صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • فوائد وفرائد
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    حينما تكون الهمة رجلاً

    محمد بن عدنان السمان


    الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين أما بعد ..
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد ...
    نعم هذا العنوان
    ( حينما تكون الهمة رجلاً ) أما الرجل فهو رجل بسيط ، كان يرعى الغنم في بادئ أمره ، همته وأعلى طموحاته شاة يقودها ، ومرعىً خصباً ترعى فيه ، كان يقيم هناك في بني أسلم بالقرب من المدينة النبوية ، كان يقيم مع والديه .
    سمع هو وغيره بقدوم رسول الله للمدينة ، سمع هو وغيره عن صدقه وأمانته ، سمع عن حب أصحابه له ، فما كان منه إلا أن ترك غنيماته وذهب ليرى هذا الرجل الذي سمع عنه .
    وهناك على مقربة منكم .. هناك في المدينة النبوية .. كانت النقلة الكبرى التي قدرها الله تعالى لهذا الرجل ، كانت النقلة التي غيرت صاحبنا رضي الله عنه ، قدم المدينة ورأى الرسول وآمن به وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .
    عاد راعي الغنم بعد ذلك إلى أهله ، عاد ولكنه لم يعد ، نعم لقد عاد بجسده ولم يعد بفكره ومشاعره لقد كان جسده في بني أسلم وقلبه في المدينة النبوية ، هذه المشاعر الإيمانية قادت صاحبنا رضي الله عنه للعودة للمدينة ، فبعد وقت غير طويل من اللقاء الأول مع رسول الله استأذن صاحبنا رضي الله عنه والديه ليسكن المدينة قرب الرسول .
    وصل المدينة ، وقابله النبي بالبشر الذي قابله به أول مرة ، وعرفه النبي فزاد فرح وسعادة صاحبنا رضي الله عنه ، فقره وقلة ما في يده جعله مع أهل الصفة ( قوم فقرء من أصحاب الرسول يسكنون خلف المسجد النبوي ، تأتيهم الصدقات من موسري الصحابة وكان يختصهم ببعض الأطعمة والأشربة ) .
    ثم جاءت النقلة الأخرى لهذا الصحابي الجليل رضي الله عنه ..إنها النقلة الحقيقية .. لقد قاده حبه للنبي لطلب عظيم لقد طلب أن يكون خادماً للنبي ، نعم فذو الهمة العالية رضي الله عنه كان خادماً ، لكنه خادماً لأعظم من وطأت رجله الثرى ، لأعظم البشر .
    لقد تشرف جمع من صحابة رسول الله بخدمته .
    لقد قادتهم تلك الخدمة المباركة للقرب من النبي ومعرفة جملة من أحواله وأخلاقه وسننه ، لقد انتفعوا رضوان الله عليهم من النبي علماً جماً ، ألم يكن خادمه الأول أنس بن مالك رضي الله عنه من أكثر الصحابة رواية للحديث .
    خدم ربيعة بن كعب بن مالك الأسلمي رضي الله عنه النبي وانتقل من رعي الغنم لخدمة أعظم البشر ، نعم فارسنا وصاحب الهمة العالية هو ربيعة الأسلمي رضي الله عنه .
    كانت مظاهر خدمة ربيعة رضي الله عنه متنوعة متعددة ولنتصور تلك المظاهر فلنستمع لربيعة رضي الله عنه يحكي ذلك :
    ( كنت أبيت مع رسول الله فأتيته بوضوئه وحاجته .. ) [ مسلم 1 / 353 ] .
    ( كنت اخدم رسول الله وأقوم له في حوائجه نهاري أجمع حتى يصلي رسول الله العشاء الآخرة فأجلس ببابه حتى إذا دخل بيته أقول لعلها تحدث لرسول الله حاجة ... حتى أمل فارجع أو تغلبني عيني فارقد .. ) [ أحمد 4 / 57 ] .
    هكذا كان يوم ربيعة رضي الله عنه وليلته وقفاً لله تعالى وخدمة لرسوله وسعياً في قضاء حوائجه ، حتى أنه رضي الله عنه يتلمس حاجات النبي يقضي حوائجه في النهار و يبيت الليالي عند باب بيت النبي .
    لقد استفاد ربيعة رضي الله عنه من هذه الملازمة للنبي فوائد جمة نجملها فيما يلي /
    أولها وأعظمها مكافأة النبي له ، فلما رأى رسول الله خدمة ربيعة رضي الله وعنه وخفته في ذلك ، قال ربيعة رضي الله عنه (فقال لي - يعني النبي - يوماً لما يرى من خفتي له وخدمتي إياه سلني يا ربيعة أعطك ) ، يالله إمام الأئمة ورسول البشرية وقائدها محمد بن عبدالله يحتفي بخادمه ويكافئه ويقدر له عمله وخدمته وتفانيه وهكذا فليكن القائد والمدير والأب وولي الأمر ورب الأسرة وصاحب الفضل ، وهكذا فلنكن مع أصحاب المعروف ، لم يكن ربيعة رضي الله عنه ينتظر المكافأة بل مكافأته هي التشرف بخدمة النبي .
    ( سلني يا ربيعة أعطك ) السائل محمد بن عبد الله رسول الله قائد الأمة صاحب الدعوة المستجابة ، والمسؤول ربيعة بن كعب رضي الله عنه رجل فقير عديم .. لا مال .. لا سكن ..لا زوجة .. لا دابة يركبها ، إنها أمنيات لكل أحد مال وفير وزوجة حسناء وسكن واسع ومركوب فاره ، وإن تعجبوا فاعجبوا من إجابة ربيعة رضي الله عنه ( فقلت أنظر في آمري يا رسول الله ثم أعلمك ذلك ) ترو وتأن وتعقل ، وهكذا ينبغي أن يكون ديدن المسلم فالتأني من الله العجلة من الشيطان كما ثبت ذلك عن رسول الله ، النظر في الأمر والتمعن فيه وخصوصاً عند الأمور المهمة مطلب يقود بإذن الله تعالى إلى نتائج مرضية ، ونعود إلى قصتنا .. ما سبب طلب ربيعة رضي الله عنه هذه المهلة ، اسمعوا قال ربيعة رضي الله عنه :
    ( ففكرت في نفسي فعرفت إن الدنيا منقطعة زائلة وان لي فيها رزقا سيكفيني ويأتيني قال فقلت أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لآخرتي فإنه من الله عز وجل بالمنزل الذي هو به )
    أعلمتم السبب .. فكر .. ودارت في ذهنه هموم الدنيا كلها ومطالبها لكنه عرف قيمتها ومنزلتها ( إن الدنيا منقطعة زائلة ) هذه حقيقتها منزلتها عند ربها لا تساوي عند الله جناح بعوضة هي مزرعة والحصاد هناك في الآخرة .. نعم في الآخرة .. لهذا قال ربيعة رضي الله عنه (فقلت أسأل رسول الله لآخرتي فإنه من الله عز وجل بالمنزل الذي هو به ) وصدق فرسول الله أعلى الخلق وأرفعهم مكانة وأشرفهم منزلة عند ربه .
    ( قال فجئت فقال ما فعلت يا ربيعة قال فقلت نعم يا رسول الله أسألك أن تشفع لي إلى ربك فيعتقني من النار قال فقال من أمرك بهذا يا ربيعة قال فقلت لا والله الذي بعثك بالحق ما أمرني به أحد ولكنك لما قلت سلني أعطك وكنت من الله بالمنزل الذي أنت به نظرت في آمري وعرفت إن الدنيا منقطعة وزائلة وان لي فيها رزقا سيأتيني فقلت اسأل رسول الله لآخرتي قال فصمت رسول الله طويلا ثم قال لي إني فاعل فأعني على نفسك بكثرة السجود ) هذه رواية الإمام أحمد رحمه الله ، أما رواية الإمام مسلم رحمه الله فقد جاءت على النحو التالي ( قال كنت أبيت مع رسول الله فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي سل فقلت أسألك مرافقتك في الجنة قال أو غير ذلك قلت هو ذاك قال فأعنى على نفسك بكثرة السجود ).. الله أكبر .. إن الهمم لتصغر أمام هذه الهمة الرفيعة لم يرد ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه الجنة فحسب بل أراد أعلى منزلة فيها لقد أراد رضي الله عنه مرافقة النبي ، لقد أراد رضي الله عنه شفاعة النبي ، لقد أراد رضي الله عنه العتق من النار .
    همة تناطح الجبال وعزيمة تريد أن تصل إلى المنال ، تفكير في محله رؤية ثاقبة وأمان عظيمة ، وثبات أيما ثبات يسأله النبي وربيعة يجيب - من أمرك بهذا يا ربيعة – هل أحد أملى عليك هذه الأماني ، هل أحد ذكرك بهذه الهمة ، ويعلنها ربيعة رضي الله عنه :- لا والله الذي بعثك بالحق ما أمرني به أحد ولكنك لما قلت سلني أعطك وكنت من الله بالمنزل الذي أنت به نظرت في آمري وعرفت إن الدنيا منقطعة وزائلة وان لي فيها رزقا سيأتيني فقلت اسأل رسول الله لآخرتي –
    جاء في رواية مسلم - أو غير ذلك قلت هو ذاك – ليس غير الجنة مبتغاً عند ربيعة رضي الله عنه فلتهنك الهمة أبا فراس .
    - صمت رسول الله طويلاً – ثم جاءت البشرى - إني فاعل – ويالها من بشرى لاتعدلها أي بشرى ، هل توقف النبي عند هذه البشرى لا فقد رغب ربيعة بعد أن بشره وكأنه يقول للأمة من أراد أن يسمو بنفسه وينل تلك المكانة العظيمة فليكن شعاره مقالة النبي لربيعة رضي الله عنه ( فأعني على نفسك بكثرة السجود ) .

    جاء هذا الحديث في صحيح مسلم في كتاب الصلاة – باب فضل السجود والحث عليه –
    أيها الأحبة في الله وقبل أن نكمل هذه الرحلة الماتعة مع صاحب رسول لعلنا نقف وقفة مع هذه العبادة العظيمة التي أرشد إليها النبي ربيعة رضي الله عنه أعني السجود وكثرته ، السجود لمن ؟ لله جل في علاه إنه السجود في الصلاة كما قرر ذلك أهل العلم .
    قال الإمام الشوكاني رحمه الله - تعليقاً على هذا الحديث - : وهو يدل على أن كثرة السجود مرغب فيها والمراد به السجود في الصلاة وسبب الحث عليه ما ورد في حديث أبي هريرة من أن أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد وهو موافق لقوله تعالى واسجد واقترب .
    قال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في تفسيره أضواء البيان ( أطلق السجود وأراد الصلاة لأن السجود أخص صفاتها ( واسجد واقترب ) ربط بين السجود والاقتراب من الله كما قال ( ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ) وقوله في وصف أصحابه رضي الله عنهم ( تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) فقوله ( يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) في معنى يتقربون إليه يبين قوله ( واسجد واقترب ) وهذا مما يدل لأول وهلة أن الصلاة أعظم قربة إلى الله .
    وقال الإمام النووي رحمه الله ( السجود غاية التواضع والعبودية لله تعالى وفيه تمكين أعز أعضاء الإنسان وأعلاها وهو وجهه من التراب الذي يداس ويمتهن ) .
    جاء عند الإمام البيهقي رحمه الله بسند صحيح عن أبي الدرداء رضي الله عنه لولا ثلاث لأحببت أن لا أبقى في الدنيا وضع وجهي للسجود لخالقي في الليل والنهار وظمأ الهواجر ومقاعد أقوام ينتقون الكلام كما تنتقى الفاكهة .
    ثم مسألة أخيرة في هذا الحديث وهي لماذا قال النبي لربيعة (فأعني على نفسك بكثرة السجود) ولم يكتفي بذكر الإكثار من السجود فحسب بأن يقول مثلاً فأكثر من السجود ، أو لعلنا نأتي بالسؤال بصيغة أخرى لماذا اختص النبي النفس بهذا المطلب السامي الذي طلبه ربيعة رضي الله عنه ، الجواب على هذه المسألة فصله شراح الحديث ولخصه الشيخ نور الدين السندي رحمه الله في حاشيته على سنن النسائي بقوله : ( فأعني على نفسك أي على تحصيل حاجة نفسك التي هي المرافقة والمراد تعظيم تلك الحاجة وأنها تحتاج إلى معاونة منك ومجرد السؤال مني لا يكفي فيها أو المعنى فوافقني بكثرة السجود قاهرا بها على نفسك وقيل أعني على قهر نفسك بكثرة السجود كأنه أشار إلى أن ما ذكرت لا يحصل الا بقهر نفسك التي هي أعدى عدوك فلا بد لك من قهر نفسك بصرفها عن الشهوات ولا بد لك أن تعاونني فيه وقيل معناه كن لي عونا في إصلاح نفسك واجعلها طاهرة مستحقة لما تطلب فإني أطلب إصلاح نفسك من الله تعالى وأطلب منك أيضا اصلاحها بكثرة السجود لله فإن السجود كاسر للنفس ومذل لها وأي نفس انكسرت وذلت استحقت الرحمة والله تعالى أعلم ) .
    هذه هي الفائدة الأولى والعظمى التي نالها ربيعة رضي الله عنه من ملازمة النبي ، ومن فوائد تلك الملازمة المباركة أيضاً روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم ونقله طرفاً من قيام النبي الليل والمتمثلة في الأحاديث التالية /
    فعن ربيعة بن كعب الأسلمى قال ( كنت أنام في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم فكنت أسمعه إذا قام من الليل يصلي يقول الحمد لله رب العالمين الهوى قال ثم يقول سبحان الله العظيم وبحمده الهوى )
    وعنه أيضاً رضي الله عنه ( قال كنت أبيت عند باب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطيه وضوءه فاسمعه بعد هوى من الليل يقول سمع الله لمن حمده واسمعه بعد هوى من الليل يقول الحمد لله رب العالمين ) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح وأخرجه أحمد والنسائي .
    الهويَ بفتح الهاء وكسر الواو ونصب الياء المشددة ، قال الطيبي رحمه الله ( الحين الطويل من الزمان )، وقيل مختص بالليل والتعريف هنا لاستغراق الحين الطويل بالذكر بحيث لا يفتر عنه .
    وروى الإمام أحمد في مسنده قول ربيعة رضي لله عنه ( كنت أخدم رسول الله وأقوم له في حوائجه نهاري أجمع حتى يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة فاجلس ببابه إذا دخل بيته أقول لعلها أن تحدث لرسول الله حاجة فما أزال اسمعه يقول رسول الله سبحان الله سبحان الله سبحان الله وبحمده .... ) الحديث .
    هذه هي حياة النبي في الليل صلاة وذكر وتقرب إلى الله تعالى كما روى ذلك ربيعة رضي الله عنه ، لقد كان النبي يقوم الليل حتى تتفطر قدماه تسأله زوجه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا .
    قال الله تعالى ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) وهي الشفاعة وكل عسى في القرآن فهي واجبة وقال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله وعسى من الله حق .
    هذه هي حال النبي في الليل وحال أصحابه رضوان الله عليهم شبيهة بحاله ، فما حالنا مع الليل وماهو أغلب المسلمين مع هذا الوقت الفاضل وقت النزول الإلهي حينما ينزل ربنا إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وعظمته حين يبقى ثلث الليل الأخير كما ثبت ذلك في الصحيحين فيقول هل من سائل فأعطيه هل من داع فأستجيب له هل من مستغفر فأغفر له ، نعم أيها الأحباب إن هذا الوقت المبارك.. فرصة للسائلين.. فرصة للداعين ..فرصة للمستغفرين ،فأين أصحاب الحاجات.. أين أصحاب الكربات..أين أصحاب الهموم ..أين أصحاب الغموم .. أين الذين يسألون العباد وينسون رب العباد .. إن هذا الوقت المبارك يدعو النائمين يدعو الغافلين يدعو اللاهين ربكم الغني عنكم يدعوكم لسؤاله يدعوكم لدعائه يدعوكم لاستغفاره فهل أنتم مجيبون .

    وعودة إلى رحلتنا الماتعة مع ربيعة رضي الله عنه فقد كان ربيعة رضي الله عنه ملازماً للنبي ، كما أنه رضي الله عنه كان يغزو مع النبي ، جاء عند الحاكم رحمه الله (ولم يزل ربيعة بن كعب يلزم النبي بالمدينة ويغزو معه ) .
    بقي ربيعة رضي الله عنه ملازماً للنبي لايريد أن يشغله أحد عن هذا الشرف العظيم ، حتى أنه رضي الله عنه لم يفكر أن يتزوج لنفس هذا السبب ، لكن رسول الله فطن لهذا الأمر واهتم له ، ودعونا نستمع إلى قصة زواج ربيعة رضي الله فهي قصة عجيبة فيها أحداث كثيرة وفوائد ولعلنا نسوق القصة أولاً ثم تكون الدروس والعبر فلنستمع إليها كما يرويها ربيعة رضي الله عنه.
    روى الإمام أحمد في مسنده وغيره عن ربيعة الأسلمي رضي الله عنه قال كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ربيعة ألا تزوج قال قلت والله يا رسول الله ما أريد أن أتزوج ما عندي ما يقيم المرأة وما أحب ان يشغلنى عنك شيء فأعرض عنى فخدمته ما خدمته ثم قال لي الثانية يا ربيعة ألا تزوج فقلت ما أريد أن أتزوج ما عندي ما يقيم المرأة وما أحب أن يشغلني عنك شيء فأعرض عني ثم رجعت إلى نفسي فقلت والله لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما يصلحنى في الدنيا والآخرة أعلم منى والله لئن قال تزوج لأقولن نعم يا رسول الله مرني بما شئت قال فقال يا ربيعة ألا تزوج فقلت بلى مرني بما شئت قال انطلق إلى آل فلان حي من الأنصار وكان فيهم تراخ عن النبي صلى الله عليه وسلم فقل لهم إن رسول الله أرسلني إليكم يأمركم ان تزوجوني فلانة لامرأة منهم فذهبت فقلت لهم ان رسول الله أرسلني إليكم يأمركم أن تزوجوني فلانة فقالوا مرحبا برسول الله وبرسول رسول الله والله لا يرجع رسول رسول الله إلا بحاجته فزوجوني وألطفوني وما سألوني البينة فرجعت إلى رسول الله حزينا فقال لي مالك يا ربيعة فقلت يا رسول الله أتيت قوما كراما فزوجوني وأكرموني وألطفوني وما سألوني بينة وليس عندي صداق فقال رسول الله يا بريدة الأسلمي اجمعوا له وزن نواه من ذهب قال فجمعوا لي وزن نواة من ذهب فأخذت ما جمعوا لي فأتيت به النبي فقال اذهب بهذا إليهم فقل هذا صداقها فأتيتهم فقلت هذا صداقها فرضوه وقبلوه وقالوا كثير طيب قال ثم رجعت إلى النبي حزينا فقال يا ربيعة مالك حزين فقلت يا رسول الله ما رأيت قوما أكرم منهم رضوا بما أتيتهم وأحسنوا وقالوا كثيرا طيبا وليس عندي ما أولم قال يا بريدة اجمعوا له شاة قال فجمعوا لي كبشا عظيما سمينا فقال لي رسول الله اذهب إلى عائشة فقل لها فلتبعث بالمكتل الذي فيه الطعام قال فأتيتها فقلت لها ما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت هذا المكتل فيه تسع أصع شعير لا والله ان أصبح لنا طعام غيره خذه فآخذته فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته بما قالت عائشة فقال اذهب بهذا إليهم فقل ليصبح هذا عندكم خبزا فذهبت إليهم وذهبت بالكبش ومعي أناس من أسلم فقال ليصبح هذا عندكم خبزا وهذا طبيخا فقالوا أما الخبز فسنكفيكموه وأما الكبش فاكفونا أنتم فأخذنا الكبش أنا وأناس من أسلم فذبحناه وسلخناه وطبخناه فأصبح عندنا خبز ولحم فأولمت ودعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    هذه القصة أما الدروس والعبر منها فكثيرة ، نجملها فيما يلي /
    حرص النبي على أصحابه وتلمس احتياجاتهم ، ومامنعت النبي مكانته عند ربه اهتمامه بخدمه والفقراء من أصحابه رضوان الله عليهم ، وفي هذا ضرب من التواضع بديع ، وتعليم للأمة على اهتمام المسؤول برعيته .
    محبة ربيعة رضي الله عنه للنبي ، وهكذا كان ديدن الصحابة رضوان الله عليهم ، فلم يرد رضي الله عنه أن يشغله أحد عن هذه المحبة وتلك الملازمة .
    تبين من القصة أيضاً ماقررناه سابقاً من رجاحة عقل ربيعة رضي الله وتفكيره الصائب يتضح ذلك جلياً من قوله رضي الله عنه ( ثم رجعت إلى نفسي فقلت والله لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما يصلحنى في الدنيا والآخرة أعلم مني لئن قال تزوج لأقولن نعم يا رسول الله مرني بما شئت ) .
    وفي فعل الأنصار رضي الله عنهم وإكرامهم لربيعة وسمعهم لرسول الله منقبة عظيمة ، تضاف إلى مناقبهم رضي الله عنهم كيف وقد زكاهم الله من فوق سبع سنوات ألم تسمعوا إلى قول الله جل في علاه ( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون فى صدورهم حاجة ممآ أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) لقد بوب البخاري في صحيحه باب مناقب الأنصار وذكر الآية الماضية ، ويكفي الأنصار رضي الله عنهم شرفاً مارواه الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أو قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم لو أن الأنصار سلكوا واديا أو شعبا لسلكت في وادي الأنصار ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار فقال أبو هريرة ما ظلم بأبي وأمي آووه ونصروه أو كلمة أخرى .
    ثم من فوائد قصة زواج ربيعة رضي الله عنه مثلت القصة صورة من تكامل المجتمع المسلم وتعاونه أريتم كيف جمعوا له المهر والوليمة ، اجتمعوا وكانوا متمثلين للتشبيه الذي أراده النبي بالبنيان المرصوص ، أيه المسلمون إن علاقة المسلم بأخيه المسلم متينة قوية يشاركه في أفراحه وأتراحه أنظروا إلى ديننا العظيم كيف يجعل أجراً عظيماً لأعمال في هذا المقام خذوا على سبيل المثال لا الحصر الهدية – عيادة المريض – اتباع الجنازة –تفريج الكربة - الابتسامة – السلام – حق الجار - وغيرها كل تلك المعاملات بل العبادات تصب في هذا المصب العذب ، إذا استشعرنا تلك المعاني في حياتنا ومعاملاتنا أوجدنا مجتمعاً مثالياً متماسكاً متعاوناً .
    ثم أخيراً شرف هذا الزواج بدعوة الرسول الذي كان أول ساهم في هذا الزواج ، الذي كان نتاجه فيما بعد ولداً لربيعة سماه فراساً .
    أتذكرون مابدأنا به حديثنا من مكافأة النبي لربيعة رضي الله عنه وقوله له سلني أعطك وتفكير ربيعة رضي الله عنه وتمعنه في الأمر وقوله ( إن الدنيا منقطعة وزائلة وان لي فيها رزقا سيأتيني ) رزقاً سيأتيني ، وبعد أعوام من حياة الفاقة والفقر قدر لربيعة رضي الله عنه أن يرزقه الله ، وأعطاه النبي أرضاً ، ومنح أرضاَ أخرى بجوار تلك الأرض لأبي بكر الصديق رضي الله عنه ثم حدثت قصة ندع لربيعة رضي الله عنه روايتها لنا فقد روى الحاكم في مستدركه وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه عن ربيعة رضي الله عنه قوله (وأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا وأعطى أبا بكر أرضا فاختلفنا في عذق نخلة قال وجاءت الدنيا فقال أبو بكر هذه في حدي فقلت لا بل هي في حدي قال فقال لي أبو بكر كلمة كرهتها وندم عليها قال فقال لي يا ربيعة قل لي مثل ما قلت لك حتى تكون قصاصا قال فقلت لا والله ما أنا بقائل لك إلا خيرا قال والله لتقولن لي كما قلت لك حتى تكون قصاصا وإلا استعديت عليك برسول الله صلى الله عليه وسلم قال فقلت لا والله ما أنا بقائل لك إلا خير قال فرفض أبو بكر الأرض وأتى النبي صلى الله عليه وسلم جعلت أتلوه فقال أناس من أسلم يرحم الله أبا بكر هو الذي قال ما قال ويستعدي عليك قال فقلت أتدرون من هذا هذا أبو بكر هذا ثاني اثنين هذا ذو شيبة المسلمين إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيغضب لغضبه فيغضب الله لغضبهما فيهلك ربيعة قال فرجعوا عني وانطلقت أتلوه حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقص عليه الذي كان قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ربيعة ما لك والصديق قال فقلت مثل ما قال كان كذا وكذا فقال لي قل مثل ما قال لك فأبيت أن أقول له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل فلا تقل له مثل ما قال لك ولكن قل يغفر الله لك يا أبا بكر قال فولى أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو يبكي ) .
    إن هذه القصة العجيبة التي نقلتها لنا كتب السنة تحمل في طياتها جملة من الدروس والعبر ، ولاأدري بأيها أبدأ ، هل أبدأ برسول وكيف سمع من أبي بكر وربيعة رضي الله عنهما وكيف جعلهما يتجاوزا هذه المرحلة ، أم بالنفس الكبيرة للصديق رضي الله عنه ، أم أتحدث عن ربيعة رضي الله عنه وتوقيره للصديق رضي الله عنه .
    إن المحور الذي تدور عليه هذه القصة هو مادار بين الصحابيين الكريمين ونظرتهما لذلك العذق الذي سبب اختلافاً يسيراً بينهما ، لقد قال ربيعة رضي الله عنه أن السبب في انتاج هذا الأمر
    ( وجاءت الدنيا ) يعني أن السبب الرئيس كان الإلتفات لهذه الدنيا وزهرتها ، وكأنه رضي الله عنه يقول لنا إن حقيقة الدنيا لاتدع لمثل هذا الخلاف والنزاع ، كأنه يقول لنا لماذا الاختلاف والتنازع والتقاطع بين الخلان والإخوان من أجل مال أو أرض أو ميراث ، كأنه يقول لنا إلى متى تشغلنا هذه الدنيا عن أهدافنا السامية علاقاتنا فيما بيننا .
    ثم يلفت رضي الله عنه لفتة أخرى توجها رضي الله عنه بعدل مطلق حينما قال عن أبي بكر رضي الله عنه ( فقال لي أبو بكر كلمة كرهتها وندم ) ، حاولت أن أعرف هذه الكلمة التي قالها أبو بكر رضي الله عنه فيما ورد من روايات لهذا الحديث لكنني لم أتوصل إليها مع يقيني الكبير أن هذه الكلمة لاتعدوا أن تكون سبق لسان تداركه الصديق رضي الله عنه بندمه على ماقال – وفي هذا عبرة وأي عبرة فحتى لو أخطأ الأكابر فالعودة إلى الحق تكاد أن تكون أسرع من الخطأ – طلب أبو بكر رضي الله عنه من ربيعة رضي الله عنه أن يرد له تلك الكلمة ليقتص الصديق رضي الله عنه من نفسه ، وفي موقف كبير ونفس سامية للمتربي في مدرسة النبوة تسمو عن مبدالة الكلمة المكروهة بمثلها ليقول ربيعة رضي الله عنه (لا والله ما أنا بقائل لك إلا خيرا ) وكأن ربيعة رضي الله عنه مرة أخرى يذكرنا بحقيقة أخرى فكأنه يقول بادل السيئة بالحسنة وكأنه يقول لاتدع للشيطان مدخلاً عليك في تعاملك مع إخوانك وخلانك ، وكأنه يقول لاتقل بلسانك إلا خيراً ، وكأنه يهمس في أذن من اتخذ من لسانه أداة للسب أو الشتم أو السخرية أو الغيبة أو الكذب لاتفعل .. لاتفعل فهذا ليس من الخير في شيء .
    لكن أبا بكر رضي الله عنه وقد أثرت عليه الكلمة التي قالها ، عندما لم يلبي ربيعة رضي الله عنه طلبه ذهب إلى النبي ليرشده في أمره وتبعه ربيعة رضي الله عنه وفي الطريق أراد قوم ربيعة رضي الله عنه أن يردوه عن اتباع أبي بكر رضي الله عنه وكأنهم يقولون له أنك أنت المخطأ عليك ومعك الحق فلماذا تذهب خلفه ، وتأتي الإجابة الكبيرة في مبناها ومعناها من ربيعة رضي الله عنه ( أتدرون من هذا هذا أبو بكر هذا ثاني اثنين هذا ذو شيبة المسلمين إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيغضب لغضبه فيغضب الله لغضبهما فيهلك ربيعة ) إنه سمو في القول والفعل ... سمو في الأخلاق والتعامل .. سمو في الإحترام والتوقير .. فلله درك ورضي الله عنك حين تعطي للأمة درساً في إنزال الناس منازلهم ، لله درك ورضي الله عنك حين تعرف لأهل الفضل فضلهم ، لله درك ورضي الله عنك حين توقر الصديق رضي الله عنه وتحترمه .
    والتقى الصحابيان رضي الله عنهما عند رسول الله واستمع لهما وأرشد ربيعة لما هو خير من رد الكلمة التي قال أبو بكر رضي الله عنه ، وأيده على عدم الرد بالمثل وقال له قل يغفر الله لك ياأبا بكر ) .
    تلك النفس الكبيرة نفس أبي بكر رضي الله عنه التي تخشى الله وتتقه فسبقت عبراته عبارته وولى وهو يبكي رضي الله عنه وأرضاه .
    وبعد هذه القصة المؤثرة ننتقل من المدينة النبوية ونعود إلى بئر بلاد أسلم حيث عاد ربيعة رضي الله عنه إلى مسقط رأسه بعد وفاة النبي فلم يستطع أن يجلس في المدينة بعد مفارقته لحبيبه ، كان يتردد ويصلي في مسجدها المبارك ، ويتذكر النبي ويبكي رضي الله عنه ويبكي من حوله .
    حتى جاء عام ثلاثة وستين للهجرة المسمى بعام الحرة وفي نهاية هذا العام توفي ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه .

    كتبه
    محمد بن عدنان السمان
    خطيب جامع الجهيمي بالرياض
    [email protected]
     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    منوعات الفوائد

  • منوعات الفوائد
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية