنى موعظة بليغة ثم قالت: أما علمت أن الله ساقك حتى جعلك فى بيت نبيه, ذهبت والله ميمونة, ورمى بحبلك على غاربك؛ أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم.(7)
     
    وعن سالم بن عبد الله بن عمر قال: أعرستُ فدَعَا أبى الناس فيهم أبو أيوب الأنصاري، وقد ستروا بيتى بجنادي أخضر فجاء أبو أيوب فطأطأ رأسه فنظر فإذا البيت مُسَُتَّر فقال: يا عبد الله تسترُ الجُدر؛ فقال أبى واستحيا: غلبنا النساء يا أبا أيوب فقال: من خشيتُ أن تغلبه النساء فلم أخشَ أن يغلبنك لا أدخل لكم ولا أكل لكم طعامًا.(8)
     
    وعن فضيل بن جعفر قال: خرج الحسن بن علي من عند ابن هبيرة فإذا هو بالقُرَّاءِ على الباب فقال: ما يجلسكم ها هنا؟ تريدون الدخول على هؤلاء الخبثاء، أما والله ما مجالستهم مجالسة الأبرار تفرقوا فرق الله بين أرواحكم وأجسادكم، قد فرطحتم نعالكم وشمرتم ثيابكم، وجززتم شعوركم فضحتم القرَّاءَ فضحكم الله، والله لو زهدتم فيما عندهم لرغبوا فيما عندكم ولكنكم رغبتم فيما عندهم فزهدوا فيكم أبعد الله من أبعد. (9)
     
    وقد كان هؤلاء الصحب الكرام لا يسبقهم سابقٌ بأمر بمعروف أو نهي عن منكر وإن كان ذلك صوَّبوا عمله وأشاروا إلى سبقه وفضله؛ فعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قَالَ: أخْرَجَ مَرْوَانُ الْمِنْبَرَ يَوْمَ الْعِيدِ فَبَدَأ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلاةِ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا مَرْوَانُ خَالَفْتَ السُّنَّةَ أخْرَجْتَ الْمِنْبَرَ يَوْمَ عِيدٍ وَلَمْ يَكُنْ يُخْرَجُ بِهِ وَبَدَأْتَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَكُنْ يُبْدَأ بِهَا فَقَالَ أبُو سَعِيدٍ أمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ (10)
     
    فأبو سعيد الخدري لم يسكت وقد كفاه هذا الرجل الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بل أشار إلى فضله وسبقه وأنه قضى ما عليه، ليُعْلِم الأمة أنَّ كُلاًّ منَّا عليه أمر بمعروف أو نهي عن منكر بحسب الطاقة والقدرة وأمن الضرر.
     
    وقد كان التابعون من بعدهم على العهد والنهج سائرين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكانت عصورهم وبلادهم من الرخاء والخير ما تقصه علينا كتب التاريخ، وهذه سيرة أحدهم؛ سفيان الثوري نستغني بها عن كثير غيرها، قال شجاع بن الوليد: كنت أحج مع سفيان الثورى فلا يكاد لسانه يفتر من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ذاهبًا وراجعًا، وقال يحي بن يمان: سمعت سفيان يقول: إنى لأرى المنكر فلا أتكلم, فأبول أكدم دمًا.(11)، وعن محمد بن مسعود عن سفيان قال: أُدْخِلْتُ على المهدي بِمِنًى فسلمت عليه بالإمرة فقال: أيها الرجل! طلبناك فأعجزتنا فالحمد لله الذى جاء بك فارفع إلينا حاجتك فقلت: قد ملأت الأرض ظلمًا وجورًا فاتق الله؛ وليَكُنْ منك فى ذلك عبرة فطأطأ رأسه ثم قال: أرأيت إن لم أستطع دفعه؟ قال: تُخليه وغيرك فطأطأ رأسه, ثم قال: ارفع إلينا حاجتك قلت: أبناء المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان بالباب فاتق الله وأوصل إليهم حقوقهم فطأطأ رأسه فقال أبو عبيد الله: أيها الرجل ارفع إلينا حاجتك قلت: وما أرفع؟! (12)
     
    فكانت هذه سيرتهم رضي الله عنهم وأرضاهم، وكانت سيرتنا كما نعلم! فنسأل الله أن يستر علينا ويرحمنا.
     
    والموقف من المنكر بتغييره باليد أو اللسان أو القلب تحدده عدة عوامل:
    الأول: الظروف المحيطة بالبيئة.
    الثاني: مصلحة الإسلام كعقيدة وتشريع.
    الثالث: مصلحة المسلمين الآنية والمستقبلية.
    ففي العهد المكي لم تكن الظروف مواتية لاستخدام القوة في القضاء على المنكر، ولا مصلحة في ذلك؛ لأنها تؤدي إلى قتل الرسول صلى الله عليه وسلم في ظرف لا يملك القوة اللازمة للقضاء على رؤوس الكفر أو ردعهم عن منكراتهم، فاكتفى صلى الله عليه وسلم بالتغيير باللسان.
     
    وحينما هاجر إلى المدينة تغيّر الموقف؛ حيث امتلك القوة اللازمة لخوض مهمة التغيير بقوة اليد، فاستخدمها صلى الله عليه وسلم لردع العدوان على الإسلام والمسلمين.
     
    كما استخدم صلى الله عليه وسلم القوة لإزالة المنكرات الواقعية، "فأمر بطرد بعض المنافقين من المسجد، وأمر بإحراق منزل سويلم اليهودي لاجتماع المنافقين به، وأمر بإحراق مسجد الضِّرار" (13)
     
    وحينما تمادى رأس المنافقين عبد الله بن أُبَيِّ بن سلول في نفاقه بافتعاله الفتن داخل المجتمع الإسلامي، رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتراح البعض في قتله؛ لأنّ قتله يؤدي إلى حدوث الخلل في تماسك جبهة المسلمين؛ لأنّ له أنصارًا وأعوانًا وعشيرة مترامية الأطراف، وقد أثبت صلى الله عليه وسلم صحة موقفه قائلاً لمن حرّضه على قتله: «أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له أنوف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته».(14)
     
    وهناك موانع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كأن يكون مرتكبو النهي حديثو عهد بكفر أو أن يكون الانحراف أخذ مكانه في قلوب أكابرهم؛ فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْحِجْرِ فَقَالَ: هُوَ مِنْ الْبَيْتِ قُلْتُ: مَا مَنَعَهُمْ أنْ يُدْخِلُوهُ فِيهِ فَقَالَ: عَجَزَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا لا يُصْعَدُ إلَيْهِ إلَّا بِسُلَّمٍ، قَالَ: ذَلِكَ فِعْلُ قَوْمِكِ لِيُدْخِلُوهُ مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوهُ مَنْ شَاءُوا وَلَوْلا أنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ؛ مَخَافَةَ أنْ تَنْفِرَ قُلُوبُهُمْ لَنَظَرْتُ هَلْ أغَيِّرُهُ فَأدْخِلَ فِيهِ مَا انْتَقَصَ مِنْهُ وَجَعَلْتُ بَابَهُ بِالأرْضِ. (15)
     
    أما إذا تجذّر الانحراف في المجتمع وأصبح جُزْءًًا من كيانه وتسلط الأكابر على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بالإيذاء، ويئس المؤمن من إصلاح الفرد أو الجماعة، فيجوز له حينئذ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ متأولاً قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة105]
    وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ الْعَوَامَّ؛ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ»(16).
     
    أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا.
    وآخر دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِينَ.

    ---------------------------------------
    (1) (صحيح): البخاري 2493، الترمذي 2173.
    (2) (صحيح): مسلم 49، أبو داود 4340، الترمذي 2172.
    (3) (صحيح): النسائى 3006، صحيح سنن النسائى 5/253.
    (4) (صحيح): مسلم 3002، أبو داود 4804، الترمذي 2393.
    (5) (صحيح): أبو داود 4649، الترمذي 3748، ابن ماجة 134.
    (6) سير الذهبي 2/ 10، وسنده يقبل التحسين.
    (7) طبقات ابن سعد 8/138, الحاكم 4/32 واسناده حسن.
    (8) الطبرانى 3853 واسناده قوى, ابن عساكر 5/218/2.
    (9) سير الذهبي 4/586، الحلية 2/150-151.
    (10) (صحيح): مسلم 49، أبو داود 4340، الترمذي 2172.
    (11) سير الذهبي 7/259.
    (12) الحلية لأبي نعيم 7/45.
    (13) السيرة النبوية، لابن هشام 4/ 160.
    (14) السابق 3/305.
    (15) (صحيح): البخاري 126، مسلم 1333، أبو داود 2028.
    (16) (ضعيف): رواه الترمذي 3058، ضعيف الجامع 2344.
     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    سفينة المجتمع
  • مسائل في الحسبة
  • شـبـهـات
  • فتاوى الحسبة
  • مكتبة الحسبة
  • حراس الفضيلة
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية