صيد الفوائد saaid.net
                                                                             
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • المكتبة الصوتية
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات
  • - القصص
  • مقالات
  • - فتاوى
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    وجادلهم بالتي هي أحسن
     مناقشة علمية هادئة لـ 19 مسألة متعلقة بحكام المسلمين

     مدعّمٌ بالنقل عن الإمامين
    عبد العزيز بن عبد الله ابن باز
    1330هـ - 1420هـ
    محمد بن صالح ابن عثيمين
    1347هـ - 1421هـ
    رحمهما الله

     تأليف
    بندر بن نايف بن صنهات العتيبي

    الطبعة الرابعة
    مزيدة ومنقحة
     

      يحق طبعه لكل من أراد ، سواء لغرض خيري أو تجاري
    بشرط الحصول على إذن خطي من المؤلف

    الطبعة الأولى - رجب 1425 هـ ( الرياض )
    الطبعة الثانية - رمضان 1425 هـ ( الرياض )
    الطبعة الثالثة - ذو القعدة 1425 هـ ( الرياض )
    الطبعة الرابعة - ربيع الآخر 1426 هـ ( الرياض )


    بسم الله الرحمن الرحيم
     مقدمة الطبعة الرابعة

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه , وبعد :
    فأقدّم للقراء الكرام كتابي في طبعته الرابعة , والجديد في هذه الطبعة :
    أنني قمت بما أعانني الله عليه من التصويب والتنقيح , مع إضافة فائدتين نفيستين إحداهما تحت الأصل الأول , والأخرى تحت الشبهة الثامنة , وإضافة شبهة جديدة وهي : تكفيرهم الحكام بأنهم طواغيت ! والجواب عنها .

    ومما سرّني جداً :
    ما بلغني من ثناء بعض أهل العلم , وطلبته , ومحبيه على الكتاب , ولا أجد نفسي تتّجه لنشر هذا مهما جلّ قدر قائله ؛
    إذ الكتاب - لو كان حقاّ - فإن الحقّ يعلو بنفسه . ولو كان باطلاً ما نفعه مدح أحد كائناً من كان .
    وليس الميزان هو كثرة المادحين ولا قلة القادحين ؛ بل الميزان الذي يُحكم من خلاله ؛ هو موافقة أو مخالفة الحق .

    ثم لا يفوتني التأكيد على أمر مهم , وهو :
    أن الكتاب ليس قُرباناً لحكام المسلمين ! ولست أبتغي به مرضات أحد ! فوالذي نفسي بيده ليس هذا هو مرادي ؛
    بل إنني أرمي لما هو أسمى من ذلك ؛ ألا وهو : نصرة المعتقد الحقّ ؛ معتقدِ أهل السنة والجماعة في تلك المسائل , والتي أساء لها البعض بإيراداتهم !

    وبيان ذلك :
    أن الواقع في الشبهة لا يسيء لأولئك الحكام فحسب ! بل إنه إساءته تتعداهم لتمسّ العقيدة الصحيحة ! وقد أخذتني الغيرة على التوحيد والسنة لتأليف هذا الكتاب , ودونكه فاقرأه ترى مصداق ما قلت لك .

    أقول :
    ولكن البعض - هداهم الله - يتّخذ الطعن في النوايا ، واتهام المقاصد : سبيلاً للصدّ عما في الكتاب من الحقّ ؛ خوفاً على أصوله , وشفقةً على فكره ! فإلى الله المشتكى , وهو حسبي ونعم الوكيل .

    كما أودّ التنبيه إلى أن الكتاب إنما وضع بطريقة الإيجاز , ولم أشأ أن أتوسّع فيه خشية من الإثقال على القاريء : المبتديء , أو غير المختصّ .
    وقد راعيتُ في الكتاب : إفادة طلاب المدارس الثانوية والجامعة بالدرجة الأولى . لأنهم المستهدفون عند أرباب الفكر المنحرف أكثر من غيرهم , فوقايتهم من هذا الانحراف واجب على الأعناق .

    وفي الختام :
    أكرر رجائي لجميع الإخوة طلاب العلم ؛ بأن يبعثوا لي بملاحظاتهم لأنظر فيها , فالمؤمن مرآة أخيه .

    كما أكرر الشكر لكل من اتصل بي أو راسلني ؛
    والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً .

    المؤلف
    6 / 4 / 1426 هـ
     ص . ب :   371282
    الرمز البريدي  :   11325
    الجوال / للاتصال أو للرسائل القصيرة sms
    506264319 00966
     



    مقدمة الكتاب

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :

    فبين يديك - أخي المسلم - هذا الكتاب الذي جمعتُ فيه الكثير والكثير من الأجوبة العلميّة على عددٍ كبيرٍ من الشبهات التي نتسامع بإثارتها من حين لآخر , والتي تحمل - في حقيقتها - التلبيس على الأمة , والتعدّي على السنة النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - بل ويتناقلها الكثير - هداهم الله - من حيث يدرون بحقيقتها ويشعرون , أو من حيث لا يدرون ولا يشعرون !

    ومما دفعني لإخراج الكتاب :
    أنني لم أرَ - حتى هذه اللحظة - مولَّفاً يختصّ بردِّ هذا النوع من الشبهات على هذا النحو من الترتيب والتبويب . نعم قد تعرّض البعض لشيء من الشبهات ولكنّ الكثير منها لم أر أحداً ناقشها وأجاب عنها .

    وهذه الشبهات ؛ تختلف في نتائجها ؛
    1. فتارة يراد بها إسقاط بيعة وليّ الأمر .
    2. وتارة يراد بها صرف الناس عن طاعته .
    3. وتارة يراد بها تكفيره .
    4. وتارة يراد بها تجويز الخروج عليه .

    وقد اهتممتُ - في دفع هذه الشبه - بـ :
    1. الإيجاز - ما استطعتُ إليه سبيلاً [1] - .
    2. والاعتناء بالدليل الشرعي .
    3. مع الإرجاع لأصول أهل السنة والجماعة .
    4. والنقل عن أهل العلم في كلّ ما أُقرِّره .

    ثم إنني - في نقلي عن أهل العلم - قد اعتنيتُ بذكر كلام الشيخين الإمامين :
    · عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ,
    · ومحمد بن صالح ابن عثيمين - رحهما الله - بالدرجة الأولى ؛
    § لما لهما من القبول عند المسلمين ,
    § ولمعاصرتهما أكثر - إن لم أقل كلّ - هذه المسائل .

    والكتاب إنما هو لردّ الشبه , فليس من هدفه الكلام عن أصحابها .

    ومعاذ الله أن أكون قد كتبتُ ما كتبتُ محاباةً أو مجاملةً أو استماتةً في الدفاع عن الحكام !

    بل الباعث على تأليف هذا الكتاب هو حمايةُ :
    § أصولِ أهل السنة والجماعة : من هجمات المُغرضين .
    § وعُقولِ المسلمينَ : من الفكر الضالّ بجميع صوره .

    وقد رددتُ الشبهات من وجهين :
    § وجهٍ عامٍّ ؛ وهو ردّ مُجملٌ على جميع الشبهات المذكور منها وغير المذكور .
    § ووجهٍ خاصّ ؛ وهو ردّ مُفصّل على كلّ شبهة لوحدها .

    وقبل ختمِ المقدمة - هذه - أبعث رسالة :
    § لإخواني المسلمين عموماً ,
    § ولأخي المُخالف على وجه الخصوص :

    أوصيه فيها بتقوى الله عز وجل ,
    وبلزوم الدليل الشرعي ,
    وبترك التعصّب للرموز ,
    وبقراءة هذا الكتاب بتأنٍّ ورويَّةٍ ؛
    فلعلّك - أخي - أن تُدرِكُ فيه شيئاً غابَ عنكَ وظننتَ الحقّ فيه معك وظللتَ عليه حيناً من دهرك , ومن تابَ تاب اللهُ عليه ,

    واقرأ - بنَفْسٍ مُقبلةٍ - قولَ الله عز وجل :
    « قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم » .

    واعلم أن التائب من الذنب كمن لا ذنبَ له .
    أسأل اللهَ أن ينفع بكتابي وأن يدّخرهُ لي - عنده - في ميزان الحسنات .
    والحمد لله رب العالمين ؛

    المؤلف
     


    الردّ الأول على جميع الشبهات
    وذلك بأربعة أصول قرّرها أهل السنة والجماعة

    هناك أصول ينطلق منها أهل السنة والجماعة في التعامل مع الحكام ؛ وهذه الأصول الأصيلة يمكن اعتبارها ردّاً إجمالياً على جميع الشبهات المثارة , فمن ضبط هذه الأصول والتزمها فقد اتضح له الحق وزالت عنه الكثير من الشبهات .

    الأصل الأول

    المسلم مأمور بالتثبّت في ما يبلغه من الأخبار ، إذ ليست كلّ الدعاوى التي ثُثار على حكام المسلمين صحيحة ؛ فيجب التأكّد من صحة الخبر ,

    ولذلك فإنه يُقال :
    إن الكثير من الشبه المثارة ما هي إلا دعاوى مجردة من البراهين .

    تقريره

    قال الله تعالى :
    « . . . إن جاءكم فاسق بنبإٍ فتبيَّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين » .

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ( فتاواه 19/63 ) :
    « يسمع خبر الفاسق ويتبين ويتثبت ؛ فلا يجزم بصدقه ولا كذبه إلا ببينة كما قال تعالى : ( إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ) . . . » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( فتاواه 15 / 308 ) :
    « وأيضاً فإنه علّل ذلك بخوف الندم , والندم إنما يحصل على عقوبة البريء من الذنب , كما في سنن أبى داود ( ادرؤوا الحدود بالشبهات فإن الإمامَ أن يخطيءَ في العفو خير من أن يخطيءَ في العقوبة ) , فإذا دار الأمرُ بين أن يخطيء فيعاقب بريئاً أو يخطيء فيعفو عن مذنب ؛ كان هذا الخطأ خير الخطأين » انتهى .

    وقال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - ( تفسيره 4/245 ) :
    « يأمر الله تعالى بالتثبُّت في خبر الفاسق ليُحتاط لـه , لئلا يُحكَم بقوله فيكون - في نفس الأمر - كاذباً أو مخطئاً » انتهى .

    وقال العلامة السعدي - رحمه الله - ( تفسيره ص 800 ) :
    « وهذا أيضاً من الآداب التي على أولي الألباب التأدب بها واستعمالها ؛ وهو أنه إذا أخبرهم فاسق بخبر أن يتثبتوا في خبره فلا يأخذوه مجرداً ؛ فإن في ذلك خطراً كبيراً ووقوعاً في الإثم . . .
    ففيه دليل على أن :
    § خبر الصادق مقبول ,
    § وخبر الكاذب مردود ,
    § وخبر الفاسق متوقف فيه » انتهى .

    فائدة مهمة :
    الآية وردت في خبر الفاسق , ومثله : خبر المجهول . وبيان ذلك من وجهين :

    الوجه الأول :
    أن المجهول يحتمل أن يكون فاسقاً . فصار الاحتياط : أن يتوقف قبولُ خبره على التثبت , كما يتوقف قبولُ خبر الفاسق على التثبت .

    الوجه الثاني :
    أن الله علّل للأمر بالتثبت بعلة هي : ألاّ نُصيبَ بالجهالة , والإصابة بالجهالة محتملة في خبر المجهول , كما هي محتملة في خبر الفاسق .

    وهذان الوجهان يثبتان - بجلاء - خطأ من قصر الآية على من تبيّن فسقه ! فقال بقبول خبر كل من لم يكن فاسقاً ، كالمجهول !
     


    الأصل الثاني

    أجمع أهل السنة على أنه : لا يجوز الخروج على وليّ الأمر ؛ إلا في حالة مواقعته للكفر البواح .

    ولذلك فإنه يُقال :
    إن الكثير من الشبه المثارة ما هي إلا معاصٍ لا تصل بفاعلها إلى حدّ الوقوع في الكفر ؛ والسبيل هو التعامل مع معاصي الحاكم وفق ما في الكتاب والسنة : من النصح , والدعاء بالصلاح , مع بقاء السمع والطاعة في كل ما يأمر به - عدا ما أمر به من المعاصي - .

    تقريره

    قال الإمام النووي - رحمه الله - ( شرحه لصحيح مسلم ، جزء : 11 - 12 ، ص 432 ، تحت الحديث رقم : 4748 ، كتاب : الإمارة , باب : وجوب طاعة الأمراء . . . ) :
    « . . . وأما الخروج عليهم وقتالهم : فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقةً ظالمين , وقد تظاهرت الأحاديث على ما ذكرته , وأجمع أهل السنة أنه : لا ينعزل السلطان بالفسق » انتهى .

    وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - ( الفتح 13/9 ، تحت الحديث رقم : 7054 ) :
    « قال ابن بطال : وفي الحديث حجة على ترك الخروج على السلطان ولو جار , وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه , وأن طاعته خير من الخروج عليه ؛ لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء . وحجّتهم هذا الخبرُ وغيره مما يساعده , ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح » انتهى .

    وموافقةً لهذا الإجماع :

    فقد قال الإمام ابن باز - رحمه الله - عن السعودية ( فتاواه 4/91 ) :
    « وهذه الدولة - بحمد الله - :
    لم يصدر منها ما يوجب الخروج عليها , وإنما الذي يستبيح الخروج على الدولة بالمعاصي هم الخوارج الذين يكفرون المسلمين بالذنوب . . . » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( فتاواه 8/202 ) :
    « . . . فإذا أمروا بمعصيةٍ فلا يُطاعون في المعصية ؛ لكن لا يجوز الخروج عليهم بأسبابها . . . » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( فتاواه 8/203 ) :
    « . . . فهذا يدل على أنه لا يجوز لهم منازعة ولاة الأمور , ولا الخروج عليهم إلا أن يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان » انتهى .

    وقال - رحمه الله - عمّن لا يرى وجوب البيعة لولاة الأمر في السعودية ( الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية ص 54 ، ط الأولى ) :
    « . . . بل هذا من المنكرات العظيمة , بل هذا دين الخوارج .
    هذا دين الخوارج والمعتزلة :
    الخروج على ولاة الأمور وعدم السمع والطاعة لهم إذا وُجدتْ معصية » انتهى .

    وقال الإمام ابن عثيمين - رحمه الله - لما سئل عن بعض أنواع الرسوم التي تؤخذ من الحكومات هل هي من الضرائب ؟ ( الباب المفتوح 3/416 ، لقاء 65 ، سؤال 1465 ) :
    « تعمّ كلّ شيء يؤخذ بلا حقّ ؛ فهو من الضرائب , وهو محرم . . .
    ولكن على المسلم السمع والطاعة , وأن يسمع لولاة الأمور ويطيعهم , وإذا طلبوا مالاً على هذه المعاملات أعطاهم إياه . . .
    ولا يجوز أن تُتّخذ مثل هذه الأمور وسيلةً إلى :
    § القدح في ولاة الأمور ,
    § وسبّهم في المجالس ,
    § وما أشبه ذلك » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( شرح الواسطية 2/337 ، ط ابن الجوزي ) :
    « . . . خلافاً للخوارج الذين يرون أنه لا طاعة للإمام والأمير إذا كان عاصياً ؛ لأن من قاعدتهم أن الكبيرة تُخرج من الملة » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 4/514 ، ط الوطن ) :
    « مهما فسق ولاة الأمور لا يجوز الخروج عليهم ؛ لو شربوا الخمر , لو زنوا , لو ظلموا الناس ؛ لا يجوز الخروج عليهم » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 4/517 ، ط الوطن ) :
    « وأما قول بعض السفهاء : إنه لا تجب علينا طاعة ولاة الأمور إلا إذا استقاموا استقامة تامة !
    فهذا خطأ , وهذا غلط , وهذا ليس من الشرع في شيء ؛
    بل هذا مذهب الخوارج :
    الذين يريدون من ولاة الأمور أن يستقيموا على أمر الله في كل شيء . وهذا لم يحصل من زمن , فقد تغيرت الأمور » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 5/269 ، ط الوطن ) :
    « يجب علينا أن نسمع ونطيع وإن كانوا هم أنفسهم مقصرين ؛ فتقصيرهم هذا عليهم , عليهم ما حُمّلوا وعلينا ما حُمّلنا » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 3/333 ، ط الوطن ) :
    « ليس معنى ذلك أنه إذا أمر بمعصية تسقط طاعته مطلقاً !
    لا . إنما تسقط طاعته في هذا الأمر المُعيّن الذي هو معصية لله , أما ما سوى ذلك فإنه تجب طاعته » انتهى .
     


    الأصل الثالث

    ليس كلّ من وقع في الكفر أصبح كافراً ؛ إذ قد يوجد عند الواقع في الكفر ما يمنع من تكفيره .

    ولذلك فإنه يقال :
    إن بعض الأمور التي تثار على بعض حكام المسلمين هي من قبيل المكفّرات , ولكن ليس لأحدٍ أن يُعامل هذا الحاكم كما يُعامَل الحاكم الكافر ؛ حتى تُقام عليه الحُجّة . بحيث تتوفّر فيه شروط التكفير وتنتفي عنه موانعه .

    تقريره

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ( فتاواه 16/434 ) :
    « فليس كل مخطيء [2] كافراً ؛ لا سيما في المسائل الدقيقة التي كثر فيها نزاع الأمة » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( فتاواه 12/466 ) :
    « وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط ؛ حتى :
    § تقام عليه الحجة ,
    § وتبين له المحجة ,
    ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزُل ذلك عنه بالشكّ ؛ بل لا يزول إلا :
    § بعد إقامة الحجة ,
    § وإزالة الشبهة » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( فتاواه 12/487 ) :
    « . . . كلّما رأوهم قالوا : ( من قال كذا فهو كافر ) , اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكلّ من قاله , ولم يتدبروا أن التكفير لـه شروط وموانع قد تنتفي في حق المُعَيّن , وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المُعَيّن إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع .

    يُبيِّن هذا :
    أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه » انتهى .

    وقال - رحمه الله - عن مسائل التكفير ( فتاواه 23/348 ) :
    « . . . ولكن المقصود هنا :
    أن مذاهب الأئمة مبنية على هذا التفصيل بين النوع والعين . . . » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( فتاواه 12/500 ) :
    « . . . فتكفير المُعيّن من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يُحكم عليه بأنه من الكفار ؛ لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يتبيّن بها أنهم مخالفون للرسل ؛ وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر .
    وهكذا الكلام في تكفير جميع المُعيّنين . . . » انتهى .

    وقال الإمام الألباني - رحمه الله - ( الصحيحة ، تحت الحديث رقم : 3048 ) :
    « ليس كل من وقع في الكفر - من المؤمنين - وقع الكفرُ عليه وأحاط به » انتهى .

    وقال الإمام ابن عثيمين - رحمه الله - ( الباب المفتوح 3/125 ، لقاء 51 ، سؤال 1222 ) :
    « كلّ إنسان فعل مُكفِّراً فلا بدّ ألاّ يوجد فيه مانعٌ من موانع التكفير . . .
    فلا بدّ من الكفر الصريح الذي لا يحتمل التأويل .
    فإن كان يحتمل التأويل فإنه لا يُكفَّر صاحبُه وإن قلنا أنه كُفرٌ [3] ؛
    فيُفرَّق بين :
    § القول والقائل ,
    § وبين الفعل والفاعل ,
    قد تكون الفعْلةُ فِسقاً ولا يُفسّق الفاعل لوجود مانع يمنع من تفسيقه ,
    وقد تكون كفراً ولا يُكفّر الفاعل لوجود ما يمنع من تكفيره ,
    وما ضرّ الأمة في خروج الخوارج إلا هذا التأويل . . .
    ربما يفعل الإنسان فعلاً فِسقاً لا شكّ فيه لكنه لا يدري .
    فإذا قلتَ يا أخي هذا حرام . قال : ( جزاك الله خيراً ) , وانتهى عنه .
    إذاً : كيف أحكم على إنسان أنه فاسق دون أن تقوم عليه الحجة ؟
    فهؤلاء الذين تُشير إليهم من حكام العرب والمسلمين :
    § قد يكونون معذورين لم تتبيَّن لهم الحجة ,
    § أو بُيِّنتْ لهم وجاءهم من يُلبِّسُ عليهم ويُشبِّه عليهم » انتهى .

    وقال - رحمه الله - جواباً على سؤال : ( هل يعتبر الذين لا يحكمون القرآن والسنة ويحكمون الشرائع الفرنسية أو الإنجليزية كفاراً ؟ ) , ( الباب المفتوح 1/24 ، لقاء 1 ، سؤال 31 ) :
    « هذا يحتاج إلى النظر ؛
    ما هو السبب الذي حملهم على هذا ؟
    وهل أحدٌ غرَّهم ممن يدّعي العلم وقال أن هذا لا يخالف الشرع ؟
    أم ماذا ؟ . .
    فالحكم في هذه المسألة لا يمكن إلا على كل قضيةٍ بعينها » انتهى .

    فائدة :
    شروط التكفير أربعةٌ , تقابلها أربعٌ من الموانع ؛ وهي :
    1. توفر العلم وانتفاء الجهل .
    2. وتوفر القصد وانتفاء الخطإ .
    3. وتوفر الاختيار وانتفاء الإكراه .
    4. وانعدام التأويل السائغ , والمانع المقابل له هو : وجود التأويل السائغ .
     


    الأصل الرابع

    الخروج على الحاكم الكافر ليس على إطلاقه ؛ بل هو مشروط بـ :
    1. القدرة على إزالته ,
    2. مع إحلال مسلمٍ مكانه ,
    3. بحيث لا تترتّب على هذا الخروج مفسدة أعظم من مفسدة بقاء الكافر .

    ولذلك فإنه يقال :
    ليس كل من وقع في الكفر وأصبح كافراً - من حكام المسلمين - جاز الخروج عليه .

    فائدة :
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - مُشيراً إلى شيءٍ من التلازم بين الخروج والمفسدة ( المنهاج 3/391 ) :
    « ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته » انتهى .

    تقريره

    قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - عن الحاكم الكافر ( الفتح 13/9 ، تحت الحديث رقم : 7054 ) :
    « . . . فلا تجوز طاعته في ذلك , بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها » انتهى .

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ( الصارم 2/413 ) :
    « فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف , أو في وقت هو فيه مستضعف ؛ فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين . وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين , وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون » انتهى .

    وقال الإمام ابن باز - رحمه الله - ( فتاواه 8/203 ) :
    « . . . إلا إذا رأى المسلمون كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان : فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرة , أما إذا لم يكن عندهم قدرة : فلا يخرجوا . أو كان الخروج يُسبّب شراً أكثر : فليس لهم الخروج ؛ رعايةً للمصالح العامة .
    والقاعدة الشرعية المُجمع عليها أنه ( لا يجوز إزالة الشرّ بما هو أشرّ منه ) ؛ بل يجب درء الشرّ بما يزيله أو يُخفّفه . أما درء الشرّ بشرٍّ أكثر : فلا يجوز بإجماع المسلمين .
    فإذا كانت هذه الطائفة - التي تريد إزالة هذا السلطان الذي فعل كفراً بواحاً - عندها قدرة تزيله بها وتضع إماماً صالحاً طيباً من دون أن يترتب على هذا فساد كبير على المسلمين وشرّ أعظم من شرّ هذا السلطان : فلا بأس ,
    أما إذا كان الخروج يترتب عليه فساد كبير واختلال الأمن وظلم الناس واغتيال من لا يستحقّ الاغتيال إلى غير هذا من الفساد العظيم : فهذا لا يجوز . . . » انتهى .

    وقال الإمام ابن عثيمين - رحمه الله - عن الخروج على الحاكم الكافر ( الباب المفتوح 3/126 ، لقاء 51 ، سؤال 1222 ) :
    « إن كنّا قادرين على إزالته : فحينئذٍ نخرج ,
    وإذا كنّا غير قادرين : فلا نخرج ؛
    لأن جميع الواجبات الشرعية مشروطةٌ بالقدرة والاستطاعة .
    ثم إذا خرجنا فقد يترتب على خروجنا مفسدة أكبر وأعظم مما لو بقي هذا الرجل على ما هو عليه .
    لأننا خرجنا [4] ثم ظهرت العِزّةُ له ؛
    § صِرْنا أذِلّة أكثر ,
    § وتمادى في طغيانه وكفره أكثر .

    فهذه المسائل تحتاج إلى :
    § تعقُّلٍ ,
    § وأن يقترن الشرعُ بالعقل ,
    § وأن تُبعد العاطفة في هذه الأمور ,
    فنحن محتاجون للعاطفة لأجل تُحمِّسنا , ومحتاجون للعقل والشرع حتى لا ننساق وراء العاطفة التي تؤدي إلى الهلاك » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 4/515 ، ط الوطن ) :
    « . . . فقولوا ثلاثة شروط , وإن شئتم فقولوا أربعة :
    1. أن تروا ,
    2. كفراً ,
    3. بواحاً ,
    4. عندكم من الله فيه برهان ؛ هذه أربعة شروط .
    وإذا رأينا هذا - مثلاً - : فلا تجوز المنازعة حتى تكون لدينا قدرة على إزاحته ,
    فإن لم يكن لدينا قدرة : فلا تجوز المنازعة ؛ لأنه ربما إذا نازعنا - وليس عندنا قدرة - يقضي على البقية الصالحة , وتتمّ سيطرته .
    فهذه الشروط شروط للجواز أو للوجوب - وجوب الخروج على ولي الأمر - ؛ لكن بشرط أن يكون لدينا قدرة , فإن لم يكن لدينا قدرة : فلا يجوز الخروج ؛ لأن هذا من إلقاء النفس في التهلكة .
    أيّ فائدة إذا خرجنا على هذا الوالي - الذي رأينا عنده كفراً بواحاً عندنا من الله فيه برهان - ونحن لا نخرج إليه إلا بسكين المطبخ وهو معه الدبابات والرشاشات ؟
    لا فائدة ! ومعنى هذا أننا خرجنا لنقتل أنفسنا !
    نعم لا بدّ أن نتحيّل بكلّ حيلة على القضاء عليه وعلى حكمه , لكن بالشروط الأربعة التي ذكرها النبي - عليه الصلاة والسلام - : ( أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ) » انتهى .
     



    بداية الردّ التفصيلي

    تمت الأصول الأربعة ,
    والتي هي الردّ الإجمالي ( الأول ) ,
    وإلى الردّ التفصيليّ ,
    والذي هو الرد ( الثاني ) .

     


    الشبهة الأولى :
    طعنهم في بيعة الحاكم الذي ليس مِن قريش !

    الرد على الشبهة
    [5]

    اشتراط كون الحاكم من قريش : صحيح ؛ ولكن إنما يُنظر إليه في حال الاختيار , أي : عند اختيار أهل الحلّ والعقد وليَّ الأمر .
    أما في حال تولِّي غير القرشيّ بالغلبة , والقوة , وحصول الخلافة له , وتمكُّنه من الأمر ؛ فلا تجوز حينئذٍ منازعته , ولا الخروج عليه , ولا استبداله , ولو وُجد القرشيّ .

    فائدة :
    وكذلك فإن من المتقرر :
    عدم جواز الخروج على الحاكم المسلم , ولا نزعُه لاستبداله ؛ ولو وُجد الأفضل المستكمل للشروط .

    نُقولٌ على ما نَقول

    بيان الدليل على اشتراط أن يكون الخليفة قرشياً

    من الأدلة :
    حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - ( خ : 3495 - م : 4678 ) :
    « الناس تبعٌ لقريش في هذا الشأن . . . » .

    وحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - ( خ : 3501 - م : 4681 ) :
    « لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان » .

    بيان المنع من الخروج على الحاكم المتغلِّب ولو لم يكن قرشياً

     قد أجمع العلماء على طاعة الحاكم المتغلِّب ؛ وإجماعهم هذا مطلق لا تقييد فيه :

    قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - ( الفتح 13/9 ، تحت الحديث رقم : 7053 ) :
    « قال ابن بطال . . . أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلَّب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه . . . » انتهى .

    وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - ( الدرر السنية 7/239 ) :
    « الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلّب على بلدٍ أو بلدان ؛ لـه حكم الإمام في جميع الأشياء » انتهى .

    وقال العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن - رحمهم الله - ( مجموعة الرسائل والمسائل النجدية 3/168 ) :
    « وأهل العلم . . . متّفقون على طاعة من تغلّب عليهم في المعروف , يرون نفوذ أحكامه وصحة إمامته ؛ لا يختلف في ذلك اثنان . . . » انتهى .

    أقول :
    ولا تستغرب هذه الإجماعات ؛ فقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ولاية غير القرشيّ :
    فقال أبوذر - رضي الله عنه - ( م : 4732 ) :
    ( أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع , وإن كان عبداً مجدّع الأطراف ) .

    وجاء في حديث أم الحصين - رضي الله عنها - تفسير هذا بما يُشعر بالتغلُّب ( م : 4793 ) :
    « إن أُمّر عليكم عبدٌ مُجدّع . . . يقودكم بكتاب الله : فاسمعوا وأطيعوا » .

    قال الإمام النووي - رحمه الله - ( شرحه ، جزء 11 – 12 ، ص 429 ، تحت الحديث السابق ) :
    « . . . وتتصور إمامة العبد إذا :
    § ولاّه بعض الأئمة ,
    § أو تغلّب على البلاد بشوكته وأتباعه ؛
    ولا يجوز ابتداء عقد الولاية له مع الاختيار ؛ بل شرطها الحرية » انتهى .

    وقال الإمام ابن عثيمين - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 3/331 ، ط الوطن ) :
    « قال - صلى الله عليه وسلم - : ( أوصيكم بتقوى الله , والسمع والطاعة , وإن تأمّر عليكم عبدٌ حبشيّ ) : السمع والطاعة : يعني لولي الأمر .
    وإن تأمر عليكم عبد حبشي : سواء كانت إمرته عامة - كالرئيس الأعلى في الدولة - , أو خاصة - كأمير بلدة أو أمير قبيلة وما أشبه ذلك - .
    وقد أخطأ من ظنّ أن قوله « وإن تأمر عليكم عبد حبشي » أن المراد بهم الأمراء الذين دون الولي الأعظم - الذي يسميه الفقهاء ( الإمام الأعظم ) - ؛ لأن الإمارة في الشرع تشمل : الإمارة العظمى - وهي الإمامة - , وما دونها - كإمارة البلدان والمقاطعات والقبائل وما أشبه ذلك - » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 6/385 ، ط الوطن ) :
    « فلو فُرض أن السلطان غلب الناسَ واستولى وسيطر , وليس من العرب , بل كان عبداً حبشياً : فعلينا أن نسمع ونطيع . . . » انتهى .

    وتطبيقاً لهذه الإجماعات :
     فقد اعتدّ العلماء الأكابر في هذا العصر كـ :
    § سماحة شيخي الشيخ الإمام عبد العزيز ابن باز ,
    § وفضيلة الشيخ الإمام محمد ابن عثيمين , وغيرهم - رحم الله الجميع - ؛
    بحكم آل سعود - وفقهم الله - مع أنهم ليسوا من قريش .

    بيان المنع من الخروج على المسلم المفضول لغرض تولية الفاضل

    قال الغزاليّ - رحمه الله - في سياق منعه من استبدال مفضول بفاضل [6] :
    « . . . فلا يُهدم أصلُ المصلحة شغفاً بمزاياها , كالذي يبني قصراً ويهدم مصراً » انتهى .

    أقول :
    فـ( المصلحة ) : في معنى بقاء الحاكم الجاهل بالأحكام أو الفاسق أو غيرهما من المفضولين .
    و ( مزاياها ) : في معنى فائدة تولية الفاضل العالِم أو الصالح أو غيرهما .

    ومن القواعد المقررة في الشريعة :
    1. قاعدة : ( درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ) ؛
    2. وقاعدة : ( لا يجوز إزالة الشرّ بما هو أشرّ منه ) وانظر كلام الإمام ابن القيم - رحمه الله - ( إعلام الموقعين 3/12 ) . كما قد حكى الإمام ابن باز – رحمه الله - الإجماع على هذه القاعدة , ( وسيأتي كلامه ) .

    والخروج على المسلم المفضول فيه من المفاسد ما هو أشدّ على المسلمين من بقائه ؛
    من : سفك للدماء , وإظهار للفتن , وإضاعة للأمن , وتعطيل للحدود ؛ فهو من إزالة الشرّ بأشرّ منه .
    ومن أظهر مفاسده :
    أنه يؤدي إلى عدم استقرار بيعة أحد ؛ لأنه مهما كان صلاح ولي الأمر فلا بدّ أن يوجد من هو أفضل منه , ولو بعد حين . كما أن تحديد الأفضلية أمر متفاوت , فقد تخرج جماعة زعماً أن مَنْ لديها هو الأفضل !

    وتقدم كلام الإمام ابن باز - رحمه الله - حول مسألة الخروج على الحاكم الكافر ( فتاواه 8/203 ) :
    « . . . إلا إذا رأى المسلمون كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان : فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته ؛ إذا كان عندهم قدرة , أما إذا لم يكن عندهم قدرة : فلا يخرجوا . أو كان الخروج يُسبّب شراً أكثر : فليس لهم الخروج ؛ رعايةً للمصالح العامة . والقاعدةُ الشرعية المُجمع عليها أنه : ( لا يجوز إزالة الشرّ بما هو أشرّ منه ) ؛ بل يجب درء الشرّ بما يزيله أو يُخفّفه . أما درء الشرّ بشرّ أكثر : فلا يجوز بإجماع المسلمين .

    فإذا كانت هذه الطائفة - التي تريد إزالة هذا السلطان الذي فعل كفراً بواحاً - عندها :
    § قدرة تزيله بها ,
    § وتضع إماماً صالحاً طيباً ,
    من دون أن يترتب على هذا فساد كبير على المسلمين وشرّ أعظم من شرّ هذا السلطان : فلا بأس .
    أما إذا كان الخروج يترتب عليه :
    § فساد كبير ,
    § واختلال الأمن ,
    § وظلم الناس ,
    § واغتيال من لا يستحقّ الاغتيال ,
    § إلى غير هذا من الفساد العظيم : فهذا لا يجوز … » انتهى .
     


    الشبهة الثانية :
    طعنهم في بيعة مَن أخذ الحكم بالقوة !

    الرد على الشبهة

    الأصل في تولّي الحكم :
    § إما بالشورى ,
    § أو بالاستخلاف ؛
    ولكن لو جاء من أخذ الحكم بالقوة ، وتغلّب واستقام لـه الأمر : وجبت طاعته وحرمت منازعته .
    وهذا أمرٌ مجمع عليه عند أهل السنة والجماعة , لا يختلفون فيه .

    نُقولٌ على ما نَقول

    بيان الإجماع على طاعة الحاكم المتغلِّب وتحريم منازعته

    تقدم تقرير الإجماع في هذا من كلام :
    § الحافظ ابن حجر ,
    § والإمام محمد بن عبد الوهاب ,
    § والعلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن - رحمهم الله - ,
    فراجعه في الشبهة الأولى .
     



    الشبهة الثالثة :
    ظنُّهم أن الطاعة لا تجب إلا على مَن بايع بنفسه !

    الرد على الشبهة من ثلاثة أوجه

    الوجه الأول :
    ما دام قد بايع أهلُ الحلّ والعقد ؛ فالطاعة والبيعة لازمتان على كلّ واحدٍ من الرعيّة وإن لم يبايع أو يتعهّد لهم بذلك بنفسه .

    الوجه الثاني :
    أن الصحابة - رضي الله عنهم - ومن بعدهم , كانوا على هذا : إذ لم يشترط أحدٌ منهم هذا الشرط للزُوم البيعة ووجوب الطاعة !

    الوجه الثالث :
    أن في اشتراط هذا من المشقة والمفسدة ما يوجب على العاقل - فضلاً عن العالم - عدم القول به ؛

    § فأما المشقة :
    فتلحق الحاكم والمحكوم على السواء ؛
    إذ في ظلّ اتساع البلاد وكثرة الناس وبعد المسافات ما يلحق أنواعاً من المشاقّ .

    § وأما المفسدة :
    فيستطيع كلّ مَن بيّت سوءً أن يتخلّف عن البيعة ويعمل ما شاء من أسباب الفرقة والنزاع بحجة عدم لزوم الطاعة عليه !
     

    نُقولٌ على ما نَقول

    بيان وجوب الطاعة ولزوم البيعة بمبايعة أهل الحل والعقد

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ( فتاواه 35/9 ) :
    « وما أمر اللهُ به من :
    طاعة ولاة الأمور , ومناصحتهم ؛ واجبٌ على الإنسان وإن لم يُعاهدهم عليه , وإن لم يحلف لهم الأيمان المؤكدة .
    كما يجب عليه الصلوات الخمس والزكاة والصيام وحج البيت . وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله من الطاعة . . . » انتهى .

    وقال العلامة الشوكاني - رحمه الله - ( السيل الجرار 4/513 ) :
    « وليس من شرط ثبوت الإمامة أن يُبايعه كل من يصلح للمبايعة , ولا من شرط الطاعة على الرجل أن يكون من جُملة المُبايعين ؛ فإن هذا الاشتراط - في الأمرين - مردودٌ بإجماع المسلمين أوّلهم وآخرهم , سابقهم ولاحقهم . ولكن التحكّم في مسائل الدين وإيقاعها على ما يُطابق الرأي المبنيّ على غير أساسٍ يفعل مثل هذا .
    وإذا تقرر لك ما ذكرناه :
    فهذا الذي قد بايعه أهلُ الحلّ والعقد :
    قد وجبتْ على أهل القُطر الذي تنفُذُ فيه أوامره ونواهيه طاعته بالأدلة المتواترة » انتهى .

    وقال الإمام ابن عثيمين - رحمه الله - ( الباب المفتوح 3/176 ، لقاء 54 ، سؤال 1262 ) :
    « . . . ومن المعلوم أن البيعة تثبت للإمام إذا بايعه أهل الحلّ والعقد . ولا يمكن أن نقول : ( إن البيعة حقّ لكلّ فردٍ من أفراد الأمة ) !
    والدليل على هذا :
    أن الصحابة - رضي الله عنهم - بايعوا الخليفة الأولَ أبا بكر - رضي الله عنه - ولم يكن ذلك من كلّ فردٍ من أفراد الأمة ؛ بل من أهل الحلّ والعقد .

    فإذا بايع أهلُ الحل والعقد لرجلٍ , وجعلوه إماماً عليهم :
    § صار إماماً .
    § وصار من خرج على هذه البيعة يجب عليه أن يعود إلى البيعة حتى لا يموت ميتة جاهلية أو يرفع أمره إلى وليّ الأمر لينظر فيه ما يرى .

    لأن مثل هذا المبدأ ؛ مبدأ :
    § خطير ,
    § فاسد ,
    § يؤدي إلى الفتن ,
    § وإلى الشرور .
    فنقول لهذا الرجل ناصحين له :
    اتق الله في نفسك , اتق الله في أمتك , ويجب عليك أن تبايع لولي الأمر وتعتقد أنه إمام ثابت ؛ سواء بايعتَ أنتَ أم لم تبايع .
    إذاً :
    الأمر في البيعة ليس لكلّ فردٍ من أفراد الناس ؛ ولكنه لأهل الحل والعقد » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 4/503 ، ط المصرية ) :
    « قد يقول قائل - مثلاً - :
    ( نحن لم نبايع الإمام , فليس كل واحد بايعه ) !
    فيقال :
    هذه شبهة شيطانية باطلة ,
    حتى الصحابة - رضي الله عنهم - حين بايعوا أبا بكر ؛ هل كل واحد منهم بايع ؟
    حتى العجوز في بيتها ؟
    واليافع [7] في سوقه ؟
    أبداً !
    المبايعة لأهل الحلّ والعقد ,
    ومتى بايعوا ثبتت الولاية على كل أهل البلاد شاء أم أبى .
    ولا أظن أحداً من المسلمين - بل ولا من العقلاء - يقول : إنه لا بدّ أن يبايع كل إنسان ولو في جحر [8] بيته , ولو عجوزاً , أو شيخاً كبيراً , أو صبياً صغيراً ! ما قال أحد بهذا , حتى الذين يدّعون الديمقراطية في البلاد الغربية وغيرها لا يفعلون هذا - وهم كاذبون - ، حتى انتخاباتهم كلها مبنية على التزوير والكذب ولا يبالون أبداً إلا بأهوائهم فقط .
    الدين الإسلامي :
    متى اتّفق أهل الحلّ والعقد على مبايعة الإمام فهو الإمام , شاء الناس أم أبوا , فالأمر كله لأهل الحلّ والعقد .
    ولو جُعل الأمر لعامة الناس , حتى للصغار والكبار , والعجائز والشيوخ , وحتى من ليس لـه رأي ويحتاج أن يُولّى عليه : ما بقي للناس إمام ؛ لأنهم لا بدّ أن يختلفوا » انتهى .
     


     الشبهة الرابعة :
    طعنهم في الحكام بحجة أنهم أدخلو ا المشركين جزيرة العرب !


    والحديث الآمر بإخراجهم ؛ أخرجه :
    البخاري ( 3053 , 3168 , 4431 ) ومسلم ( 4208 ) وغيرهما ؛
    من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - .

    ولفظه :
    « أخرجوا المشركين من جزيرة العرب » .

    أقول :
    ويتّخذ البعض - من فهمه - لهذا الحديث سبيلاً لـ :
    § الطعن في الحكام ؛
    § أو لإسقاط أحقيتهم في الحكم ؛
    § أو لنبذ بيعتهم ؛
    § أو لتوهين أمر طاعتهم ؛
    § أو للافتيات عليهم ومباشرة إخراج المشركين من جزيرة العرب بالطرق غير المشروعة ؛

    ولأجل هذا كلّه يقال :

    الرد على الشبهة من أربعة أوجه

    الوجه الأول :
    يجب إخراج المشركين من جزيرة العرب لدلالة الحديث النبوي على ذلك ؛ ولكن هذا الوجوب ليس على إطلاقه ؛ إذ هو محمولٌ على :
    § ألاّ تكون لهم إقامة دائمة في جزيرة العرب .
    § أو على منع قيام شعائر دينهم .
    فلا يدخل في هذا الأُجراء , ولا أصحاب العهد أو الأمان .

    الوجه الثاني :
    أنه لا يجوز الافتيات ولا التعدّي على صلاحيات وليّ الأمر ؛
    إذ المخاطَب بإخراج المشركين من جزيرة العرب هو : وليّ الأمر ؛
    ومن ثمّ فإنه إن قصّر في هذا وأدخلهم بلا حاجةٍ فإن السبيل هو نصحه وتوجيهه بالطرق الشرعية لا بأن يقوم من أرادَ إخراجهم بمباشرة هذا الإخراج .

    ثم قد يقال :
    إن آحاد المسلمين مخاطبون بهذا الإخراج , ولكن في حدود ما يخصُّهم ؛ بحيث لا يستقدمون المشركين ما وجدوا إلى الاستغناء عنهم سبيلاً .

    الوجه الثالث :
    مع أنه وقع الخلاف في تحديد المراد بجزيرة العرب في الحديث ؛
    إلا أن الفقهاء متّفقون على أنها ليست هي الجزيرة العربية التي في اصطلاح الجغرافيين - وهو ما وقع فيه المخالفون - ؛

    قال الإمام النووي - رحمه الله - ( شرحه ، جزء 11 – 12 ، ص 95 ، تحت الحديث رقم : 4208 ) :
    « لكن الشافعيّ خصّ هذا الحكمَ ببعض جزيرة العرب , وهو : الحجاز , وهو [9] - عنده - :
    مكة والمدينة واليمامة وأعمالها , دون [10] اليمن وغيره مما هو من جزيرة العرب » انتهى .

    بل قال الحافظ ابن حجر عن قول الإمام الشافعي - رحمهما الله - ( الفتح 6/198 ، تحت الحديث رقم : 3053 ) أنه :
    « مذهب الجمهور » انتهى .

    وفي اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ( البعلي ص 264 ) :
    « ويُمنعون من المقام في الحجاز , وهو : مكة والمدينة واليمامة والينبع وفدك وتبوك ونحوها وما دون المنحني . وهو عقبة الصوان من الشام كمعان » انتهى .

    وقال الإمام ابن تيمية - رحمه الله - ( فتاواه 22/235 ) :
    « . . . وهكذا إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب - وهي : الحجاز واليمن واليمامة وكل البلاد الذي لم يبلغه ملك فارس والروم من جزيرة العرب - . . . » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( فتاواه 28/630 ) :
    « وقد أمر النبي في مرض موته أن تخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب - وهي الحجاز - فأخرجهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من المدينة وخيبر وينبع واليمامة ومخاليف هذه البلاد » انتهى .

    ولقائلٍ أن يقول :
    ما الدليل على بطلان حمل الحديث على جزيرة العرب التي في اصطلاح الجغرافيّين ؟

    فالجواب :
    ما حكاه الحافظ ابن حجر - رحمه الله - من اتّفاق العلماء على إخراج اليمن من الحكم النبويّ ، مع أنها داخلة في جزيرة العرب عند الجغرافيين ؛
    قال - رحمه الله - عن جزيرة العرب ( الفتح 6/198 ، تحت الحديث رقم : 3053 ) :
    « . . . لكن الذي يُمنع المشركون من سُكناه منها : الحجاز خاصّة ؛ وهو : مكة والمدينة واليمامة وما والاها , لا فيما سوى ذلك مما يُطلق عليه اسم جزيرة العرب ؛ لاتّفاق الجميع على أن اليمن لا يُمنعون منها مع أنها من جُملة جزيرة العرب » انتهى .

    أقول :
    فخروجها عن حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، مع دخولها في حكم الجغرافيين : دليل قاطع على تباين الحكمين وسقوط الاستناد على الاصطلاح الجغرافي في فهم المراد النبوي .
    فاحفظ هذا فإنه مهم .

    الوجه الرابع :
    ويقال - على سبيل التنزُّل - :
    لو فرضنا أن الحكام أدخلوا المشركين جزيرة العرب !
    ولو فرضنا أن إدخال ولاة الأمور لهم ليس لحاجةٍ !
    ولو فرضنا أنهم خالفوا الأمر النبوي في هذا الإدخال !
    فإنه لا يعدوأن يكون عصياناً من وليّ الأمر ,
    وليس بأمرٍ كفريّ يبيح لنا الخروج عليه ولا مباشرة ما من شأنه التمهيد للخروج !
    وأنا لا أُهون من شأن المعصية ؛ ولكنني أتحدث عن الأمور المُكفّرة .
     

    نُقولٌ على ما نَقول
    بيان أن الأمر بإخراج المشركين من جزيرة العرب ليس على إطلاقه


    قال الإمام ابن باز - رحمه الله - ( فتاواه 2/450 ) :
    « . . . أما في الجزيرة العربية :
    فالواجب أن يُمنعوا من دخولها , وأن لا يُبقَوا فيها ؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بقائهم فيها وأمر ألاّ يبقى فيها إلا الإسلام وألاّ يجتمع فيها دينان وأمر بإخراج اليهود والنصارى وغيرهم من الجزيرة ؛ فلا يدخلوها إلا لحاجة عارضة ثم يخرجون ؛ كما أذن عمر للتجار أن يدخلوا في مُدد محدّدة ثم يرجعون إلى بلادهم ؛ وكما أقرّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اليهود على العمل في خيبر لمّا احتيج إليهم , ثم أجلاهم عمر .
    فالحاصل :
    أن الجزيرة العربية لا يجوز أن يُقرّ فيها دينان ؛ لأنها معقل الإسلام ومنبع الإسلام ؛ فلا يجوز أن يقرّ فيها المشركون إلا بصفة مؤقتة لحاجة يراها وليّ الأمر . . . » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( فتاواه 3/286 ) :
    « . . . فعلى الحكام في السعودية وفي الخليج وفي جميع أجزاء الجزيرة ؛ عليهم جميعاً أن يجتهدوا كثيراً في إخراج النصارى والبوذيين والوثنيين والهندوس وغيرهم من الكفرة , وألاّ يستقدموا إلا المسلمين . . . أما الكفار فلا يستخدمهم أبداً إلا عند الضرورة الشرعية , أي : التي يقدرها ولاة الأمر , وفق شرع الإسلام وحده » انتهى .

    وقال - رحمه الله - عن دخول الكفار جزيرة العرب للتجارة ( الموقع الرسمي على الانترنت , نور على الدرب , الولاء والبراء , التعامل مع غير المسلمين بالبيع والشراء ) :
    « لكن إذا قدموا لتجارة ثم يعودون , أو بيع حاجات على المسلمين , أو قدموا إلى ولي الأمر برسالة من رؤسائهم : فلا حرج في ذلك ؛ لأن رسل الكفار كانوا يقدمون على النبي في المدينة عليه الصلاة والسلام , وكان بعض الكفار من أهل الشام يقدمون على المدينة لبيع بعض ما لديهم من طعام وغيره » انتهى .

    وقال الإمام ابن عثيمين - رحمه الله - ( الباب المفتوح 2/368 ، لقاء 39 ، سؤال 1055 ) :
    « أما قولـه - صلى الله عليه وسلم - ( لا يجتمع في جزيرة العرب دينان ) ؛ فالمعنى : لا تقام شعائر الكفر في جزيرة العرب .
    يعني - مثلاً - لا تُبنى الكنائس ، ولا يُنادى فيها بالناقوس ، وما أشبه ذلك .
    وليس المعنى أنه لا يتديّن أحدٌ من الناس في نفسه ؛ بل المراد أنه لا يكون لهم كنائس أو معابد أو بـِـيـَـع كما للمسلمين مساجد .
    وأما قوله ( لأخرجنّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب ) ؛ فالمراد منها : السكنى .
    وأما الأُجراء وما أشبه ذلك فلا يدخلون في هذا ؛ لأنهم ليسوا قاطنين بل سيخرجون .
    وأما إبقاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - يهود خيبر فيها ؛ فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يُبقهم إبقاءً مطلقاً عامّاً , بل قال : ( نقرّكم فيها ما شئنا ) ؛ يعني : إلى أمد . وهذا الأمد كان لانتهائه سببٌ وذلك في عهد عمر - رضي الله عنه - حيث اعتدوا على عبد الله بن عمر وعلى الرجل الذي بات عنده ولم يوفوا بما عليهم فطردهم عمر - رضي الله عنه - » انتهى .

    وقال - رحمه الله - لمّا سئل عن حكم استقدام غير المسلمين إلى الجزيرة العربية ( فتاوى أركان الإسلام ، ص 187 ، سؤال 98 ) :
    « . . . لكن استقدامهم للحاجة إليهم بحيث لا نجد مسلماً يقوم بتلك الحاجة ؛ جائز بشرط ألاّ يُمنحوا إقامة مطلقة . . . » انتهى .


    بيان أن دور آحاد الناس في الإخراج يختص بما تحت أيديهم من الصلاحية

    قال الإمام ابن باز - رحمه الله - ( فتاواه 2/451 ) :
    « . . . ويجب على الرعية في الجزيرة العربية أن يساعدوا ولي الأمر ,
    وأن يجتهدوا مع ولي الأمر في :
    § عدم جلب المشركين ,
    § وعدم التعاقد معهم ,
    § وعدم استعمالهم في أي عمل ,
    § وأن يُستغنى عنهم بالعُمّال المسلمين ؛
    فإن في ذلك كفاية » انتهى .

    ولـه - رحمه الله - رسالة في تحذير المواطنين في الجزيرة العربية من استقدام غير المسلمين ختمها بقوله ( فتاواه 8/356 ) :
    « فأوصي إخواني جميعاً في هذه الجزيرة بـ :
    § الحذر من استقدام الكفار من النصارى والهندوس وغيرهم ,
    § والتواصي بذلك ,
    § وأن يعتاضوا عنهم بالمسلمين . . . » انتهى .


    بيان المنع من الافتيات على ولي الأمر فيما هو من صلاحياته

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عن المحتسب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( فتاواه 28/69 ) :
    « . . . وأما المحتسب فله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم » انتهى .

    وقال في موضع آخر ( فتاواه 28/109 ) :
    « . . . فإن المحتسب ليس له القتلُ والقطعُ » انتهى .

    أقول :
    يقصد - رحمه الله - أن إقامة الحدود ليست من صلاحيات المحتسب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .


    بيان أن المعاصي لا تبيح الخروج على ولي الأمر

    تقدم نقل كلام :
    § الإمام النووي ,
    § والحافظ ابن حجر ,
    § والإمام ابن باز ,
    § والإمام ابن عثيمين - رحمهم الله - ؛
    فراجعه في الأصل الثاني من الأصول الأربعة التي في أول الكتاب .
     



    الشبهة الخامسة :
    طعنهم في الحكام بحجة أنهم استعانوا بالقوات الكافرة !

    الرد على الشبهة من ثلاثة أوجه


    الوجه الأول :
    الاستعانة بالقوات الكافرة ليست أمراً محرما في كلّ حال ؛
    فقد تجوز عند الحاجة .

    الوجه الثاني - وهو جواب خاص بحكام الحرمين - :
    أن حادثة استعانة حكام الحرمين بالقوات الأجنبية في أحداث الخليج الأولى كانت بفتوى من كبار العلماء في السعودية ؛
    فمن ثمّ - وعلى فرض التنزّل - فإنهم لا يُلامون ؛ لأنهم آخذون بفتوى جهة علمية قوية موثوقة ليس عندهم فحسب ؛ بل عند أهل السنة والجماعة في كل مكان .

    الوجه الثالث :
    لو فرض التحريم !
    بل وعدم تجويز العلماء لهم !
    فإن هذا يعدّ - على أسوإ التقديرات - محرماً وليس بكفر ؛
    فلم يجز نبذ طاعتهم ,
    ولا الخروج عليهم ,
    ولا خلع بيعتهم بمثل هذا .


    نُقولٌ على ما نَقول
    ذكر بعض العلماء المجيزين الاستعانة بالكافر عند الحاجة

    أذكر - هاهنا - بعض أهل العلم المجيزين للاستعانة بالكافر عند الحاجة ؛

    فمنهم :

    § الإمام الشافعي - رحمه الله - .
    § والإمام أحمد - رحمه الله - .
    § والشيخ أبو القاسم الخِرقي - رحمه الله - .
    § والشيخ أبو الحسن السندي - رحمه الله - .
    § والإمام ابن باز - رحمه الله - .
    § والإمام ابن عثيمين - رحمه الله - .

    وليس المقصد الاستيعاب في النقل ؛
    ولا ترجيح القول بالجواز على القول بالمنع ؛
    ولا النظر في أدلة الفريقين ؛
    ولكن المقصد بيان أن هذا القول قد قيل قديماً , وأن لمن قال به حديثاً ( كالإمامين : ابن باز ، وابن عثيمين وغيرهما - رحم الله الجميع ) سلفٌ فيما ذهب إليه .

    قال الشيخ ابن قدامة - رحمه الله - ( المغني 13/98 ) :
    « فصلٌ :
    ولا يُستعان بمشرك ؛ وبهذا قال ابن المنذر والجوزجاني وجماعة من أهل العلم . وعن أحمد ما يدلّ على جواز الاستعانة بهم - وكلامُ الخِرقي يدلّ عليه أيضا - عند الحاجة ؛ وهو مذهب الشافعيّ . . . » انتهى .

    وقال الإمام النووي - رحمه الله - ( شرحه ، جزء 11 – 12 ، ص 403 ، تحت الحديث رقم : 4677 ) :
    « قوله - صلى الله عليه وسلم - ( ارجع فلن أستعين بمشرك ) ؛
    وقد جاء في الحديث الآخر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعان بصفوان بن أمية قبل إسلامه . فأخذ طائفة من أهل العلم بالحديث الأول على إطلاقه ؛
    وقال الشافعي وآخرون : إن كان الكافر حسَن الرأي في المسلمين , ودعت الحاجة إلى الاستعانة به ؛ استُعين به . وإلا فيكره . وحَمَلَ الحديثين على هذين الحالين » انتهى .

    وقال الشيخ الخِرقي - رحمه الله - في مختصره ( المغني 13/97 ، مسألة رقم : 1651 ) :
    « ويُسهَمُ للكافر إذا غزا معَنا » انتهى .

    وقال الشيخ السنديّ - رحمه الله - في شرحه لحديث ( إنا لا نستعين بمشرك ) من سنن ابن ماجه ( 3/376 ، تحت الحديث رقم : 2832 ) :
    « يدلّ على أن الاستعانة بالمشرك حرام . ومحلُّه عدم الحاجة ؛ إذ الحاجة مستثناةٌ . فيُحمل ما جاء من ذلك على الحاجة . فلا تعارض » انتهى .

    وقال الإمام ابن عثيمين - رحمه الله - عن الكفار ( الباب المفتوح 3/20 ، لقاء 46 ، سؤال 1140 ) :
    « . . . وأما الاستعانة بهم فهذا يرجع إلى المصلحة ؛ إن كان في ذلك مصلحة : فلا بأس ؛ بشرط أن نخاف [11] من شرّهم وغائلتهم وألاّ يخدعونا . وإن لم يكن في ذلك مصلحة فلا يجوز الاستعانة بهم ؛ لأنهم لا خير فيهم » انتهى .

    وسيأتي - بإذن الله - كلام الإمام ابن باز - رحمه الله - في الترجمة التالية .
     

    بيان أن استعانة حكام السعودية بالقوات الأجنبية كان بفتوى من أهل العلم

    قال الإمام ابن باز - رحمه الله - ( فتاواه 6/148 ) :
    « . . . وهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ,
    § لمّا تأمَلوا هذا ,
    § ونظروا فيه ,
    § وعرفوا الحال ؛
    بيّنوا :
    § أن هذا أمر سائغ ,
    § وأن الواجب استعمال ما يدفع الضرر ,
    § ولا يجوز التأخر في ذلك ,
    § بل يجب فوراً استعمال ما يدفع الضرر عن المسلمين ولو بالاستعانة بطائفة من المشركين . . . » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( فتاواه 6/172 ) :
    « وأما ما اضطرت إليه الحكومة السعودية من الأخذ بالأسباب الواقية من الشرّ والاستعانة بقوات متعددة الأجناس من المسلمين وغيرهم للدفاع عن البلاد وحرمات المسلمين وصدّ ما قد يقع من العدوان من رئيس دولة العراق ,
    فهو إجراءٌ :
    § مسدّد ,
    § وموفّق ,
    § وجائز شرعاً .
    وقد صدر من مجلس هيئة كبار العلماء - وأنا واحد منهم - بيان بتأييد ما اتخذته الحكومة السعودية في ذلك ، وأنها قد أصابت فيما فعلته . . . » انتهى .

    بيان أنه لا يُخرج على الحاكم إلا بالكفر الصريح

    تقدم نقل كلام :
    § الإمام النووي ,
    § والحافظ ابن حجر ,
    § والإمام ابن باز ,
    § والإمام ابن عثيمين , - رحمهم الله - ؛
    فراجعه في الأصل الثاني من الأصول الأربعة التي في أول الكتاب .
     


    الشبهة السادسة :
    طعنهم في الحكام بحجة أنهم أضاعوا أموال الدولة !

    الرد على الشبهة


    إن أمور الأموال ليست سبباً لمحبة أو بغض ولي الأمر ؛
    فكما أنه لا يجوز السكوت عن الكافر ولو كان مُنعِماً على قومه بالدنيا ؛
    فكذلك لا يسوغ الخروج على المسلم ولو ظلم في الأموال .

    بل إنه قد ورد الذم الشديد على الذي يُعلِّق بيعته بالمال ؛
    فإن أعطي رضي وإن لم يُعط سخط .

    نُقولٌ على ما نَقول
    بيان إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بمجيء من يستأثر بالمال

    جاء في حديث أسيد بن حضير - رضي الله عنه - ( خ : 3792 - م : 4756 ) :
    « إنكم ستلقون بعدي أثَرةً ؛ فاصبروا ؛ حتى تلقوني على الحوض » .

    قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - عن الاستئثار ( الفتح 13/11 ، تحت الحديث رقم : 7057 ) :
    « . . . فبَيَّن له أن ذلك لا يقع في زمانه . . .
    وأن الاستئثار للحظّ الدنيويّ إنما يقع بعده .
    وأمرهم عند وقوع ذلك بالصبر » انتهى .

    وقال الإمام ابن عثيمين - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 1/219 ، ط الوطن ) :
    « وفيه دليل على نبوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه أخبر بأمر وقع ,
    فإن الخلفاء والأمراء منذ عهد بعيد كانوا يستأثرون بالمال ؛
    § فنجدهم يأكلون إسرافاً ,
    § ويشربون إسرافاً ,
    § ويلبسون إسرافاً ,
    § ويسكنون إسرافاً ,
    § ويركبون إسرافاً ,
    § وقد استأثروا بمال الناس لمصالح أنفسهم الخاصة .
    ولكن هذا لا يعني أن ننزع يداً من طاعة , أو أن ننابذهم !
    بل نسأل الله الذي لنا ونقوم بالحقّ الذي علينا » انتهى .

    بيان وجوب السمع والطاعة ولو استُؤثِر علينا في الدنيا

    جاء في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - ( م : 4731 - ن : 4165 ) :
    « عليك السمع والطاعة في عُسرك ويُسرك . ومنشطك ومكرهك . وأثَرَةٍ عليك » .

    والأثرة تعني : الاستئثار بالدنيا ؛

    قال العلامة ابن الأثير - رحمه الله - ( النهاية 1/26 ) :
    « . . . أراد أنه يُستأثَرُ عليكم ؛ فيُفضَّلُ غيرُكم في نصيبه من الفيء .
    والاستئثار : الانفرادُ بالشيء » انتهى .

    وقال الإمام النووي - رحمه الله - ( شرحه ، جزء 11 – 12 ، ص 428 ، تحت الحديث رقم : 4731 ) :
    « . . . وهي الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم .
    أي :
    اسمعوا وأطيعوا وإن اختصّ الأمراءُ بالدنيا ولم يوصلوكم حقّكم مما عندهم .
    وهذه الأحاديث في الحثّ على السمع والطاعة في جميع الأحوال . . . » انتهى .

    وقال - رحمه الله - تحت باب : الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم ( شرحه ، جزء 11 – 12 ، ص 439 ، تحت الحديث رقم : 4756 ) :
    « تقدم شرح أحاديثه في الأبواب قبله ؛
    وحاصله :
    الصبرُ على ظلمهم وأنه لا تسقط طاعتهم بظلمهم » انتهى .

    وقال الشيخ السندي - رحمه الله - ( حاشيته على سنن النسائي جزء 7 - 8 ، ص 157 ، تحت الحديث رقم : 4165 ) :
    « . . . فالمراد : ( وعلى أثرةٍ علينا ) .
    أي : بايَعَنا على أن نصبر وإن أُوثر غيرُنا علينا . . . » انتهى .

    وقال الإمام ابن عثيمين - رحمه الله - لما سئل عن بعض أنواع الرسوم التي تؤخذ من الحكومات ؛ هل هي من الضرائب ؟ - بعد أن أفتى بتحريمها - ( الباب المفتوح 3/416 ، لقاء 65 ، سؤال 1465 ) :
    « ولا يجوز أن تُتّخذ مثل هذه الأمور وسيلةً إلى القدح في ولاة الأمور وسبّهم في المجالس وما أشبه ذلك ,
    ولنصبر ,
    وما لا ندركه من الدنيا ندركه في الآخرة » انتهى .

    بيان الو عيد الشديد على من يبايع لأجل الدنيا

    عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ( خ : 7212 - م : 293 ) :
    « ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ,
    § رجل على فضلِ ماءٍ بالفلاة يمنعه من ابن السبيل ,
    § ورجل بايع رجلا بسلعةٍ بعد العصر فحلف لـه بالله لأخذها بكذا وكذا فصدّقه وهو على غير ذلك ,
    § ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها وفى وإن لم يعطه منها لم يف » .

    قال الحافظ ابن العربي المالكي - رحمه الله - ( العارضة 7/70 ، تحت الحديث رقم : 1595 ) :
    « نصّ في :
    § الصبرِ على الأثرةِ ,
    § وتعظيمِ العقوبة لمن نكث لأجل منع العطاء » انتهى .

    وقال الإمام النووي - رحمه الله - ( شرحه ، جزء 1 – 2 ، ص 300 ، تحت الحديث رقم : 293 ) :
    « . . . وأما مُبايع الإمام على الوجه المذكور فمُستحِقّ هذا الوعيد :
    § لغِشِّهِ المسلمينَ ,
    § وإمامَهُم ,
    § وتسبُّبه إلى الفتن بينهم بنكثه بيعته ,
    لا سيما إن كان ممن يُقتدى به » انتهى .

    وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - ( الفتح 13/216 ) :
    « والأصل في مبايعة الإمام أن يبايعه على أن يعمل بالحق ويقيم الحدود ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ؛
    فمن جعل مبايعته لمال يُعطاه دون ملاحظة المقصود فقد :
    § خسر خسراناً مبيناً ,
    § ودخل في الوعيد المذكور ,
    § وحاق به ؛ إن لم يتجاوز الله عنه » انتهى .

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ( فتاواه 35/16 ) :
    « وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم ؛ فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله : فأجره على الله , ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم وإن منعوه عصاهم : فماله في الآخرة من خلاق » انتهى .

    وقال الإمام ابن عثيمين - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 4/503 ، حديث رقم : 1835 ، ط المصرية ) :
    « فهذا الرجل بايع الإمام , لكنه بايعه للدنيا لا للدين ولا لطاعة رب العالمين ,
    إن أعطاه من المال وفى , وإن منعه لم يف ,
    فيكون هذا الرجل - والعياذ بالله - :
    § متبعاً لهواه ,
    § غير متبع لهداه ,
    § ولا طاعة مولاه ,
    § بل هو بيعته على الهوى » انتهى .
     


    الشبهة السابعة :
    تكفيرهم جميع الحكام بلا استثناء !

    الرد على الشبهة من أربعة أوجه

    الوجه الأول :
    أنكم تُكفِّرون مِن الحكام مَن ليس بكافرٍ ؛ إذ إن الكثير من الأمور التي ينقمها البعض - هداهم الله - يظنّونها مكفِّرات ؛ وعند التحقيق لا تكون كذلك .
    فلا نُسلم لكم بتكفير جميع حكام المسلمين .

    الوجه الثاني :
    أن التكفير لا ينبغي أن يصدر إلا من العلماء ؛
    إذ لا يقبل التكفير من آحاد طلاب العلم فضلاً عن آحاد الناس .
    وبالنظر لمن صرّح الراسخون في العلم بتكفيره نجدهم قلّةً إذا ما قُورن هذا بتعميم البعض - هداهم الله - التكفيرَ لجميع الحكام , أو لجميع الحكام العرب , أو لجميع حكام المنطقة الفلانية !
    وما ذاك الإقلالُ من الراسخين إلا نتيجةً لفهمهم منهج أهل السنة والجماعة وتشرّبهم إياه ؛ وهذا يتّضح بالنظر لـ :

    الوجه الثالث :
    أنه ليس كلّ واقع في الكفر يكون كافراً .
    وهذا أصلٌ أصيلٌ راسخٌ عند أهل السنة والجماعة قاطبة . فالعمل قد يكون كفراً لكنْ قد يتخلّف التكفير عن بعض من وقع فيه لعدم استكمال شروط تكفير المعيَّن . وإن شئت فقل لوجود مانع يمنع من التكفير .
    وقد تقدم تقرير هذا في الأصل الثالث من الأصول الأربعة التي في أول الكتاب , فراجعه .
    وهنا السؤال لمن عمّم التكفير :
    هل أقمتَ الحجة على كلّ هؤلاء الحكّام الذين كفّرتهم ؟
    تالله إن هذا إن لم يكن مُحالاً لهو أخو المُحال .

    الوجه الرابع :
    أن الخروج على الحاكم الكافر ليس أمراً مطلقاً ؛ بل هو مشروطٌ بما يلي :
    § القدرة على إزاحة ذلك الكافر .
    § عدم ترتُّب مفسدةٍ عُظمى .
    § إحلال مسلمٍ مكانه .

    نُقولٌ على ما نَقول
    ثناء الإمامين ابن باز وابن عثيمين على حكام المملكة العربية السعودية ،
    واعترافهم لهم بالبيعة ، وتحريمهم الخروج عليهم [12]

    أولاً :
    الإمام عبد العزيز ابن باز - رحمه الله - :

    قال - رحمه الله - في كلام لـه عن جامعة الإمام محمد بن سعود - رحمه الله - ( فتاواه 1/383 ) :
    « . . . وإني على يقين بأن حكومة المملكة العربية السعودية السُّـنّـيّـة - وفقها الله لما فيه رضاه ونصر بها الحقّ - لن تتوانى في دعم توصياتكم ومقرراتكم فيما يخدم الإسلام والمسلمين كما هي عادتها في هذا الشأن . . .
    وذلك من فضل الله عليها ومما تُشكر عليه هذه الدولة التي قامت على مذهب السلف وطبّقته في مجتمعها » انتهى .

    ولما تكلم - رحمه الله - عن الجيوش الإسلامية التي قاتلت صدام حسين في حرب الخليج الأولى كان مما قال ( فتاواه 6/150 ) :
    « وهذه الجيوش ليست تحت راية الكفر ؛ بل كل جيش تحت قيادة قائده ؛ فالجيوش السعودية تحت قائدها خالد بن سلطان , وتحت القائد الأعلى خادم الحرمين الشريفين » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( فتاواه 8/181 ) :
    « وفي زمننا هذا - والحمد لله - توجد الجماعات الكثيرة الداعية إلى الحق ؛ كما في الجزيرة العربية : الحكومة السعودية , وفي اليمن والخليج , وفي مصر والشام , وفي أفريقيا وأوروبا وأمريكا , وفي الهند وباكستان , وغير ذلك من أنحاء العالم ؛ توجد جماعات كثيرة ومراكز إسلامية وجمعيات إسلامية تدعوا إلى الحق وتبشِّر به وتحذِّر من خِلافه » انتهى .

    وقال - رحمه الله - وأَنْعِمْ بما قال [13] ( فتاواه 9/98 ) :
    « وهذه الدولة السعودية دولةٌ مباركةٌ ؛
    § نصر اللهُ بها الحقّ ,
    § ونصر بها الدين ,
    § وجمع بها الكلمة ,
    § وقضى بها على أسباب الفساد ,
    § وأمَّن اللهُ بها البلاد ,
    § وحصل بها من النعم العظيمة ما لا يحصيه إلا الله ,
    وليست معصومة , وليست كاملة , كلٌّ فيه نقصٌ ؛
    فالواجب :
    § التعاون معها على إكمال النقص ,
    § وعلى إزالة النقص ,
    § وعلى سدّ الخلل ؛
    بالتناصح , والتواصي بالحقّ , والمكاتبة الصالحة , والزيارة الصالحة ؛ لا بنشر الشرّ , والكذب , ولا بنقل ما يقال من الباطل . . . » انتهى .

    وقال - رحمه الله - عن الاقتداء بالمملكة العربية السعودية في رؤية هلال رمضان ( فتاواه 15/106 ) :
    « والمملكة العربية السعودية أولى الدول بالاقتداء بها ؛ لاجتهادها في تحكيم الشريعة . زادها الله توفيقاً وهداية » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية ص 53 ، ط الأولى ) :
    « الواجب على جميع المسلمين في هذه المملكة :
    السمع والطاعة لولاة الأمور بالمعروف . . .
    ولا يجوز لأحد أن ينزع يداً من طاعة ؛
    بل يجب على الجميع السمع والطاعة لولاة الأمور بالمعروف . . .
    وهذه الدولة السعودية :
    دولةٌ إسلاميةٌ والحمد لله ؛
    § تأمر بالمعروف ,
    § وتنهى عن المنكر ,
    § وتأمر بتحكيم الشرع ,
    § وتُحكِّمه بين المسلمين » انتهى .

    وقال - رحمه الله - عمّن لا يرى وجوب البيعة لولاة الأمر في السعودية ( الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية ص 54 ، ط الأولى ) :
    « . . . بل هذا من المنكرات العظيمة , بل هذا دين الخوارج .
    هذا دين الخوارج والمعتزلة :
    الخروج على ولاة الأمور وعدم السمع والطاعة لهم إذا وُجدتْ معصية » انتهى .

    ثانياً :
    الإمام ابن عثيمين - رحمه الله - :

    قال - رحمه الله - ( الباب المفتوح 1/364 ، لقاء 12 ، سؤال 499 ) :
    « أقول :
    إن من نعمة الله سبحانه وتعالى على هذه البلاد أنّ اللهَ سبحانه وتعالى أبقى فيها عقيدة التوحيد في الربوبية وفي الألوهية وفي الأسماء والصفات , ولم يعرفوا تلك البدع المُكفِّرة وما دون المُكفِّرة ؛ إلا حيثُ اختلطوا بالناس ذهاباً إليهم , أو اختلط الناسُ بهم إياباً إليهم . . . » انتهى .

    وقال - رحمه الله - لما تكلم عن الغربة في الدين ( الباب المفتوح 1/441 ، لقاء 15 ، سؤال 584 ) :
    « الآن - والحمد لله - لا غرابة لذلك في بلادنا ؛ فالداعي يدعو , والمصلي يصلي , والمتصدق يتصدق , والعابد يعبد الله . وليس في ذلك غرابة . ولكن قد يوجد في بعض بلاد المسلمين من يستغرب . . .
    والغُرْبة - عندنا في بلادنا والحمد لله - ليست موجودةً . . . » انتهى .
    وقال - رحمه الله - عندما سُئل عن إيقاف بعض الدعاة ( الباب المفتوح 3/496 ، لقاء 69 ، سؤال 1526 ) :
    « كيف نهدم هذا الأمن - الذي نعيشه - بأيدينا ؟
    أمنٌ , رخاءٌ , وطمأنينة ؛ كيف نساعد على هدمه وإزالته بأيدينا ؟
    ألم تعلموا أن من الناس من قاموا بالدعوة المسلّحة ضدّ الحكومات - التي ليست كحكومتنا ولكنها حكومات تصرّح بأنها تحكم بغير ما أنزل الله وتضع القوانين الفرنسية أو الإنجليزية أو الأمريكية أو الروسية لتحكم بين عباد الله المسلمين بهذه القوانين - وكانت النتيجة هي ازدياد هذه الحكومات عُنْفاً وسُلْطةً , وانعدام الاستقرار والأمن . . . » انتهى .

    وقال - رحمه الله - عندما سئل : ( ما هو ردّكم على من يقول : أكثرُ الشرّ في بلد التوحيد مصدره الحكومة وأن الولاة ليسوا بأئمة سلفيين ؟ ) ، ( الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية ص 58 ، ط الأولى ) :
    « ردّنا على هذا كالذين قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مجنون وشاعر , وكما يقال : ( لا يضرّ السحاب نبح الكلاب ) :
    لا يوجد - الحمد لله - مثل بلادنا اليوم في التوحيد وتحكيم الشريعة , وهي لا تخلو من الشرّ كسائر بلاد العالم ؛ بل حتى المدينة النبوية في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وُجد من بعض الناس شرٌّ ؛ لقد حصلت السرقة وحصل الزنا » انتهى .


    بيان أنه ليس كل ما يقال إنه مُكفِّر يكون كذلك

    قال الإمام ابن عثيمين - رحمه الله - عن بعض صور التعامل مع الكفار ( الباب المفتوح 3/466 ، لقاء 67 ، سؤال 1507 ) :
    « . . . وهذه المسألة من أدقّ المسائل وأخطرها ولا سيما عند الشباب ؛
    لأن بعض الشباب يظنّ أن أيّ شيء يكون فيه اتصالٌ مع الكفار فهو موالاة لهم ؛ وليس كذلك . . . » انتهى .

    بيان أن التكفير لا ينبغي أن يصدر من كل أحد

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ( فتاواه 35/100 ) :
    « . . . فإن تسليط الجُهّال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات ؛ وإنما أصل هذا من الخوارج والروافض , الذين يُكفِّرون أئمة المسلمين لِما يعتقدون أنهم أخطؤوا فيه من الدّين » انتهى .

    وقال الإمام الألباني - رحمه الله - ( الصحيحة ، تحت الحديث رقم : 3048 ) :
    « ولهذا فإني أنصح أولئك الشباب أن يتورّعوا عن تبديع العلماء وتكفيرهم وأن يستمرّوا في طلب العلم حتى ينبُغُوا فيه وألاّ يغترّوا بأنفسهم ويعرفوا حقّ العلماء وأسبقيّتهم فيه . . . » انتهى .

    بيان شروط الخروج على الحاكم الكافر

    تقدم نقل كلام :
    § الحافظ ابن حجر ,
    § والإمام ابن باز ,
    § والإمام ابن عثيمين , - رحمهم الله - ؛
    في الأصل الرابع من الأصول الأربعة التي في أول الكتاب , فراجعه إن شئت .

    بيان أن لتكفير المُعيَّنِ شُروطاً [14]

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ( فتاواه 16/434 ) :
    « فليس كل مخطيء كافراً ؛ لا سيما في المسائل الدقيقة التي كثر فيها نزاع الأمة » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( فتاواه 3/229 ) :
    « هذا ؛ مع أني دائماً - ومن جالسني يعلم ذلك مني - أني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية ؛ إلا إذا عُلِم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة وفاسقاً أخرى وعاصياً أخرى ,
    وأني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها - وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية - , وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا معصية » انتهى .

    ثم قال - رحمه الله - بعد ذلك ( فتاواه 3/230 ) :
    « وكنت أبين لهم أن ما نقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين , وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار ؛ وهى مسألة الوعيد ؛ فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً . . . ) الآية ،
    وكذلك سائر ما ورد : ( من فعل كذا فله كذا ) ؛ فإن هذه مطلقة عامة , وهى بمنزلة قول من قال من السلف : ( من قال كذا فهو كذا ) .
    ثم الشخص المعين ؛ يلتغي حكم الوعيد فيه بتوبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة مقبولة .
    والتكفير هو من الوعيد ؛ فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول ؛ لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة , وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها . وإن كان مخطئاً .
    وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال : ( إذا أنا متُّ فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذرّوني في اليم فوالله لئن قدر الله على ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين ) ففعلوا به ذلك , فقال الله له : ما حملك على ما فعلت ؟
    قال : ( خشيتك ) ؛ فغفر له .
    فهذا رجل شك في قدرة الله , وفي إعادته إذا ذري , بل اعتقد أنه لا يعاد : وهذا كفر باتفاق المسلمين , لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه فغفر لـه بذلك . والمتأوّل - من أهل الاجتهاد - الحريص على متابعة الرسول : أولى بالمغفرة من مثل هذا » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( فتاواه 12/466 ) :
    « وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط ؛ حتى تقام عليه الحجة , وتبين لـه المحجة , ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزُل ذلك عنه بالشكّ ؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( فتاواه 12/500 ) :
    « . . . وإذا عُرف هذا ؛ فتكفير المُعيّن من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يُحكم عليه بأنه من الكفار ؛ لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يتبيّن بها أنهم مخالفون للرسل ؛ وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر . وهكذا الكلام في تكفير جميع المُعيّنين . . . » انتهى .

    وقال الإمام الألباني - رحمه الله - ( الصحيحة ، تحت الحديث رقم : 3048 ) :
    « ليس كل من وقع في الكفر من المؤمنين وقع الكفرُ عليه وأحاط به . . . » انتهى .

    وقال الإمام ابن عثيمين - رحمه الله - ( الباب المفتوح 3/125 ، لقاء 51 ، سؤال 1222 ) :
    « كلّ إنسان فعل مُكفِّراً فلا بدّ ألاّ يوجد فيه مانعٌ من موانع التكفير . . .
    فلا بدّ من الكفر الصريح الذي لا يحتمل التأويل ؛ فإن كان يحتمل التأويل فإنه لا يُكفَّر صاحبُه وإن قلنا أنه كُفرٌ [15] ؛ فيُفرَّق بين : القول والقائل وبين الفعل والفاعل ,
    قد تكون الفِعْلةُ فِسقاً ولا يفسُق الفاعل لوجود مانع يمنع من تفسيقه , وقد تكون كفراً ولا يكفر الفاعل لوجود ما يمنع من تكفيره , وما ضرّ الأمة في خروج الخوارج إلا هذا التأويل . . .
    ربما يفعل الإنسان فعلاً فِسقاً لا شكّ فيه ؛ لكنه لا يدري . فإذا قلتَ يا أخي هذا حرام , قال : ( جزاك الله خيراً ) , وانتهى عنه .

    إذاً :
    كيف أحكم على إنسان أنه فاسق دون أن تقوم عليه الحجة ؟
    فهؤلاء الذين تُشير إليهم من حكام العرب والمسلمين :
    § قد يكونون معذورين لم تتبيَّن لهم الحجة ,
    § أو بُيِّنتْ لهم وجاءهم من يُلبِّسُ عليهم ويُشبِّه عليهم » انتهى .
     


    الشبهة الثامنة :
    تجويزهم الخروج على الحاكم الفاسق !

    الرد على الشبهة


    قد انعقد الإجماع ، واستقرّ على : تحريم الخروج على الحاكم الفاسق ؛
    ومن ثم فلا يجوز الخروج عليه ولو ظهر منه الظلم والفسق والعدوان , ما لم يصل للحدّ المبيح للخروج وهو : الكفر .

    فائدة مهمة :
    قال عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - ( خ : 7055 [ 7056 ] - م : 4748 واللفظ له ) :
    دعانا النبي - صلى الله عليه وسلم - فبايعناه . فكان فيما أخذ علينا :
    أن بايَعَنا على السمع والطاعة ؛ في منشطنا ، ومكرهنا ، وعسرنا ، ويسرنا ، وأثَرَةٍ علينا ، وألاّ ننازع الأمرَ أهلَهُ .
    قال : « إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان » .

    ففي هذا الحديث التصريح بعدم جواز الخروج على الحاكم إلا بقيد الكفر الصريح ، وهذا ما قررت الإجماع عليه في الأصل الثاني من الأصول التي في أول الكتاب ؛

    لكن جاءت نصوص أخرى يوهم - ظاهرها - تجويز الخروج على الحاكم العاصي الذي لم يقع في الكفر ، وهو ما يتعارض مع حديث عبادة - رضي الله عنه - المُجْمَع على دلالته !
    وسأستعرض أظهر هذه النصوص - وهي ثلاثة - لتوجيه دلالاتها توجيهاً علمياً ،

    فأقول مستعيناً بالله :

    النصّ الأول :
    رواية لحديث عبادة - رضي الله عنه - أخرجها ابن حبان - رحمه الله - ( 4566 ) :
    بلفظ : « إلا أن تروا معصيةً لله بواحاً » ؛
    فظاهر هذه الرواية يوهم جواز الخروج إذا أمر بالمعصية !

    الجواب :
    لا حجة فيها على جواز الخروج على الحاكم غير الكافر من ثلاثة أوجه :

    الوجه الأول :
    أن لفظ الصحيحين « كفراً بواحاً » ؛
    وقد قرر الحاكم - رحمه الله - أن الحديث إن كان في الصحيحين وجاءت في غيرهما زيادة فهي ضعيفة ,
    فـ - على أقلّ تقدير - يجب النظر في ثبوت هذه الزيادة .
    وليس لأحد أن يقول أنها ( ليست زيادة ؛ لأنها إبدال لفظٍ بلفظ ) ! وذلك أن الزيادة قد تكون لفظية - كما هو معلوم - , وقد تكون معنوية - كما في هذا المثال - .

    الوجه الثاني :
    أنه يجب تفسير ( المعصية ) - هنا - بالكفر ؛ فالكفر يصح أن يسمّى معصيةً ؛ لأن اسم المعصية يشمله . والموجب لهذا التفسير أمران :
    § الإجماع المستقرّ على منع الخروج إلا في حالة الكفر .
    § الأحاديث الأخرى المانعة من الخروج على الحاكم ولو عصى .

    الوجه الثالث - وهو وجه قويّ دقيقٌ - :
    أن الحديث الذي فيه ( الكفر ) سيق في غير مساق الحديث الذي فيه ( المعصية ) .
    فحديث « كفراً بواحاً » جاء جواباً على السؤال عن مشروعية المنابذة ( الخروج ) .
    وحديث « معصيةً لله بواحاً » جاء تقريراً لعدم الطاعة في المعصية .

    فالمعنى :
    لا تخرجوا إلا إن رأيتم الكفر البواح .
    ولا تطيعوا إن أمرتم بالمعصية .

    ومعلومٌ أن النهي عن الطاعة في المعصية لا يلزم منه تجويز الخروج ؛ إذ غايته : ألاّ يطاع في تلك المعصية فحسب .

    ومما يُجلِّي هذا : تأمل اللفظين :

    فالرواية الأولى :
    ( . . . وألاّ ننازع الأمر أهله , قال : « إلا أن تروا كفرا ‏‏ بواحاً‏ ‏عندكم من الله فيه ‏ ‏برهان» ) ، وهو ما أخرجه : البخاري ومسلم - رحمهما الله - .

    والرواية الثانية :
    « اسمع وأطع في عسرك ويسرك ومكرهك وأثرةٍ عليك , وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك ؛ إلا أن تكون معصيةً لله بواحاً » ، وهو ما أخرجه : ابن حبان - رحمه الله - .

    أقول :
    والذي في الصحيحين ؛ هو في معنى حديث علي - رضي الله عنه - ( خ : 7257 - م : 4742 ) :
    « لا طاعة في معصية الله » , والله أعلم .

    ثم وجدتُ للحافظ ابن حجر - رحمه الله - ما يؤيد ما قررته في الوجه الثالث من اختصاص رواية الكفر بالخروج ورواية المعصية بالإنكار وعدم الموافقة من دون خروج ؛ حيث قال بعد أن ذكر الروايتين ( الفتح 13/11 ) :
    « والذي يظهر :
    حمل رواية ( الكفر ) على ما إذا كانت المنازعة في الولاية ؛
    فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر .
    وحمل رواية ( المعصية ) على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية ؛
    فإذا لم يقدح في الولاية نازعه في المعصية بأن ينكر عليه برفق ويتوصل إلى تثبيت الحق لـه بغير عنف , ومحل ذلك إذا كان قادراً . والله أعلم » انتهى .

    النصّ الثاني :
    حديث أم سلمة - رضي الله عنها - ( م : 4777 ) :
    قالوا : أفلا نقاتلهم ؟ قال : « لا , ما صلوا ».

    فهذا الحديث :
    § يدلّ - بمنطوقه - على : المنع من الخروج على الحكام ما صلوا .
    § ويدلّ - بمفهومه - على : جواز الخروج إذا لم يصلوا !

    § فأما دلالة المنطوق : فلا إشكال فيها , ولا تتعارض مع حديث عبادة - رضي الله عنه - .
    § وأما دلالة المفهوم : فالجواب عنها له تعلُّقٌ بمسألة تارك الصلاة التي قد اختلف فيها أهل السنة والجماعة على قولين .

    فإن قيل بكفر تاركها - وهو الذي يترجح - :
    فحيئنذٍ : لا يشكل هذا المفهوم ؛ لأنه فعلٌ مكفرٌ موجبٌ للخروج .

    وإن قيل بعدم كفره فالجواب :
    أنه يجب تقييد هذا المفهوم بما إذا تركوها على وجه مكفر ؛ كالجحود . والموجب لهذا التقييد ثلاثة أمور :

    الأمر الأول :
    الجمع بين الأحاديث , إذ الجمع بين النصوص : واجب , ما أمكن .

    الأمر الثاني :
    تقديم منطوق حديث عبادة - رضي الله عنه - على مفهوم حديث أم سلمة - رضي الله عنها - , ومن المعلوم أن دلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم .

    الأمر الثالث :
    إجماع أهل السنة والجماعة على ما دلّ عليه حديث عبادة , وإجماعهم - كذلك - على أنه غير مقيد .

    وقد قررت في الأصل الثاني من الأصول الأربعة التي في أول الكتاب :
    § إجماع أهل السنة على عدم الخروج إلا في حالة الكفر البواح .
    § وإجماعهم على أنه لا يستثنى من هذا الإجماع شيء , فراجعه إن شئت .

    النصّ الثالث :
    حديث عوف بن مالك - رضي الله عنه - ( م : 4781 ) :
    قيل : يا رسول الله ! أفلا ننابذهم بالسيف ؟ قال : « لا , ما أقاموا فيكم الصلاة » .

    فهذا الحديث :
    § يدلّ - بمنطوقه - على : المنع من الخروج على الحكام ما أقاموا فينا الصلاة .
    § ويدلّ - بمفهومه - على : جواز الخروج عليهم إذا لم يقيموا فينا الصلاة !

    § فأما دلالة المنطوق : فلا إشكال فيها , ولا تتعارض مع حديث عبادة - رضي الله عنه - .
    § وأما دلالة المفهوم : فالجواب عنها له تعلُّقٌ بتفسير قوله - صلى الله عليه وسلم - « ما أقاموا فيكم الصلاة » ؛ حيث إنه يحتمل معنيين :
    المعنى الأول : أقاموا الصلاة في أنفسهم ( أي : صلَّوا ) .
    والمعنى الثاني : أقاموا الصلاة فيكم ( أي : مكّنوكم من إقامة شعيرة الصلاة ) .

    فإن فُسِّرتْ إقامتهم الصلاة بالمعنى الأول :
    فحيئنذٍ يكون حديث مالك بن عوف - رضي الله عنه - كحديث أم سلمة - رضي الله عنها - ( النصّ الثاني ) الذي تقدم توجيه دلالته على قَوْلَيْ أهل السنة والجماعة في مسألة تارك الصلاة .

    وإن فُسِّرتْ بالمعنى الثاني :
    فالجواب :
    أنه يجب تقييد دلالة المفهوم هذه بما إذا منعونا من إقامتها على وجهٍ مكفّر ؛ والموجب لهذا التقييد ثلاثة أمور تقدم بيانها في توجيه حديث أم سلمة - رضي الله عنها - ( النصّ الثاني ) .

    نُقولٌ على ما نَقول

    تقدم نقل كلام :
    § الإمام النووي ,
    § والحافظ ابن حجر ,
    § والإمام ابن باز ,
    § والإمام ابن عثيمين , - رحمهم الله - ؛
    في الأصل الثاني من الأصول الأربعة التي في أول الكتاب , فراجعه إن شئت .
     



    الشبهة التاسعة :
    تجويزهم الخروج على الحاكم المبتدع !


    قد يتمسك بعض المخالفين بشيءٍ لا متمسّك فيه - عند التحقيق العلميّ - ؛

    كمثل قول القاضي عياض - رحمه الله - ( بواسطة شرح النووي لصحيح مسلم ، جزء 11 - 12 ، ص 433 ، تحت الحديث رقم : 4748 ) :
    « فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع , أو بدعة : خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك . . . » انتهى .

    وكمثل ما نسبه أحدهم للإمام أحمد - رحمه الله - ( الإمامة العظمى ص 539 ) :
    « بل قد صرح بالخلع للمبتدع عند الاستطاعة ؛ فذكر ابنُ أبي يعلى - في ذيل كتابه طبقات الحنابلة - كتاباً ذكر فيه بالسندِ المتّصل اعتقادَ الإمام أحمد قال فيه :
    ( وكان يقولُ :
    من دعا منهم إلى بدعةٍ فلا تجيبوه ولا كرامة . وإن قدرتم على خلعه فافعلوا ) » انتهى .

    الرد على الشبهة

    مع عدم تسليمنا بكون جميع حكام المسلمين مبتدعة ؛
    ومع كون تبديع المعين يحتاج لشروط ؛
    إلا أنه يقال :
    لا يجوز الخروج على الحاكم ولو كان مبتدعاً ؛
    وبيان هذا من أربعة أوجه :

    الوجه الأول :
    أن فيه مخالفةً لحديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - ( خ : 7055 [ 7056 ] - م : 4748 ) :
    دعانا النبي - صلى الله عليه وسلم -  فبايعناه . فكان فيما أخذ علينا :
    أن بايَعَنا على السمع والطاعة ؛ في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثَرَةٍ علينا ؛ وألاّ ننازع الأمرَ أهلَهُ . قال : « إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان » .

    بل فيه مخالفةٌ للإجماع المنعقد على المنع من الخروج إلا في حالة الكفر الصريح .
    وهذا هو : الوجه الثاني .

    الوجه الثالث :
    إن تحديد حقيقة البدعة يحتاج إلى ضبط ؛
    إذ ليس كلّ ما يُظنّ أنه بدعة يكون كذلك !
    بل ليست كلّ بدعةٍ يتفق العلماء كلهم على أنها بدعة ؛ فقد يفعل الحاكم شيئاً موافقةً لطائفة من العلماء لا ترى في هذا الفعل بدعة !

    ثم إنه لا بدّ من أن يُترك الكلام في التبديع للعلماء الكبار ؛ إذ لا يخوض فيه كلّ طالب علمٍ - فضلاً عن العامّي - .

    الوجه الرابع :
    وأما بشأن المنسوب للإمام أحمد - رحمه الله - ففيه [16] - زيادة على ما تقدم - :
    1- أنه عزا الكلام إلى ابن أبي يعلى !
    والواقع أنه ليس من كلامه ؛ بل مما أضافه المحقق ملحقاً بالكتاب .

    2- أنه نسب الكلام للإمام أحمد - رحمه الله - !
    والواقع أن القائل هو أبو الفضل عبدُ الواحد بن عبد العزيز التميميّ في حديثه عن اعتقاد الإمام أحمد . وليس هو كلام الإمام أحمد نفسه .

    3- ذكر أنه بالسند المتصل !
    والواقع أنه منقطع . فبين الإمام أحمد وأبي الفضل ما يزيد على ( 150 ) سنة .

    نُقولٌ على ما نَقول
    إثبات الإجماع على المنع من الخروج إلا في حالة الكفر الصريح

    تقدم تقريره في الأصل الثاني من الأصول الأربعة التي في أول الكتاب ؛ فراجعه .

    فائدة :
    قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - راداً على من زعم الإجماع على الخروج على الحاكم إذا دعا إلى بدعة ( ! ) ما نصه ( الفتح 13/124 ) :
    « وما ادعاه من الإجماع على القيام فيما إذا دعا الخليفة إلى البدعة : مردودٌ .
    إلا إن حُمل على بدعةٍ تؤدّي إلى صريح الكفر[17] » انتهى .
     


    الشبهة العاشرة :
    تجويزهم الخروج على الحاكم الظالم !

    قد يستدل بعضهم بمنازعة ابن الزبير - رضي الله عنهما - ,
    وبقيام الحسين بن علي - رضي الله عنهما - ،
    وبقيام بعض التابعين - رحمهم الله - مع ابن الأشعث على الحجاج بن يوسف الثقفيّ .

    الرد على الشبهة من أربعة أوجه

    الوجه الأول :
    أن الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تمنع من الخروج ولو ظلم ولو فسق ولو عصى ,
    ولم تستثنِ إلا الكفر الصريح .

    الوجه الثاني :
    أن ابن الزبير والحسين قد خالفهم الصحابةُ في ذلك - - رضي الله عنهم - أجمعين - ,
    كما أنكر بعضُ كبار التابعين - رحمهم الله - الدخولَ مع ابن الأشعث .

    الوجه الثالث :
    أن الخروج على الحجاج ليس سببه الفسق !
    بل كان بدافع التكفير - عند من رأوا الخروج عليه - .

    الوجه الرابع :
    أن الإجماع استقرّ بعد ذلك على منع الخروج على الحاكم ؛
    إلا في حالة الكفر الصريح فقط .

    نُقولٌ على ما نَقول
    بيان الأحاديث المانعة من الخروج على الحاكم الفاسق الظالم

    جاء في حديث ابن عباس - رضي الله عنه - ( خ : 7053 - م : 7467 ) :
    « من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر . فإن من فارق الجماعة شبراً فمات ؛ فميتةٌ جاهلية » .

    وجاء في حديث أسيد بن حضير - رضي الله عنه - ( خ : 3792 - م : 4756 ) :
    « إنكم ستلقون بعدي أثَرةً ؛ فاصبروا حتى تلقوني على الحوض » .

    وتقدم - في الشبهة السادسة - بيان المراد بالاستئثار , وأن فيه ما يُشعر بالظلم ,
    ونقلتُ كلامَ الإمام النووي - رحمه الله - :
    « وحاصله :
    الصبرُ على ظلمهم وأنه لا تسقط طاعتهم بظلمهم » انتهى .

    وتطبيقاً لهذا ؛
    فقد قال الإمام ابن عثيمين - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 3/364 ، ط الوطن ) :
    « لكن موقفنا نحو الإمام أو نحو الوالي الذي لم يعدل أو ليس بعادل : أن نصبر ؛
    § نصبر على ظلمه ،
    § وعلى جوره ،
    § وعلى استئثاره » انتهى .

    بيان أنه لا يُستثنى من هذا المنع إلا وقوع الحاكم في الكفر الصريح

    قال عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - ( خ : 7055 [ 7056 ] - م : 4748 ) :
    دعانا النبي - صلى الله عليه وسلم - فبايعناه . فكان فيما أخذ علينا : أن بايَعَنا على السمع والطاعة ؛ في منشطنا , ومكرهنا , وعسرنا , ويسرنا , وأثَرَةٍ علينا . وألاّ ننازع الأمرَ أهلَهُ .
    قال:
    « إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان » .

    بيان الإجماع على أنه لا يستثنى إلا الكفر الصريح

    تقدم تقريره في الأصل الثاني من الأصول الأربعة التي في أول الكتاب ؛ فراجعه .

    بيان مخالفة الصحابة للحسين وابن الزبير - رضي الله عنهم - أجمعين ،
    وإنكار بعض كبار التابعين ـ رحمهم الله ـ الدخول مع ابن الأشعث

    قال الإمام البخاري - رحمه الله - ( 7111 ) :
    حدثنا سليمان بن حرب , حدثنا حماد بن زيد , عن أيوب , عن نافع , قال :
    لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال :
    إني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول :
    « ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة » ,
    وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله ,
    وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يبايع رجلٌ على بيع الله ورسوله ثم ينصب لـه القتال ,
    وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه .

    وقال العلامة ابن الأثير - رحمه الله - عن خروج الحسين - رضي الله عنه - ( أسد الغابة 2/28 ) :
    « فأتاه كتب أهل الكوفة وهو بمكة , فتجهز للمسير , فنهاه جماعة , منهم : أخوه محمد ابن الحنفية وابن عمر وابن عباس وغيرهم » انتهى .

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ( المنهاج 4/529 ) :
    « وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة ؛
    كما كان عبد الله بن عمر , وسعيد بن المسيب , وعلي بن الحسين , وغيرهم : ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد .
    وكما كان الحسن البصري , ومجاهد , وغيرهما : ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( المنهاج 4/530 ) :
    « ولهذا لما أراد الحسين - رضي الله عنه - أن يخرج إلى أهل العراق لما كاتبوه كتباً كثيرة :
    أشار عليه أفاضل أهل العلم والدين كابن عمر وابن عباس وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام : ألاّ يخرج . . . » انتهى .

    وقال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - لمّا ذكر قتال أهل المدينة ليزيد ( البداية والنهاية 8/235 ، حوادث سنة : 64هـ ) :
    « وقد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب وجماعات أهل بيت النبوة ممن لم ينقض العهد ولا بايع أحداً بعينه بعد بيعته ليزيد » انتهى .

    وقال - رحمه الله - عن خروج الحسين - رضي الله عنه - ( البداية والنهاية 8/161 ، حوادث سنة : 60هـ ) :
    « ولما استشعر الناس خروجه : أشفقوا عليه من ذلك , وحذروه منه , وأشار عليه ذوو الرأي منهم والمحبة لـه بعدم الخروج إلى العراق , وأمروه بالمقام بمكة , وذكروا ما جرى لأبيه وأخيه معهم » انتهى .


    وأختم هذا المبحث بنقل عبارات لبعض الصحابة في إنكار قيام الحسين
     وابن الزبير - رضي الله عنهم - أجمعين [18] :

    قال عبد الله بن عبّاس - رضي الله عنهما - :
    استشارني الحسين بن علي - رضي الله عنهما - في الخروج فقلت : لولا أن يزري بي الناس وبك , لنشبت يدي في رأسك فلم أتركك تذهب .

    وجاءه ابن عباس - رضي الله عنهما - وقال :
    يا ابن عمّ : إنه قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق فبيِّن لي ما أنت صانع , فقال لـه : إني قد أجمعت المسير في أحد يوميّ هذين إن شاء الله تعالى , فقال لـه ابن عباس - رضي الله عنهما - أخبرني : إن كانوا دعوك بعد ما قتلوا أميرهم , ونفوا عدوّهم , وضبطوا بلادهم , فسر إليهم , وإن كان أميرهم حي وهو مقيم عليهم قاهر لهم , وعمّاله تجبي بلادهم , فإنهم إنما دعوك للفتنة والقتال .

    وجاءه مرّة فقال :
    يا ابن عمّ : إنّي أتصبّر ولا أصبر , إنّي أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك , وإن أهل العراق قوم غدر فلا تغترّنّ بهم .

    وبلغ ابنَ عمر - رضي الله عنهما - أن الحسين - رضي الله عنه - توجّه إلى العراق فلحقه على مسيرة ثلاثة ليال , فقال : أين تريد , قال : العراق , وهذه كتبهم وبيعتهم , فقال لـه ابن عمر : لا تذهب , فأبى , فقال ابن عمر : إنّي محدثك حديثاً : إن جبريل - عليه السلام - أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فخيّره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا , وإنّك بضعة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يليها أحدٌ منكم أبداً , فأبى أن يرجع , فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال : استودعك الله من قتيل .

    وقال سعيد بن ميناء - رحمه الله - : سمعت عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - يقول :
    عجّل حسين - رضي الله عنه - قدره والله , ولو أدركته ما تركته يخرج إلاّ أن يغلبني .

    وجاءه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - فقال :
    يا أبا عبد الله : إني لكم ناصح , وإني عليكم مشفق , وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج فلا تخرج إليهم , فإني سمعت أباك - رضي الله عنه - يقول بالكوفة : والله لقد مللتهم وأبغضتهم وملوني وأبغضوني .

    وقال عبد الله بن مطيع العدوي - رضي الله عنه - :
    إني فداك وأبي وأمي ؛ فأمتعنا بنفسك ولا تسر إلى العراق , فوالله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذونا عبيداً وخولاً .

    وقال ابن عمر - رضي الله عنهما - له ولابن الزبير - رضي الله عنهم - أجمعين :
    أذكركما الله إلاّ رجعتما ولا تفرقا بين جماعة المسلمين .

    وكان يقول :
    غلبَنَا الحسين بن علي - رضي الله عنهما - بالخروج ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة , فرأى من الفتنة وخذلان الناس لهما ما كان ينبغي لـه أن يتحرّك ما عاش , وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس , فإن الجماعة خير .

    وقال لـه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - :
    اتق الله والزم بيتك ولا تخرج على إمامك .

    وقال أبو واقد الليثي - رضي الله عنه - :
    بلغني خروج الحسين بن علي - رضي الله عنهما - فأدركته بملل , فناشدته بالله ألاّ يخرج , فإنه يخرج في غير وجه خروج , إنما خرج يقتل نفسه , فقال : لا أرجع .

    وقال جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - :
    كلمت حسيناً - رضي الله عنه - فقلت : اتق الله ولا تضرب الناس بعضهم ببعض , فوالله ما حمدتم ما صنعتم , فعصاني .

    وكتب إليه المسور بن مخرمة - رضي الله عنهما - :
    إيّاك أن تغترّ بكتب أهل العراق .

    بيان أن الخارجين على الحجاج لم يخرجوا لمجرد الفسق

    قال الإمام النووي - رحمه الله - ( شرحه ، جزء 11 – 12 ، ص 433 ، تحت الحديث رقم : 4748 ) :
    « قيامهم على الحجاج ليس بمجرد الفسق ؛ بل لما غيّر من الشرع وظاهر الكفر » انتهى .

    بيان استقرار الإجماع وانعقاده بعد هذه الفتن على منع الخروج إلا في حالة الكفر

    وتقرير هذا من أربعة أوجه :

    الوجه الأول :
    أن حكاية الإجماع متأخرة زمناً - وهذا ظاهر - .

    الوجه الثاني :
    قال الإمام النووي - رحمه الله - بعد الكلام عن خروج الحسين وابن الزبير - رضي الله عنهم - وخروج بعض التابعين - رحمهم الله - ( شرحه ، جزء 11 – 12 ، ص 433 ، تحت الحديث رقم : 4748 ) :
    « قال القاضي :
    وقيل إن هذا الخلاف كان أولاً ؛
    ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم [19]  » انتهى .

    الوجه الثالث :
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ( المنهاج 4/529 ) :
    « ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين » انتهى .

    الوجه الرابع :
    قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - ( التهذيب 1/399 ، ترجمة : الحسن بن صالح بن حي ) :
    « وقولهم : ( وكان يرى السيف ) يعني أنه كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور , وهذا مذهبٌ للسلف قديم . لكن استقرّ الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشدّ منه ؛ ففي وقعة الحرّة ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عِظةٌ لمن تدبّر[20] » انتهى .
     


    الشبهة الحادية عشرة :
    تكفيرهم بمسألة الحكم بغير ما أنزل الله بدون تفصيل !

    الرد على الشبهة من أربعة أوجه

    الوجه الأول :
    لا نسلم بكون جميع الحكام يحكمون بغير ما أنزل الله ؛ بل هناك من يحكم بما أنزل الله ويجتهد في ذلك ؛ كالحكومة السعودية - مثلاً - وإن كنت لا أدّعي لها الكمال في ذلك .

    الوجه الثاني :
    ليس كلّ من حكم بغير ما أنزل الله يكون كافراً ؛ إذ هناك تفصيلٌ في المسألة - من جهة النوع - , فليست هذه المسألة مكفِّرةً بإطلاق .

    الوجه الثالث :
    لا يُنكَر أنه قد يوجد من الحكام - في هذا الزمان - من وقع في الحكم بغير ما أنزل الله على صورته المُكفِّرة . ولكن الحاكم - وإن وقع في أمرٍ مُكفِّرٍ - فإنه لا يجوز تكفيره بعينه إلا بعد إقامة الحجة عليه .
    لأن اعتقاد أهل السنة والجماعة يقضي بعدم تنزيل الأحكام على الأعيان إلا بعد إقامة الحجة على تلك الأعيان .
    § لأنه قد يكون جاهلاً . .
    § أو قد يكون متأوِّلاً . .
    § أو قد يكون عنده مِن علماء السوءٍ مَن لبَّس عليه . . .
    § إلى غير تلك الاحتمالات التي توجب التريُّث وعدم العجلة ؛
    ولئن كانت الحدود تُدرأُ بالشبهات ؛ تالله إن الكفر لمن باب أولى .
    وهنا السؤال :
    هل أقيمت الحجة على كل حاكم بعينه بحيث يستطيع المُكفِّر الجزم بكفر ذلك المعين ؟

    فإن دُعِيَ للخروج - مطلقاً- ؛ فـ

    الوجه الرابع :
    لا يُنكَر أنه قد يوجد من الحكام من وقع في الصورة المكفِّرة وقامت عليه الحجة المشروطة في المعين ؛
    ولكن الخروج على الحاكم الكافر له شروط ؛ هي :
    1. القدرة على إزاحة ذلك الكافر .
    2. عدم ترتّب مفسدةٍ عُظمى .
    3. إحلال مسلم مكانه .
    فلا يجوز الخروج على الكافر ما لم تُستجمع هذه الشروط ؛
    وإلا وجب الكفّ عن الخروج والصبر وسؤال الله تعالى الفرج .

    نُقولٌ على ما نَقول
    ثناء العلماء على المملكة العربية السعودية وأنها تحكم بما أنزل الله ولا يجوز الخروج عليها

    قال الإمام ابن باز - رحمه الله - ردّاً على مَن أطلق القول بأن الدول العربية والإسلامية لا تحكم بالشريعة إلا في الأحوال الشخصية ( ! ) ,( فتاواه 8/243 ) :
    « . . . وهذا الإطلاق غير صحيح ؛ فإن السعودية - بحمد الله - تحكّم الشريعة في شعبها ، وتقيم الحدود الشرعية , وقد أنشأت المحاكم الشرعية في سائر أنحاء المملكة , وليست معصومة لا هي ولا غيرها من الدول . وقد بلغني أن حكومة بروناي قد أمر سلطانها بتحكيم الشريعة في كل شيء .
    وبكل حالٍ فالواجب الرجوع عن هذه العبارة وإعلان ذلك في الصحف المحلية في المملكة العربية السعودية والكويت , ولو عبّرتَ بالأكثر لكان الموضوع مناسباً ؛ لكونه هو الواقع في الأغلب . نسأل الله لنا ولك الهداية » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( فتاواه 9/98 ) :
    « . . . فالواجب على جميع المسلمين في هذه المملكة التعاون مع هذه الدولة في كل خير , وهكذا كل من يقوم بالدعوة إلى الله ونشر الإسلام والدعوة إلى الحق ؛ يجب التعاون معه في المشارق وفي المغارب ؛ فكل دولة تدعو للحق وتدعو إلى تحكيم شريعة الله وتنصر دين الله : يجب التعاون معها أينما كانت » انتهى .

    وقال الإمام ابن عثيمين - رحمه الله - جواباً على مسألة عُرضتْ عليه ؛ مُحيلاً للمحاكم السعودية ( الباب المفتوح 1/86 ، لقاء 3 ، سؤال 139 ) :
    « هذه ترجع إلى المحكمة ؛ والذي تحكم به إن شاء الله فهو خير » انتهى .

    وقال - رحمه الله - لما سئل : ( إذا قتل رجل رجلاً آخر ورُفع الأمر للدولة ولكن الدولة أفرجت عن هذا القاتل فهل لأهل المقتول أن يأخذوا بالثأر من ذلك القاتل ؟ ) ، ( الباب المفتوح 3/420 ، لقاء 65 ، سؤال 1470 ) :
    « . . . أما إذا أبرأته الدولة ؛ فليس لهم الحقّ أن يقتلوه ؛ لأنه يحصل بذلك فوضى . والدولة لا تبرؤه إلا بطريق شرعيّ » انتهى .

    وقال - رحمه الله - تعليقاً على الحكم الصادر ضدّ مَن فجّر في الرياض ( الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية ص 84 ، ط الأولى ) :
    « . . . وإنني بهذه المناسبة لأعجبُ من أقوامٍ أطلقوا ألسنتهم بشأن الحكم فيهم . مع أن الحكم صادر بأقوى طرق الحكم ؛
    § فقد صدر من عددٍ من قضاة المحكمة الذين يؤتمنون على دماء الناس وأموالهم وفروجهم ,
    § وأُيِّد الحكمُ بموافقة هيئة التمييز ,
    § ثم بموافقة المجلس الأعلى للقضاء ,
    § ثم جرى تنفيذه من قِبَل وليّ الأمر . . .
    ومن المعلوم للخاصة والعامة :
    أن بلادنا - ولله الحمد - أقوى بلاد العالم الآن في الحكم بما أنزل الله عز وجل . يشهد بذلك القاصي والداني . . . » انتهى .

    بيان أنه لا يجوز التكفير بمسألة الحكم بغير ما أنزل الله على الإطلاق ؛ بل لا بدّ من تفصيل

    إن القول بالتكفير مطلقاً بكلّ صورةٍ من صور الحكم بغير ما أنزل الله يلزم منه لوازم فاسدة ؛ وبيان هذا على النحو التالي :

    المقدمة الأولى :
    مسألة الحكم بغير ما أنزل الله لا تختصّ بالحاكم أو القاضي ؛ بل يدخل فيها كل من تولَّى الحكم بين اثنين ؛

    لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ( الفتاوى 18/170 ) :
    « وكل من حكم بين اثنين فهو قاضٍ , سواءً كان :
    § صاحب حربٍ ,
    § أو متولِّي دِيوان ,
    § أو منتصِباً للاحتساب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ,
    § حتى الذي يحكم بين الصبيان في الخطوط ؛ فإن الصحابة كانوا يعدُّونه من الحكام » انتهى .

    المقدمة الثانية :
    المرء الواقع في أيّ معصيةٍ يصدُقُ عليه أنه حاكمٌ بغير ما أنزل الله ؛ فمثلاً : حالق اللحيةِ يكون كذلك ؛ لأن حُكْمَ اللهِ تعالى في اللحية ألاّ تُحلق , فمن ثَمّ كان الحالق قد حكَّم هواه في شأن نفسه ولم يأخذ بحكم الله تعالى .

    اللازم الفاسد ( النتيجة ) :
    فيلزم من هذا تكفير كلّ مَن وقع في المعصية ! كحالق اللحية في المثال السابق !

    ولأجل فساد هذا الإطلاق فقد قال العلماء عن آية المائدة : « ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون » :
    § أن ظاهرها ليس بمرادٍ ؛
    § وأنه لا يجوز أخذها على إطلاقها :

    قال ابن عبد البر - رحمه الله - ( التمهيد 17/16 ) :
    « وقد ضلّتْ جماعة من أهل البدع من :
    § الخوارج ,
    § والمعتزلة ,
    في هذا الباب فاحتجوا بآياتٍ من كتاب الله ليست على ظاهرها مثل قوله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) » انتهى .

    وقال العلامة أبوحيان الأندلسي - رحمه الله - ( البحر المحيط 3/493 ) :
    « واحتجّت الخوارج بهذه الآية على أن كل من عصى الله تعالى فهو كافر ,
    وقالوا : هي نصٌّ في كل من حكم بغير ما أنزل الله ؛ فهو كافر » انتهى .

    وقال الخطيب البغدادي - رحمه الله - ( تأريخه 10/183 , ترجمة الخليفة المأمون , ترجمة رقم : 5330 ) :
    « أخبرنا أبو محمد يحيى بن الحسن بن الحسن بن المنذر المحتسب ,
    أخبرنا إسماعيل بن سعيد المعدّل ,
    أخبرنا أبو بكر بن دريد ,
    أخبرنا الحسن بن خضر قال :
    سمعت ابن أبي دؤاد يقول :
    أُدخل رجلٌ من الخوارج على المأمون ,
    فقال : ما حملك على خلافنا ؟
    قال : آيةٌ في كتاب الله تعالى .
    قال : وما هي ؟
    قال : قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) .
    فقال له المأمون : ألكَ عِلْمٌ بأنها مُنزَلة ؟
    قال : نعم ,
    قال : وما دليلك ؟
    قال : إجماع الأمة ,
    قال : فكما رضيتَ بإجماعهم في التنزيل فارضَ بإجماعهم في التأويل ,
    قال : صدقتَ , السلام عليك يا أمير المؤمنين » انتهى .

    بيان أنه ليس كل من وقع في الكفر يكون كافراً

    تقدم نقل كلام :
    § شيخ الإسلام ابن تيمية ,
    § والإمام الألباني ,
    § والإمام ابن عثيمين - رحمهم الله - ,
    في الأصل الثالث من الأصول الأربعة التي في أول الكتاب , فراجعه إن شئت .

    بيان أن الخروج على الحاكم الكافر ليس على إطلاقه ؛ بل هو مشروطٌ

    تقدم نقل كلام :
    § الحافظ ابن حجر ,
    § والإمام ابن باز ,
    § والإمام ابن عثيمين , - رحمهم الله - ,
    في الأصل الرابع من الأصول الأربعة التي في أول الكتاب , فراجعه إن شئت .

    وأختم الكلام على هذه الشبهة بنقل جانب من فتاوى اللجنة الدائمة في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله

    السؤال الثاني من الفتوى رقم ( 5226 ) , ( فتاوى اللجنة 2/141 ) :
    س : متى يجوز التكفير ومتى لا يجوز ؟ وما نوع التكفير المذكور في قوله تعالى :
    ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ؟

    الجواب :
    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه . . وبعد :
    أما قولك متى يجوز التكفير ومتى لا يجوز فنرى أن تبين لنا الأمور التي أشكلت عليك حتى نبين لك الحكم فيها .
    أما نوع التكفير في قوله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) أكبر , قال القرطبي في تفسيره : قال ابن عباس - رضي الله عنهما - ومجاهد - رحمه الله - : ومن لم يحكم بما أنزل الله رداً للقرآن وجحداً لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو كافر . انتهى .
    وأما من حكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أنه عاصٍ لله لكن حمله على الحكم بغير ما أنزل الله ما يُدفع إليه من الرشوة أو غير هذا أو عداوته للمحكوم عليه أو قرابته أو صداقته للمحكوم لـه ونحو ذلك , فهذا لا يكون كفره أكبر ؛ بل يكون عاصياً وقد وقع في كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق . وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

    اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء .
    عضو                      عضو                 نائب رئيس اللجنة                         الرئيس
    عبد الله بن قعود       عبد الله بن غديان         عبد الرزاق عفيفي               عبد العزيز بن عبد الله بن باز

    السؤال الحادي عشر من الفتوى رقم ( 5741 ) , ( فتاوى اللجنة 1/780 ) :
    س : من لم يحكم بما أنزل الله هل هو مسلم أم كافر كفراً أكبر وتقبل منه أعماله ؟

    الجواب :
    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه . . وبعد :
    قال الله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) وقال تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) وقال تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) لكن إن استحل ذلك واعتقده جائزاً فهو كفر أكبر وظلم أكبر وفسق أكبر يخرج من الملة ، أما إن فعل ذلك من أجل الرشوة أو مقصد آخر وهو يعتقد تحريم ذلك فإنه آثم يعتبر كافراً كفراً أصغر وظالماً ظلماً أصغر وفاسقاً فسقاً أصغر لا يخرجه من الملة كما أوضح ذلك أهل العلم في تفسير الآيات المذكورة . وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
    اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء .

    عضو                           نائب رئيس اللجنة                  الرئيس
    عبد الله بن غديان         عبد الرزاق عفيفي                  عبد العزيز بن عبد الله بن باز
     


    الشبهة الثانية عشرة :
    تكفيرهم الحكام بدعوى إعانتهم الكفار على المسلمين !

    الرد على الشبهة من أربعة أوجه

    الوجه الأول :
    لا ينبغي تصديق كلّ ما يُقال عن كل حكام المسلمين ؛ لاسيما إن أريد بهذا إيقاع الإثم على المسلم ؛ فضلاً عن إيقاع الكفر .
    وقد أمرنا اللهُ تعالى بالتثبُّت في خبر الفاسق .

    لا سيما أن الاعتماد في مثل هذه الأمور إما على :
    § خبر إعلاميٍّ كافرٍ .
    § أو مثله فاسق .
    § أو على خبر مجهول .
    § أو على توقّعات المُتسيِّسين ! المبنيّه على القرائن التي تحتمل الصواب والخطأ .

    الوجه الثاني :
    أن مِن الحكام - المراد تكفيرهم بهذا - مَن ينفي عن نفسه إعانة الكفار على المسلمين ؛ كمثل نفي حكام الحرمين - وفقهم الله - أَيّ معاونةٍ لأمريكا ضدّ طالبان .
    وحيث كان المتكلم هو أعرف الناس بشأنِ نفسه ؛ وجب تصديقه حتى يثبت لدينا ما يقطع بكذبه .

    الوجه الثالث :
    أنه ليست كلّ إعانة للكفار مُكفِّرةً ؛ بل في الأمر تفصيلٌ .

    فمع الاعتراف بكونه معصيةً لله تعالى إلا أنه لا يكون كفراً مطلقاً ؛ فإنه إن أعانهم رغبةً في دينهم كفر , وأما إن أعانهم لغيره - كدنيا مثلاً - فإنه لا يكفر .
    وهذا التفصيل هو ما دلّت عليه الأدلة وقال به أهل العلم .

    الوجه الرابع :
    أنه - وعلى سبيل التسليم - لو قيل بتكفير كلّ مُعِيْن مطلقاً ! أو جرى لأحدهم أن أعان الكفار على الوجه المُكفِّر ؛ فليس كلّ واقع في الكفر يكون كافراً .
    فكما أن التأثيمَ قد يتخلف ؛ فكذلك الكفرُ .

    نُقولٌ على ما نَقول
    بيان الأمر بالتثبُّت في خبر الفاسق ؛ والتثبت في خبر الكافر أولى

    قال الله تعالى :
    « . . . إن جاءكم فاسق بنبإٍ فتبيَّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين » .

    وتقدم نقل كلام :
    § شيخ الإسلام ابن تيمية ,
    § والحافظ ابن كثير ,
    § والعلامة السعدي - رحمهم الله - ,
    في الأصل الأول من الأصول الأربعة التي في أول الكتاب , فراجعه إن شئت .

    بيان أنه ليست كل إعانة مكفِّرة

    من الأدلة : حديثُ حاطب بن أبي بلتعة - رضي الله عنه - المُخرّج في الصحيحين ؛ حيث [21] :
    §  أعان - رضي الله عنه - كفارَ قريش حين كاتبهم بخبر غزو النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم .
    § ولم يحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بكفره - رضي الله عنه - .
    § ولم يوافق النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عُمَرَ بنَ الخطاب - رضي الله عنه - في تكفيره لحاطب - رضي الله عنه - .
    § ورجع عمرُ - رضي الله عنه - عن تكفيره وبكى وقال : ( اللهُ ورسولهُ أعلم ) .
    §  ولم يكن تركُ تكفير النبي - صلى الله عليه وسلم - لحاطب إلا لعذر أنه : قصد الدنيا بإعانته ؛ حيث اعتذر بأنه يريد أن تكون لـه يدٌ على قريش ليحمي أهله الذين في مكة .
    § ولا يمكن اعتبار حاطب - رضي الله عنه - متأوِّلاً ؛ لأنه لو كان كذلك :
    · لقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بتعليمه وإزالة الشبهة عنه ؛ ولكنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقُم بذلك .
    ·  ولَمَا لحِقه - رضي الله عنه - إثم لوجود التأويل ؛ ومن ثَمّ فليس مُحتاجاً لفضيلةِ شهوده بدراً حتى يُكفَّر عنه ذلك الإثمُ !
    · ثم إنه - رضي الله عنه - كان يعلم بخطإه وخطورةِ عمله , مما يؤيّد نفيَ التأويلِ عنه .
    § كما لا يمكن اعتبار حاطب - رضي الله عنه - معفياً من التكفير على اعتبار أنه من أهل بدر ؛ لأنه لو صدر منه الكفرُ لكان الكفر قاضياً على بدريَّتِهِ بالحبوط ؛ ومن ثَمّ فلا يمكن أن يشفع لـه عملٌ حابط ؛ كيف وقد أخبر اللهُ تعالى بأن الشركَ محبط للنبوّة والرسالة - وهما أعظم من بدريّةِ حاطب - حين قال : ( لئن أشركتَ ليحبطنّ عملك ولتكونن من الخاسرين ) .

    قال الإمام الشافعي - رحمه الله - ( الأم 4/249 ) :
    « وليس الدلالة على عورة مسلم ولا تأييد كافر بأن يُحذِّر أن المسلمين يريدون منه غِرَّةً ليحذرها أو يتقدم في نكاية المسلمين بكفرٍ بَـيـِّنٍ » انتهى .

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ( فتاواه 7/522 ) :
    « وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنباً ينقص به إيمانه ولا يكون به كافراً : كما حصل لحاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - . . . » انتهى .

    بل إن التفصيل - وعدمُ الإطلاق - هو مذهب :
    § الإمام أبي حنيفة ,
    § والإمام أحمد , وغيرهما .
    § وقد قال به الإمام ابن عثيمين - رحم الله الجميع - .

    بيان ضابط الإعانة المكفِّرة

    لمّا أعان حاطبُ - رضي الله عنه - كفارَ قريش ؛ سأله النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقوله : « ما حملك على ما صنعتَ » ؟
    وعليه فإن الواجب على مَن أراد الحكمَ في مثل هذه المسألة أن يسأل عن الحامِل ( الباعث ) , وبناء على معرفة الباعث يكون الحكمُ ؛

    فيُنظر إلى الباعث للإعانة ما هو ؟

    فإن أعانهم لأجل دينهم كفر ؛

    قال العلامة البغوي - رحمه الله - ( تفسيره 3/68 ) :
    « ( ومن يتولهم منكم ) فيوافقهم ويعينهم » انتهى .

    وقال الشيخ الآلوسي - رحمه الله - ( تفسيره 3/157 ) :
    « وقيل : المراد من قوله تعالى ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) ؛
    كافر مثلهم حقيقة ، وحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ولعل ذلك إذا كان توليهم من حيث كونهم يهوداً ونصارى » انتهى .

    وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن - رحمه الله - ( الرسائل والمسائل النجدية 3/10 ، الدرر السنية 1/474 ) :
    « وأما قوله ( ومن يتولهم منكم ) وقوله ( لا تجد قوماً . . . ) وقوله ( . . . لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً ) فقد :
    § فسّرته السنة ،
    § وقيّدته ،
    § وخصّته بالموالاة المطلقة العامة .
    وأصل الموالاة هو الحب والنُّصرة والصداقة ،
    ودون ذلك مراتب متعدّدة ولكل ذنبٍ حظُّه وقِسطُه من الوعيد والذم ، وهذا عند السلف الراسخين في العلم من الصحابة والتابعين معروفٌ في هذا الباب وغيره » انتهى .
    وقال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - ( عند تفسير الآية 51 من سورة المائدة « ومن يتولَّهم منكم فإنه منهم » من أشرطة تسجيلات الاستقامة ) :
    « . . . هو منهم في الظاهر بلا شك بسبب المعاونة والمناصرة .
    لكن :
    هل يكون منهم في الباطن ؟
    نقول : يمكن .
    قد تكون هذه المناصرة والمعاونة تؤدِّي إلى المحبَّة ثم إلى اتِّباع المِلَّة . . .
    إذاً : من يتولّهم منكم فإنه منهم في الظاهر . وربما يؤدِّي ذلك إلى الباطن ومُشاركتهم في عقائدهم وفي أعمالهم وأخلاقهم » انتهى .

    أما إن أعانهم لأجل الدنيا فإنه لا يكفر به - مع كونه إثماً عظيماً - ؛
    وهذا يستفاد من عذر حاطب الذي قَبلَهُ النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛

    قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - ( تفسيره 4/410 ) :
    « قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عذر حاطب لَمّا ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعةً لقريش لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد » انتهى .

    بيان أنه ليس كل من وقع في الكفر يكون كافراً

    تقدم نقل كلام :
    § شيخ الإسلام ابن تيمية ,
    § والإمام الألباني ,
    § والإمام ابن عثيمين - رحمهم الله - ,
    في الأصل الثالث من الأصول الأربعة التي في أول الكتاب , فراجعه إن شئت .
      


    الشبهة الثالثة عشرة :
    تكفيرهم للحكام بدعوى موالاة الكفار !

    الرد على الشبهة من وجهين
    [22]

    الوجه الأول :
    لا يصحّ إجمالُ الكلام ؛ إذ لا بدّ من التفصيل الكاشف للالتباس والرافع للاحتمال ؛ ولا سيما في مسائل التكفير .

    فنقول - هنا - : ماذا تريدون بالموالاة ؟

    أ‌- فهل تريدون منها أنهم أعانوا الكفار على المسلمين - مثلاً - ؟
    فحينئذٍ يكون في كفر الحاكم المُعِيْن للكفار تفصيل ؛
    إذ لا يكفر بإطلاقٍ [23] . بدليل عدم تكفير النبي - صلى الله عليه وسلم - لحاطب بن أبي بلتعة - رضي الله عنه - بعد استفصاله منه .

    وقد قال بالتفصيل :
    الأئمة : أبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وابن تيمية ، وابن عثيمين ؛ وغيرهم - رحم الله الجميع - .
    وراجع - إن شئت - كتابي في هذه المسألة .

    ب‌- أم هل تريدون منها أنهم يتعاونون معهم فيها يرون المصلحة فيه ؟
    فحينئذٍ لا يكون كفراً ولا داخلاً في الموالاة المكفرة ؛
    لأنه لا يحرم التعاون مع الكافر فيما هو حقّ , وفيما يعود بالمصلحة للإسلام والمسلمين .

    ت‌- أم هل تريدون منها أنهم يتعاملون مع الكفار بالاحترام والإكرام وتبادل التهاني والهدايا ؟
    فحينئذٍ لا يكون كفراً ؛
    لأنه لا دليل على التكفير بهذه الأمور .
    فإن من الأمور المتقدّمة ما هو مباح , ومنها ما هو محرم لا يصل إلى حدّ الكفر .
    ومن المباح قول الله تعالى : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم