صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    رسالة إلى كل معتمر

      اضغط هنا لتحميل الكتاب على ملف وورد

    د. يوسف بن عبدالله الأحمد
    كتبت في 5/6/1425هـ.
    ثم روجعت وصححت وأضيف عليها في 1/9/1434هـ

     
    أبرز موضوعات الرسالة:

    • صفة العمرة بالأدلة الصحيحة.
    • تنبيهات مهمة للمعتمرين.
    • صلاة المسافر.
    • صلاة الجنازة.

    أعدها
    د. يوسف بن عبدالله الأحمد

     



    بسم الله الرحمن الرحيم


    المقدمة:

    الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان. أما بعد.
    فمن مظاهر الخير كثرة إقبال الناس على العمرة في رمضان وفي الإجازة الصيفية و سائر السنة، ومما ثبت في فضلها حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :"العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما.. " متفق عليه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : "لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لأُمِّ سِنَانٍ الأَنْصَارِيَّةِ: مَا مَنَعَكِ مِنَ الْحَجِّ؟ قَالَتْ: أَبُو فُلاَنٍ، تَعْنِى زَوْجَهَا، كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ: حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا وَالآخَرُ يَسْقِى أَرْضًا لَنَا، قَالَ: فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِى حَجَّةً" متفق عليه، وفي رواية لمسلم :"فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً".

    وقد لحظت ولحظ غيري من طلاب العلم كثرة أسئلة الناس في العمرة، وتكثر كذلك المخالفات الشرعية في أدائهم للنسك أو أثناء بقائهم في مكة، فرأيت من المناسب إعداد هذه الرسالة لتتضمن صفة العمر، وما يحتاجه المعتمر حال بقائه في مكة، مع التنبيه على كثير من الأخطاء والمخالفات الشرعية التي يقع فيها بعضهم، مع ذكر بعض الطرق والوسائل للدعاة وأهل الخير في كيفية الاحتساب عليها.

    صفة العمرة:

    أولاً: الإحرام من الميقات : تجرد من المخيط، والبس رداءً وإزاراً والأفضل أن يكونا أبيضين، ويسن لك أن تغتسل، وأن تُطيِّبِ بدنك كالرأس واللحية - ولا تطيب لباس الإحرام فإن أصابه طيب فاغسله - (الشمسية والنظارة والخاتم والساعة والحزام جائزة للمحرم).
    أما المرأة فإنها تغتسل ولو كانت حائضاً وتلبس ما شاءت؛ بشرط أن يتوافر فيه جميع شروط الحجاب فلا يظهر منها شيء، ولا تتبرج بزينة، ولا تتطيب، ولا تتشبه بالرجال.
    فإن لم يتيسر أن تقـف عنـد الميقات -كالمسافر بالطائرة - فاغتسل من بيتك فإذا حاذيت الميقات فأحرم، وقل: "لبيك عمرة".
    والأدلة على ما سبق متعددة، ومن أهمها: حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال :"قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنْ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا الْبَرَانِسَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ، فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا الْوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ" أخرجه البخاري ومسلم بنحوه دون الجملة الأخيرة" ولا تنتقب..الخ" فقد أخرجها البخاري دون مسلم.
    وإن خفت أن لا تتمكن من إكمال النسك لمرض أو نحوه؛ فاشترط وقل: "فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" ودليل جواز الاشتراط في الإحرام حديث عائشة رضي الله عنها قالت :"دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَنَا شَاكِيَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: حُجِّى وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي" أخرجه مسلم. فإذا اشترط ومنعه مانع من إكمال نسكه تحلل ولا شيء عليه.
    ثم ابدأ بالتلبية حتى تصل مكة. والتلبية سنة مؤكدة للرجال والنساء، ويسن للرجال رفع الصوت بالتلبية. وصِفة التلبية: هي الثابتة في حديث ابن عمر رضى الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم :"يُهِلُّ مُلَبِّدًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ. لاَ يَزِيدُ عَلَى هَؤُلاَءِ الْكَلِمَاتِ" متفق عليه.

    محظورات الإحرام (بإيجاز).

    إذا أحرم المسلم بالحج أو العمرة حرم عليه أحد عشر شيئاً حتى يتحلل من إحرامه وهي:
    1- إزالـة الشعـر. 2- تقليم الأظافر. 3- استعمال الطيب. 4- قتل الصيد (البري أما البحري فجائز).
    5- لبس المخيط (على الرجال دون النساء). والمخيط هو المفصَّل على البدن كالثوب والفانيلة والسراويل والقميص والبنطلون والقفاز والجوارب. أما ما فيه خياطة ولم يكن مفصلاً فلا يضر المحرم؛ كالحزام أو الساعة أو الحذاء الذي فيه خيوط. وكذلك الإزار المغلق الذي يسمى بالإزار المخيط فالراجح جوازه؛ لأن الأصل الحل ولا دليل صريح على منعه.
    6- تغطية الرأس بملاصق (على الرجال) كالطاقية والغترة والعمامة والقبعة وما شابه ذلك، ويجوز الاستظلال بالشمسية والخيمة والسيارة، ويجوز حمل المتاع على الرأس إذا لم يقصد به التغطية.
    7- لبس النقاب والقفازين (على المرأة) فإذا كانت أمام رجال أجانب وجب ستر الوجه واليدين بغير النقاب والقفاز، كسدل الخمار على الوجه وإدخال اليدين في العباءة.
    8 - عقد النكاح. 9 - الجمــاع. 10 - المباشرة لشهوة. 11- إنزال المني باستمناء أو مباشرة.
    وقد فصلت الكلام في محظورات وأدلتها وكفارتها في كتاب آخر يسر الله نشره.
    قال ابن المنذر في كتابه الإجماع (ص17) :"وأجمعوا على أن المحرم ممنوع من الجماع، وقتل الصيد، والطيب، وبعض اللباس، وأخذ الشعر، وتقليم الأظفار"اهـ.

    ثانياً: السنة عند دخول المسجد الحرام،
    كالسنة عند دخول سائر المساجد، ومما ثبت في ذلك حديث أبي أُسيد رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ" أخرجه مسلم.

    ثالثاً : ثم ابدأ بالطواف من الحجر الأسود؛
    فاستقبله وقل: (الله أكبر)، واستلمه بيمينك وقبله. فإن لم يتيسر التقبيل فاستلمه بيدك أو بغيرها وقبل ما استلمته به، فإن لم يتيسر فلا تزاحم الناس وأشر إليه بيدك مرة واحدة (ولا تقبل يدك). وتفعل ذلك في بداية كل شوط من أشواط الطواف.
    ثم تطوف سبعة أشواط جاعلاً البيت عن يسارك؛ ترمل في الأشواط الثلاثة الأولى وتمشي في الباقي. (الرَّمَل: سرعة المشي مع تقارب الخطى).. والرمل مختص بالرجال ومختص بالطواف الأول؛ أي طواف العمرة أو طواف القدوم للقارن والمفرد في الحج.
    فإذا وصلت إلى الركن اليماني فاستلمه بيدك - إن تيسّر ذلك - ولا تقبّله، فإن لم يتيسر فلا تشر إليه.
    وذكر الله تعالى بالدعاء والاستغفار والتهليل والتسبيح وقراءة القرآن من أفضل الأعمال الصالحة، ولا شك بأنها خير من الصمت في الطواف وغيره.
    ومن أدلة ما سبق: حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال :"قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاَثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلاَّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ" متفق عليه.
    وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال:"رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلاَثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا"متفق عليه، واللفظ لمسلم.
    وعن جابر بن عبدالله رضى الله عنهما في صفة حجة الوداع وفيه:" أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ، فَرَمَلَ ثَلاَثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا" أخرجه مسلم.
    وعن نافع عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ذكر:" أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لاَ يَسْتَلِمُ إِلاَّ الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِىَ" أخرجه مسلم.
    وعن الزبير بن عربي رحمه الله قال :" سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ رضى الله عنهما عَنِ اسْتِلاَمِ الْحَجَرِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ، قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ؟ أَرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ؟ قَالَ: اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِالْيَمَنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ" أخرجه البخاري.
    فإن لم يتيسر تقبيل الحجر استلمه بيده وقبَّل، فعن نافع رحمه الله قال :" رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ، وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ" أخرجه مسلم.
    وعن أبي الطفيل رضي الله عنه يقول :"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ" أخرجه مسلم. المِحْجَنٍ : عصاً منحنية في أعلاها.
    وعن ابن عباس رضي الله عنهما :"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ بِالْبَيْتِ وَهْوَ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَىْءٍ فِى يَدِهِ وَكَبَّرَ" أخرجه البخاري.
    وعن هلال ابن أبي ميمونة قال :" رَأَيْتُ أَنَسًا يَطُوفُ، فَإِذَا انْتَهَى إلَى الْحَجَرِ كَبَّرَ، وَيَفْتَتِحُ بِهِ، وَيَخْتِمُ بِهِ" أخرجه ابن أبي شيبة(ح15099) قال حدثنا وكيع عن ابن أبي ميمونة به وهذا إسناد صحيح.
    وأثر أنس هذا صريح في التكبير في نهاية الشوط السابع، ويدل عليه ظاهر حديث ابن عباس رضي الله عنهما السابق وفيه :"كلما أتى على الركن أشار..الحديث" فهذا يعم إتيانه للركن في نهاية الطواف، والله تعالى أعلم.
    وثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يزيد البسملة على التكبير عند الركن، فعن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما :" كَانَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ قَالَ:"بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ" أخرجه عبد الرزاق (ح8894) عن معمر عن أيوب عن نافع به وهذا إسناد صحيح.
    أما حديث عبدالله بن السائب رضي الله عنه قال :"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ :رَبَّنَا آتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" فقد أخرجه أحمد وأبو داوود بإسناد رجاله ثقات إلا عبيد مولى السائب فمختلف فيه، قال عنه ابن حجر في التقريب "مقبول" وقال في التهذيب :"وذكره في الصحابة: ابن نافع وابن منده وأبو نعيم"اهـ. وذكره ابن حبان في الثقات وقال :" له صحبة".
    وقد صحح الحديث ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، واحتج به ابن حزم في حجة الوداع، ووصفه ابن القيم في زاد المعاد (2/208) بأنه محفوظ فقال :"حُفِظَ عَنْهُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: رَبَّنَا آتِنَا.."اهـ. وحسنه من المعاصرين الألباني رحمهم الله جميعاً، وأبو إسحاق الحويني في تحقيق منتقى ابن الجارود، وضعف إسناده النووي وابنُ كثير، والله أعلم بالصواب.
    وعلى وجه العموم فإن هذا الدعاء هو من أفضل الأدعية، وقد ثبت في فضله حديث أنس رضي الله عنه قال :" كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" أخرجه البخاري.

    رابعـاً: إذا انتهيت من الشوط السابع عند محاذاة الحجر الأسود فاذهب إلى مقام إبراهيم إن تيسر
    ، واقرأ قوله تعالى: "وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى" (البقرة : 125) واجعل المقام بينك وبين الكعبة إن تيسر، وصلِّ ركعتين، والأفضل أن تقرأ في الأولى بعد الفاتحة:"قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ"، وفي الثانية : "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ".
    ثم إن تيسر فارجع إلى الحجر الأسود، واستلمه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
    ثم توجه إلى الصفا فإذا دنوت منه فاقرأ قوله تعالى:" إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ" (البقرة : 158). وقل:" نبدأ بما بدأ بما بدأ الله به". واصعد الصفا، واستقبل الكعبة، وكبر ثلاثاً، ولا تشر بيدك، وقل : "لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كَلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ". كرر هذا الذكر ثلاث مرات، وادع بين كل مرة وأخرى بما شئت من الدعاء.
    ثم انزل لتسعى بين الصفا والمروة، وإذا كنت بين العلمين الأخضرين فاسع بينهما سعيا شديداً (والسعي الشديد خاص بالرجال دون النساء إذا كانت ترى من الرجال) فإذا وصلتَ إلى المروة فاصعد عليها واستقبل الكعبة، وقل كما قلت على الصفا، وهكذا تصنع في باقي الأشواط، الذهاب شوط والعودة شوط؛ حتى تكمل سبعة أشواط؛ فيكون نهاية الشوط السابع بالمروة. وليس للسعي ذكر مخصوص، فأكثر مما شئت من الذكر والدعاء.
    فإذا انتهيت من السعي فاحلق رأسك أو قصِّره، والحلق أفضل للمعتمر، إلا أن يكون الحج قريباً فالتقصير أفضل؛ ليكون الحلق في الحج، ولا يكفي تقصير بعض الشعر من مقدمة الرأس ومؤخرته، كما يفعله بعض الناس، بل لابد من تقصير جميع الرأس أو أكثره. وبعض الناس يتوهم أن التقصير يجب أن يكون على الصفا وهذا غير صحيح، إضافة إلى ما يترتب عليه من اتساخ المكان وتأذي المعتمرين منه.
    *أما المرأة فتجمع شعرها وتأخذ منه قدر الأنملة، وإذا كان شعرها متفاوت الطول فتأخذ من كل أطواله، حتى تعم الرأس كله أو أكثره.
    فإذا فعلت ذلك فقد تمت عمرتك بحمد الله.

    ومن أدلة ماسبق:

    حديث جابر رضي الله عنه في صفة الحج وفيه:" حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلاَثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَقَرَأَ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِى يَقُولُ: وَلاَ أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلاَّ عَنِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَقْرَأُ فِى الرَّكْعَتَيْنِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ، فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِىَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ، وَكَبَّرَهُ وَقَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كَلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ، فَقَالَ: لَوْ أَنِّى اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْىَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْىٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً.. فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلاَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ" أخرجه مسلم.
    وفي قوله:"أبدأ بما بدأ الله به" جاء رواية أخرى عند الخمسة ومالك ب(النون) :"نبدأ بما بدأ الله به" رواها جمعٌ من الحفاظ عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جابر، منهم الإمام مالك، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، رحمهم الله جميعاً.
    وعن عبدالله بن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:" كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ، سَعَى ثَلاَثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ" متفق عليه.
    وعن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال:" اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ.." أخرجه البخاري.
    وعن نافع : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، كَانَ يَكَرَهُ قَرْنَ الطَّوَافِ، وَيَقُولُ:"عَلَى كُلِّ سَبْعٍ رَكْعَتَانِ وَكَانَ هُوَ لَا يَقْرِنُ بَيْنَ سَبْعَيْنِ" أخرجه عبد الرزاق (9012) قال : أخربنا معمر عن أيوب عن نافع أن ابن عمر به، وهذا إسناد صحيح.
    وعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما :" أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَعِدَ عَلَى الصَّفَا اسْتَقْبَلَ الْبَيْتَ، ثُمَّ كَبَّرَ ثَلاَثًا، ثُمَّ قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ، ثُمَّ يَدْعُو قَلِيلاً، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ عَلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَيَكُونَ التَّكْبِيرُ إِحُدَى وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً، فَمَا يَكَادُ يَفْرُغُ حَتَّى يَشُقَّ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ شَبَابٌ" أخرجه ابن أبي شيبة (14717) قال حدثنا ابن نُمير عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر به وهذا إسناد صحيح.
    وليس للسعي ذكر مخصوص، فأكثر مما شئت من الذكر والدعاء وقراءة القرآن.

    تنبيهات مهمة للمعتمرين. 


    1.
    يعتقد بعض الناس أن ثوب المرأة للإحرام محدد باللون الأخضر أو الأسود أو الأبيض ؛ وهذا غير صحيح ؛ فإنه لم يثبت في تحديد لون الثوب شيء.

    2.
    التلفظ بالنية كأن يقول : (اللهم إني أريد، أو نويت نسك كذا فيسره لي) لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والثابت عنه صلى الله عليه وسلم أن يلبي بنسكه فيقول : (لبيك عمرة) كما في حديث أنس رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :"لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا" أخرجه مسلم.

    3.
    يجوز للمحرم أن يستعمل الصابون، ووسائل النظافة الأخرى، والمرهم ؛ لأنها ليست من محظورات الإحرام، بشرط : أن لا تكون معطرة.

    4.
    يجوز للمحرم أيضاً أن يستعمل السواك و فرشاة و معجون الأسنان. أما النكهة الطيبة التي تصاحب معجون الأسنان كرائحة النعناع مثلاً فلا تضر ؛ لأنها ليست طيباً.

    5.
    التلبية الجماعية بصوت واحد - التي يفعلها بعض الحجاج - بدعة، لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه. والصواب أن يلبي كل معتمر بصوت منفرد.

    6.
    لا يلـزم أن يستمر المحرم ( رجـلاً كـان أو امـرأة ) في الثوب الذي أحرم فيـه طيلة النسك، بل يجوز أن يغيره مـتى شـاء، ويجوز له أن يغتسل للتنظف ؛ لأن ذلك ليس من محظورات الإحرام.

    7.
    يجوز للمرأة أن تمشط شعرها، وأن تحك بدنها ؛ بشرط أن لا تتعمد إزالة الشعر. لأن ذلك ليس من محظورات الإحرام.

    8.
    القادمون للعمرة بالطائرة إلى جدة : الواجب عليهم أن يحرموا في الطائرة إذا حاذوا الميقات. وإذا رغب القادم للعمرة أن يمكث في جدة يوماً أو يومين ثم ينزل إلى مكة، فالأفضل في حقه أن يبادر بالعمرة ثم يرجع إلى جدة، فإن لم يفعل مكث في جدة بإحرامه ثم يكمل عمرته. أما إذا قدم قاصداً جدة قبل العمرة؛ كمن جاء إليها منتدباً من عمله، أو لإجابة دعوة، أو لحضور دورة أو غير ذلك، فإنه إذا أراد العمرة بعد ذلك أحرم من جدة كأهل مكة.

    9. من سافر إلى جدة وهو لم يرد العمرة، أو كان متردداً في العمرة، ثم عزم على العمرة وهو في جدة : أحرم من جدة لأنه لم يعزم على العمرة إلا منها، فأصبح حكمه حكم أهل جدة، وأهل جدة يحرمون منها لأنهم دون المواقيت كما ثبت في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : "وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّأْمِ الْجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا "متفق عليه واللفظ للبخاري.

    10.
    من فعل محظوراً من محظورات الإحرام ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه، لقوله تعالى: "رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا" ولما نزلت هذه الآية، قال الله: "قد فعلت" كما أخرجه مسلم عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما من قولهما، ومثل هذا لا يقال بالرأي فله حكم الرفع.

    11.
    على المعتمر أن يحرص على ستر عورته ؛ فإن بعض الرجال قد تنكشف عورته أمام الآخرين أثناء الجلوس أو النوم وهو لا يشعر.

    12.
    الطهارة شرط لصحة الطواف عند أكثر العلماء، ولم أقف لهم على دليل صريح صحيح، ولا أثر عن صحابي، وقد أفتى جمعٌ من علماء الكوفة بصحة الطواف بغير طهارة، وهم الحكم بن عُتَيْبَة، وحمادُ بن أبي سليمان، ومنصور بن المعتمر، وسليمان بن مهران الأعمش، وكلهم من الأئمة في العلم والحفظ.
    وظاهر صنيع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم يطوفون على طهارة، لأنهم كانوا يصلون ركعتين خلف المقام بعد الطواف وظاهر الأدلة أنه دون إحداث وضوء، لكن طوافهم على طهارة لا يلزم منه الوجوب أو الشرطية، والأولى بالمؤمن أن يكون متطهراً اتباع لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وخروجاً من الخلاف واحتياطاً للدين، والقول باستحباب الطهارة في الطواف هو ما نصره ابن تيمية رحمه الله.
    أما المرأة الحائض فإنها لا تطوف لثبوت النهي كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها.
    وأما السعي فلا تشترط له الطهارة باتفاق الفقهاء، ويجوز للمرأة المعذورة أن تسعى؛ لأن نهي النبي صلى الله عليه وسلم لها كان عن الطواف بالبيت فقط.
    وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : "إذا طافت بالبيت ثم حاضت قبل أن تسعى بين الصفا والمروة، فلتسعَ بين الصفا والمروة" أخرجه ابن أبي شيبة (14583) بإسناد صحيح كما قال ابن حجر في الفتح(3/590) أما إذا حاضت قبل الطواف فظاهر السنة وفهم الصحابة أنها لا تسعى؛ فعائشة لمَّا حاضت قبل الطواف لم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تسعى بدون الطواف وهذا الذي يظهر من فهم ابن عمر رضي الله عنهما كما في قوله السابق.

    13.
    إذا أقيمت الصلاة أثناء الطواف، أو حضرت صلاة جنازة ؛ فصلِّ معهم ثم أكمل الطواف من حيث توقفـت. ولا تنس تغطية العاتقين أثناء الصلاة ؛ فإن تغطيتهما في الصلاة واجبة.

    14.
    إذا احتجت للجلوس قليلاً، أو لشرب ماء، أو للانتقال من الدور الأرضي إلى الدور العلوي، أو العكس أثناء الطواف فلا حرج؛ لأن هذا لا يقطع الموالاة بين الأشواط.

    15.
    إذا شككت في عدد الأشواط فتحرَّ الصواب؛ فإن غلب على ظنك شيء فاعمل به، وإن لم يغلب على ظنك شيء فابن على اليقين : وهو الأقل ؛ فإذا شككت هل طفت ثلاثة أشواط أو أربعة؟ فاجعلها ثلاثة.

    16.
    الاضطباع في الطواف سنة عند أكثر العلماء، (والاضطباع: أن تجعل وسط ردائك تحت عاتقك الأيمن وطرفاه على عاتقك الأيسر) وجاء فيه حديثان وأثر، والأرجح أن كلها ضعيفة، ولذلك جزم الإمام مالك بعدم سنيته وأنه لم يسمع مَن قال بسنيته من علماء المدينة، قال ابن قدامة في المغني :"وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ الِاضْطِبَاعُ بِسُنَّةٍ. وَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا يَذْكُرُ أَنَّ الِاضْطِبَاعَ سُنَّةٌ" (المغني 3/339). فالاضطباع والرمل عملان ظاهران ومحلهما واحد وهو الطواف، لكن المحفوظ من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحَفِظَه التابعون عن الصحابة رضي الله عنهم هو الرمل وحده، دون الاضطباع.
    أما اعتقاد بعض المعتمرين أن الاضطباع سنة من أول لبس الإحرام حتى نهاية العمرة، فهذا لا أصل له.

    17.
    ركعتا الطواف يسن فعلهما خلف المقام. ومن الخطأ ما يفعله بعض المعتمرين من الصلاة خلف المقام في أوقات الزحام فيؤذون بذلك الطائفين، والصواب : أن يرجع إلى الخلف حتى يبتعد عن الطائفين فيجعل المقام بينه وبين الكعبة. وإن صلاها في أي موضع من الحرم أجزأت.

    18.
    ينتشر بين بعض الناس في الطواف و السعي بدعتان :
    الأولى : التزام دعاءٍ معين لكل شوط، كما هو موجود في بعض الكتيبات.
    الثانية : دعاء مجموعة من الحجاج خلف قائد لهم بصوت واحد مرتفع. فعلى الحاج أن يحذر من هاتين البدعتين ؛ لأنه لم يثبت فيهما شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من أصحابه رضي الله عنهم. وفيه أيضاً إيذاء وتشويش شديد على الطائفين.

    19.
    المحظور في حق المرأة مخيط الوجه واليدين ؛ فلا يجوز أن تغطي وجهها بالنقاب، أو البرقع، أو اللثام، ويجب أن تغطي وجهها أمام الرجال الأجانب بغير ذلك كالغطاء العادي، ويجوز لها أن تغطي وجهها حال النوم ونحوه لأن الراجح أن المحظور هو مخيط الوجه وليس تغطية الوجه.
    ولا يجوز أن تلبس القفازين، ولكن يجب أن تغطيهما أمام الرجال الأجانب بإدخال اليدين في العباءة ؛ لحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ".. ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين " أخرجه البخاري.

    و يعتقد بعض النساء جواز كشف الوجه أمام الرجال ما دامت محرمة وهذا خطأ، والواجب تغطيته ؛ ومن الأدلة على ذلك:
    قول فاطمة بنت المنذر رحمها الله :"كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ، وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ" أخرجه مالك عن هشام بن عروة بن الزبير عن زوجته فاطمة بنت المنذر بن الزبير به، وهذا إسناد صحيح.
    وكثير من النساء القادمات للعمرة يكشفن وجوههن أثناء الإحرام وبعده، حتى أصبح كشف الوجه ظاهرة في الحرم، فلابد أن تعلم المرأة أن كشفها للوجه أمام الرجال الأجانب أمر محرم شرعاً، والواجب عليها التوبة إلى الله وستره أمام الرجال الأجانب.
    والنهي هنا للمُحْرمةِ عن لُبْس المخيط على الوجه واليدين، ومخيط الوجه كالنقاب، والبرقع، واللثام، ومخيط اليد كالقفاز، ويجوز لها أن تغطيهما بغير مخيط ولو كان ملامساً للوجه واليدين؛ لأن النهي عن النقاب والقفاز لا يعني النهي عن تغطية الوجه والكفين؛ كما أن النهي عن القميص للرجال لا يعني وجوب كشف الظهر والعاتقين؛ ويؤكد هذا الفهم قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت :" الْمُحْرِمَةُ تَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ مَا شَاءَتْ إِلاَّ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ وَلاَ تَتَبَرْقَعُ وَلاَ تَلَثَّمُ وَتَسْدُلُ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهَا إِنْ شَاءَتْ" أخرجه البيهقي بسندٍ صحيح كما قال الألباني في الإرواء(4/212).
    قال ابن تيمية رحمه الله في منسكه (مجموع الفتاوى 26/112-113) :"وأما المرأة فإنها عورة، فلذلك جاز لها أن تلبس الثياب التي تستتر بها، وتستظل بالمحمل، لكن نهاها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنتقب، أو تلبس القفازين.. ولو غطت المرأة وجهها بشيء لا يمس الوجه جاز بالاتفاق، وإن كان يمسه فالصحيح أنه يجوز أيضاً.. وأزواجه صلى الله عليه وسلم كن يسدلن على وجوههن من غير مراعاة المجافاة، ولم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" إحرام المرأة في وجهها" وإنما هذا قول بعض السلف، لكن النبي صلى الله عليه وسلم نهاها أن تنتقب، أو تلبس القفازين، كما نهى المحرم أن يلبس القميص والخف، مع أنه يجوز له أن يستر يديه ورجليه باتفاق الأئمة، والبرقع أقوى من النقاب، فلهذا ينهى عنه باتفاقهم ولهذا كانت المحرمة لا تلبس ما يصنع لستر الوجه كالبرقع ونحوه فإنه كالنقاب"اهـ.
    وقال أيضاً كما في مجموع الفتاوى (24/382) :"وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز. وعلى ولي الأمرِ الأمرُ بالمعروف والنهى عن هذا المنكر وغيره، ومن لم يرتدع فإنه يعاقب على ذلك بما يزجره"اهـ.

    20.
    كثير من النساء لا يلبسن الجلباب، وتكتفي بلبس الثوب أو البنطال. والواجب على المؤمنة أن تلبس الجلباب (العباءة) إذا خرجت أمام الرجال، والدليل على ذلك قوله تعالى :" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا" (الأحزاب 59).
    والدليل الثاني على وجوب لبس الجلباب : حديث أم عطية رضي الله عنها قالت :"أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ (وهي المرأة التي لم تتزوج) فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلاَّهُنَّ، قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا" متفق عليه واللفظ للبخاري.

    21. بعض الناس يكتفي بتقصير جزء من شعر الرأس من الأمام والخلف، وهذا التقصير لا يكفي، والواجب أن يعمّ جميع الرأس بالحلق أو التقصير على الأرجح من أقوال أهل العلم، لقوله تعالى :"مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ".

    22.
    المرأة الحائض يجوز لها أن تحرم بالعمرة ولكن لا تطوف بالبيت حتى تطهر. وإذا كانت تخشى أن يرجع أهلها من مكة وهي لم تطهر وهي مضطرة للرجوع معهم، فالحل هنا : أن تشترط في الإحرام "فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" فإذا رجع أهلها وهي لم تعتمر تحللت ورجعت معهم ولا شيء عليها، والحل الآخر: أن لا تحرم وتدخل مكة بدون إحرام، فإن رجع أهلها وهي لم تطهر رجعت معهم ولا حرج عليها؛ لأنها لم تحرم، وإن طهرت وهي في مكة أحرمت بالعمرة كأهل مكة من أدنى الحل كالتنعيم وطافت وسعت وقصرت ؛ لأنها تجاوزت الميقات وهي غير جازمة بالعمرة.
    أما إذا تجاوزت الميقات وهي عازمة على العمرة لكنها لا تريد أن تبقى محرمة عدة أيام قبل الطهر، فالواجب عليها أن ترجع إلى الميقات وتحرم منه ؛ لأنه وجب في حقها الإحرام من الميقات.

    23.
    لا يجوز المرور أمام المصلي إذا كان إماماً أو منفرداً. أما المأموم فيجوز المرور أمامه وبين الصفوف.
    وينبغي على المصلي أن يبتعد عن مكان مرور الناس في الحرم. وعليه إذا كان منفرداً أن يتخذ سترة يصلي إليها ويقرب منها كالجدار والعامود ورف المصاحف ونحو ذلك ولا يضره من مرّ وراء السترة، وأن لا يقل طول السترة عن ذراع. فعن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :"إِذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَىْ أَحَدِكُمْ شَيءٌ وَهُوَ يُصَلِّى فَلْيَمْنَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيَمْنَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" متفق عليه واللفظ للبخاري.
    وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّى فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلاَتَهُ الْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ وَالْكَلْبُ الأَسْوَدُ" أخرجه مسلم. ومرور الرجل أمام المصلي محرم لكنه لا يقطع الصلاة.
    (آخرة الرحل: الخشبة التي يستند إليها راكب البعير وطولها نحو ذراع).
    وأخرج مالك في الموطأ عن نافع :"أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ لاَ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدٍ وهو يصلي، وَلاَ يَدَعُ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ" وهذا من أصح الأسانيد.
    ولا فرق في أحكام السترة بين الحرم المكي وغيره على القول الراجح من قولي العلماء، فإذا كان المرور بين يدي المصلي في غير الحرم محرماً ففي الحرم من باب أولى.
    وقد جاء اتخاذ السترة في الحرم من فعل بعض الصحابة؛ فعن يحي بن كثير قال : " رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَرَكَزَ شَيْئًا أَوْ هَيَّأَ شَيْئًا يُصَلِّي عَلَيْهِ" أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (7/ 13) :"قَالَ: أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ" به، وهذا إسناد صحيح.
    وعن صالح بن كيسان قال :"رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّي فِي الْكَعْبَةِ، وَلَا يَدَعُ أَحَدًا يَمرُّ بين يَدَيْه". أخرجه أبو زرعة الرازي في تاريخه الدمشقي (ص:526) قال :"حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ (الفضل بن دكين) قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ" به. وهذا إسناد صحيح، وأخرجه أيضاً ابن أبي الجعد في مسنده (1/423) من طريق أبي سلمة عن ابن كيسان بمثله.
    أما حديث المطلب بن أبي وِداعة رضي الله عنه :"أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ سُتْرَةٌ" فضعيف. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة ومداره على كثير بن كثير بن المطلب أنه سمع بعض أهله يحدث عن جده المطلب بن أبي وداعة به، وأعله ابن رجب وابن حجر لأن في إسناده من لا يعرف، وضعفه من المعاصرين الألباني وابن باز رحمهم الله جميعاً.

    24.
    ما يفعله بعض الناس من تَكرار العمـرة إذا وصـل إلى مكة لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يستحب تكرار الطواف سبعة أشواط وركعتان بعده بدون إحرام.

    25.
    من بدع بعض المعتمرين ذهابهم إلى غار حراء، وغار ثور، وجبل عرفة وشاخصه، والتبرك بها والدعاء أو الصلاة عندها، والكتابة عليها.
    ومن البدع أيضاً التبرك بالمكتبة الموجودة أمام ساحة المسعى أو الصلاة أو الدعاء عندها أو الكتابة عليها، بل بعضهم يستقبلها ويستدبر الكعبة، كل هذا ظناً منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد فيها، وهذا غير صحيح، ولو سلمنا جدلاً صحة مولد الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، فإن هذا لا يعني تخصيص هذا المكان بأي نوع من العبادة، فقد اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم واعتمر أصحابه ولم يذهبوا إلى غار حراء ولا إلى المكان المزعوم لمولد النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان في الذهاب إلى هذه الأماكن فضل لسبقونا إليه، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ" متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها، وفي رواية لمسلم :"مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ". ومن أحب النبي صلى الله عليه وسلم اتبعه ولم يبتدع في دينه.

    26.
    المسافر القادم للعمرة يسن له في الطريق القصر والجمع، أما أثناء بقاءه في مكة فيسن له أن يقصر فقط، أما الجمع فجائز له وتركه أفضل. فعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال :" كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَإِذَا زَاغَتْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ" متفق عليه واللفظ للبخاري. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال :" كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ"متفق عليه. وعن أنس رضي الله عنه قال :" كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَجْمَعُ بَيْنَ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي السَّفَرِ" أخرجه البخاري.
    وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال :"خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَكَانَ يَجْمَعُ الصَّلاَةَ؛ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمًا أَخَّرَ الصَّلاَةَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا" أخرجه مسلم.
    قال ابن قدامة معلقاً على حديث معاذ هذا في المغني (3/131) :"وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ، وَأَقْوَى الْحُجَجِ، فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ : لَا يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَّا إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ وَهُوَ نَازِلٌ غَيْرُ سَائِرٍ، مَاكِثٌ فِي خِبَائِهِ، يَخْرُجُ فَيُصَلِّي الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إلَى خِبَائِهِ.. وَالْأَخْذُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ( مُتَعَيَّنٌ )؛ لِثُبُوتِهِ وَكَوْنِهِ صَرِيحًا فِي الْحُكْمِ، وَلَا مُعَارِضَ لَهُ"اهـ.
    والمشروع في حقه أن يصلي الصلوات الخمس جماعة في المسجد، وإذا صلى في المسجد فيُتِمُّ الرُّباعية متابعة للإمام حتى لو لم يدرك منها إلا ركعة واحدة، هذا هو الأقرب، وهو ما أفتى به ابن عمر رضي الله عنهما، وتتابع عليه جمع من أئمة السلف، كما رواه عنهم ابن أبي شيبة في مصنفه، وأخرج ملك في موطأه قال :"أَخْبَرَنِي نَافِعُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يُقِيمُ بِمَكَّةَ عَشْرًا، فَيَقْصُرُ الصَّلاةَ إِلا أَنْ يَشْهَدَ الصَّلاةَ مَعَ النَّاسِ، فَيُصَلِّي بِصَلاتِهِمْ". وهذا من أصح الأسانيد.

    27.
    من المخالفات المؤلمة ظاهرة المعاكسات من قبل بعض الشباب، وظاهرة التبرج، وتزاحم الرجال والنساء الذين قدموا للعمرة في الأسواق، وكذلك تساهل الآباء والأمهات مع بناتهم في لبس العباءة المتبرجة والذهاب إلى الأسواق بدون محرم، وقد حصل بسبب هذا التساهل مفاسد عظيمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :"مَا تَرَكْتُ بَعْدِى فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ" متفق عليه واللفظ للبخاري. والواجب على المرأة المسلمة أن تقر في بيتها أولاً، فإذا احتاجت للخروج فلابد أن تحتجب عن الرجال الأجانب بلبس الجلباب الواسع (عباءة الرأس الواسعة) ولا يبدو منها شيء؛ لا وجهها ولا يداها ولا قدماها، قال الله تعالى :"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا" (الأحزاب59). وقد بسطت الأدلة في ذلك في رسالة أخرى.

    28.
    نشاهد أحياناً مع الأسف الشديد أن يصلي الرجل بجانب المرأة، أو خلفها في ساحات الحرم، وهذا خطأ كبير. والواجب أن يصلي الرجل مع الرجال، وأن تصلي المرأة مع النساء. فإن أقيمت الصلاة والمرأة بين الرجال ولم تجد طريقاً إلى مكان النساء، فإنها لا تصلي معهم، بل تنتظر حتى تنتهي الصلاة، ثم تذهب إلى مكان النساء. وقد ثبت في السنة تحري المباعدة بين الرجال والنساء في الصلاة كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا" أخرجه مسلم.

    29.
    من الملحوظات التي نشاهدها في الحرم أيضاً : مسك الحذاء باليد اليمنى، ثم يصافح بها، ويأكل بها. والصحيح أن يكون مسك الحذاء باليد اليسرى، فاليد اليمنى لكل ما من شأنه التكريم، واليسرى على خلاف ذلك كالاستنجاء وإزالة الأذى وحمل الحذاء. وقد أخذ أهل العلم هذه الضابط من مجموع أدلة أهمها: حديث عائشة رضي الله عنها قالت :"كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِى شَأْنِهِ كُلِّهِ" متفق عليه، واللفظ للبخاري. والمراد بالتنعل أي البدء بالرجل اليمنى في لبس النعل. وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الْخَلاَءَ فَلاَ يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلاَ يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ" متفق عليه، واللفظ للبخاري.

    30.
    أوصي نفسي وإخواني طلاب العلم في ذهابهم إلى العمرة أن ينشطوا في الأعمال الدعوية والاحتسابية؛ ومن الوسائل المقترحة:

    أ. الإكثار من توزيع الكتب والمطويات النافعة، فلا يذهب أحد إلى مكة إلا وقد حمل معه قدراً كبيراً من ذلك.

    ب.
    الانفتاح مع المسلمين القادمين من أطراف الدنيا والتعرف عليهم أثناء بقائه في الحرم، والحديث معهم بالدعوة إلى الخير والتنبيه على ما وقع فيه من مخالفة شرعية كلبس الدبلة وحلق اللحية والإسبال وأهم من ذلك الحديث عن أصول الاعتقاد؛ كتحقيق التوحيد والولاء والبراء واتباع السنة، والتحذير من مظاهر الشرك والبدع، أو إقامة حلقة لتصحيح التلاوة خصوصا الفاتحة، وصفة الوضوء والصلاة.. وتهديه خلال جلوسك معه كتاباً أو مطوية نافعة، وكذلك ينبغي أن يفعل الأخوات مع النساء فلا تذهب إلى المسجد الحرام إلا ومعها عدد من المطويات أو الكتيبات أو الأشرطة، وبعد انتهائها من الصلاة تتحدث مع هذه وتعطيها شريطاً، وتتحدث مع تلك وتعطيها مطوية وهكذا، أو تقيم حلقة لتصحيح التلاوة، أو تلقي درساً قصيراً في العقيدة أو الأحكام الفقهية المهمة..الخ.

    ج.
    وضع مظروف يشتمل على العباءة الإسلامية وغطاء الوجه والقفاز والشراب الأسود ومعها نشرة عن الحجاب بلغات مختلفة، ويتم توزيعه بأعداد كبيرة على النساء، وأوصي الجمعيات الخيرية بهذه الفكرة.

    د.
    النصح والإنكار الميداني من قبل طلاب العلم على مظاهر البدع والمخالفات الشرعية، وعلى المتبرجات، والسافرات، والمدخنين، وعلى المحلات التي تبيع المحرمات كالعباءات المتبرجة أو الدخان أو المجلات والصحف المحرمة، وأشد من ذلك الذين يتعاملون بالربا، وعلى الفنادق التي تعرض القنوات الفضائية المحرمة، وغير ذلك مما يرى في الحرم والطرقات والأسواق بالرفق واللين والإحسان والكلمة الطيبة.

    31.
    يكثر في المسجد الحرام الصلاة على الجنائز، وصفتها بإيجاز أن يكبر أربع تكبيرات وهو قائم ثم يسلم.
    ففي التكبيرة الأولى يرفع يديه ثم يقرأ الفاتحة، ثم يكبر الثانية ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، والأفضل أن يصلي بالصفة التي أمرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت والأفضل الدعاء بما ورد، ثم يكبر الرابعة ويسلم تسليمة واحدة.

    ومن الأدلة على ذلك:
    حديث أبي هريرة رضي الله عنه :"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَعَى النَّجَاشِىَّ فِى الْيَوْمِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ" متفق عليه.
    وعن طلحة بن عبدالله بن عوف رحمه الله قال :"صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، قَالَ: لِيَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ" أخرجه البخاري.
    وأخرج عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (3/489) (6428) عن مَعمر، عن الزهري، قال سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف رضي الله عنه، يُحدث ابنَ المسيب قال :" السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ أَنْ يُكَبِّرَ، ثُمَّ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ، وَلَا يَقْرَأَ إِلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، ثُمَّ يُسَلِّمَ فِي نَفْسِهِ عَنْ يَمِينِهِ" وهذا إسناد صحيح.
    وأفضل صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي التي علَّمها النبيُ صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم، كما في حديث كعب بن عجرة؛ فعن عبدالرحمن بن أبي ليلى رحمه الله، قال:"لَقِيَنِى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، فَقَالَ: أَلاَ أُهْدِى لَكَ هَدِيَّةً؟ إِنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّى عَلَيْكَ؟ قَالَ: فَقُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ" متفق عليه.
    وأما الدعاء فمما ثبت منه: حديث عوف بن مالك رضي الله عنه يقول :"صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلاً خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، أَوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ. قَالَ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ" أخرجه مسلم.
    وإن دعا له بغير ذلك فلا حرج إن شاء الله تعالى.
    اللهم انفع بهذه الرسالة قارئها، وكاتبها، وناشرها، والحمد لله رب العالمين.
     

    قاله وكتبه: يوسف بن عبدالله الأحمد. في 5/6/1425هـ.

    ثم تمت مراجعتها بتاريخ 1/9/1434هـ وفيها تعديل وتصحيح وإضافات كثيرة مهمة، فأرجو اعتماد هذه النسخة المعدلة وحذف القديمة في أي موقع نشرت فيه النسخة القديمة.
     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    يوسف الأحمد
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • بين الطبيب والمريض
  • مقالات
  • فتاوى شرعية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية