صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • فوائد وفرائد
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    لسنا في زمان أبرهة

    علي بن عبدالله الفهيد


    بسم الله الرحمن الرحيم


    لسنا في زمان أبرهة .. هو عنوان لمحاضرة للدكتور راغب السرجاني وفقه الله .. ولقد لفت نظري موضوع المحاضرة لمشكلة كبيرة نعاني منها في هذا الزمن .. مع أنه منذ تلك الحادثة سن الله سنة كونية لا تتغير ولا تتبدل حتى قيام الساعة .. فما هي هذه المشكلة ؟! وما هي هذه السنة الكونية ؟!
    وقبل ذلك ما هي قصة أبرهة وما هو الشاهد منها ؟!

    أبرهة الأشرم قصته معروفة , فقد كانت اليمن تابعة للنجاشي ملك الحبشة. وقام والي اليمن (أبرهة) ببناء كنيسة عظيمة، وأراد أن يغيّر وجهة حجّ العرب. فيجعلهم يحجّون إلى هذه الكنيسة بدلا من بيت الله الحرام. فكتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك, ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب. إلا أن العرب أبوا ذلك، فعزم أبرهة على هدم الكعبة. وجهّز جيشا جرارا، ووضع في مقدمته فيلا مشهورا عندهم يقال أن اسمه محمود. فعزمت العرب على قتال أبرهة. وكان أول من خرج للقائه، رجل من أشراف من اليمن يقال له ذو نفر. دعا قومه فأجابوه، والتحموا بجيش أبرهة. لكنه هُزِم وسيق أسيرا إلى أبرهة.

    ثم خرج نفيل بن حبيب الخثعمي، وحارب أبرهة. فهزمهم أبرهة وأُخِذَ نفيل أسيرا، وصار دليلا لجيش أبرهة. حتى وصلوا للطائف، فخرج رجال من ثقيف، وقالوا لأبرهة أن الكعبة موجودة في مكة – حتى لا يهدم بيت اللات الذي بنوه في الطائف- وأرسلوا مع الجيش رجلا منهم ليدلّهم على الكعبة! وكان اسم الرجل أبو رغال. توفي في الطريق ودفن فيها، وصار قبره مرجما عند العرب. فقال الشاعر:

    وأرجم قبره في كل عام * * * كرجم الناس قبر أبي رغال

    وفي مكان يسمى المغمس بين الطائف ومكة، أرسل أبرهة كتيبة من جنده، ساقت له أموال قريش وغيرها من القبائل. وكان من بين هذه الأموال مائتي بعير لعبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بدأ يستعد لدخول مكة.
    وقد كان عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد مكة في ذلك الوقت، فخرج ليفاوض أبرهة قبل أن يدخل إلى مكة، وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم. فلما رآه أبرهة أجله وأعظمه, وأكرمه عن أن يجلسه تحته, وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه. فنزل أبرهة عن سريره, فجلس على بساطه وأجلسه معه إلى جانبه. ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك
    ولما رأى أبرهة عبد المطلب أجله وأعظمه وأكرمه وأجلسه إلى جواره، فقد كان على عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم هيبة، ثم سأل أبرهة عبد المطلب وقال له: ما حاجتك؟ فقال عبد المطلب : حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي - وكان أبرهة يتوقع من عبد المطلب أن يسأل عن البيت- فقال أبرهة لترجمانه: قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني -يعني: استقل عبد المطلب جداً، حيث أنه يتحدث في مائتي بعير ويترك بيت الله الحرام- أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟! فقال عبد المطلب كلمة يعتقد البعض أنها جميلة وأنها تدل على اليقين، قال: إني أنا رب الإبل وإن للبيت رباً سيمنعه. . فاستكبر أبرهة وقال: ما كان ليمتنع مني. قال: أنت وذاك!.. فردّ أبرهة على عبد المطلب إبله.
    ثم عاد عبد المطلب إلى قريش وأخبرهم بما حدث، وأمرهم بالخروج من مكة والبقاء في الجبال المحيطة بها.
    ثم بعد هذا الموقف من أهل مكة وتفرقهم في شعاب الجبال وإخلائهم مكة تماماً لأبرهة حتى يدخلها بجيوشه وبفيله، نزلت المعجزة الكبرى، الطيور الأبابيل وهي طيور صغيرة ترمي بحجارة من سجيل، أهلكت جيش أبرهة ومن معه.

    وبعد أن أكدت حادثة الفيل حرمة كل من الكعبة المشرفة‏,‏ والحرم المكي الشريف الذي حرمه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض‏.‏ وتأكيدا لعظم قدرة الله الخالق‏,‏ البارئ‏,‏ المصور‏,‏ وعلى شدة انتقامه من الطغاة المتجبرين في الأرض‏,‏ والمتعالين على الخلق‏.‏

    أما الموقف الذي وقفه عبد المطلب من أبرهة موقف فيه سلبيه مقيتة ، فكيف يعيش الإنسان يبحث عن لقمة عيشه وعن حياته وعن أولاده وعن إبله وعن ملذاته ويترك دين الله عز وجل لله يحميه؟! هذا قصور شديد في الفهم وانعدام للرؤية. وكما قال بني إسرائيل قال تعالى ( قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون )
    فالمشكلة التي كان يعاني منها عبد المطلب وللأسف ما زال الكثير في زماننا هذا يعانون منها هي السلبية !!
    فعندما تنتهك محارم الله عياناً بياناً , لا يغضب أو يتحرك إلا قلة !! وعندما يسب دين الله ويميع كل بحسب هواه , فلا يتكلم إلا قلة !! ولكن عندما يصل الأمر لأمور حياتنا , تجد الغالبية للأسف تغضب وتثور ولا تهدأ إلا بتحسن الأوضاع. أما عندما يتعلق الأمر بالدين .. فأن للبيت رب يحميه كما يقولون !!
    وللأسف أيضاً أن كثير من الناس الغيورين والذين يحترقون ألماً عندما يتم التلاعب بثوابت الدين, إلا أنهم غارقون في السلبية لدرجة اليأس وينتظرون النصر من عند الله دون عمل منهم .. وكذلك عندما ينظرون لإخوانهم المستضعفين في كل مكان وبدلاً من نصرهم بالعمل والدعاء والذي يعتبر من أعظم أسلحة أمتنا .. فأنهم ينتظرون الطير الأبابيل !!

    وكانت سنة الله عز وجل في إهلاك الظالمين السابقين قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهلكهم بخارقة، وكان المؤمنون لا يرفعون سيفاً ولا يشتبكون في قتال، فلما حدثت هذه الحادثة على بيت الله الحرام طبقت هذه السنة الإلهية حتى في غياب المؤمنين. وهذا ما كان يحدث أيضاً مع الأنبياء السابقين قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنوح عليه السلام -على سبيل المثال- لما كذبه قومه وشعر أنه لا أمل في إيمانهم دعا الله عز وجل عليهم، كما صور الله عز وجل ذلك في كتابه الكريم فقال: ( فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ) ، قال تعالى: ( فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ) ، فلم يحدث لقاء بين المؤمنين وبين الكافرين، وإنما جاء الطوفان وحمل الله عز وجل المؤمنين في السفينة، وكانت النجاة بهذه الخارقة. ولوط عليه السلام أيضاً لما كذبه قومه قال: ( رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ ) ، فجاءت الأوامر من الله عز وجل: ( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ). ثم بعد أن خرج لوط عليه السلام من القرية الظالمة قال الله عز وجل: ( فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ )

    وكانت حادثة الفيل هي آخر الحوادث التي نصر فيها الدين بخارقة، ففي عام الفيل وبعد خمسين يوماً من الحادثة ولد خير الأنام ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولقد كانت ولادته عليه الصلاة والسلام بداية لدين جديد .. بداية لخاتم الأديان حتى قيام الساعة .. وفي هذا الدين سن الله جل وعلى سنن كونية لا تتبدل ولا تتغير حتى قيام الساعة .

    وما زالت سنة إهلاك الظالمين باقية: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ) ، وقوله تعالى ( لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ) مطلق، وقال تعالى ( وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ) ، فأي أمة تخاف مقام الله عز وجل وتخاف وعيده عز وجل فلا بد أن تمكن في النهاية، ولا بد أن يهلك الظالمون لها، فهي سنة ماضية إلى يوم القيامة.

    ولكن مع بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيرت طريقة الإهلاك، فقد كان الظالمون في السابق يهلكهم الله بخوارق، وأما في الإسلام فالسنة هي: ( إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) فلا بد أن يقدم المسلمون العمل والعمل الخالص لله عز وجل الصحيح على منهاج النبوة، فإذا قدموا العمل الصالح أنزل الله عز وجل ما يشبه الطير الأبابيل، فينزل بركة ورحمة وأمناً وتأييداً وتوفيقاً على المؤمنين، وسخطاً ونقمة وعذاباً وهلاكاً على الكافرين، ولكن بغير عمل لن تنزل الطير الأبابيل، وبغير جهد وبذل وعطاء لن ترمى حجارة من سجيل. هذه السنة الجديدة الخاصة بأمة الإسلام، وهي سنة ماضية إلى يوم القيامة لا تبديل لها ولا تحويل، ( إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ )

    وكثير من الناس أحبطوا من رؤية الظالمين وتمكينهم في الأرض، وتمكين الكفار على المسلمين, وجلسوا ينتظرون نزول الطير الأبابيل فتهلكهم ، ويراقبون الموقف من بعيد، وهذا يدل على قصور في الفهم وقلة في الوعي لسنة الله في التغيير ، فإذا كان رسول الله عليه الصلاة والسلام والذي بعثه الله بالحق من عنده أمره بالدعوة السرية ثم الجهرية ثم الهجرة وظل عليه الصلاة والسلام ثابتاً يدعو إلي سبيل ربه في انتظار النصر 15 سنة .. فكما هو معلوم ظل الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو 13 عاماً في مكة ثم هاجر وكانت معركة بدر في السنة الثانية من الهجرة وكانت أول تمكين وانتصار للدين ولرسول الله عليه الصلاة والسلام وللإسلام والمسلمين , ولكن هذه هي السنة الكونية التي سنها الله , فلن يكون هناك نصر بغير عمل , ولله العزة والقدرة وإذا أراد شيئاً قال له كن , فيكون .. سبحانه وتعالى .. وحتى في معركة بدر لم ينزل الله جل وعلى الطير الأبابيل , بل حدث قتال بين الحق والباطل , وفعلاً للأسباب الدنيوية من شورى و اختيار المكان الأفضل للمعركة وقتال ووضع خطة للمعركة ودعاء وتضرع إلي الله بالنصر ثم ثبات وجراح ومعاناة واختيار من الله للشهداء ، وعند ذلك ستنزل الطير الأبابيل في صورة ملائكة أو مطر أو رعب في قلوب الكافرين، أو في صورة فرقة وتشتت في صفوف أعداء الدين، أو في أي صورة يختارها الله رب العالمين، ولكن لابد أن يعمل المسلمون معتمدين على ربهم عز وجل , مستنيرين بشريعتهم وفق ما أمرهم به ربهم ورسوله عليه الصلاة والسلام , وليس كما نريد نحن بأهوائنا , ولكل مرحلة عملها , فقد نكتفي بالدعوة فقط كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام في بداية دعوته , وقد تكون سرية عند الخوف , وقد تكون جهرية عند القوة , وقد يعاهد المسلمون كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية , ورغم أن الصحابة حزنوا حزناً شديداً في ذلك الوقت وكانوا يستعجلون النصر , إلا أنه كانت سنة الله هي الغالبة والزمن كان زمن معاهدة , وظهرت ثمرت الصلح سريعاً , حتى أن الله سمها في كتابه العزيز فتحاً مبيناً , - ولعمري إنها كانت فتحاً - ولذلك بحسب المرحلة تتغير طريقة العمل , المهم أن نعمل فلن ينزل النصر على قوم ً سلبيين محبطين ولا نتوكل إلي عملنا بل نتوكل على العزيز القوي تعالى وتبارك ..

    وتكررت العديد من الحوادث في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام في معركة أحد و الأحزاب وفي حنين وفي مؤتة وفي جميع المشاهد , وكان لابد من العمل مع الاعتماد على الله عز وجل لتحقيق النصر ..
    وحتى بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام وفي فترات القوة والضعف لأمتنا الإسلامية حدثت حوادث كثيرة ولم تنزل الطير الأبابيل , وليس هناك أعظم جرماً مما فعله القرامطة لعنهم الله , ففي عام 317 هـ ذهب القرامطة بقيادة أميرهم أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي - لعنه الله – والطهارة منه براء إلي مكة .. ليس للحج ولكن لقتل واستباحة مكة في شهر الله المحرم , وبينما كان المسلمون يستعدون للحج , فما شعروا إلا بالقرمطي قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية فانتهب أموالهم واستباح قتالهم فقتل الناس في رحاب مكة وشعابها حتى في المسجد الحرام وفي جوف الكعبة، وجلس أميرهم أبو طاهر - لعنه الله – على باب الكعبة، والرجال تصرع حوله في المسجد الحرام في الشهر الحرام ثم في يوم التروية، الذي هو من أشرف الأيام، وهو يقول:

    أنــا باللـه وباللـه أنـا *** يخــلق الخــلق وأفنيهــم أنـا

    ثم أمر القرمطي - لعنه الله - أن يدفن القتلى ببئر زمزم، ودفن كثيرا منهم في أماكنهم وحتى في المسجد الحرام ، وهدم قبة زمزم، وأمر بقلع باب الكعبة ونزع كسوتها عنها، وشققها بين أصحابه، وأمر رجلا أن يصعد إلى ميزاب الكعبة فأراد أن يقتلعه، فسقط على رأسه فمات ، فترك عند ذلك الميزاب، ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود، وجاءه رجل فضرب الحجر بمثقل في يده وقال: أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟ ثم قلع الحجر الأسود، شرفه الله وكرمه وعظمه، وأخذوه معهم حين راحوا إلى بلادهم، واحتفظ القرامطة بالحجر الأسود بعد أن بنو له كعبة جديدة في دولتهم طوال 22 سنة . وبقى مكان الحجر خالياً يلتمس الحجاج والمعتمرين فجوته بأيديهم وهم يبكون ويتوسلون إلى الله أن يعيد لهم الركن إلى مكانه . ولم يرجع الحجر الأسود إلا في يوم النحر من عام 339 من الهجرة .. ورغم جرم القرامطة الشنيع من قتل للحجاج في يوم التروية واستباحة حرمة المكان والزمان وتعدي أميرهم بالألفاظ الكفرية والشركية إلا أن الله عز وجل لم ينزل الطير الأبابيل .. لأننا لسنا في زمن أبرهة !!

    ومن خلال تاريخ أمتنا مرت بنا العديد من المصائب , فقد ذبح الصليبيون في بيت المقدس سبعين ألفاً من المسلمين في يوم واحد، ولم تنزل الطير الأبابيل، ولم ترم حجارة من سجيل، وظل الوضع كما هو عليه إلى أن جاء صلاح الدين الأيوبي ومن معه من المجاهدين؛ ليطهروا الأرض من الصليبيين. واستباح التتار بغداد وقتلوا من أهلها ألف ألف -مليون مسلم- في أربعين يوماً، ولم تنزل الطير الأبابيل على التتار المشركين الظالمين الكافرين، لأننا لسنا في زمن أبرهة !!
    وظل الوضع كما هو عليه إلى أن بعث الله قطز ومن معه من أبطال المسلمين، فكانت معركة عين جالوت، وكان النصر والتمكين.

    لذلك أحبتي يجب أن يترسخ لدينا مفهوم أننا لسنا في زمان أبرهة ،بل نحن في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام .. زمن أمة الإسلام .. زمن ( إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ )
    ونصر الله يكون بتطبيق شرعه. وقد يقول قائل: إن هذا ليس في أيدينا، وتطبيق الشرع مسئولية الحاكم.
    لكن تطبيق الشرع يكون على ثلاثة مستويات: أولاً: على المستوى الفردي، ففعل الطاعات واجتناب المحرمات هو تطبيق للشرع، والصلاة والصيام والزكاة والحج تطبيق للشرع، وعدم التعامل بالربا تطبيق للشرع، والحجاب وبر الوالدين ورعاية الجار وحفظ حقوق الطريق تطبيق للشرع. فهناك أمور كثيرة جداً من أمور الشرع يقع تطبيقها على الفرد لا على الحاكم.
    ثانياً: على المستوى الجماعي، يقول صلى الله عليه وسلم ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ) فأنت تستطيع أن تطبق الشرع في بيتك، ومع تلامذتك إن كنت مدرساً، ومع موظفيك في العمل إن كنت رئيساً، ومع زبائنك إن كنت تاجراً. فهناك أمور كثيرة في المجتمع نستطيع أن نطبق فيها الشرع دون حاكم، مثل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة الفساد والرشوة والوساطة بقدر ما نستطيع.
    ثالثاً : وهو المستوى الذي يتطلب حاكماً لتطبيق الشرع مثل: إقامة الحدود، وتسيير الجيوش للجهاد، ورفع الضرائب ، وإغلاق أماكن الفجور، ووقف المولاة مع أعداء الأمة، والاكتفاء بمولاة المؤمنين، فهناك أمور كثيرة لا بد أن يطبقها الحاكم، فإذا كان المسلمون لا يطبقون الشرع على أنفسهم في الإطار الذي يستطيعونه فكيف يتوقعون أن ينزل الله عز وجل عليهم نصره، و (كما تكونوا يولى عليكم) فلا تنشغلوا كثيراً بالحديث عن الحكام، وإلقاء التبعة على أكتافهم وتنسون أنفسكم، نعم كلما عظمت المسئولية زادت التبعات، والمخطئ في حق فرد ليس كالمخطئ في حق عشرة، ولا كالمخطئ في حق أمة، ولكن اذكروا الحقيقة الصادقة ( كما تكونوا يولى عليكم ) والحكام إفراز طبيعي جداً للشعوب، فليس من سنة الله عز وجل أن يولي حاكماً فاسداً على قوم مصلحين، أو يولي حاكماً مصلحاً على قوم فاسدين، والله عز وجل قال في كتابه الكريم وهو يصف فرعون: ( فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ) ، ولم يقل جل وعلا: إنه كان من الفاسقين، فالعلاقة بين الشعب والحاكم تفاعلية جداً، فأصلحوا أنفسكم يخرج من بينكم خالد بن الوليد و و المثنى رضي الله عنهما و طارق و قطز و صلاح الدين .

    وبالإرادة والعزيمة والتوكل على الله نغير واقعنا فأمة الإسلام تملك الكثير، فلا يعتقد أحد أن أمة الإسلام عاجزة، بل يجب أن نتحلى بالإيجابية ونربي أطفالنا وشبابنا على هذه المعاني، وبث روح الجهاد والتضحية والبذل في نفوسهم ، وضرب الأمثلة العظيمة من تاريخ أمتنا وحضارتنا المجيدة ، وهذا الدور ملقى على عاتق كل أب ومدرس وداعية وصاحب قلم مسلم غيور على الدين. وأن نسعى في الإصلاح ومحاربة الفساد، والارتفاع بمستوى الأخلاق، وتحسين الإنتاج وتوجيهه إلى الأصلح والأنفع، ومراقبة الله عز وجل في كل عمل وصناعة وزراعة ومنتج. مع الاستمرار بالدعاء الملح، فهو سلاح فعال تماماً، ولا تنسوا قولة أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه: الدعاء يرفعه العمل. فالله عز وجل لا يستجيب لدعاء من لا يعمل ولا يقوم ولا يتحرك لنصرة الإسلام والمسلمين، ولا لمن فتر وأحبط ويئس. وهذه الأشياء في يد الأمة الإسلامية، وهناك أشياء أخرى كثيرة، فلا يعتقدن أحد أبداً أن أمة الإسلام عاجزة. والمهم إياك والتسويف، فإن لكل أمة أجل، ( فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) فإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أردت أن تتوب فمن الآن، وإذا أردت صلاة وصياماً وزكاة فمن الآن، وإذا أردت صلحاً مع أخيك وصلة لرحمك وبراً لوالديك فمن الآن، وإذا أردت دعوة إلى الله وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر فمن الآن، وإذا أردت وقفاً لفساد أو رشوة أو وساطة فمن الآن، وإياك والتسويف، والشيطان لا يأمر المؤمنين بالامتناع عن الأعمال الصالحة ولكن يأمرهم بتأجيلها، فإذا أجلوها تركوها في أغلب الأحوال، فلا تسلمن نفسك للشيطان، ولا تكن متبعاً لهواك.

    وقبل الختام تذكروا أننا لسنا في زمان أبرهة ، فلن تنزل الطير الأبابيل الآن على الظالمين إذا فر من أمامهم الصالحون إلى رءوس الجبال. ، وهم يقولون: عسى الله أن يرسل عليهم طيراً أبابيل، أو يرميهم بحجارة من سجيل، أو يحدث معجزة أو يأتي بخارقة تدمرهم، فأقول لهم : سيطول انتظاركم ولن تنزل الطير الأبابيل أو أشباهها إلا بعمل سنة واضحة، ( إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ )

    لأننا .. لسنا في زمان أبرهة ..

    المراجع :
    1- محاضرة للدكتور راغب السرجاني.
    2- كتاب البداية والنهاية .


    علي بن عبدالله الفهيد
    http://alialfheid.wordpress.com/
    [email protected]



     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    منوعات الفوائد

  • منوعات الفوائد
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية