صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    جدي

    د.عادل بن أحمد با ناعمة


    بسم الله الرحمن الرحيم


    لا أدري إن كنتُ سأسامحُ نفسي أم لا !
    ذلك أني سوَّفتُ وتأخرتُ حتى تحوَّلتِ القصيدةُ التي نظمتُ مطلعها منذُ شهورٍ طوالٍ وكنتُ أريد أن أَسُرَّ بها جَدِّي رحمه الله إلى مشروع قصيدة رثاء !
    نعم .. فلا مجال بعد وفاتِهِ رحمه الله إلا للرثاءِ المتفجِّعِ الذي يذكرُ المحاسنَ على جهةِ الحزن لفقدِها، لا على جهةِ السرورِ بوجودِها، فلله كم هو بغيضٌ هذا التسويف!

    رحمكَ الله ياجدّي .. ورحمَ أيامك اللائي كُنَّ زينةَ الأيام .

    أما والله لقد أوتيتَ خلالاً وخصالاً قلّما اجتمعنَ في شخصٍ كما اجتمعن فيك .
    وأوتيتَ حُبّاً نادراً أطبق عليه الناسُ من عرفك ومن لم يعرفك حتى ليصدُقُ فيك قول القائل :
    ياسيدي ياكتاباً .. من كل قلبٍ تألَّفْ !
    نعم لقد كنتَ كتاباً فريداً تألفَ من قلوب الناسِ التي انطوى كل واحدٍ منها على حكايةِ جميلٍ، أو موقفِ عرفانٍ، أو شاهد فضل وإحسانٍ.
    كنتَ ياجدي كما قال القائلُ :

    من الرجال المصابيحِ الذين همو ... كأنهم من نجومٍ حيَّةٍ صُنِعوا
    أخلاقهم نورهم من أي ناحية ... أقبلتَ تنظرُ في أخلاقهم سطعوا

    ولكأنّي بالآلاف التي احتشدتْ يوم دفنكَ تردِّدُ :

    ودِّعا أيها الحَفِيَّانِ ذاك الشـ... ـخصَ إنّ الوداعَ أيسرُ زادِ
    واغسلاه بالدمع إن كان طُهْراً .. وادفناه بين الحشا والفؤادِ

    عَذَرْتُ في البكاءِ عليك قريباً كنتَ بفضل الله سَنَدَه، وضعيفاً كنتَ بعد الله عضُدَه، وفقيراً كنتَ بعونِ الله مدَده، وغريباً كنتَ أحنى عليه ممّن وَلَدَه.
    عذرتُ في البكاء عليك سجيناً بريئاً رفعتَ عنه الظُّلم، ومديناً معوزاً حملتَ عنه الغُرم، ومريضاً جاءه سَعْيُك بالعافية والغُنم .
    كذلكَ كنتَ ..
    واليومَ وقد رحلتَ لا نملكُ إلا عزاءَ الذِّكرى، وسَلْوةَ حسن الظنِّ في حُسن عاقبتك، وحميدِ ذِكرك، وجميل أثرك.
    ولا نملك إلا أن نحدِّثَ الناسَ بما كنتَ عليه موعظةً وادِّكاراً، واعتزازاً وافتخاراً، (وأما بنعمةِ ربك فحدث)..
    لقد كان جدّي الشيخ عمر رحمه الله مدرسةً حيَّةً، يقبسُ منها القريب والبعيد.
    وعلى أنِّي لم أكنْ ألصقَ أحفادِهِ به بحُكم السُّكْنى إلا أنِّي مع ذلك قبستُ منه الكثيرَ وتعلمتُ منه الكثير، وقرأت وسمعتُ عنه الكثير أيضاً.
    تعلمتُ منه رحمه الله الحرص على العبادةِ، والتعلُّق بها، فقد كان الشيخ رحمه الله أحرص الناس على صلاة الجماعة، ورغم أن المسافة من بيته للمسجد بعيدة تحتاج إلى سيارةٍ إلا أنّني لا أعلمُ ولا يعلمُ الناس أنّه فوّتَ مكانه من الصف الأول إلا أن يكون مسافراً أو في غير بيته، وحتّى عندما كَبِرَ وعجَزَ عن المشي كان يذهبُ إلى المسجد بالكرسيِّ المتحرك يدفعُهُ أحد أبنائه أو أحفادِهِ أو حارس البيت، ولايفارق الصفَّ الأول، ولم ينقطع عن ذلك إلا في آخر أيّامه حين باتت حركتُهُ صعبةً جداً.
    ومازلتُ أذكرُ أننا حين نكون في بيتِهِ ويحين وقتُ الصلاة فلا بدّ من الخروج مع الأذان أو بعده قليل لندرك الصف الأول والنوافل.
    سافرتُ معه إلى الكويتِ أيامَ كنتُ في الثانويّةِ وكان هو في أوائل السبعين من عمرِهِ، فلاحظتُ أنَّه لم يكن يدعُ وتره من الليل ولا ورده القرآني الذي تعود قراءته بعد صلاة الفجر وأذكارِ الصباح. ونذكر نحن أبناءَه وأهليه أنه كان من أحرص الناس على صيام الاثنين والخميس.
    وقبل أربعين سنةً حين لم تكنِ المساجدُ في جُدَّة تضجُّ بالتراويح كان يجمعُ أبناءه وبناتِهِ ويؤمُّ بهم في سطح الدار!
    تعلمتُ من جدي كيف يكون الأب أباً، في نصحِهِ، وتوجيهه،وحبِّه، ومن تابعَ منكم تغريداتِ أحفادِهِ وحفيداتِهِ في (الوَسْمِ (الهاشتاق) الخاصِّ به #obadhdh) رأى عجباً من ذكرياتِ الأحفادِ معه، وفرحهم به، وحبهم له، وتعلقهم بذكراه، ومن قرأ ما نشره وما سينشره أبناؤه وبناتُهُ رأى عجباً من المواقف التربوية.
    ومازلتُ أذكر أنني لما تصدَّرتُ للخطابة المنتظمةِ أولَ مرة وذلك عام 1416هـ في جامع الفاتح كان الجدُّ وقتها في السابعة والسبعين من عمره، ومع ذلك فقد أصرّ على شهود الخطبة في مسجدي، تشجيعاً لحفيده وتسديداً له.
    وسأشير هنا إلى وثيقةٍ نادرةٍ وقفتُ عليها، كُتِبت في 19/6/1391هـ وهي رسالةٌ خطيةٌ من جدِّي لوالدتي حفظها الله قُبيل زواجها بأيام، كتب في أولها: " ابنتي الغالية عائشة .. تحية طيبة تفوح بوداعي لك لثمانية عشر عاماً عشتيها بيننا كطفلة وتلميذةٍ كنتِ خلالها موضع رضائي عليك".
    وذكر فيها والدي متّع الله به فقال: " بعد أن تحقَّق لكِ ما تنتظره كل مخلوقة ويتمناه لها أبواها زوجاً صالحاً عادلاً مع نفسه وأهله وأقربائه وبني جنسه، مؤمنا بربه، مطبقاً لأوامره، مجتنباً لنواهيه قولاً وعملاً وهذا مانظنه في زوجك".
    وانظر رعاك الله إلى نصائح هذا الرجل الصالح لابنتِهِ المقبلة على الزواج :
    "أوصيك بتقوى الله والسمع والطاعة لزوجك فيما يُرضي الله خاصةً المحافظة على الصلوات الخمس في حينها".
    "تذكري دائماً الجهد المضني الذي بذلتِهِ طوال 12 عاماً تدرسين، واستثمري ماعرفتِهِ قدر الإمكان بتلاوة ماتيسر من كتاب الله يومياً، وبقراءة الكتب في الدين والأدب والتاريخ وشتى العلوم المفيدة، وما لم يكن الأمر كذلك فإن ما بذلتِهِ من عناء وسهر أثناء الدراسة سيصبح صفراً على الشمال".
    "ولا أريد أن تأخذي لذلك من وقت زوجك وإصلاح شأن بيتك، كلا، وإنما الذي أريده أن تهتبلي أيّ فرصة تتاح لك، وأن تحاولي إيجادها دوماً دون التأثير على واجبات زوجك وبيتك"
    "دعواتي لكما عائشة وأحمد بأن يكون الحبُّ رائدكما والوفاق من شأنكما، وحسن التفاهم غايتكما، والاحترام المتبادل مرجعكما، وبذلك تعيشان كنفسٍ واحدةٍ".
    "خاصةً إذا تمسكتما بكتاب الله وسنة رسوله إذ لانجاة من عذابه إلا بالتمسك"
    هذه نصيحةُ الرجل الذي ما تعلَّم الكتابة والقراءة إلا على كبر! لابنتِهِ خريجة الثانوية المقبلة على الزواج، قبل نحو أربعين سنة من الآن!
    وأنا أشهدُ والله أني وجدتُ أثر هذه النصائح في والدتي متّع الله بها، فما عرفتُها مذْ وعيتُ إلا وهي تقوم الليل، وكتاب الله بين يديها، وكراريسُها التي خطتْ بيدها فيها ملخصاتٍ لبعض الكتب والمحاضراتِ على مرِّ السنين ماتزال عندنا إلى اليوم، وماتزال حفظها الله حتى هذه الساعة تسمع وتقرأ وتلخص وتلقي الدروس والمواعظ بحسب ماييسر الله لها من وقتٍ ومعرفةٍ.
    وقد ورثتْ عنه حب الخير، ومساعدة المساكين، والحنوَّ على الفقراء، فلذلك يتحوَّلُ بيتنا عشية فاتحةِ رمضان إلى (ورشة عملٍ) لتوزيع الأرزاق! وتتحوَّلُ أدراجُ غرفتها متّع الله بها إلى (كَوْمٍ من الظروفِ) التي كُتِب على كل منها اسمُ المستحقِّ والمحتاجِ الذي ستُساقُ إليه!
    متّع الله بها وغفر تقصيري في حقها.
    تعلمتُ من جدّي الحرصَ على الواجباتِ الاجتماعيّةِ، فقد كان لا يدعُ حادثة فرحٍ ولا حزنٍ تمرُّ بأحدٍ ممن يعرفُ أو ممن له به صلةٌ إلا وبادر بالتهنئة أو التعزية ومدِّ يد العون، وقد رأيناه بعد أن لزمَ الكرسيَّ وتعذَّر عليه المشيُ وهو لايتخلف عن عزاءٍ ولا عرسٍ ولا مناسبةٍ كُبرى ولا شيء من هذه الواجباتِ التي قد يتأخرُ عنها من هو أصغر سناً وأصحُّ بدناً.
    تعلمتُ منه أن تعيش لغيرك قبل أن تعيش لنفسك، فقد كان باذلاً نفسه ووقته وجاهه وماله للناس، تحوَّلُ مكتبُهُ من مكتبٍ يُديرُ أعماله التجارية إلى مكتب خيريّ للمساعدات يكتظُّ الناس حوله، وأصبحَ معلماً من معالم ( الكندرة ) لا يكادُ يجهله فقيرٌ ولا محتاجٌ، وعلى الرغم من أنّه رحمه الله لم يكن من كبار التجّار إلا أنه كان موضع ثقة كبارِهِم فكانوا يأمنون على زكواتِهم وصدقاتهم إذا أعطوه إياها.
    أذكرُ ذاتَ يوم أني كنتُ خارجاً من بيتِ جدِّي فلقيتُ رجلاً من كبار التجّار فقال لي: الشيخ عمر موجود؟ قلتُ : نعم، قال: أعطِهِ هذا الشيك وقل له: هو من صدقاتِ فلانٍ، وانصرَف.
    وهكذا يأتي التاجر الكبير بنفسه لمنزل الشيخ عمر ليسلمه زكاته أو صدقته !!
    وأذكرُ أن رجلاً من المعارف ماتَ وعليه دينٌ كبيرٌ، وتعب أبناؤه في السداد، وبقي منه ما يقارب 800 ألف ريال، فتوسط الشيخُ رحمه الله في الموضوع حتى تكفّل به أحد التجار.
    ولقد كتبتُ شخصياً عشراتِ الخطابات له رحمه الله شافعاً لمحتاجين ومساكين فكان يقضي بفضل الله حوائجهم، وأنا إنّما أدركتُ أواخر أيام نشاطِهِ رحمه الله، ولو روى أبناؤه ماعاشوه في هذا الباب لرووا عجباً.
    وماكان رحمه الله يبذلُ المال فحسب، بل كان يحملُ همَّ صاحب الحاجةِ حتى كأنّها حاجتُهُ هو، سلوا أصحاب الحوائج الذين قصدوه كم مرة خرج معهم إلى مسؤول؟ وكم مرة مشى معهم إلى تاجر أو وجيه؟ وكم مرة وجدوه أحرص منهم على إنجازِ أمورهم؟
    وأين تجدُ اليوم شيخاً في الستين من عمره يتوكأ على عصاه، ثم هو يقضي سحابة نهاره يتنقّل بين الدوائر الحكومية يستنجزُ معاملةَ ضعيف مسكين لعله لا يعرفه حق المعرفة!
    وأين تجدُ اليوم رجلاً يبيتُ ليلة العيد في السجنِ يجادلُ الدائنين عن المدينين، ويبذل المال والجاه، ليشهد المساجينُ العيد بين أهليهم وذويهم؟
    وقد كتب الشيخ العلامة عبدالله الناخبيّ رحمه الله الذي توفي عن مئةٍ عام كتب مخطوطاً سماه سيرة إنسان .. حكى فيه بعض تجاربه مع الشيخ رحمه الله, وفيه فعلاً حكاياتُ إنسان!
    وأنتخبُ لكم عباراتٍ من هذه الشهادة التاريخية للشيخ الناخبي رحمه الله :
    " فكثير من المنازعات بين أفراد أو جماعات يرتضون رفع قضيتهم إليه لما عرف عنه أنه لا يحابي أحداً ولو كان من أقاربه وأكثر المنازعات تحل على يديه وفي الأوساط التجارية له المكان المرموق فإذا تدخل في مشكلة حلها وحله هو الفصل والمرضي لدى الطرفين ".
    " كم تراه يقطع الشوارع بسيارته وتارة على قدميه من مكتب إلى مكتب ومن مصلحة إلى مصلحة خدمة للغير لمن يعرف ولمن لا يعرف، هذا يطلب إقامة، وهذا يطلب مساعدة، وذاك يطلب العلاج، وذاك يطلب فيزا، وآخر يطلب كفالة".
    " كنت معه في مكتبه التاسعة صباحاً فقال قم معي للتمشية وركبنا السيارة واتجهت إلى الميناء فاتجه إلى مكتب، واتجهت أنا إلى مشاهدة الوسائل الحديثة والمباني الجديدة واتساع رقعة الميناء إذ يمثل مدينة بكل مقوماتها، وصاحبنا قد زار عدة مكاتب، ثم عاودنا السير في قلب المدينة، ومن مصلحة إلى مصلحة، وانتهى بنا التجوال إلى باب السجن فدخل هو وبقيت في الانتظار في ظل الجدار والساعة الثانية بعد الظهر، وبعد نصف ساعة خرج ومعه سجين يحمل بطانيته على عاتقه، وتوقفت السيارة أمام عمارة يسكن بها قريب للسجين، فأعطاه الملف وأفهمه بما يلزم لنهاية الموضوع، ثم انصرفنا إلى المنزل الذي أسكُنُه، وفي الساعة 3:30 اتجه إلى منزله".
    "وقد سمعت أن شاباً سجن في الرياض بدون مبرر وعندما علم بادحدح بالخبر وتأكد من صحّته سافر إلى الرياض، وتأكد من أشخاص هناك من براءة هذا الشاب من تهمة حرق منزل الشخص الذي سجنه، وهو موظف عنده، وبحكم مركزه نسب إليه أمر الحريق ثم سجنه بدون تحقيق دقيق، وقدَّم بادحدح دعوى في المحكمة أسفرت عن براءة الشاب والحكم بإعطائه كل حقوقه إضافةً إلى تعويض شرف، وأتى به إلى جدة وأشار عليه بفتح دكان وتم ذلك".
    تعلمتُ من جدي الإيجابية، والجرأة في الإصلاح، واستشعار المسؤولية، والاهتمام بالشأنِ العام، وقد وقفت يوماً على ملفٍ يجمع عدداً من مخاطباته ومكاتباته فوجدتُ عشراتِ الخطابات لكبار المسؤولين في المملكةِ من الأمراء والوزراء كلُّها في بيانِ رأي، أو اقتراح أمر فيه مصلحةٌ للبلد، أو إبداء مشورةٍ تخفف عن المواطنين والمقيمين شيئاً من أعبائهم، أو تنبيه على مايراه خطأً لايحسُنُ.
    وهي خطابات تنضح بالجرأة والصدعِ بالحقِّ، مع ما يقتضيه المقامُ من احترام وإجلالٍ.
    ومن مواقفه المشهودة موقفه من السفارة البريطانية في جدة حين كانتْ هي مرجعَ جوازات الحضارمة، وكان فيها موظفٌ سيءُ الصيتِ، يضيِّعُ المعاملات، ويسيء للمراجعين، فكتب جدي رحمه الله عرائض ومذكرات، وحين لم تجد نفعاً اتّجه إلى حكومة المكلا وحكومة لندن وأزاح الستار عن هذه المعاملات حتى تمَّ فصل الموظف المذكور، ثم اقترح أن ترسل حكومة المكلا موظفاً متخصصاً ليتولى أمر الجوازاتِ بعيداً عن السفارة البريطانية ووعد بتولي كافة التسهيلات لدى الحكومة السعودية، فتمّ له ما أراد، وتنفس الحضارم الصعداء.
    ومن مواقفه العجيبة التي انتصر فيها لأبناء جلدتِهِ بالحقِّ أنّه في إحدى زوراته لحضرموت اكتشف أن شركة الطيران ( عدن إيروس البريطانية ) تأخذ على كل حضرميّ مائتي شلنق فوق التذكرة بدون إيصال!! فثارت ثائرته وطلب بياناً من الشركة حول المائتين ووجه أخذها، فلم يصله جواب، فتحرك إلى بعض أعضاء مجلس الدولة وأثار الموضوع واضطر مجلس الدولة للانعقاد، واتصل برئيس الشركة في لندن حتى اضطر للمجيءِ والتحقيق، وفي النهاية رُفعتِ المئتان عن الناسِ.
    وقد تجاوزَ اهتمامُهُ رحمه الله حدود الجزيرة التي تضمُّ مسقطَ رأسه ( حضرموت )، ومرباه (الحجاز) تجاوز هذه الحدود ليحمل همَّ الأمة المسلمة في كل مكان.
    ولا مجال هنا لأن أبسطَ القول في دوره في تأسيس هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية بالمملكة، والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية بالكويت، ولجنة مساعدة السجناء والمعسرين، ومشروع القرى النموذجية للاجئين الفلسطينيين في الأردن، وغير ذلك، فمحلُّ هذا الكتابُ الوثائقيّ الذي يقوم عليه ابنه فضيلة الشيخ الدكتور علي .
    وإنَّ رجلاً تنعاه حركةُ حماس، واتحاد العلماء المسلمين، ومنظمة النصرة، والعديد من المؤسسات والمنظمات الدولية لهو رجلٌ باسطُ اليدِ في الإصلاح والبذل والعطاء.
    تعلمتُ من جدي الروح العالية، والمعنويات المرتفعة، فقد كان في آخر عشر سنواتٍ من عمرِهِ مريضاً لا يقومُ ولا يقعد إلا بمشقةٍ بالغةٍ، ولا يكاد يمشي، ومع ذلك كان دائم البشر والابتسام، صاحب دعابة، يبرزُ إلى الناس، ويخرج للزوار، ولا يتخلفُ عن ( جلسة الأربعاء ) التي سنَّ سنّتها رحمه الله منذ عشراتِ السنين، يجتمع فيها كل أبنائه وبناته والأحفاد وأزواجهم، لم نشعر قطّ أنه أيس من الحياة، أو ضجر منها، أو انطوى على نفسه يناجي أحزانه وأمراضه.
    وسلوا إن شئتم أصدقاء ( الجمعة ) الذين ظلوا يجتمعون في بيتِهِ كل جمعةٍ أكثر من أربعين سنةً، وكلما ماتَ منهم سيدٌ خلفَهُ أبناؤه.
    رحمك الله ياجدِّي ..
    كان عزاؤك أكبرَ شاهدٍ على منزلتك في قلوب الخلائق ..
    وكان أدلَّ دليل على أنَّ العُرفَ لايذهبُ بين الله والناس ..
    أولئك البسطاء الذين رأيناهم دامعي العين!
    وأولئك الكبراءُ الذين جاؤوا من كل ناحية!
    حتى الأطفالُ الذين جاء بهم آباؤهم ليُشعروهم بفضلك عليهم!
    وحتى الفتيانُ الذين منذُ عقلوا وهم يسمعون اسمك يتردد على ألسنة أهليهم مقرونا بالشكر والثناء والعرفان بالفضل.
    كل أولئك كانوا شهوداً على جلالة منزلتك عند الصغير والكبير، والعامّ والخاص، والقريب والبعيد.
    رحمك الله ياجدي ..

    في جبهة المجدِ من آثارِهِ أثرُ .. وفي الدواوين من أفعاله غُررُ
    كم مدَّ للعون كفاً غير باخلةٍ .. وسار في طرقات البذلِ يبتدرُ
    أهدي إليك قصيداً أنت منشئه .. وروضةً أنت فيها العطرُ والزهرُ
    ماماتَ من ذكرهُ باقٍ وسيرتُهُ .. تبقى المعالي، وتبقى أنت ( ياعمرُ )



     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    منوعات الفوائد

  • منوعات الفوائد
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية