صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    فئات المجتمع ودورها في الحسبة

    د. إسماعيل محمد حنفي


    مقدمـة

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..... وبعد

    فإنَّ مجتمع المسلمين كالجسد الواحد في تماسكه، وفي تأثُّره كله بما يطرأ عليه من خير أو شر، ولذلك يسري على كل جزء من هذا المجتمع وعلى كل فئة فيه ما يسري على بقية الأجزاء والفئات، ولذا يحرص كل جزء أو فئة في هذا المجتمع على البقية، ويعلم أنّ حرصه عليه قد يستوجب أن يقسو عليه قليلاً قسوة الدواء المر الذي يُلزِم الطبيبُ مريضَه بشُربه. ومن هنا فإنّ فئات المجتمع كلها تسمع عن الحِسبة وأهميتها لكن قد تتساءل: ما الحسبة؟ فنقول كما بيَّن أهل العلم إنّها: " أمرٌ بالمعروف إذا ظهر تركُه، ونهيٌ عن المنكر إذا ظهر فعلُه"[1].

    إنّها النصيحة، إنّها حُب الخير للآخرين بأمرِهم بما فاتهم من الخير ليفعلوه، ونهيّهم عمّا وقعوا فيه من الشّر ليقلعوا عنه..

    الحسبة هذه، كيف نتصوّر أنّ مجتمعاً يستغني عنها بحجة الحريات الشخصيّة، أو عدم التدخل في شؤون الآخرين..؟

    الحسبة هل يُستثنى أحد أفراد المجتمع أو مجموعاته عن المشاركة فيها؟ هل يزعم أحدٌ أنه لا يحتاج إلى أحدٍ يأمره بفعل شيءٍ واجبٍ قصّر فيه؟ أو يعينه على ترك محرم ابتُلي به؟ أو فِعل الأَولى؟ أو ترك المكروه الذي قد يجُرُّ إلى الحرام؟

    إن الأفراد رجالاً ونساءً وكباراً وصغاراً حُكاماً ومحكومين، أغنياء وفقراء.. وكذلك المجموعات والمؤسسات والهيئات رسميّةُ كانت أو شعبية.. كلهم ينتظرهم دورهم الذي يناسب قدراتهم وظروفهم وإمكاناتهم وعلمهم...إلخ..

    دورهم الذي لا ينبغي استصغاره أو احتقاره، ليقوم كل منهم به احتساباً على الآخرين بالحكمة وبالنية الخالصة لله بُغية الإصلاح..

    إنّنا في هذه الورقة نحاول إعطاء إضاءة حول دور فئات المجتمع في الحسبة، نوضِّح المنطلقات الشرعيّة من النصوص المعتبرة، ونذكر نماذج من الشواهد التاريخية حول الموضوع بما يسند الفكرة ويثري الموضوع في حدود هذه الورقة الموجزة التي أردنا لها أن تكون مفتاحاً لهذا الباب الواسع... ليدلف منه جميع أفراد وفئات مجتمعنا اطّلاعاً فعلماً ثم عملاً ليكون الفلاح وتتحقق الخيريّة ويندحر الشر بحول الله تعالى.. آملاً أن يوفق الله تعالى القائمين على مجمع الفقه الإسلامي في مؤتمرهم المهم الذي يأتي بشعار ( الحسبة مسئولية الجميع ) ليتحول هذا الشعار بحول الله تعالى إلى فهمٍ عميق وقناعةٍ راسخة في قلوب الجميع، ثم نراها واقعاً يضبط مسيرة هذا المجتمع الذي اختار الإسلام منهجاً له.


    المبحث الأول
    الشّواهد الشرعيّة على مسؤولية فِئات المجتمع في الحسبة


    المتأمَّل في شواهد الشرع يجد الكثير منها يفيد أنَّ الحِسبة مسئولية جميع فئات المجتمع المسلم رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً، رُعاةً ورعيّة.. ونذكر فيما يلي أهم تلك الشواهد..

    أولاًً: عموم الأدلة التي وردت في شأن الحسبة: حيث نجد أنَّ كثيراً من تلك الأدلة وردت في مشروعيّة الحسبة مرغِّبةً فيها أو محذرةً مِن تركِها، وهي لا تخاطب فئةً بعينها من أفراد المجتمع المسلم، بل تصدُق على الجميع... ومنها.

    · قوله تعالى في صفات المؤمنين: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}(التوبة : 112 )، وذلك لأنّ الآية فصّلتْ صفات المؤمنين الذين اشترى الله تعالى أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة كما في الآية قبلها، لأنّهم بعد أن عبدوا الله بعِلمٍ واتِّباعٍ وإخلاصٍ سعوا لدعوة غيرهم وإصلاحهم حرصاً على نفعهم"فقاموا بعبادة الحق ونصح الخلق"[2] فاستحقوا التبشير من ربهم، فمَنْ مِنْ أفراد المجتمع لا يرغب في أن يكون في هذه الزُّمرة الطيبة ؟

    · من مقتضيات الموالاة بين المؤمنين أنّهم يأمرون بعضهم بعضاً بالمعروف، ويتناهون عن المنكر، لأنّهم يحرصون على جلب الخير لهم ولإخوانهم وكذا إبعاد الضّر، ولذا استحقوا الخير من الله في الدنيا والآخرة.

    ولذلك قال الله تعالى في حقِّهم:}وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{ (التوبة : 71 - 72 ) وهذا عامٌ في جميع المؤمنين، ولذا فإنَّ من يفعل خلاف ذلك فإنّه قد يخرج عن دائرة المؤمنين[3]، وممّا يؤكد ذلك قوله سبحانه: }الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ{ (التوبة : 67 ).

    · يقول الله سبحانه وتعالى: } كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ{(آل عمران:110) حيث إنّ الأُمة كلها تكون لها الخيرية بقيامها بالحسبة، ولو تركتها فقدت خيريتها، حيث إنّ الله تعالى "مدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير وتواطؤوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم وكان ذلك سبب هلاكهم"[4].

    · ويقول سبحانـه: { الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } (الحج : 41 ) حيث إنّ الآية بيَّنت لنا هنا أن القيام بالحسبة هو واجب كل من آتاه الله سُلطة، صغيرة كانت أو كبيرة، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : (كُلُّكم راعٍ، وكُلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته ....)[5] الحديث.

    يقول الإمام القرطبي رحمه الله في تفسير الآية: " هو شرطٌ شرَطَهُ الله عزّ وجلّ على من آتاه الله المُلك"[6]. إذاً كلُّ من تولّى مسؤوليةً في الدولة المسلمة يجب أن يعرف أن الله قد شرط عليه القيام بالحسبة من خلال ما ولاّه الله عليه، وعليه أن يتذكّر أنّ الله سبحانه له عاقبة الأمور، يؤتِي المُلك من يشاء وينزعُ المُلك ممّن يشاء ويُعزُّ من يشاء ويُذلُّ من يشاء، وهو سبحانه الحكم العدل، يعامل الناس بما يستحقون، ولولا رحمته لأهلكهم }وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ{ (الشورى : 30 ).

    · يقول تعالى :} وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{ (آل عمران : 104 ).

    قال الإمام الشوكاني في تفسير الآية:" وفي الآية دليلٌ على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوبه ثابتٌ بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهّرة، وأصل عظيم من أصولها ،وركن مشيد من أركانها، وبه يَكمُل نظامها ويرتفع سنامها"[7].

    قلت: وجميع فئات المجتمع المسلم مطلوبٌ منها الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتظفر بالثمرة التي هي الفلاح.

    إنَّ المجتمعات اليوم تبحث بشدّة عن التوفيق والنجاح في مشروعاتها وأعمالها، وتعقد لأجل ذلك المؤتمرات والمشاورات، وتُستنهض همم الخبراء والباحثين لمعرفة أسباب الإخفاق والفشل.

    ولو نظروا إلى التوجيه القرآني لعلموا السبب، وبذلوا الجهد بعد ذلك في تحقيق ذلك السبب، ومعرفة دور كل فرد أوفئة في المجتمع تجاهه.

    · عن أبي سعيد الخُدرِي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :(مَن رأَى منكم منكراً فليُغيِّرهُ بيده، فإِن لم يستطع فبلسانه، فإِن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)[8].

    والشاهد في الحديث :أنَّ لفظة (مَن) مِن ألفاظ العموم للعاقل،أي كل من رأى منكم منكراً، يجب عليه أن يغّيره بحسب استطاعته.مما يُفهم منه أنّ الحسبة واجبٌ على كل فرد من الأمة، كُلٌ بحسبه، وهذا ما فهمه العلماء من نص هذا الحديث، ومنهم العلاّمة ابن كثير في تفسيره -رحمه الله-[9].

    · وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يجعل القيـام بالحسبة أحــد بنود البيعة مثل ما فعل مع الأنصار في بيعة العقبة: عن عبـادة ابن الصامت رضي الله عنه قال: " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله، أو نقـوم بالحقِّ حيث كنا، ولا نخاف في الله لومة لائم"[10].

    وهذا جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال :(بايعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم)[11].

    والشاهد في ذلك أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم جعل القيام بالحسبة للمسلمين شرطاً في الذي يُبايَع عليه كالصلاة والزكاة, ولذلك قرنها بهما"[12]. ولولا أهمية الحسبة لما جعلها الرسول صلى الله عليه وسلم بنداً في البيعة مع مختلف الفئات, وأنواع البيعات.

    · ورد الوعيد بالعذاب على ترك الاحتساب, وهو وعيدٌ عام يشمل جميع الفئات أفراداً وجماعات...

    قال سبحانه وتعالى:{ وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } (الأنفال : 25 ).

    حيث دلت الآية على عموم العذاب لمن فعل المنكر ومن سكت عن إنكاره.. وقد فسَّر هذه الآيةَ قولُه صلى الله عليه وسلم : (إنّ الله تعالى لا يُعذِّب العامّة بعمل الخاصّة حتى تعمل الخاصة بعمل تقدرُ العامة أن تغيِّره ولا تغيره فذلك حين يأذن الله في هلاك العامة والخاصة)[13].

    وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً فيما رواه حذيفة رضي الله عنه :(والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعُنَّه فلا يستجيب لكم)[14].

    · ومن النصوص الأخرى التي نصّت على نزول العذاب بسبب ترك الاحتساب قوله تعالى: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ* كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} (المائدة:78-79). وكأنّ المراد أنها سُنّة ثابتة في جميع الأمم لأنّ الله ذكر لنا بني إسرائيل هنا, ولكنه ذكر لنا آخرين في مواضع أخرى {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ }(هود : 116 ) ولو فعلت أمتنا هذه ما فعله أولئك لأصابها بجميع فئاتها ما أصاب أولئك, روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنّ مَنْ كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل فيهم العامل الخطيئة فنهاه الناهي تعذيراً فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه كأنه لم يَرهُ على الخطئية بالأمس, فلما رأى الله تعالى ذلك منهم ضرب الله قلوب بعضهم على بعض ثم لعنهم على لسان داوود وعيسى ابن مريم ـ عليهما السلام ـ (ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) والذي نفسي بيده لتأمرُنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر ولتأخذنّ على أيدي المسيء ولتأطرنّه على الحق أطراً أو ليضربنّ الله بقلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم)[15].

    · عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : (مَثَلُ ‏الْمُدْهِنِ ‏فِي حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا مَثَلُ قَوْمٍ ‏‏اسْتَهَمُوا‏ ‏سَفِينَةًفَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلَاهَا، فَكَانَ الَّذِين فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا فَتَأَذَّوْا بِهِ فَأَخَذَ فَأْسًا فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَـةِ فَأَتَوْهُ فَقَالُوا مَا لَكَ؟ قَالَ: تَأَذَّيْتُـمْ بِي وَلَا بُدَّ لِي مِنْ الْمَاءِ، فَإِنْ ‏ ‏أَخَـذُوا ‏ ‏عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ، وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ )[16]. فالسفينة تمثل المجتمع المسلم, الذي يضم الصالحين وغيرهم, ولو اكتفى الصالحون بأنفسهم وانغلقوا وتركوا الآخرين على أهوائهم يفعلون ما يريدون لأتى الهلاك للجميع, حيث إنّ "المجتمع الصالح هو الذي يسوده البِرّ, وتكون الغَلَبة لأهل الاستقامة, وإن كان لا يخلو من المنافقين والفاسقين, مثل القرون المفضّلة, ولا سيما الخلافة الراشدة.

    والمجتمع الفاسد المنحرف هو الذي غلب عليه الشَّرُّ والأشرار, وإن كان لا يخلو من المؤمنين المجاهدين الآمرين بالمعروف النّاهين عن المنكر, لوجود الطائفة المنصورة .. ولهذا شبَّه الرسول صلى الله عليه وسلم حال المجتمع كسفينة, فأصحاب المنكرات في أسفلها ويقومون بخرقها بمنكراتهم, والقِسم الثاني المجتمع في أعلى السفينة, وهم أهلُ الصلاح, فإنْ تركوا الإنكار على أصحاب المنكرات غرقوا جميعاً, وإن أنكروا نجوا ونجوا جميعاً, فالرسول صلى الله عليه وسلم جعلهم أصحاب العلو لمكانتهم, فعليهم المسؤولية الكبرى في النجاة والإصلاح, فلا يكفي صلاحهم بأنفسهم فهو لا يُنجيهم من الغرق, وهذه سُنَّة من سنن الله في المجتمعات, والذين يقومون بمهمة مقاومة المنكر وأهله والعمل على إضعاف شأنهم هم الغرباء وسط هذا الجو الموبوء بالمعاصي والنفاق, وهم الطائفة المنصورة, وهم المحقِّقون لعبودية الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, لذا فهُم أفضل من المتفرغين للذِّكر والقراءة والصِّيام وغيرها, المعتزلين الناس فلا يأمرونهم ولا ينهونهم"[17].

    · إنّ مما يشير إلى مسؤولية كل أفراد المجتمع وفئاته في الحسبة ما نراه اليوم من فساد منتشر, وتقصير في الواجبات, وجرأة في محاربة دين الله, وإقبال على الحرام..

    إنّ ذلك لو نظرنا فيه نجده يقع من أصناف متعددة ومن فئات يمكن أن يدخل فيها الصغار والكبار, والرجال والنساء, والعظماء والبسطاء... إلخ

    وإنّ من الحكمة أن يحتسب على كل فئة من كان منها, أو قريباً منها, لأن ذلك أدعى للقبول, وربما كان في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أوردناه فيما سبق إشارة إلى هذا المعنى, وهو يتحدث عن مسؤولية كل راع عما استرعاه الله تعالى.

    · ثم إنّ أهل العلم قد بينوا أنّ الحسبة تتعين ـ أي تصبح فرض عين ـ في أحوال, منها:

    ° إذا عُيِّن الإنسان من قبل السلطان. قال الماوردي: " إنّ فرضه ـ أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ معيِّن على المحتسب بحكم الولاية, وفرضه على غيره داخل في فروض الكفاية "[18].

    ° إذا كان الإنسان في موضع بحيث لا يعلم بالمنكر غيره. وهذا ينطبق على كثيرين خصوصاً في البيوت والمؤسسات.

    ° إذا كان القادرون على الاحتساب محصورين, أي لديهم العلم والقدرة, والآخرون ليسوا كذلك.

    ° إذا تغيرت الأحوال بأن كثُر الشر وقلَّ من يتصدَّى له[19]..

    ولعلنا نلاحظ أنّ الحالات المذكورة يمكن أن يدخل فيها جميع فئات المجتمع دائماً أو في وقت ما، فلننتبه , ولنعلم أنّ دلالات الشرع على هذا الأمر عديدة وبوجوه كثيرة..


    المبحث الثاني
    الشواهد التاريخية على مسؤولية فئات المجتمع في الحسبة


    إنّ التاريخ ـ كما يقولون ـ خير شاهد, وحين يسوق لنا التاريخ الوقائع وقصص الأخيار من هذه الأمة فإنّه يكون تاريخاً جديراً بالاهتمام، لأنه يرسم لنا منهجاً ينبغي علينا أن نسلكه, ونبراساً لن نضل إذا اهتدينا بنوره, يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : (عليكم بسُنّتي, وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) الحديث[20]. إنّ الخلفاء الراشدين وصحابة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم معه يمثلون أنصع صور التاريخ الإسلامي الذي يجب علينا قراءته بتمعُّن, ثم تاريخ عصر التابعين الذين تتلمذوا على أيدي الصحابة رضي الله عنهم.

    لو تأملنا في مواقفهم مع الحسبة لتبيَّن لنا أنّ الجميع كانوا يشعرون بأنّ هذا الواجب يقع على عاتقهم جميعاً, وأنهم كانوا صادقين في احتسابهم, حريصين على إصلاح أحوال إخوانهم طلباً للفوز في الدارين..

    ونحاول أن نسرد هنا بعض النماذج من الشواهد التاريخية التي تضيئ لنا إضاءة مهمة حول مسؤولية فئات المجتمع المختلفة في الحسبة.

    أبو بكر الصديق رضي الله عنه :

    احتسب رضي الله عنه بنفسه - وهو الخليفة - في أعظم منكر من المنكرات بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، وهو فتنة الارتداد المطلق، أو بالامتناع عن دفع الزكاة، أو بادِّعاء النبوة..، حيث عزم على إزالة هذا المنكر بنفسه, وأشرك أصحابه كذلك.
    ولما طلب منه المسلمون البقاء بالمدينة والإكتفاء بإرسال من ينوب عنه قال: " لا والله لا أفعل, ولأواسينّكم بنفسي"[21].
    "وتم بحمد الله وتوفيقه ثم بعزم الصدّيق وجهوده وجهود أصحابه رضي الله عنهم استئصال هذه الفتنة"[22].

    وله رضي الله عنه مواقف عديدة في الاحتساب في مجالات أخرى.

    عمر رضي الله عنه :

    · كان رضي الله عنه يأتي مجزرة الزبير بن العوّام رضي الله عنه , ولم يكن بالمدينة مجزرة غيرها, فيأتي معه بالدّرة, فإذا رأى رجلاً اشترى لحماً في يومين متتابعين ضربه بالدرة, وقال: "ألا طويتَ بطنك يومين"؟[23].
    · عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: "أتيتُ عمر رضي الله عنه , وفي يدي خاتمٌ من ذهب, فضرب يدي بعصاً كانت معه"[24].
    · روى المسيّب بن دارم قال: "رأيتُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه يضرب رجلاً ويقول: حمّلتَ جملك مالا يطيق"[25].

    عثمان رضي الله عنه :

    · روى عبد الرزَّاق عن الزهري أن عثمان رضي الله عنه أمر بتسوية القبور, قال: "ولكن يُرفع من الأرض شيئاً" فمرُّوا بقبر أم عمرو بنت عثمان فأمر به فسُوِّي"[26].
    · عيّن رضي الله عنه شخصاً لمنع الناس من شرب النبيذ الذي فيه سكر[27].

    علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
    · أنكر على من ترك امرأته تذهب إلى السوق تزاحم الكفار[28].
    · وكان يمر رضي الله عنه في الطريق ينادي: "الصلاة الصلاة" يوقظ الناس لصلاة الفجر[29].
    ولديه رضي الله عنه مواقف أخرى عديدة في الحسبة.

    ولعل ما ذُكر من شواهد يعطينا أنموذجاً عن احتساب الخلفاء وولاة الأمر بأنفسهم, وكذلك إدارتهم لشئون الحسبة من خلال تعيينهم لمحتسبين.

    ومن الشواهد التاريخية في احتساب النساء:

    · دخل عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما على أخته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فتوضأ عندها, فقالت له: "يا عبد الرحمن, أسبغ الوضوء, فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ويلٌ للأعقاب من النار)[30].

    · ذكر الإمام ابن الجوزي أنّ عَمْرة امرأة حبيب العجمي انتبهت ـ أي استيقظت ـ ليلة وهو نائم, فأنبهتْهُ في السَّحَر وقالت: "قم يا رجل, فقد ذهب الليل وجاء النهار, وبين يديك طريق بعيد وزاد قليل, وقوافل الصالحين قد سارت قبلنا ونحن قد بقينا".

    إنها زوجةٌ مرحومة بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال: (رحِم اللهُ امرأةً قامت من الليل فصَلَّتْ وأيقظتْ زوجها فإنْ أبَى نضحت في وجهه الماء)[31].

    · ذكر الحافظ ابن عبد البر عن زيد بن واقد أنّ عبد الملك بن مروان حدّثه قال: "كنت أجالس بريرة رضي الله عنها ـ مولاة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ـ بالمدينة قبل أن ألي هذا الأمر, فكانت تقول لي: "يا عبد الملك إني أرى فيك خصالاً وإنك لخليقٌ أن تلي هذا الأمر؛ فإن وُلّيِتَ هذا الأمر فاحذر الدماء, فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنّ الرجل ليُدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها بملءِ مِحْجَمةٍ[32] من دمٍ يريقه من مسلم بغير حق)"[33].

    · ذكر الإمام ابن الجوزي عن هشام بن حسان قال: كانت حفصة بنت سيرين تقول لنا: "يا معشر الشباب خذوا من أنفسكم وأنتم شباب فإني ما رأيت العمل إلا في الشباب"[34].

    · اجتمع بعض الناس عند رابعة العدوية فانشغلوا بذكر الدنيا بحُجَّة ذمها، فأنكرتْ عليهم. فقد ذكر ابن الجوزي عن أزهر بن مروان قال، دخل على رابعة العدوية رباح القسي، وصالح بن عبد الجليل وكلاب، فتذاكروا الدنيا، فأقبلوا يذُمّونها، فقالت رابعة: "إنِّي لأرى الدنيا بترابيعها – أي بجهاتها الأربع وكل ما فيها – في قلوبكم ". قالوا: "ومن أين توهَّمتِ علينا ؟" قالت: "إنَّكم نظرتم إلى أقرب الأشياء من قلوبكم فتكلمتم فيه"[35].

    · قالت زينب بنت يحي المتوكل : خدمتُ نفيسةَ بنت الحسين أربعين سنةً فما رأيتُها نامت اللَّيل ولا أفطرت بنهارٍ، فقُلتُ لها: أما ترفقين بنفسك؟، فقالت: كيف أرفق بنفسي وقُدَّامي عقباتٌ لا يقطعها الفائزون.

    ولما ظلم أحمد بن طولون قبل أن يعدل شكا الناس من ظلمه، وذكروا ذلك لنفيسة بنت الحسين، فقالت لهم: متى يركب؟ قالوا غير غد، فكتبت رقعة ووقفت بها في طريقه، وقالت يا أحمد بن طولون، فلما رآها عرفها، فترجل عن فرسه، وأخذ منها الرقعة وقرأها، فإذا هي: " ملكتم فأسرتم، وقدرتم فقهرتم، وخُوِّلتم فعسفتم، ورُدَّتْ إليكم الأرزاق فقطعتم هذا، وقد علمتم أنَّ الأقدار نافذة غير مخطئة لا سيّما من قلوبٍ أوجعتموها وأكبادٍ جوَّعتموها وأجسادٍ عرَّيتموها، فمحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم، إعملوا ما شئتم فإنَّا صابرون، وجُوروا فإنّا بالله مستجيرون منقلبون". فعدل لوقته (رحمه الله)[36].

    هذا مثال لاحتساب المؤمنات الصالحات على عموم الناس بشتى فئاتهم، ومنهم ولاة الأمر، ولمّا علِم الله سبحانه صدق أولئك النساء المحتسبات جعل البركة في ذلك الاحتساب فعادت ثمرتُه على الناس برداً وسلاماً.

    ومن الشواهد التاريخية في احتساب العلماء والدُّعاة :

    · لمّا وليَ هارون الرشيد (رحمه الله) الخلافة زاره العلماء يهنئونه، فكافأهم، فتفقّد سفيان الثوري فلم يجده ممّن زاره من العلماء، وكان بينهما أُخوّة وتواصل، فكتب إليه يعاتبه في ذلك، قال الرسول الذي ذهب بالرسالة إلى سفيان:" فرميتُ بالكتاب إليه، فلما رأى الكتاب ارتعد وتباعد منه كأنّه حيّةٌ عرضت له في محرابه، فركع وسجد وسلّم، وأدخل يده في كُمِّه ولفها بعباءته وأخذه فقلّبه بيده ثم رماه إلى من كان خلفه وقال:" يأخذه بعضكم يقرؤه، لأني أستغفر الله أن أمسّ شيئاً مسَّهُ ظَلاّمٌ بيده، قال: فأخذه بعضهم فحلَّهُ كأنَّهُ خائفٌ مِن فمِ حيَّة تنهشه، ثم فَضَّهُ وقرأه، وأقبل سفيان يتبسَّم تبسُّم المتعجِّب، فلما فرغ من قراءته قال:" اقلبوه واكتبوا إلى الظالمِ في ظهر كتابهِ، فقيل له: يا أبا عبد الله إنَّه خليفة فلو كتبتَ إليه في قِرطاس نقي، فقال: اكتبوا إلى الظالم في ظهر كتابِه، فإن كان اكتسبه من حلال فسوف يُجزى به، وإن كان اكتسبه من حرامٍ فسوف يَصلَى به، ولا يبقى شئٌ مسه ظالمٌ عندنا فيُفسد علينا ديننا، فقيل له: ما تكتب؟، فقال: اكتبوا: " بسم الله الرحمن الرحيم، من العبد المذنب سفيان بن سعيد بن المنذر الثوري إلى العبد المغرور بالآمال هارون الرشيد الذي سُلب حلاوة الإيمان، أمّا بعد، فإنِّي قد كتبتُ إليك أعرِّفُك أنِّي قد صرمتُ حبك وقطعتُ وُدَّك وقلبت موضعك، فإنّك قد جعلتني شاهداً عليك بإقرارك على نفسك في كتابك بما هجمتَ به على بيت مال المسلمين، فأنفقتَهُ في غير حقِّه وأنفذتَه في غير حُكمه، ثم لم ترضَ بما فعلتَه وأنت ناءٍ عنِّي حتى كتبتَ إليّ تُشهِدني على نفسِك، أما إنِّي قد شهِدتُ عليك أنا وإخواني الذين شهِدوا قراءة كتابك، وسنؤدِّي الشهادة عليك غداً بين يدي الله تعالى، يا هارون، هجمتَ على بيتِ مال المسلمين بغير رضاهم، هل رضِيَ بفعلك المؤلَّفة قلوبهم والعاملون عليها في أرض الله تعالى والمجاهدون في سبيل الله وابن السبيل؟ أم رضِيَ بذلك حَملةُ القرآنِ وأهلُ العِلمِ والأراملُ والأيتام؟ أم هل رضِيَ بذلك خَلقٌ من رعيتك؟ فشُدَّ يا هارون مئزرك، وأعِدَّ للمسألة جواباً وللبلاء جُلباباً، واعلم أنّك ستقفُ بين يَدي الحكَمِ العدلِ، فقد رُزِئتَ في نفسِك إذ سُلبتَ حلاوةَ العلم والزُّهدِ ولذيذ القرآن ومجالسة الأخيار، ورضيتَ لنفسِك أن تكون ظالماً، وللظالمين إماماً، يا هارون، قعدتَ على السرير، ولبِستَ الحرير، وأسبلتَ ستراً دون بابِك، وتشبهت بالحَجَبَةِ بربِّ العالمين، ثمَّ أقعدتَ أجنادك الظَّلمة دون بابِك وسِترك،يظلمون الناس ولا يُنصِفون، يشربون الخمور ويضربون من يشربها، ويزنون ويحدّون الزاني، ويسرقون ويقطعون السارق!، أفلا كانت هذه الأحكام عليك وعليهم قبل أن تحكم بها على النّاس؟! فكيف بك يا هارون غداً إذا نادى المنادِي من قِبَلِ الله تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} (الصافات : 22 ) أين الظَّلَمةُ وأعوان الظَّلَمة. فقدِمت بين يدِي الله تعالى ويداك مغلولتان إلى عُنقك لا يفكُّهما إلاَّ عدلك وإنصافك، والظالمون حولك، وأنت لهم سابقٌ وإمامٌ إلى النار، كأنِّي بك يا هارون وقد أُخذتَ بضِيق الخِناق وورِدتَ المشاق، وأنت ترى حسناتك في ميزان غيرك، وسيئات غيرك في ميزانك زيادة على سيئاتك بلاءً على بلاء وظُلمة فوق ظُلمة. فاحتفِظ بوصيتي واتّعِظ بموعظتي التي وعظتك بها، واعلم أني قد نصحتُك وما أبقيتُ لك في النُّصح غاية، فاتَّقِ الله يا هارون واحفظ محمداً صلى الله عليه وسلم في أمته، واحسِن الخلافة عليهم، واعلم أنَّ هذا الأمر لو بقيَ لغيرِكَ لم يصِل إليك، وهو صائرٌ إلى غيرك، وكذا الدُّنيا تنتقل بأهلِها واحداً بعد واحدٍ، فمنهم من تزوَّد زاداً نفعه، ومنهم من خَسِر دنياه وآخرته، وإنِّي أحسبُك يا هارون مِمّن خسِر دنياه وآخرته، فإيّاك أن تكتب لي كتاباً بعد هذا، فلا أجيبك عنه والسلام". قال عَبَّاد -الرسول-: فألقى إليّ (أي سفيان الثوري) الكتاب منشوراً غير مطويٍّ ولا مختوم، فأخذتُه وأقبلتُ إلى سوقِ الكوفة، وقد وقعتْ الموعظة من قلبي، فناديتُ: يا أهل الكوفة، فأجابوني، فقلت لهم: يا قوم، مَن يشتري رجلاً هرب من الله إلى الله؟ فأقبلوا إليّ بالدنانير والدراهم، فقُلتُ: لا حاجة لي في مالٍ ولكن جُبَّة صوفٍ خشنة وعباءة قطوانية، قال: فأوتيتُ بذلك ونزعت ما كان عليَّ من اللباس الذي كنتُ ألبسُه مع أمير المؤمنين، وأقبلتُ أقود البرذون وعليه السِّلاح الذي كنت أحمله حتى أتيتُ بابِ أميرِ المؤمنين هارون حافياً راجلاً، فهزأ بي من كان على باب الخليفة، ثم استؤذِن لي، فلمّا دخلتُ عليه وبَصَر بي على تلك الحالة قام وقعد، ثم قام قائماً وجعل يلطم رأسه ووجهه ويدعو بالويل والحزن ويقول: انتفع الرسولُ وخاب المرسِل، مالي وللدنيا، مالي ولمُلكٍ يزول سريعاً. ثم ألقيتُ الكتاب إليه منشوراً كما دُفِع إليَّ، فأقبل هارون يقرأه ودمُوعه تنحدر من عينه، ويقرأ ويشهق، فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين لقد اجترأ عليك سفيان، فلو وجَّهتَ إليه فأثقَلتَه بالحديد وضيَّقتَ السِّجن كنت تجعله عِبرةً لغيره، فقال هارون: أتركونا يا عبيد الدُّنيا، المغرورُ من غررتموه، والشَّقيُّ من أهلكتموه، وإنّ سفيان أمَّةٌ وحده، فاتركوا سفيان وشأنه.

    ثم لم يزَل كتابُ سفيان إلى جنب هارون يقرأه عند كلِّ صلاة حتى توفي رحمه الله"

    قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله بعد أن أورد القصة: " فرحِم الله عبداً نظر لنفسِه واتَّقى الله فيما يَُقدِم عليه غداً من عمله، فإنَّه عليه يُحاسَب، وبه يُجازَى، وبالله التوفيق"[37].

    قلت: ما أحوجنا إلى أمثال الإمام سفيان الثوري من العلماء الدعاة العاملين المحتسبين بصدق، وما أحوجنا إلى أمثال هارون الرشيد من ولاة الأمر المنتصحين بنصح العلماء ومواعظهم، الذين نفع الله بهم البلاد والعباد.

    قال الإمام الغزالي بعد أن أورد تلك القصة مع مجموعةٍ من قصص العلماء في احتسابهم مع الأمراء:" فهذه كانت حالة العلماء وعادتهم في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وقِلَّة مبالاتهم بسطو السلاطين، لكنهم اتّكلوا على فضل الله تعالى أن يحرسهم ورضوا بحكم الله تعالى أن يرزقهم الشهادة، فلمّا أخلصوا لِلهِ النِيَّة أثَّر كلامُهم في القلوب القاسية فليَّنها وأزال قساوتها، وأمَّا الآن فقيَّدتِ الأطماعُ ألسن العلماء فسكتوا، وإن تكلموا لم تساعد أقوالَهم أحوالُهم، فلم ينجحوا، ولو صدقوا وقصدوا حق العلمِ لأفلحوا، ففسادُ الرَّعايا بفساد الملوك، وفسادُ الملوك بفسادِ العلماء، وفسادُ العلماء باستيلاء حبِّ المالِ والجاه، ومن استولى عليه حبُّ الدنيا لم يقدِر على الحسبة على الأراذل، فكيف على الملوكِ والأكابرِ؟ والله المستعانُ على كُلِّ حال"[38].

    خاتمـــة

    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيدنا محمّد سيّد السادات، وعلى آله وصحبه أهل المكرمات ..، وبعد ..

    فقد اتضح لنا أنَّ فئات المجتمع المسلم جميعها معنيّةٌ بأمر الحسبة، تشارك فيها لتحصُل على ثمراتها، كلٌ بحسب جهده وعلمه واستطاعته وظروفه، فمن قام بها حيث كانت مطلوبةً فقد أدّى الواجب وأبرأ الذمة، ومن توانَى أو قصَّر أو داهن أو جامل فقد ضيَّع الأمانة، وكان له نصيبٌ من أوزار الضالين والفاسقين الذين بثوا شرورهم في مجتمعات المسلمين فاكتوى الجميع من ذلك.. ويشركه في الوزر من سنَّ التشريعات التي تسهِّل على أهل السُّوء أداء مهامهم وتنفيذ خططهم ممَّن ولاَّه الله أمراً من أمور الأمة، فكان حريصاً على إرضاء فئامٍ من الناس من أرباب المال أو الجاه أو غيرهم أكثر من حرصه على إرضاء رب العباد الذي بيده كل شيئ..

    إنَّ سلفنا الصالح عليهم رحمة الله تعالى كانوا أقرب إلى منبع النور وينبوع الهداية، وأجدر بنا أن نقرأ سيرهم وتاريخهم لنعرف كيف كانوا يحتسبون مع بعضهم البعض، ومع الآخرين حكاماً ومحكومين، أقارب وأباعد ..

    إنّ سيرهم تُنبئ عن روحٍ إسلاميةٍ قويةٍ حرّكت جوارحهم فأطاعوا الله وزهدوا في الدنيا، وعاشوا مرفوعي الرؤوس عزيزي النفوس، فاستجاب لهم النَّاس وأطاعوهم رغم قسوة احتسابهم أحياناً، لكن تلك حِكمة الله وعدله في الجزاء بالإحسان إحساناً، لمَّا استجابوا لله والرسول أحياهم الله بالإيمان حتى غمر كل حواسهم وجوارحهم فتحركت بما يرضي الله، فظهر أثر ذلك على وجوههم وأقوالهم وأفعالهم، فكان تأثير احتسابهم سريعاً قريباً، ونفعه على المجتمع عظيماً عجيباً.

    إن ما ذكرناه من شواهد تاريخية قليل جداً، فالمقام لا يتسع للمزيد، ولكن الإشارة تكفي، وما أوردناه يفي الآن، وأمَّا الزيادة والإضافة فإني أنتظرها من أساتذتي الكرام الذين يقرأون ما كتبت على عجل ليضيفوا إليه الكثير من الدرر ..

    وأقول أخيراً: إنّنا نتطلع أن يعي الجميع في المجتمع دورهم في الحسبة، وأن يولوا الأمر عنايتهم، ويجعلوه من أولوياتهم ومن أوجب واجباتهم، وأن يدفعهم إلى ذلك ويزيد من عزمهم ما نراه من منكرٍ انتشر، وما ساد من بلاءٍ وشر .. نسأل الله أن يعيننا على التصدي لذلك وأن يرزقنا التوفيق والإخلاص.


    ------------------------------------------
    [1] الماوردي – الأحكام السلطايّة ص 24- أبو يعلى الحنبلي – الأحكام السلطابيّة ص 284.
    [2] ابن كثير (أبو الفداء اسماعيل القرشي الدمشقي)- تفسير القرآن العظيم2/392-393 دار الفكر –بيروت سنة 1981م، وانظر: الرازي (فخر الدين) التفسير الكبير المسمى مفاتيح الغيب ، 16/202 دار الكنب العلمية. بدون تاريخ.
    [3] انظر: الغزالي (أبو حامد) إحياء علوم الدين 2/ 307.
    [4] القرطبي .. الجامع لأحكام القرآن 4/173.
    [5] صحيح البخاري: حديث رقم 2278، 2/848 وورد في مواضع أخرى، وصحيح ابن حبان: حديث رقم 4491، 10/343.
    [6] القرطبي نقلا عن الضحاك- الجامع لأحكام القرآن 12/73.
    [7] الشوكاني (محمد بن علي بن محمد) – فتح القدير 1/369 دار الفكر – بيروت سنة 1983م.
    [8] صحيح مسلم كتاب الإيمان، باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأنّ الإيمان يزيد وينقص، وأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، حديث رقم (49) 1/69
    [9] انظر ابن كثير(أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي) مرجع سابق 1/391
    [10] صحيح البخاري، كتاب الأحكام ، باب كيف يبايع الإمام الناس، حديث رقم 99/7 – 200/1
    [11] صحيح البخاري، كتاب الإيمان باب قول النبي صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة رقم الحديث 57 1/137
    [12] هذه عبارة الإمام الخطابي كما وردت في عمدة القاري 2/324.
    [13] الهيثمي ـ مجمع الزوائد, كتاب الفتن, باب ظهور المعاصي 7/268. وانظر: البغوي , شرح السنة, حديث رقم 4155, 14/346.
    [14] صحيح سنن الترمذي, أبواب الفتن, باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    [15] الهيثمي ـ مجمع الزوائد, كتاب الفتن, باب وجوب إنكار المنكر 7/269. قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
    [16] صحيح البخاري ـ باب القرعة في المشكلات 3/164.
    [17] صالح بن عبد الله الدرويش ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وواقع المسلمين اليوم ص 31 – 32 دار الوطن ـ الرياض ط 1 عام 1412هـ.
    وقال المؤلف: انظر: فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر الخلّال ص 48 تجد تقرير العلماء رحمهم الله لتلك المسألة ص 32.
    [18] الماوردي ( الأحكام السلطانية ص24)، أبو يعلى (الأحكام السلطانية ص 284)
    [19] هذا ما رآه الشيخ العلامة ابن باز رحمه الله, انظر: كتاب الدعوة إلى الله وما ينبغي أن يتحلى به الدعاة ص 16.
    [20] سنن أبي داود 5/13-15 كتاب السنة – باب في لزوم السنة، حديث رقم 4607- دار الحديث، ط: 1 سنة 1974م، سنن الترمزي 7/319- 320- كتاب العلم – باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، حديث رقم 2678 مطابع الفجر الحديثة – سوريا ط:1 سنة 1967م.
    [21] الطبري ـ تاريخ الأمم والملوك 3/247. ابن كثير البداية والنهاية.
    [22] الحسبة في العصر النبوي وعصر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم فضل إلهي ظهير ص 18. إدارة ترجمان الإسلام سي باكستان ط 1990م.
    [23] ابن الجوزي ـ مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ص 79.
    [24] ابن أبي شيبة ـ المصَّنف, من كره خاتم الذهب. رواية رقم 5198, 8/279 ـ 280
    [25] انظر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ للخلال (مرجع سابق) ص 45.
    [26] المصنَّف, كتاب الجنائز باب الحدث والبنيان, رواية رقم 6489, 3/504.
    [27] انظر: تاريخ الطبري 4/398.
    [28] مسند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. رواية رقم 1118, 2/254 ـ 255.
    [29] السيوطي ـ تاريخ الخلفاء ص 650 نشر مجموعة كتب خانة ـ كراتش.
    [30] صحيح مسلم كتاب الطهارة باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما حديث رقم 240 , 1/213.
    [31] مسند أحمد 18/184. سنن أبي داود (المطبوع مع عون المعبود) 4/135 المستدرك على الصحيحين 1/309, وقال: صحيح على شرط مسلم, ولم يخرجاه.
    [32] المحجمة: آلة يجتمع فيها دم الحجامة عند مصه. النهاية في غريب الحديث مادة (حجم) 1/347
    [33] ابن عبد البر ـ الاستيعاب في معرفة الأصحاب 4/1795.
    [34] صفة الصفوة4/24.
    [35] ابن الجوزي – المرجع نفسه4/28-29.
    [36] أسامة نعيم مصطفى – قصص الصابرين والصابرات في السراء والضراء – ص 64 نقلاً عن الأعلام 5/187 دار الثقافة – عمان ط:1 سنة 2004م .
    [37] أبو حامد الغزالي – إحياء علوم الدين 9/673.
    [38] أبو حامد الغزالي – المرجع نفسه 9/673.


    مقدمة إلى المؤتمر العلمي:الحسبة مسئولية الجميع



     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    سفينة المجتمع
  • مسائل في الحسبة
  • شـبـهـات
  • فتاوى الحسبة
  • مكتبة الحسبة
  • حراس الفضيلة
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية