صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    إنه الله المنعم الحكيم

    يحيى بن موسى الزهراني

     
    الحمد لله الذي خضعت لعظمته رقاب العالمين ، ولانت لجبروته عظمة العاصين ، ولا إله إلا الله الحق المبين ، القوي المتين ، ولي الصالحين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، وسبحان الله الداعي إلى جنة عرضها السموات والأرضين ، المحذر من اتباع الشهوات والشياطين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إله الأولين والآخرين ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله كبير المعظمين ، وأول الشافعين ، وأكرم المصطفين ، وسيد البشر أجمعين ، خاتم الأنبياء والمرسلين ، المرسول رحمة للثقلين ، بأعظم كتابين ، من التبديل والتحريف محفوظين ، صلى الله وسلم عليه في العالمين ، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين ، وأصحابه السادة المتقين ، والتابعين من المؤمنين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . . وبعد :
    الله جل وعلا خلق السموات وجعل فيها زينة من كل شيء ، أقمار ، وشموس ، ونجوم ، قال سبحانه وتعالى : { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ } [ الحجر16] ، وقال سبحانه : { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } [ فصلت12] ، وقال تعالى : { أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } [ ق6] ، تأمل أيها المسلم كيف أن الله تعالى جعل هذه السماء زينة ، وأودعها من كل خلق عظيم ، دعوة للتفكر في عظيم خلقه سبحانه ، قال تعالى : { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ } [ الروم8] ، فلا يظنن ظان ، أو يعتقد معتقد أن الله تعالى خلق السموات والأرض عبثاً ، أو باطلاً ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، بل خلق الخلق لحكم عظيمة ، وغايات سامية ، ربما لا تدركها عقولنا القاصرة ، ولهذا حذر الله تعالى من أن يعتقد أحد أنهما خلقتا عبثاً ، فقال سبحانه : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ } [ الأنبياء16] ، وقال عز وجل : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ } [ ص27] ، وقال سبحانه : { مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ } [ الأحقاف3] .
    فتأمل رحمك الله كيف أن السماء والأرض لم تُخلق هدراً ولا عبثاً ، بل خلقتا لأمور لو أدركتها العقول لذهلت ، ولو تأملتها النفوس لتاهت ، ولكن الله جل وعلا أعلمنا شيئاً من حكمة خلقهما .
    فمن حكمة خلق السموات والأرض أن يتفكر الإنسان شدة بنائهما وإتقانه ، وفي عظمة خالقهما ، فيخبت له ويتوب إليه ويلهج بذكره وتسبيحه وحمده ، قال تعالى في سورة آل عمران : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ {190} الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {191} رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ {192} رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ {193} رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ {194} فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ {195} [ آل عمران ] .
    ومن حكمة خلق السموات أن بها النجوم التي يهتدي بها الناس في ظلمات البر والبحر ، وبها يحددون القبلة ، وبها يعرفون الاتجاهات الصحيحة ، فهي دليل عظيم كالبوصلة في وقتنا هذا ، قال الله عز وجل : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } [ الأنعام97] ، وقال تعالى : { وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } [ النحل16] .
    ومن حكمة خلق السموات وما فيها من زينة ، أنها تسجد لله الواحد القهار ، قال تعالى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } [ الحج18] .
    ومن حكمة خلق السموات ، أن الشمس تشرق كل يوم من المشرق ، فإذا كان يوم القيامة أشرقت من المغرب ، فكانت علامة بارزة من علامات يوم القيامة ، ولا ينفع معها إذ ذاك إيمان ولا ندم ، قال سبحانه : { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ } [ الأنعام158 ] .
    عن أبي ذرّ رضيَ اللهُ عنه قال : قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأبي ذرّ حينَ غَرَبَتِ الشمسُ : " أتدري أينَ تَذهَبُ " ؟ قلتُ : اللهُ ورسوله أعلم ، قال : " فإنها تَذهب حتّى تَسجُدَ تحتَ العَرش ، فتستأذنَ فيُؤذَنُ لها ، ويوشِكُ أن تَسجدَ فلا يُقبَلُ منها ، وتستأذِنَ فلاُ يؤذن لها ، فيقالُ لها : " ارجعي من حيثُ جِئتِ ، فتطلُعُ من مَغربها ، فذلك قوله تعالى : { والشمس تَجرِي لمستقرٍّ لها، ذلكَ تقديرُ العزيز العَليم} [ يس 83] [ أخرجه البخاري ومسلم ] .
    وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ، { فَيَوْمَئِذٍ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً } [ الأنعام 158] [ متفق عليه ] .
    ومن حكمة خلق السموات أنها تُراكم السحب فتنزل مطراً تسقي به البلاد والعباد والدواب والأشجار وكل المخلوقات رحمة من الله ومنة ، قال تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ الأعراف57] ، وقال سبحانه : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ الروم46] ، وقال تعالى : { اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ الروم48-50] ، وهناك مزيد من الحكم وليس هذا هو لُب موضوعنا .
    قال تعالى : { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ{9} وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ{10} ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ{11} فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } [ فصلت ] .
    فالله جل وعلا خلق الأرض قبل السماء ، لأنها كالأساس ، والأصل أن يبدأ بالأساس ثم بعده بالسقف كما قال الله عز وجل : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ البقرة29] .
    أما دحي الأرض كان بعد خلق السماء ، وأما خلق الأرض فقبل خلق السماء بالنص ، وبهذا أجاب ابن عباس رضي الله عنهما فيما ذكره البخاري عند تفسير هذه الآية من صحيحه فإنه قال : قال ابن عباس رضي الله عنهما : . . . خلق الله الأرض في يومين ثم خلق السماء ، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ، ثم دحى الأرض ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى ، وخلق الجبال والرمال ، والجماد والآكام ، وما بينهما في يومين آخرين ، فذلك قوله تعالى دحاها وقوله : { خَلَقَ ٱلأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ } فخلق الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام ، وخلق السماوات في يومين ، وهذا قوله تعالى : { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ } [ السجدة4] ، وفي اليوم السابع استوى تعالى على عرشه ، استواءً يليق بجلاله وعظمته وجبروته ، فهو سبحانه { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [ الشورى11] .
    ومن حكمة خلق الأرض أن جعلها طريقاً يسير الناس فيه إلى جنة الخلد وملك لا يبلى ، فهي دار فرار لا دار قرار ، الدنيا دار ارتحال ، وليست دار إقبال .
    هيأها الله تعالى لعباده بمثابة المعين على الطاعة والتقوى ، فهي وسيلة وليست غاية ، فليدرك ذلك كل مسلم عاقل فطن .
    الدنيا سلم للوصول إلى غاية عظيمة يسعى لها المشمرون من هذه الأمة .
    ومن حكمة خلق الأرض أن جعل فيها الأنعام التي تحمل الناس ومنها يأكلون ، قال تعالى : { وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ {5} وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ {6} وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ {7} وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ {8} [ النحل ] .
    وقال سبحانه : { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } [ غافر79] .
    ومن حكمة خلق الأرض أن جعل فيها الأنهار والبحار التي تسير عبرها البواخر والسفن وتنقل الناس من مكان إلى آخر دون عناء أو مشقة لخوض المياه بالأقدام ، وخلق في كل مياه أهلها من الدواب والأسماك التي هي طعام للإنسان ، وفيها من الجواهر واللآلئ ما يستخدمونه للبس والبيع والشراء ، قال تعالى : { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } [ لقمان10] ، وقال سبحانه : { وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ فاطر12] ، فهي نعمة عظيمة ، تُستقبل بالحمد ، وتستوجب الشكر .
    ومن حكمة خلق الأرض أنها مكان سهل ميسر للمشي ، ومكان للأكل والشرب واللباس والتناكح والإيلاد والإيجاد ، وقدر فيها من الأرزاق ما الله به عليم ، قال تعالى : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } [ الملك15] .
    ومن حكمة خلق الأرض للإنسان ما قاله تعالى : { وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ {80} وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ {81} فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ {82} يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ {83} [ النحل ] .
    ماذا أنت فاعل :
    نِعَمٌ وخيرات تترى ، يقدمها الله تعالى لعباده مجاناً ، ولا يطلبهم عليها جزاءً ولا شكوراً ، وكل هذه النعم المذللة والمهيأة ، هي وسائل لراحة بني آدم ، حتى لا يسأم من طاعة ربه تبارك وتعالى ، فكلما ذكر نعمة الله عليه ، اجتهد وجد في العبادة والطاعة ، وكما قال سبحانه : { هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ } [ الرحمن60] ، وقال سبحانه : { لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ } [ فصلت49] .
    بعد هذه المقدمة المتواضعة ، أغوص وإياكم في عمق الموضوع ، وهو مقارنة نعمة الله تعالى على عباده ، مع مقدار طاعتهم وعبادتهم لربهم ، فهل يستويان في الميزان ؟
    هذا ما سنعرفه بعدما تمر بنا الحروف والكلمات والأسطر .
    شُكْرُ المُنْعِمِ جل جلاله :
    الله عز وجل ذلل للعبد كل صعب ، وسهل له طرق البر وعمل الخير ، وهيأ له سبل الطاعة ، ويسر مسالك العبادة ، وجعل للعبد ما تقوم به حياته في طاعة ربه ، فالعبد يأكل ليتقوى على العبادة ، وينام ما تيسر له بالنهار ليقوم بالليل ، ويلبس كي يواري سوأته أثناء صلاته ، وعند ملاقاة الناس حوله ، وهكذا دواليك .
    الله عز وجل وهب للإنسان هواءً يتنفسه ، وماءً بارداً زلالاً يشربه ، ليتقوى به على عبادة ربه .
    وركب سبحانه في الإنسان وظائف وأعضاء ، فهي نعم جليلة القدر ، عظيمة الفائدة ، لو فقد بعضاً منها لمات الإنسان ، قلب ، وعقل ، وشرايين ، وأوعية دموية ، وكلى ، وكبد ، وطحال ، ومريء ، وبلعوم ، ولسان ، وأذن ، وعين ، وأسنان ، وغيرها كثير ، لو فقدت نعمة البصر ، فكيف تُبصر أهلك وذويك ؟ ولو فقدت نعمة اللمس ، فكيف تشعر بخشونة الأشياء من ليونتها ؟ ولو فقدت نعمة السمع ، فكيف تسمع من حولك ، كيف تخاطبهم ويخاطبونك ؟ ولو فقدت نعمة النطق ، فأيضاً كيف تتحدث مع من حولك ؟ ولو فقدت نعمة الكلى ، فكيف ستستطيع العيش بدونها ، وكذلك الكبد ، وعلى ذلك فقس ، فهلا تفكرنا في هذه النعم التي في أجسادنا ، قال تعالى : { وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ } [ الذاريات21] .
    وفي خلق أنفسكم دلائل على قدرة الله تعالى , وعبر تدلكم على وحدانية خالقكم , وأنه لا إله لكم يستحق العبادة سواه , أغَفَلتم عنها , فلا تبصرون ذلك , فتعتبرون به ؟
    وفي أنفسكم آيات أيضاً من مبدأ خلقكم إلى منتهاه ، وما في تركيب خلقكم من العجائب أفلا تبصرون ذلك ، فتستدلوا به على صانعه وقدرته .
    أليست نعماً عظيمة من الله ؟ فهل شكرنا الله على هذه النعم العظيمة ؟
    إن من الناس من لا يعرف الله ، لا في الشدة ولا في الرخاء ، فهو منكوس الفطرة ، معكوس الخلقة ، مقلوب القلب .
    الكفار كانوا يعرفون الله في الشدة ، ويعصونه في الرخاء ، وهذا ديدنهم ، قال تعالى : { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } [ العنكبوت65] .
    فإذا ركب الكفار السفن في البحر , وخافوا الغرق , وحَّدوا الله , وأخلصوا له في الدعاء حال شدتهم , فلما نجَّاهم إلى البر , وزالت عنهم الشدة , عادوا إلى شركهم , إنهم بهذا يتناقضون , يوحِّدون الله ساعة الشدة , ويشركون به ساعة الرخاء .
    وإن من المسلمين اليوم من لا يعرف الله لا في الشدة ولا في الرخاء ، لا يعرف الصلاة ، ولا يعرف عدد ركعاتها ، ولا يعرف أهمية بيوت الله تعالى ، فهذا أقبح حالاً من الكفار الذين يعصون الله في الرخاء ، ويطيعونه في الشدة .
    ولذلك توعد الله أولئك العصاة من المسلمين بوعيد شديد ، وتهديد أكيد ، إنها النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير ، قال تعالى : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } [ الأعراف179] .
    يقول الله : ولقد خلقنا للنار _ التي يعذِّب الله فيها مَن يستحق العذاب في الآخرة _ كثيرًا من الجن والإنس , لهم قلوب لا يعقلون بها , فلا يرجون ثوابًا ، ولا يخافون عقابًا , ولهم أعين لا ينظرون بها إلى آيات الله وأدلته , ولهم آذان لا يسمعون بها آيات كتاب الله ، فيتفكروا فيها , هؤلاء كالبهائم التي لا تَفْقَهُ ما يقال لها , ولا تفهم ما تبصره , ولا تعقل بقلوبها الخير والشر فتميز بينهما , بل هم أضل منها ; لأن البهائم تبصر منافعها ومضارها وتتبع راعيها , وهم بخلاف ذلك , أولئك هم الغافلون عن الإيمان بالله وطاعته .
    تفكر أيها المسلم في نعم الله التي بين جنبيك ، قلب ينبض ليل نهار ، ولو توقف لفترة وجيزة لمت من فورك ، فهو نعمة عظيمة من أجل نعم الله على الإطلاق ، فهل ترى أن صلاتك لله وصيامك وزكاتك وحجك وبرك وكل أعمال الخير لديك ، تفي بقدر هذه النعمة ؟
    الجواب ولا شك ، كلا ، كلا لن تفي ولو بجزء يسير من حق هذه النعمة .
    النبي صلى الله عليه وعلى جلالة قدره ، وعظيم منزلته ، وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، قال كلاماً عظيماً يسطر بماء الذهب واللؤلؤ لو تدبرناه وعقلناه ، فما أعظم عبادة النبي صلى الله عليه وسلم لربه ، يقوم أكثر الليل حتى تتفطر قدماه ، ويصوم في النهار الحار ، ويبيت الأيام والليالي وهو لم يشبع ، بل يشد على بطنه الحجر والحجرين من شدة الجوع ، دائماً لسانه يلهج بذكر ربه ، ومع ذلك صح عنه من حديث عائشة رضي الله عنها ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : " سَدِّدوا وقاربوا وأبشروا ، فإنه لا يُدخلُ أحداً الجنةَ عملُه ، قالوا : ولا أنتَ يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدَني الله بمغفرة ورحمة " [ متفق عليه ] .
    فمن أنت يا مسكين حتى ترى أنك قد أجهدت نفسك في العبادة وأنت لا تعرف قيام الليل ، وإن قمت قمت بركعة أو ركعتين ، ثم ترى أن لك منة على الله ، وهو سبحانه يمن عليك أن هداك للإيمان ، ولولا ذلك لكنت من الكفار ، أهل النار .
    من أنت أيها العبد الضعيف مقارنة بعبادة النبي صلى الله عليه وسلم ، من أنت ؟ وربما غرتك نفسك ، فترى أنك صائم بالنهار ، قائم بالليل ، وأنت لا تعرف إلا صيام يوم أو يومين من كل شهر ، بل ربما من كل سنة .
    أين عبادتك من ذلك الراهب الذي عبد الله خمسمائة سنة ، ولم يعص الله فيها طرفة عين ، وأترك الحديث لتقرأه بنصه :
    عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللّه عَنْهُ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : " خَرَجَ مِنْ عِنْدِي خَلِيلِي جِبْرِيلُ آنِفاً فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بَالْحَقِّ ، إِنَّ للّهِ عَبْداً مِنْ عِبَادِهِ ، عَبَد اللّه خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ في الْبَحْرِ ، عَرْضُهُ وَطُولُهُ ثَلاَثُونَ ذِرَاعاً في ثَلاَثِينَ ذِرَاعاً ، وَالْبَحْرُ مُحِيطٌ بِهِ أَرْبَعَةُ آلاَفِ فَرْسَخٍ مِنْ كُلِّ نَاحِيةٍ ، وَأَخْرَجَ لَهُ عَيْناً عَذْبَةً بِعَرْضِ الأَصْبُعِ ، تَفِيضُ بِمَاءٍ عَذْبٍ ، فَيَسْتنْقِعُ في أَسْفَلِ الْجَبَلِ ، وَشَجَرَةُ رُمانٍ تُخْرِجُ لَهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ رُمَّانَةً يَتَعَبَّدُ يَوْمَهُ ، فَإِذَا أَمْسَى نَزَلَ فَأَصَابَ مِنَ الْوَضُوء ، وَأَخَذَ تِلْكَ الرُّمَّانَةَ فَأَكَلَهَا ، ثُمَّ قَامَ لِصَلاَتِهِ فَسَأَلَ رَبَّهُ عِنْدَ وَقْتِ الأَجَلِ أَنْ يَقْبِضَهُ سَاجِداً ، وَأَنْ لاَ يَجْعَلَ لِلأَرْضِ وَلاَ لِشَيْءٍ يُفْسِدُهُ عَلَيْهُ سَبِيلاً ، حَتى يَبْعَثَهُ اللّه وَهُوَ سَاجِدٌ قَالَ : فَفَعَلَ فَنَحَنُ نَمُرُّ عَلَيْهِ إِذَا هَبَطْنَا وَإِذَا عَرَجْنَا ، فَنَجِدُ لَهُ في الْعِلْمِ أَنَّه يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَي اللّهِ ، فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ : أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتي ، فَيَقُولُ : رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي ، فَيَقُولُ : أَدْخِلُوا عَبْدي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتي ، فَيَقُولُ : رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي ، فَيَقُولُ اللّه : قَايِسُوا عَبْدي بِنِعْمَتي عَلَيْهِ وَبِعَمَلِهِ ، فَتُوجَدُ نِعْمَةُ الْبَصَرِ قَدْ أَحَاطَتْ بِعِبَادَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ ، وَبَقِيَتْ نِعْمَةُ الْجَسَدِ فَضْلاً عَلَيْهِ ، فَيَقُولُ : أَدْخِلُوا عَبْدِي النَّارَ ، فَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ فَيُنَادِي : رَبِّ بِرَحْمَتِكَ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ ، فَيَقُولُ : رُدُّوهُ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُولُ يَا عَبْدِي : مَنْ خَلَقَكَ ، وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ؟ فَيَقُولُ : أَنْتَ يَا رَبِّ ، فَيَقُولُ : مَنْ قَوَّاكَ لِعِبَادَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ فَيَقُولُ : أَنْتَ يَا رَبِّ ، فَيَقُولُ : مَنْ أَنْزَلَكَ فِي جَبَلٍ وَسَطَ اللُّجَّة ، وَأَخْرَجَ لَكَ المَاءَ الْعَذْبَ مِنَ المَاءِ المَالِحِ ، وَأَخْرَجَ لَكَ كُلَّ لَيْلَةٍ رُمَّانَةً ، وَإِنَّمَا تَخرُجُ مَرَّة في السَّنَةِ ، وَسَأَلْتَهُ أَنْ يَقْبِضَكَ سَاجِداً فَفَعَلَ ؟ فَيَقُولُ : أَنْتَ يَا رَبِّ ، قَالَ : فَذلِكَ بِرَحْمَتي ، وَبِرَحْمَتي أُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ ، أَدْخِلُوا عَبْدي الْجَنَّةَ ، فَنِعْمَ الْعَبْدُ كُنْتَ يَا عَبْدِي ، فَأَدْخَلَهُ الله الْجَنَّةَ ، قَالَ جِبْرِيلُ : إِنَّمَا الأَشْيَاءُ بِرَحْمَةِ الله يَا مُحَمَّدُ " [ أخرجه الحاكم وقال : صحيح الإسناد ] .
    نعمة البصر ترجح بعبادة خمسمائة سنة ، عَبْدٌ عَبَدَ الله خمسمائة سنة بلا معصية ولا ذنب ، ومع ذلك يدخل النار بعمله ، فكيف بنا نحن ، ونحن لم نبلغ معشار عبادته وطاعته ، لنحن من حطب جهنم لولا رحمة الله تعالى بنا ، ولطفه ومنته علينا .
    فاجتهدوا بالعبادة يا عباد الله ، فأنتم لم تخلقوا إلا للعبادة والدليل قوله تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات56] .
    ومن أعظم العبادة بعد الشهادتين الصلاة ، الصلاة التي نادى بها النبي صلى الله عليه وسلم وهو يودع الدنيا ، ويجود بنفسه الطاهرة ، مقبلاً على الآخرة ، بقوله : " الصلاة ، الصلاة ، وما ملكت أيمانكم " ، قال أنس بن مالك رضي الله عنه : " كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت : الصلاة ، وما ملكت أيمانكم ، حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يغرغر بها صدره ، وما يكاد يفيض بها لسانه " [ أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة ] .
    نعم أيها المسلمون في كل أصقاع الدنيا ، الصلاة عماد الدين ، فإن سقط العماد وقع الدين وانهدم .
    فتوجهوا إلى الله جل جلاله ، واتقوه واخشوه ، فهو المنعم المتفضل سبحانه ، فاعلموا له قدره ، إنه الله جل جلاله .
    أسأل الله تعالى التقوى والمغفرة والرحمة والرضوان ، والعتق من النيران ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على الحبيب محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه .



    كتبه
    يحيى بن موسى الزهراني
    إمام جامع البازعي بتبوك


     

    اعداد الصفحة للطباعة
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    يحيى الزهراني
  • رسائل ومقالات
  • مسائل فقهية
  • كتب ومحاضرات
  • الخطب المنبرية
  • بريد الشيخ
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية