صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • فوائد وفرائد
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    غـازي القصيـبـي
    من القصص الموضوعة... إلى الأحاديث الصحيحة!
    (وقفات مع كتابه الأخير "ثورة في السنة النبوية")

    اضغط هنا لتحميل الكتاب على ملف وورد

    سليمان بن صالح الخراشي

     
    قال الله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة) (1) .
    قالت عائشة –رضي الله عنها-: "تلا رسول الله هذه الآية –ثم قال صلى الله عليه وسلم-: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم"(2).
    قال ابن كثير –رحمه الله-: "قال الله تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ) أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل (فيتبعون ما تشابه منه) أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينـزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه"(3).


    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد :
    فقد صدر للدكتور غازي القصيبـي هذه الأيام كتيب صغير تحت عنوان مثير؛ هو " ثورة في السنة النبوية" !، ولا أدري سبب اختياره هذا العنوان الغريب رغم أنه لا يناسب مضمون كتيبه؛ الذي هو مجرد أحاديث قليلة يعرفها صغار الطلبة عندنا، انتقاها الدكتور غازي من كتاب (جامع الأصول) لابن الأثير، ثم علق على كل واحد منها تعليقاً موجزًا ربما لم يستغرق منه يوماً أو بعض يوم!
    ولعل سبب هذا ما عودنا عليه الدكتور من حبٍ للإثارة والمخالفة في كثير من كتاباته؛ لا سيما ما يتعلق منها بالأمور الشرعية، التي لا زال الدكتور مصرًا على الخوض فيها رغم أن ثقافته وتخصصه لا يؤهلانه لهذا الخوض، الذي كان الأجمل بالدكتور أن يدعه لغيره من علماء الشريعة؛ لاسيما وهو ما فتئ يردد بين حين وآخر وجوب احترام التخصص، ويوجه نصيحته الشهيرة للعلماء لدينا بأن يلتزموا بذلك ! قائلاً لهم : "نتمنى على علمائنا الكرام أن يبقوا في مجالات تخصصهم، وأن لا يزجوا بأنفسهم في بحار السياسة وهم لا يحسنون السباحة فيها.. حتى لا يغرقوا ويُغرقوا شبابنا الحائر معهم"(4) فالدكتور إذاً أولى من عمل بنصيحته هذه.
    وكتيب الدكتور هذا حمده البعض عليه لكونه يصدر فيه عن أقواله صلى الله عليه وسلم، وهو ما يؤكد التطور الملحوظ لكتاباته والاتجاه بها نحو الخضوع لنصوص الكتاب والسنة بعد أن جال يمينًا ويسارًا. وهو أمر لا شك يستحق الحمد والثناء والدعاء لصاحبه بالتوفيق، والحث على الاستزادة من ذلك؛ ليتحقق فيه قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان) ، لكني أرى أن هذا المسلك الجديد للدكتور وإن كان محمودًا إلا أنه يستحق التقويم والمناصحة أكثر من كتاباته الأخرى، لكونه أصبح يتكئ على نصوصٍ من الكتاب أو السنة يفهمها بغير فهم العلماء –كما سيأتي- ثم ينشرها في كتيباته التي لها صداها بين قرائه؛ فيزلوا عن الحق، وهنا مكمن الخطر.
    وهذا ما حدث في كتيبه (ثورة في السنة النبوية)، حيث أورد –هداه الله- بعض الأحاديث النبوية الصحيحة ثم (جيرها) لصالح أفكاره وآرائه المخالفة التي لم يتخلص منها بعد، لاسيما ما يتعلق منها بموضوع (المرأة) –كما سيأتي- .
    وقد كانت لي معه هذه الوقفات التي يحسن بقارئ كتابه أن يطلع عليها، لكي يسلم من زلاته:

    تلخيص لمحتويات كتيب الدكتور:
    احتوى كتيب الدكتور على سبعة أحاديث مع التعليق عليها؛ هي باختصار كالتالي:
    1- الحديث الأول (ص 11-16): حديث "ابن اللتبية" في النهي عن الرشوة، وقد أجاد الدكتور في التحذير منها.
    2- الحديث الثاني (17-23) حديث غزو أم حرام مع زوجها عبادة بن الصامت –رضي الله عنهما- وفهم منه الدكتور أن الإسلام يجيز دخول المرأة العسكرية !! وستأتي مناقشته في هذا –إن شاء الله-.
    3- الحديث الثالث (ص 25-30): حديث الإشهاد على الزنا بأربعة. وعلق عليه بأن المتهم بريئ حتى تثبت إدانته.
    4- الحديث الرابع (ص 31-38): حديث الرجل الذي اطلع على بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يفقأ عينه. علق عليه الدكتور بوجوب احترام خصوصيات البيوت وعدم التجسس عليها(5).
    5- الحديث الخامس (ص 39-46): حديث الرجل الذي سقى كلبًا فغفر الله له -وأحاديث أخرى مشابهة له- علق عليها الدكتور ببيان وجوب الرفق بالحيوانات.
    6- الحديث السادس (ص 47-53): حديث عدم النهي عن العزل. وقد أجاد الدكتور في نقده للدعوة إلى منع النسل التي تصادم الفطرة، ثم بين أن هناك حالات يجوز فيها (تنظيم النسل) ناقدًا من يزعمون أن الإسلام يمنعه(6) .
    7- الحديث السابع (ص 55-62): حديث "إن الله يعذب الذين يُعَذِّبون في الدنيا" وقد وفق الدكتور في تعليقه عليه بحملة عنيفة على من يمارسون تعذيب البشر.


    الوقفات

    الوقفة الأولى: أن الدكتور أشار في مقدمة كتيبه أن مرجعه في الأحاديث التي انتقاها كتاب (جامع الأصول) لابن الأثير، وهو –كما يقول- (ص8) "من نشر رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية" !
    فهل معنى هذا: أن الدكتور يريد أن يُلزم العلماء لدينا بما جاء في كتاب ارتضوه وأشرفوا على طبعه ؟! أو أن يحرجهم أمام القراء بأنهم يشرفون على أحاديث صحيحة لا يفتون بها ويتحاشونها ؟! الله أعلم.
    مع أن هذا لا يلزمهم –إن كان هذا ظن الدكتور-؛ لأنهم يفهمون أقواله صلى الله عليه وسلم فهم العلماء الراسخين الذين يضعونها موضعها ولا يضربون بعضها ببعض، كحال أصحاب القلوب الزائغة –كما سيأتي إن شاء الله تعالى-.

    الوقفة الثانية: أن الدكتور –كما سبق- قد أجاد في بعض تعليقاته على الأحاديث التي انتقاها، إلا أنه شان كتيبه بسوء فهمه لحديث غزو أم حرام وزوجها –رضي الله عنهما-، وحَمَّله ما لا يحتمل، ووجهه الوجهة التي يريد، عندما استنبط منه جواز دخول المرأة المسلمة للعسكرية!، مؤيدًا هذا الجواز بلغة ساخرة تلمز دعاة الفضيلة بأنهم "جماعة الجنابة"(7) ! كما يقول مدعيًا عليهم بأن النساء عندهم "مخلوقات دون الرجال، ليس لهن من دور سوى الإنجاب، لا يجب أن يتحركن من دار الأب أو الزوج إلا إلى القبر.." !! (ص 21-22) وأنهم يريدون "أن يحرموا عقل المرأة من كل علم، وفكرها من كل ثقافة، وأن يشلوا كل ما منحها الله سبحانه وتعالى من طاقات وإمكانيات ومواهب، لتبقى تمارس دورًا يتيماً يبدأ بالجنس وينتهي بالجنس" ! (ص 22).
    أما هو ومن معه من أنصار المرأة –كما يزعم- فإنهم "يذهبون إلى أنه من حق المرأة أن تتعلم إلى أقصى درجات التعليم، وأن تمارس وجوه الإبداع الفكري والعلمي كافة، وأن تكون عضوًا فعالاً في حياة المجتمع الثقافية والسياسية" (ص22).
    قلت: يقع الدكتور ومن يوافقه ممن يدعون أنهم أنصار المرأة في مشكلات ثلاث عند بحثهم لقضايا المرأة:
    الأولى: أنهم اتخذوا من النموذج الغربي للمرأة مقياساً لهم عند النظر إلى نساء المسلمين، فما تقوم به تلك النسوة الغربيات ينبغي على نسائنا أن يحاكينه، وعلى ولاة أمورهن أن يسهلوا ويشجعوا هذه المحاكاة، وإلا فإن الدكتور ومن معه سيلمزونهم بأنهم من "جماعة الجنابة" !
    أما جواز هذه الأعمال التي تقوم بها نسوة الغرب من عدمه أو وضع الضوابط الشرعية له فهذا لا مكان له عند الدكتور وجماعته. وكتاباتهم شاهد على هذا(8).
    الثانية: أنهم عندما تبنوا النموذج الغربي وتشبعوا به، لم يقابلوا ذلك بفهم صحيح للنموذج الشرعي في قضايا المرأة، إنما دمغوه بالتخلف والظلم، ولم يكلفوا أنفسهم عناء النظر في أقوال أهله وأدلتهم وأحوالهم، ولهذا تجدهم يتقولون عليهم ما لم يقولوه، ويبهتونهم بما ليس فيهم، كما فعل الدكتور –هداه الله- في كلامه السابق عندما كذب عدة كذبات كل واحدة أكبر من أختها على دعاة الفضيلة ورماهم بما هم بريئون منه. فتأمل ما ذكره وقارنه بحال أهل الإسلام ودعاة الفضيلة، هل تراه صدق في شئ منه ؟!
    - فهل صحيح بأنهم –أي دعاة الفضيلة- يرون بأن النساء "ليس لهن من دور سوى الإنجاب"؟ (وأين أعمالهن الأخرى التي يعلمها الجميع؟! أم أنها لا ترضيك؟)
    - أو أنهن –أي النساء- لا يجب أن يتحركن من دار الأب أو الزوج إلا إلى القبر" ؟! (وكل هذا الخروج شبه اليومي هل هو إلى المقبرة؟!)
    - أو أنهم –أي دعاة الفضيلة- "ينـزعون إلى أن يحرموا عقل المرأة من كل علم، وفكرها من كل ثقافة" ؟!
    ولاحظ تعميم الدكتور: (كل علم) و(كل ثقافة) ! أي حتى العلم الشرعي والثقافة الشرعية !
    - أو أنهم يرون أن دور المرأة "يبدأ بالجنس وينتهي بالجنس" ؟! (وأظن هذا من باب إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه!)(9) ثم تأمل ما أضفاه الدكتور من فضائل على (مدعي نصرة المرأة) مستخدماً في ذلك الألفاظ المطاطة العامة التي هي في حقيقتها من زخرف القول الذي يجيده كل أحد. ولو تفكر الدكتور لعلم أنها بهذا العموم تنطبق على خصومه أيضاً! ولكن بضوابطهم الشرعية .
    فهو يقول عن (الأنصار!) : بأنهم "يذهبون إلى أنه من حق المرأة أن تتعلم إلى أقصى درجات التعلم". وهذا ما يذهب إليه دعاة الفضيلة ! ولكن بشرط أن تكون العلوم التي تتلقاها مفيدة (دينياً أو دنيوياً)، وأن لا يكون هناك اختلاط.
    ويقول: "وأن تمارس وجوه الإبداع الفكري والعلمي كافة" وهم كذلك يقولون بهذا مالم يكن فيه مخالفة شرعية، كأن يكون الإبداع أن تتعلم الرقص أو التمثيل!، مثلاً.
    ويقول: "أن تكون عضواً فعالاً في حياة المجتمع الثقافية والسياسية" وهم كذلك يقولون بهذا ما دام بضوابطه الشرعية التي تتبين عند الدخول في تفاصيل هذه الحياة التي يطمح إليها الدكتور ولا تفيدها لغته العمومية .
    المشكلة الثالثة التي يقع فيها أدعياء نصرة المرأة عندما يتعرضون لقضاياها أننا نشاهد (تهويلاتهم) و(دعاواهم) الكثيرة لا تتوافق كثيرًا مع سلوكهم الشخصي تجاه نسائهم ومن هن تحت ولايتهم، والله يقول (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم).
    إنما تجد دعواتهم منصبة على الآخرين لكي يقتنعوا بأفكارهم ويبدؤا بتنفيذها على أرض الواقع قبل أن يقوم بذلك هذا الداعي أو المبشر.
    وهذه صفة قد خبرناها فيمن سبقهم من دعاة التغريب، فهذا قاسم أمين مثلاً يذكر عنه الصحفي مصطفى أمين بأن زوجته كانت تغطي وجهها إلى أن توفي ! (10)

    الوقفة الثالثة: أن الدكتور غازي –هداه الله- صاحب سابقة ومهارة في التقاط وتصيد ما يراه يؤيد هواه، سواء كان حديثاً صحيحاً أم موضوعاً ! لا فرق، المهم أنه يوصله إلى مبتغاه، ويتمكن من خلاله من إحراج خصومه الذي لا يخضعون لشيء سوى للنص الشرعي.
    فإن كان الدكتور –في رسالته هذه- قد اقتنص حديثاً صحيحاً فهمه فهماً خاطئاً متوهماً أنه يشهد لما يريد الوصول إليه، فإنه قبل عشرين عاماً تقريباً قد التقط قصة مكذوبة على عمر –رضي الله عنه-؛ لأنه وجد فيها دليلاً على مشروعية الاختلاط! –كما يزعم- وقد ردّ عليه العلماء والباحثون حينها وبينوا له أن القصة مكذوبة على أمير المؤمنين –رضي الله عنه- فإليك قصة الدكتور القديمة مع التعليق عليها .
    قال الدكتور في مقالٍ له بعنوان "ورقة عائلية من تاريخ الطبري"(11) : (( في كتابه الشهير "تاريخ الرسل والملوك" يروي الطبري قصة مؤثرة عن سيدنا عمر بن الخطاب تصوره في جانب آخر من جوانب شخصيته المتقدة بالعظمة. كانت الجيوش الإسلامية تكتسح الإمبراطوريات وكان سيدنا عمر رضي الله عنه وقتها رئيساً لأعظم دولة على وجه الأرض. والقصة تتحدث عن قائد من قواد عمر اسمه سلمة بن قيس أرسل رجلاً من قومه برسالة إلى أمير المؤمنين .
    ولندع هذا الرجل يروي لنا القصة: "… فاتبعته فدخل داراً ثم دخل حجرة فاستأذنت وسلمت. فأذن لي، فدخلت عليه فإذا هو جالس على مسح (بساط) متكئ على وسادتين من أدم محشوتين ليفاً فنبذ إليّ بإحداهما، فجلست عليها، وإذا بهو في صُفّة فيها بيت عليه ستير فقال: يا أم كلثوم غداءنا! فأخرجت إليه خبزة بزيت في عرضها ملح لم يدق، فقال: يا أم كلثوم، ألا تخرجين إلينا تأكلين معنا من هذا ؟
    قالت: إني أسمع عندك حس رجال؟ قال: نعم ولا أراه من أهل البلد.. قالت : لو أردتَ أن أخرج إلى الرجال لكسوتني كما كسا ابن جعفر امرأته، وكما كسا الزبير امرأته، وكما كسا طلحة امرأته! قال: أو ما يكفيك أن يقال: أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وامرأة أمير المؤمنين عمر! فقال: كل، فلو كانت راضية لأطعمتك أطيب من هذا..".
    ما الذي نستخلصه من هذا النص، كما تقول الكتب المقررة والامتحانات المدرسية ؟
    نستخلص منه ما يأتي :
    -أن سيدنا عمر لم يشعر بأي حرج وهو يدعو زوجته لتشاركه الغداء مع ضيف لا يعرفه … إلى أن يقول: "ماذا يقول السادة الكرام الذين يتصورون أن المرأة مخلوقة من الدرجة الثانية، وربما الدرجة العاشرة)).
    قلت: هذا ما ذكره الدكتور صاحب الدرجة الأولى في التعامل مع المرأة! لأن هذه الدرجة عنده –كما هو مفهوم كلامه- لا يحوزها إلا من تخالط زوجته الرجال وتشاركهم على مائدة الطعام. والدليل هذه القصة المكذوبة.
    والغريب أنها قد كذبت على عمر –رضي الله عنه- الذي كانت غيرته سبباً في نزول آية الحجاب! فتأمل .
    وهذا مما يزيد القصة وهناً.
    قال الشيخ عبدالعزيز بن باز –رحمه الله- رادًا على استدلال الدكتور بهذه القصة الموضوعة : "الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
    فقد اطلعت على القصة المنقولة من تاريخ ابن جرير الطبري –رحمه الله- عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال ما نصه:
    (فاتبعته فدخل داراً ثم دخل حجرة فاستأذنت وسلمت فأذن لي فدخلت عليه فإذا هو جالس على مسح (بساط) متكئ على وسادتين من أدم محشوتين ليفاً، فنبذ إلي بإحداهما فجلست عليها وإذا بهوٌ في صفة فيها بيت عليه ستير فقال: يا أم كلثوم غداءنا، فأخرجت إليه خبزة بزيت في عرضها ملح لم يدق، فقال: يا أم كلثوم ألا تخرجين إلينا تأكلين معنا من هذا. قالت: إني أسمع عندك حس رجل قال: نعم ولا أراه من أهل البلد، قالت: لو أردت أن أخرج إلى الرجال لكسوتني كما كسا ابن جعفر امرأته، وكما كسا الزبير امرأته، وكما كسا طلحة امرأته، قال: أو ما يكفيك أن يقال: أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وامرأة أمير المؤمنين عمر ؟! فقال: كل فلو كانت راضية لأطعمتك أطيب من هذا) اهـ.
    وهذه القصة باطلة رواية ودراية:
    أما الرواية: فلأن مدارها على جماعة من الضعفاء، وبعضهم متهم بالكذب، وتنتهي القصة إلى مبهم لا يعرف من هو ولا تعرف حاله وهو الذي رواها عن عمر؛ وبذلك يعلم بطلانها من حيث الرواية .
    وأما من حيث الدراية فمن وجوه:
    1- شذوذها ومخالفتها لما هو معلوم من سيرة عمر رضي الله عنه وشدته في الحجاب وغيرته العظيمة وحرصه على أن يحجب النبي صلى الله عليه وسلم نساءه حتى أنزل الله آية الحجاب.
    2- مخالفتها لأحكام الإسلام التي لا تخفى على عمر ولا غيره من أهل العلم، وقد دل القرآن والسنة النبوية على وجوب الاحتجاب وتحريم الاختلاط بين الرجال والنساء على وجه يسبب الفتنة ودواعيها.
    3- ما في متنها من النكارة الشديدة التي تتضح لكل من تأملها، وبكل حال فالقصة موضوعة على عمر بلا شك للتشويه من سمعته أو للدعوة إلى الفساد بسفور النساء للرجال الأجانب واختلاطهن بهم، أو لمقاصد أخرى سيئة. نسأل الله العافية.
    ولقد أحسن الشيخ أبو تراب الظاهري، والشيخ محمد أحمد حساني، والدكتور هاشم بكر حبشي فيما كتبوه في رد هذه القصة وبيان بطلانها وأنه لا يصح مثلها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جزاهم الله خيراً وضاعف مثوبتهم وزادنا وإياهم علماً وتوفيقاً وجعلنا وإياهم وسائر إخواننا من أنصار الحق"(12).
    قلت: هذا ما كان من الدكتور قديماً. فهل تغير مسلكه بعد كل هذه السنين؟! أقولها للأسف: لا ! فالمسلك هو هو لم يتغير حيث (الإيمان) و(الاعتقاد) بقضايا جاءت أدلة الشرع بتحريمها، ثم الاجتهاد في البحث عن ما يسوغها أمام المسلمين لكي يقبلوها و(تمرر) في مجتمعاتهم.
    الأمر الذي تغير فقط هو أن الدكتور بعد أن كان يلجأ إلى القصص المكذوبة (لدعم) أفكاره أصبح يلجأ إلى أحاديث صحيحة بعد أن يلوي أعناقها ويُحملها ما لا تحتمل.
    والسبب أن الدكتور علم أن القصص المكذوبة لا تروج على عامة المسلمين فضلاً عن علمائهم في هذا الزمان، وسيقف لها العارفون بالمرصاد تكذيباً وتوهيناً .
    ولهذا فقد أصبح السلاح الجديد الذي لن يجرؤ أحد على تكذيبه هو اللجوء إلى الأحاديث الصحيحة بعد أن يصرف معانيها لصالح أهدافه وأفكاره.

    الوقفة الرابعة: أن الدكتور –في تعليقه على حديث أم حرام- وقع فيما حذر منه الله تعالى من النهي عن اتباع المتشابه وترك المحكم، ومن ذلك إقامة الحالات الجزئية مقام الأصول الكلية لينتج عن هذا الإيمان ببعض نصوص السنة دون بعض. ولو فهم الأحاديث النبوية بفهم علماء الأمة لما وقع في هذا الخلل والزيغ.
    يقول الشاطبي –رحمه الله-: "إذا ثبتت قاعدة عامة أو مطلقة، فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان ولا حكايات الأحوال، والدليل على ذلك أمور… -ثم ذكرها- إلى أن قال: وهذا الموضع كثير الفائدة، عظيم النفع بالنسبة إلى المتمسك بالكليات إذا عارضتها الجزئيات وقضايا الأعيان؛ فإنه إذا تمسك بالكلي كان له الخيرة في الجزئي في حمله على وجوه كثيرة. فإن تمسك بالجزئي لم يمكنه مع التمسك الخيرة في الكلي؛ فثبت في حقه المعارضة، ورمت به أيدي الاشكالات في مهاوٍ بعيدة، وهذا هو أصل الزيغ والضلال في الدين؛ لأنه اتباع للمتشابهات، وتشكك في القواطع المحكمات"(13) .
    قلت: وهذا ما وقع فيه الدكتور؛ حيث فهم من قصة خروج أم حرام بنت ملحان للغزو مع زوجها عبادة بن الصامت –رضي الله عنهما(14)- أن الإسلام يجيز دخول المرأة المسلمة للعسكرية !!
    متغافلاً –هداه الله- عن عشرات النصوص الشرعية التي يعلمها آحاد المسلمين وتبين أن الجهاد غير واجب على المرأة المسلمة.
    ومنها : حديث عائشة رضي الله عنها –في صحيح البخاري- استأذنتُ النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد. فقال: "جهادكن الحج"(15). وفي رواية عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: سأله نساؤه عن الجهاد فقال: "نِعْم الجهاد الحج"(16)
    فدل الحديثان على أن الجهاد غير واجب على النساء.
    وورد في الحديث الصحيح أن أم سلمة –رضي الله عنها- قالت: يا رسول الله، تغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث؟ فأنزل الله (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) (17). فدل الحديث على أن عدم وجوب الجهاد على النساء هو مما تقرر عند الرعيل الأول استجابة وامتثالاً لأقواله صلى الله عليه وسلم التي سبق شيء منها.
    وعلى هذا استقرت كلمة علماء المسلمين –رحمهم الله-(18) قال ابن قدامة -رحمه الله-: "ويشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية،والسلامة من الضرر، ووجود النفقة"(19) .
    ولاحظ أن المرأة لو خرجت للجهاد الشرعي فإنها ستخرج مع محرمها مستترة ملتزمة بالحجاب ومع هذا قيل ما سبق في حقها؛ وهو عدم وجوب الجهاد عليها.
    فما ظنك بعد هذا بحالها في العسكرية؟! حيث ستتراكم عليها المحرمات؛ من تبرج، ولباس فاضح، واختلاط، وخلوات محرمة، وسفر بلا محرم… إلخ المحرمات والمفاسد التي يدركها كل عاقل تأمل متطلبات العسكرية في بلاد العالم. مما يجعل حرمة هذا الأمر مما لا يشك فيها مسلم يعرف أحكام دينه؛ إلا أن يكون من أهل الشهوات ومحبي نشر الفساد بدعوى الإصلاح.
    ورحم الله الشيخ أحمد شاكر الذي قال بعد أن صحح حديث أم سلمة السابق "يا رسول الله، تغزو الرجال ولا نغزو" :"وهذا الحديث يرد على الكذابين المفترين –في عصرنا- الذين يحرصون على أن تشيع الفاحشة بين المؤمنين، فيخرجون المرأة عن خدرها وعن صونها وسترها الذي أمر الله به؛ فيدخلونها في نظام الجند"(20).
    الخلاصة: أن الجهاد غير واجب على المرأة المسلمة، ولكن إن تطوعت للخروج مع زوجها أو محرمها وهي بكامل حجابها فإنها لا تمنع من ذلك، وعلى هذا تحمل الوقائع التي ورد فيها أن فلانة خرجت للغزو أو قاتلت.

    قال الدكتور عبد الرب نواب الدين في كتابه "عمل المرأة وموقف الإسلام منه" (ص 250): "كثيراً ما يتخذ بعض أدعياء العلم من بعض الأحداث دليلاً على وجوب الجهاد على النساء كوجوبه على الرجال.."

    فتوى اللجنة الدائمة في جهاد المرأة :

    قالت اللجنة في فتواها رقم (9533):
    "س: هل جهاد المرأة غير واجب؛ أكان جهاد الدعوة أو جهاد الكفار؟
    ج: ليس جهاد الكفار بالقتال واجباً على المرأة، ولكن عليها جهاد بالدعوة إلى الحق، وبيان التشريع، في حدود لا تنتهك فيها حرمتها، مع لبس ما يستر عورتها، وعدم الاختلاط بالرجال غير المحارم، وعدم الخضوع بالقول والخلوة بالأجانب، قال الله تعالى في نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم: (واذكرن ما يُتلى في بيوتكنَّ من آيات الله والحكمة) (21)، وثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله هل على النساء من جهاد؟ قال: "نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة"، رواه أحمد وابن ماجه، وثبت عنها أيضاً أنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: "لكن أفضل الجهاد حج مبرور"، رواه أحمد والبخاري.
    وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
    اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
    عضو/ عبد الله بن غديان نائب رئيس اللجنة/ عبد الرزاق عفيفي الرئيس/عبد العزيز بن عبدالله بن باز

    وقال الأستاذ حافظ محمد أنور: "أما تجنيد النساء في العصر الحاضر حسب التنظيم العسكري فلا يجيزه الإسلام، فلا تجند الفتيات ضمن الفتيات ليقمن بنفس الأعمال التي يقوم بها الرجال في الجيش ؛ لأنه مخالف لتعاليم الإسلام، حيث يكون هناك اختلاط بين الرجال والنساء، وقد يكون المدربون من الرجال، ثم يكون المبيت بعيدًا عن الأهل، وهذا محادة لله ولرسوله، وكذلك الأمر في الشرطة وفي الجهات الأمنية الأخرى"(22) .

    الشيخ علي الطنطاوي وإدخال المرأة المسلمة للعسكرية:
    وقال الشيخ علي الطنطاوي –رحمه الله- مبيناً خطوات دعاة (تغريب) المرأة المسلمة في بلاد الشام: "ثم اخترعوا نظام المرشدات وهو مثل نظام الكشفية للأولاد، وصرن يذهبن في رحلات قصيرة في قرى دمشق، ثم جاءت المصيبة التي أنست ما قبلها من المصائب، وهي نظام الفتوة، أي إلباس الطالبات لباس الجند، وتدريبهن على حمل السلاح، لماذا؟ وهل انقرض الرجال حتى نقاتل بربات الحجال؟ ولمن تترك إدارة البيوت وتربية الأطفال؟
    لماذا والشباب يتسكعون في الطرقات ويزدحمون على أبواب السينمات، فندع الشباب لهذا ونقاتل أعداءنا بالبنات ؟!"(23)
    وأظن الدكتور غازي –الذي يدعو إلى دخول المرأة للعسكرية- يعلم الأعداد الهائلة من الشباب الأشداء الذين يرجعون بخفي حنين عند طلبهم الالتحاق بالكليات العسكرية لدينا نظرًا لعدم وجود أماكن لهم.
    فكيف يغض الدكتور طرفه عن هؤلاء الألوف من الشباب العاطلين وبدلاً من أن يقترح التوسع في قبولهم لدى العسكرية يدعو إلى الاستعانة بدلهم بفتيات؟! .
    أم أنه في سبيل إخراج هذه المرأة من خدرها، والعبث بكرامتها تهون كل الأمور .

    مفاسد دخول المرأة الغربية للعسكرية

    يقول الدكتور محمد علي البار –وفقه الله-: "وحتى في أقسام البوليس تتعرض المرأة للاعتداءات الجنسية.. وقد قامت شرطة واشنطون بتعيين مائتي امرأة في أوائل السبعينات .. واستخدمت المرأة كشرطية تعمل ليل نهار وصاحب دلك حملة دعائية ضخمة لإثبات مساواة المرأة بالرجل تحت برنامج مارشال.
    وبعد ثلاث سنوات بدأت فضائح هذا البرنامج، ففي أكتوبر 1975م نشرت الوشنطن بوست مجموعة مقالات تفضح فيها استغلال ضباط البوليس للمرأة العاملة في الشرطة جنسياً وبدأت تذكر أمثلة كثيرة؛ منها ما قاله الضابط بيجي جاكسون لمرؤوسته "يجب أن تسمحي لي بمضاجعتك في مقابل إجازة يوم واحد" وذكرت المجلة أن اثنتي عشرة شرطية قلن إنهن تعرضن للابتزاز الجنسي… ولكنهن طلبن أن لا تنشر أسماءهن.. واعترف ضابطان بأنهما قد سمعا شرطيتين تشتكيان من الابتزاز الجنسي الذي يواجهنه من رؤسائهن ولكنهما لا يستطيعان أن يفعلا أي شيء طالما أن المشتكيات يرفضن التوقيع على الشكاوى وهن يرفضن ذلك خوفاً من انتقام رؤسائهن.
    وذكرت الضابطة بيني لولدن أن زميلها الضابط أوقف السيارة بجانب حديقة واشنطن وطلب منها أن تسافده ولكنها رفضت، فطلب منها أن تكتم الأمر وإلا انتقم منها.
    وفي استفتاء لـ 333 شرطية قالت نصفهن بأنهن تعرضن للاعتداء الجنسي من رؤسائهن وأن اللاتي لا يستجبن ولا يرضخن لهذه الرغبات يلاقين عقوبات مختلفة من رؤسائهن، بينما أولئك اللائي يستجبن ويرضخن يعاملن معاملة طيبة وتخفف عنهن الواجبات الثقيلة.
    ويقول أحد كبار الضباط في (وكالة التحقيقات الفيدرالية) F . B . I . بعد أن أدخلوا النساء في تدريبات الضباط:
    "إذا وضعت ضابطتين تحت التدريب في سيارة واحدة تعاركتا وإذا وضعت ضابطاً وضابطة تسافدا"!
    ويقول ضابط كبير آخر "إن أكثر شيء محطم في قوة البوليس هو مزاملة ضابط لضابطة وكذلك تؤدي تلك الزمالة إلى تحطيم أسرتيهما" (لأن الضابط أو الضابطة في الغالب متزوجان فإذا ما تخاللا وخانا العلاقة الزوجية أدى ذلك إلى فصم عرى الزواج).
    وتقول لين فارلي: أن المتدربة في أقسام البوليس والمخابرات تتحول بسرعة من زميل في العمل إلى فرج تدور حوله النكت البذيئة والتعليقات الجارحة.. بل والاعتداءات الجسمانية".
    وتقول الضابطة السابقة في بوليس واشنطن J.J. والبالغة من العمر 21 عاماً إنها قد طردت من البوليس عام 1976م لأنها قدمت شكوى باغتصابها من قِبل أحد الضباط، وقد قيل إن تلك الدعوى لا دليل لها وكاذبة وتسيء إلى سمعة البوليس.. هذا بالرغم من أنها قد حصلت من قبل على ثلاث ميداليات لإخلاصها وتفانيها في العمل… -إلى أن قال الدكتور-:
    "إن هذه الوقائع غيض من فيض.. وابتزاز العاملة جنسياً وخضوعها للقسر والإكراه والإجبار أمر شائع في جميع أنواع العمل ابتداء من الجامعات وانتهاء بالموتيلات والمطاعم، ولا يكاد يوجد اليوم أي عمل من الأعمال لا تتعرض فيه المرأة العاملة إلى الابتزاز جنسياً.." (24)
    قلت: وبعد هذا البيان، فإن الذي يدعو إلى اشتراك المرأة المسلمة في العسكرية متتبعاً المتشابه فإنما هو من متبعي الهوى وأهل الزيغ الذين قال الله فيهم –كما سبق-(فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة)، قال الشاطبي –رحمه الله- عن هؤلاء بأنهم: "يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة، فهم يطلبون به أهواءهم لحصول الفتنة، فليس نظرهم إذاً في الدليل نظر المستبصر حتى يكون هواه تحت حكمه، بل نظر من حكم بالهوى ثم أتى بالدليل كالشاهد له"(25)

    الوقفة الخامسة: ذكر الدكتور (ص21) قضية حجاب المرأة المسلمة، وأن هناك من العلماء من يرى جواز كشف وجهها ويديها أمام الأجانب، وآخرين منهم لا يرون ذلك، مدعيًا أن النصوص ترجح مذهب الأولين!
    والذي ينبغي أن يعلمه الدكتور ومن يرى رأيه –قبل الدخول في حكم الحجاب- أنه لم يكثر الخوض في هذه المسألة سوى في العصر الحاضر، وذلك بعد أن وقعت كثير من بلاد المسلمين في أيدي المستعمرين الذين كانت مصلحتهم في إفساد المسلمين تقتضي إثارة هذه المسألة وتوجيه متابعيهم من أبناء المسلمين إلى بحثها والتأليف فيها؛ لأنهم يعلمون أنها مقدمة لما بعدها(26). وإلا فإن الأمة الإسلامية كانت مجمعة (عمليًا) على تغطية وجه المرأة عن الأجانب. يقول الحافظ ابن حجر: "لم تزل عادة النساء قديمًا وحديثاً يسترن وجوههن عن الأجانب"(27) ونقل ابن رسلان "اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه"(28) .
    ومما يؤكد هذا أنك لا تجد مسألة كشف الوجه من عدمه قد أخذت حيزًا كبيرًا في مصنفات الأئمة، ولم تستغرق جهدهم ووقتهم، بل لا تكاد تجد –فيما أعلم- مصنفًا خاصًا بهذه المسألة، ولو على شكل رسالة صغيرة، مما يدل دلالة واضحة أن هذه القضية من الوضوح بمكان، وأن عمل المسلمين كما هو قائم، يتوارثه الخلف عن السلف. وهذا التواتر العملي يدلنا أيضاً على طبيعة تلقي العلماء لهذه المسألة وأنهم يرشدون أمتهم لما فيه العفة والطهر والاستقامة على أرشد الأمور، وأفضل السبل.
    أما أدلة وجوب تغطية المرأة لوجهها أمام الرجال الأجانب فقد بينها كثير من العلماء المعاصرين في مصنفات خاصة بعد أن كثر الحديث في هذه القضية.
    فمن هذه المصنفات :
    1- "عودة الحجاب" بأجزائه الثلاثة، للشيخ (المصري) محمد بن إسماعيل.
    2- رسالة "الحجاب" للشيخ أبي بكر (الجزائري).
    3- "الجليس الأنيس في التحذير عما في تحرير المرأة من التلبيس" للشيخ (المصري) محمد أحمد البولاقي.
    4- "إبراز الحق والصواب في مسألة السفور والحجاب" للشيخ (الهندي) صفي الرحمن المباركفوري.
    5- "رسالة الحجاب في الكتاب والسنة" للشيخ عبد القادر (السندي).
    6- "معركة الحجاب والنقاب…" رد على محمد الغزالي، للشيخ (المصري) أحمد محمود الديب.
    7- "مهلاً يا صاحبة القوارير" للكاتبة (المصرية) يسرية محمد أنور.
    وغير ذلك من المصنفات المتعلقة بهذه المسألة، وقد اقتصرت منها على بعض ما ألفه العلماء أو الكتاب الذين هم من غير بلاد الحرمين الشريفين(29)؛ لكي يعلم الدكتور ومن يتابعه أن القول بوجوب تغطية المرأة لوجهها أمام الرجال الأجانب ليس خاصًا بعلماء هذه البلاد فقط كما قد يظنه البعض تلبيسًا أو مغالطة.

    فليحذر المسلم ولتحذر المسلمة اللذان أقيمت عليهما الحجة بوجوب تغطية المرأة لوجهها أن تشملهما هذه الآية –إن هما خالفا أو عارضا هذا الحكم- : (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا)
    وليعلم الدكتور بعد هذا أنه حتى من زل من العلماء المعاصرين وقال بجواز كشف الوجه؛ كالشيخ الألباني –رحمه الله- فإنه يرى أن تغطية المرأة لوجهها هو الأفضل.
    يقول الشيخ الألباني: " نلفت نظر النساء المؤمنات إلى أن كشف الوجه وإن كان جائزًا فستره أفضل"(30)
    ويقول: "فمن حجبهما –أي الوجه والكفين- أيضاً منهن؛ فذلك ما نستحبه وندعو إليه"(31)
    فتأمل قوله: "وندعو إليه" !
    فهل يليق بمسلم بعد هذا أن يدعو نساء المؤمنين اللواتي سترن وجوههن إلى كشفها؟! وإن كان يرى جواز ذلك؛ لأنه بهذا ينقلهن من الفاضل إلى المفضول.
    فكيف: وتغطية الوجه واجب لا مستحب –كما سبق- ؟!
    لهذا كان الأولى بالدكتور –إن كان يرى جواز كشف الوجه- أن يعمل به في خاصة أهله ولا يدعو إليه، وأن يسخر جهوده لدعوة المتبرجات إلى ستر ما أبدينه من أجسادهن وشعورهن باتفاق الطرفين!
    أسأل الله أن يجعلني والدكتور من الهداة المهتدين، غير الضالين ولا المضلين، وأن نكون مفاتيح خير مغاليق شر.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

    ---------------------
    [1] سورة آل عمران، الآية : 7
    [2] أخرجه البخاري (4547).
    [3] تفسير ابن كثير (1/353).
    [4] جريدة صوت الكويت بتاريخ 20/5/1411هـ، وانظر: "القصيبـي والمشروع العلماني" لمجموعة من الدعاة، ص 21.
    [5] إلا أنه بالغ –كعادته- في قوله: "يعج العالم الإسلامي بجماعات تحطم الأبواب (!) وتدخل المنازل عنوة بحجة منع الرذيلة والدفاع عن الفضيلة، من دون أن تجد من يعاتبها، فضلاً عمن يفقأ عيونها!" (ص37). وهذا من التشنيع على رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذين كان من حقهم على الدكتور أن ينافح عنهم ويشكر جهودهم في إقامة هذا الركن العظيم من الدين الذي هو سبب –بإذن الله- للفلاح ولحفظ الأمن واستقرار المجتمع. وما يحصل من بعضهم من أخطاء فإنها تعالج بالنصيحة وهذا ما يقوم به كبار العلماء لدينا –ولله الحمد-، انظر إن شئت شيئاً من نصائحهم لرجال الهيئة في كتاب "الستر على أهل المعاصي" للشيخ خالد الشايع –وفقه الله- (ص 185-195)، حيث أورد عدة توجيهات للشيخ ابن باز –رحمه الله- في هذا الموضوع.
    [6] ولهيئة كبار العلماء فتوى في هذا الموضوع أجازت فيها تنظيم النسل إذا كان ذلك لضرورة محققة. وكذا مثلها للمجمع الفقهي الإسلامي. انظر ذلك في كتاب: "تنظيم النسل وموقف الشريعة الإسلامية منه" للدكتور عبد الله الطريقي (ص 572-574).
    [7] لو تروى الدكتور لعلم أن كل رجل ذو عيال هو من "جماعة الجنابة" !، والدكتور لا شك منهم!
    فإن عبـت قومًا بـالذي فيـك  ***   فكيف يعيب الناس من هو أعور؟
    فليت الدكتور تنـزه عن هذا التنابز.
    [8]  إلا أن توافق الأدلة الشرعية نموذجهم فإنهم يوردونها تأييداً لموقفهم وإحراجاً لغيرهم، وإلا فإن الأصل هو نموذجهم. وصدق الله القائل عن مرضى القلوب (وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين، أفي قلوبهم مرض، أم ارتابوا، أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله).
    [9] والمتابع للساحة يعلم بأن كثيرًا ممن يدعي نصرة المرأة هو في حياته الخاصة متلبس بهذه الأمور التي يلمز بها الآخرين، فهذا تركي الحمد –تلميذ الدكتور غازي!- مثلاً: يدبج المقالات الكثيرة في مناصرة المرأة –كما يزعم- ثم تجد دور المرأة في رواياته –التي تصور واقع حياته!- يبدأ بالجنس وينتهي بالجنس!
           وللدكتور غازي نصيب من هذا أيضاً في روايته "شقة الحرية" أو في حديثه عن أميرة القلوب "ديانا"! أو في أشعاره الكثيرة (كما في: القصيـبـي والمشروع العلماني، ص 14،15،62،63،64).
           والله يقول: (ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئًا فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً).
    [10] انظر: "من واحد لعشرة" لمصطفى أمين، ص 119 وما بعدها.
    [11] نشره في مجلة اليمامة، العدد 684.
    [12] مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (4/204-205). وانظر:"القصيبـي والمشروع العلماني"، ص 77-78.
    [13] الموافقات (4/8-12).
    [14] كما في الرواية الأخرى للبخاري : "فتزوج بها عبادة بن الصامت، فخرج بها إلى الغزو". (فتح الباري 6/103، حديث 2894-2895).
    [15] حديث رقم 2875 . 
    [16] حديث رقم 2876.
    [17] أخرجه أحمد والحاكم بسند صحيح. (حراسة الفضيلة، للشيخ بكر أبو زيد، ص 77).
    [18] انظر النقول عنهم في رسالة: "الأحكام التي تخالف فيها المرأة الرجل" للشيخ سعد الحربي (ص 299-300).
    [19] المغني (9/163). 
    [20]  عمدة التفسير (3/157).
    [21]  سورة الأحزاب، الآية 34.
    [22]  ولاية المرأة في الفقه الإسلامي (ص 475-476)، وانظر: "المرأة بين الجاهلية والإسلام" لمحمد الناصر وخولة درويش.
    [23]  ذكريات الشيخ علي الطنطاوي (5/ 272-273).
    [24]  عمل المرأة في الميزان ( ص 193 – 197).
    [25]  الاعتصام (2/7)، وانظر: "دراسات في الأهواء والفرق والبدع" للشيخ ناصر العقل (ص 322-328).
    [26]  يقول الشيخ محمد بن إسماعيل في كتابه "عودة الحجاب" (1/80): "لقد بدأت حركة تحرير المرأة على أيدي المتفرنجين، فقلدهم بعض الخطباء الجهلة والكتاب الفسقة، ونشبت المعركة أول ما نشبت حول (كشف وجه المرأة) أي السفور، وأقام العلماء الناصحون الدنيا وأقعدوها ليحبطوا تلك الدعوة إلى السفور، لا لأنه الحكم الراجح في المسألة فحسب، ولكن لأنهم فطنوا لحقيقة الخطة المدمرة التي تستهدف القضاء على المرأة المسلمة..".
    [27]  فتح الباري (9/325-326).
    [28]  نيل الأوطار للشوكاني (6/114).
    [29]  أما ما ألفه علماء هذه البلاد فهو كثير ولله الحمد، ومن ذلك: "الصارم المشهور" للشيخ حمود التويجري  - رحمه الله- ، "المجلد السابع عشر من فتاوى اللجنة"، "رسالة الحجاب" للشيخ ابن عثيمين –رحمه الله-، "تنبيهات على أحكام تختص بالمؤمنات" للشيخ صالح الفوزان، "حراسة الفضيلة" للشيخ بكر أبو زيد –وهو من أهمها-، "زينة المرأة المسلمة" للشيخ عبد الله الفوزان، وغير ذلك من الكتب والرسائل.
    [30]  جلباب المرأة .. ، ص 28.
    [31]  السابق، ص 32.

     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    سليمان الخراشي
  • كتب ورسائل
  • رسائل وردود
  • مطويات دعوية
  • مـقــالات
  • اعترافات
  • حوارات
  • مختارات
  • ثقافة التلبيس
  • نسائيات
  • نظرات شرعية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية