صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • فوائد وفرائد
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    خَلوة قلب
    حين يختلي الحبيب بحبيبه

    أ.وضاح بن هادي
    @wadahhadi1

     
    بسم الله الرحمن الرحيم



    المحتويات


    إنّه الاعتكاف
    خَلوة الروح
    لك في رسول الله
     صلى الله عليه وسلم  أسوةٌ!
    معنى الاعتكاف وحقيقته
    هديه
     صلى الله عليه وسلم  في اعتكافه
    مقصود الاعتكاف الأعظم
    مِن مقاصد الاعتكاف
    غنائم لا تُفوّت!!
    سموم الاعتكاف!!
    مسائل مختصرة مهمة في الاعتكاف
    ما بعد الاعتكاف



    إنّه الاعتكاف


    إنّه الاعتكاف .. حين يخلو الحبيب بحبيبه
    إنّه الاعتكاف .. ملازمةُ الباب .. ولذّة أولي الألباب
    إنّه الاعتكاف .. بيتُ المشاعر .. وحلاوةُ الاختلاء
    إنّه الاعتكاف .. زكاةُ النفس .. وسموُّ الروح
    إنّه الاعتكاف .. عكوفُ القلب على الله تعالى
    إنّه الاعتكاف .. الخلوةُ بالله عن الاشتغال بخلقه
    إنّه الاعتكاف .. لُمام القلب مِن شعثه وشتاته
    إنّه الاعتكاف .. مدرسة الزهد والتواضع
    إنّه الاعتكاف .. ترويض النفس على حياة الشظَف
    إنّه الاعتكاف .. فِطام النفس عن ملذّاتها وشهواتها
    إنّه الاعتكاف .. الغنيمة الباردة
    إنّه الاعتكاف .. فُرصة الفُرص

    خَلوة الروح

    "لا بدَّ لأي روح يُراد لها أنْ تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحوّلها وجهة أخرى . . لا بدَّ لهذه الروح مِن خلوة وعزلة بعض الوقت, وانقطاع عن شواغل الأرض, وضجة الحياة, وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة.

    لا بدَّ مِن فترة للتأمل والتدبر والتعامل مع الكون الكبير وحقائقه الطليقة.

    فالاستغراق في واقع الحياة يجعل النفس تألفه وتستنيم له, فلا تحاول تغييره. أما الانخلاع منه فترة, والانعزال عنه, والحياة في طلاقة كاملة مِن أَسْر الواقع الصغير, ومِن الشواغل التافهة فهو الذي يؤهّل الروح الكبير لرؤية ما هو أكبر, ويدرّبه على الشعور بتكامل ذاته بدون حاجة إلى عرف الناس, والاستمداد من مصدر آخر غير هذا العرف الشائع!"

    سيد قطب رحمه الله
     

    لك في رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أسوةٌ!

    هكذا دبَّر الله لنبيه محمد  صلى الله عليه وسلم  وهو يُعدّه لحمل الأمانة الكبرى، والرسالة الثقيلة، وتغيير وجه الأرض، وتعديل خطّ التاريخ ..
    دبَّر له تلك الخلوة في غار حراء، فقد كان يخلو بنفسه من زحمة الحياة، وصخبها، وشواغلها الصغيرة ..
    كُلّ ذلك ليُعدّه لما ينتظره من أمر عظيم ..
    وبقيت تلك سُنته  صلى الله عليه وسلم  حتى بعد بعثته، فقد كان ينتظر  صلى الله عليه وسلم  شهر رمضان مِن العام للعام ليتسنَّ له الاعتكاف والخَلوة للعبادة، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه – : "أن النبي  صلى الله عليه وسلم  كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله".
    وفي حديث أبي بن كعب – رضي الله عنه - : "أن النبي  صلى الله عليه وسلم  كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسافر عاماً، فلما كان من العام المقبل اعتكف عشرين يوماً"


    ورحم الله الإمام الزهري إذ يقول : "عجباً من الناس كيف تركوا الاعتكاف؟ ورسول الله  صلى الله عليه وسلم  كان يفعل الشيء ويتركه، وما ترك الاعتكاف حتى قُبِض".

     

    معنى الاعتكاف وحقيقته

    أمّا معناه : فهو لزوم بيتٍ مِن بيوت الله بنية طاعة الله تعالى.
    أمّا حقيقته : فهي قطع العلائق عن الخلائق للاتصال والتفرّغ لعبادة الخالق. وكُلّما قويت معرفة العبد بربه؛ كان أكثر قربًا منه، ومحبة له، وأنسًا به.
     
    قيل لأحدهم – وقد اختلى بنفسه في بيته - : أما تستوحش؟ قال : كيف أستوحش وهو يقول : "أنا جليس مَن ذَكَرني".
     
    وفي هذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله : والاعتكاف هو عكوف القلب بكلّيته على الله عز وجل، لا يتلفت عنه يمنةً ولا يسرةً، فإنْ ذاقت الهِمّة طَعْم هذا الجمع اتصل اشتياقُ صاحبها وتأجّجت نيران المحبةِ والطلبِ في قلبه ..
    ثم يقول : وهكذا يجدُ لذّةً غامرةً عند مناجاة ربه، وأُنسًا به، وقُربًا منه، حتى يصير كأنه يُخاطبه ويُسامره، ويعتذر إليه تارة، ويتملّقه تارة، ويُثني عليه تارة، حتى يبقى القلب ناطقًا بقوله : أنت الله الذي لا إله إلا أنت، مِن غير تكلّفٍ له بذلك، بل يبقى هذا حالًا له ومقامًا، كما قال النبي  صلى الله عليه وسلم  : "الإحسان أنْ تعبد الله كأنّك تراه".


    هديه  صلى الله عليه وسلم  في اعتكافه

    لا هديَ أكمل من هديه  صلى الله عليه وسلم ، ولا طريق للمؤمن لمرضاة ربِّه وجنّته إلا من طريقه  صلى الله عليه وسلم .
    وفي هذا ينقل ابن القيّم – رحمه الله - صورة كاملةً لاعتكافه  صلى الله عليه وسلم  كما في كتابه [زاد المعاد 2/85-86]؛ إذ يقول : "وكان إذا اعتكف دخل قُبّته وحْدَه، وكان لا يدخل بيته في حال اعتكافه إلا لحاجة الإنسان، وكان يُخْرِج رأسه مِن المسجد إلى بيت عائشة، فتُرّجله، وتُغسّله وهو في المسجد وهي حائض، وكانت بعض أزواجه تزوره وهو معتكف، فإذا قامت تذهب قام معها يُقلّبها، وكان ذلك ليلاً، ولم يُباشر امرأة مِن نسائه وهو معتكف لا بقبلة ولا غيرها،
    وكان إذا اعتكف طُرِحَ له فراشه، ووُضِعَ له سريره في معتكفه،
    وكان إذا خرج لحاجته مَرَّ بالمريض وهو على طريقه، فلا يُعرِّج عليه ولا يسأل عنه.
    واعتكف مرة في قبة تركية، وجعل على سُدّتها حصيرًا، كُلّ هذا تحصيلاً لمقصود الاعتكاف وروحه، عكس ما يفعله الجُهّال مِن اتخاذ المعتكف موضع عِشْرَةٍ ومَجْلَبة للزائرين، وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، فهذا لونٌ، والاعتكاف النبويّ لونٌ".


    مقصود الاعتكاف الأعظم

    "لما كان صلاحُ القلبِ واستقامتُه على طريقِ سَيرِه إلى الله تعالى مُتوقِّفاً على جَمعِيتِه على الله تعالى، وكان فضولُ الطعامِ والشرابِ وفضولُ المخالَطة وفضولُ الكلام، وفضولُ المنام مما يزيدُه شَعثاً، ويُشتِّته في كلِّ وادٍ، ويَقطعُه عن سيرِه إلى الله تعالى، أو يُضعفه أو يُعوِّقه ويُوقِفُه؛ اقتضَت رحمةُ العزيزِ الرحيمِ بعبادِه أنْ شَرعَ لهم من الصومِ ما يُذهبُ فُضولَ الطعامِ والشرابِ..
    وشرعَ لهم الاعتكافَ الذي مقصودُه وروحُه عُكوفُ القلبِ على الله تعالى.. فيصيرُ أُنسُه بالله بدلاً عن أُنسِه بالخلق، فيُعِدُّه بذلك لأنسِه به يومَ الوحشة في القبور، حين لا أنيسَ له ولا ما يفرحُ به سواه؛ فهذا مقصودُ الاعتكافِ الأعظم.
    ولما كان هذا المقصودُ إنما يتم مع الصوم؛ شرعَ لهم الاعتكاف في أفضلِ أيام الصوم، وهو العُشرُ الأخيرُ من رمضان".
    ابن القيّم رحمه الله


    مِن مقاصد الاعتكاف

    حري بالمسلم الموفق المريد للاعتكاف أنْ يَعرف غاياته ومقاصد تشريعه، ثم يَسعى أنْ يكون مقصده بالاعتكاف موافقاً لها، حتى لا يذهب تعبه وسهره ونصبه هباء، وحتى يفوز بالأجر والرضوان مِن الله تعالى.
     

    ومِن تلك المقاصد العظمى :

    أولًا :
    تحرّي ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، وأولى الناس بشهود ليلة القدر واغتنام نفحاتها وما أعدّه الله للقائمين فيها هو المعتكف؛ كونه قابعًا في المسجد من بداية وقتها وحتى انتهائه. ولذا ثبت عنه  صلى الله عليه وسلم  أنّه اعتكف الشهر كُلّه أوّل مرّة، ثم اعتكف العشر الأواسط، ثم اقتصر اعتكافه على العشر الأواخر لمّا اُعلم أنّ فيها ليلة القدر.
     
    ثانيًا :
    تدريب النفس على إطالة المكث في المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، والمحافظة على الصفّ الأول، وإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، ولا يخفى فيمَ أعدّه الله من الأجور العظيمة لكل فضيلة من تلك الفضائل.
     
    ثالثًا :
    التخفّف مِن مُتَع الدنيا وملذّاتها : كيف لا، وهو الذي أرغم نفسه على أنْ يقبع في ناحية من المسجد، يفترش الأرض، ليس لديه في الغالب إلا وسادة يضع عليها رأسه وغطاء يتغطّى به، وكذا طعامه، فلا يأكل في الغالب إلا ما يأتيه، لا يشترط ولا يتكلّف في ذلك ولا يتطلّع إلى ما ليس له؛ وما ذاك إلا ابتغاء ما عند الله تعالى.
     
    رابعًا :
    حفظ الجوارح عمّا لا ينفع : فاللسان قد اعتكف إمّا على تلاوة كتاب الله تعالى أو ذكره أو أمرٍ بمعروف أو نهيٍ عن منكر، مجتنبًا كل ما يخدش اعتكافه من سِباب أو مِراء أو جِدال، والبصر والسمع وسائر الجوارح كُلّها مُلْجمة بلجام الشرع، فلا يُطلقها إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة.
     
    خامسًا :
    تدريب النفس على الصبر : فالاعتكاف تدريب عملي ومعسكر جاد لترويض النفس على الصبر؛ فصبرٌ على حبس النفس على طاعة الله تعالى، وصبرٌ على ما ألِفه قبل الاعتكاف من متع الطعام والشراب والنوم، وصبرٌ على ما يلاقيه – أحيانًا – مِن مزاحمة الآخرين وضجيجهم ونحو ذلك، وصبرٌ على البُعد عن الزوجة ومباشرتها .. ولا فرصة مواتية لكل هذا كالاعتكاف.
     
    سادسًا :
    ملازمة ذكر الله تعالى وقراءة كتابه : وليس المراد بالذكر أو التلاوة التي تكون بلسان عجول وقلب شغول، بل ما اجتمع فيها ذكر اللسان وحضور القلب .. ولا أعظم فرصة من فرصة الاعتكاف والخلوة والهدوء والتفرّغ التي تجعل لذكرك وتلاوتك مذاقًا أحلى ومعنى أسمى.
     
    سابعًا :
    تربية النفس على قيام الليل : فالمعتكف يتقلّب ما بين صلاة التراويح وصلاة التهجّد وما كَتَبَ الله له أنْ يقوم فيما بينهما، وفي ذلك تربية عملية ودفعة قوية للمواظبة على قيام الليل، والتلذّذ بمناجاة الله تعالى في أوقات السَّحَر.
     
    ثامنًا :
    إحياء سنة عظيمة من أعظم السنن التي هجرها كثير من الناس وهي سنة الاعتكاف، وما ذاك إلا محبة للنبي  صلى الله عليه وسلم ، وتمسّكًا بسنته.
     
    تاسعًا :
    التربية على استثمار كل لحظات العُمُر فيما يعود على النفس بالنفع في الدنيا والآخرة : فالاعتكاف مدرسة حقيقية لحُسن تنظيم الوقت وحُسن استثماره، فأنت ما بين ذكر واستغفار وقراءة للقرآن وتفكُّر ونَظَر ونحو ذلك، فتُصبح الدقيقة لها قيمة هذه حياتك، فكيف بالساعات والأيام!.
     
    عاشرًا :
    فرصة لمراجعة النفس ومحاسبتها في أمور الدين والدنيا : فالاعتكاف فرصة للتفكّر، والمراجعة، والمحاسبة، فينظر الإنسان في أعماله، وما قدم لآخرته، وما هو عليه من صلاح الحال، والاستقامة، ولزوم الصراط المستقيم، ويتلمس مواطن التقصير، فيرجع على نفسه بالإصلاح والتقويم، ولا يبقى سادراً في غفلته حتى يوافيه الأجل.

     

    غنائم لا تُفوّت!!

    أولًا : اجمع في نفسك نيّات عدّة، فالنية تجارة العلماء .. انوي من حين دخولك للمعتكف نيّة إدراك ليلة القدر، ونية الرباط في المسجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، بل واحتساب نومتك وقومتك ..

    ثانيًا :
    حدّد لك هدفاً أو أهدافا واضحة من أول الاعتكاف. فهدف لعدد ختمات القرآن، وهدف للعادات السيئة التي ستتخلّص منها، وهدف للعادات الحسنة التي ستدرّب نفسك عليها .. وهكذا.

    ثالثًا :
    احرص أنْ تعتكف وحدك إنْ كنت من أهل العزيمة والجدّ، وإنْ لم يكن فلتصحب مَن هو مِن أهل الجد والعبادة، ليكن عونًا لك على الطاعة واستثمار الأوقات.

    رابعًا :
    أفضل مكان للاعتكاف ما كان فيه حضور القلب، بعيدًا عن أعين مَن تعرف من الأصحاب والأصدقاء، حتى يكون عونًا لك على مراقبة الله تعالى وتجريد العمل كلّه لله، والقاعدة تقول : أن ما يرجع إلى ذات العبادة مُقدّم على ما يتصل بزمانها ومكانها.

    خامسًا :
    عاهد نفسك وروّضها على عدم النوم في أوقات الليالي، لأجل التفرّغ للقيام وإدراك ليلة القدر، وذلك تأسيًّا بالنبي  صلى الله عليه وسلم ، فقد كان يُحيي ليله كُلّه.

    سادسًا :
    عاهد نفسك على تطليق وسائل التواصل الحديثة كلّها خلال هذه الأيام العشر، فالاعتكاف لا يتحقق مقصوده إلا بتفريغ القلب والنفس عن كل ما يُلهيها عن طاعة الله وذكره.

    سابعًا :
    اصحب معك ورقة وقلم، لتدوّن فيها ما يتخاطر على ذهنك أثناء قراءتك أو تدبرّك أو محاسبتك لنفسك.

    ثامنًا :
    الحرص على تلّمس أوقات إجابة الدعاء، ما بين الأذان والإقامة، أوقات السَّحَر، آخر ساعة من يوم الجمعة، وتفريغ تلك الأوقات في الابتهال إلى الله والدعاء لنفسك وأهلك ووالديك وعموم المسلمين، وخاصّة قول : (اللهم إنّك عفوٌّ تُحب العفو فاعف عنّي).

    تاسعًا :
    لا تُشغل نفسك بتتبّع وتحرّي ليلة القدر، والخوض فيمَ يخوض فيه كثير من الناس في الجزم بأنّ ليلة القدر كانت الليلة الفلانية أو الفلانية، وإنما اجتهد في عشرك كلّها، فيقينا ستكون بإذن الله ممن أدرك ليلة القدر.

    عاشرًا :
    لا حرج في أنْ يكون لك اتصال ما بين حين وآخر لزوجك ووالديك للاطمئنان عليهم، والسؤال عن حاجاتهم.

     

    سموم الاعتكاف!!

    احذر سموم الاعتكاف، بل سموم القلب ومفسداته، وهي :
    1-  فضول الطعام.
    2-  فضول الكلام.
    3-  فضول المخالطة.
    4-  فضول النظر.
    5-  فضول النوم.
     
    فالاعتكاف تدريب عملي على تضييق مجاري الشيطان، وتحقيق حديث النبي  صلى الله عليه وسلم  : "بحسب ابن آدمَ أكلات يُقِمن صُلْبه"، وما ذاك إلا لأنّ قلّة الطعام يُوجب رقّة القلب وانكسار النفس وضعف الهوى وقهر الغضب.
     
    والاعتكاف تدريب عملي على إمساك اللسان عن فضول الكلام، فلا حديث عن الدنيا ومادياتها، ولا حديث عن الأخبار الشخصية وأخبار الزوجة والولد.
     
    والاعتكاف تدريب عملي على الاختلاء بالنفس وتقليل الخلطة بالناس، فوجود الصحبة أو بناء العلاقات الجديدة في الاعتكاف لا شك مدعاة لتجاذب أطراف الحديث والسَّمَر، وربما فَتَح باب اللغو والجِدال والمراء، مقابل تضييع كثير من تلك الأوقات الفاضلات التي حقُّها أنْ تُصرف في ذكر وتلاوة وتدبُّر.
     
    والاعتكاف تدريب عملي على حبس النظر عن كُلّ ما لا يعنيك، فمن حُسْن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه، فلا تنشغل بأفعال الآخرين، ولا تُكثِر النظر في الغادي والرائح، وإنما اجعل نظرك مقتصرًا على كتاب ربك، وفي موضع سجودك.
     
    والاعتكاف تدريب عملي على التخفّف من النوم، إلا ما يتقوّى به المعتكف على إحياء ليله بطاعة الله تعالى، فلا يكن نومك في اعتكافك ونومك في بيتك سواء، ورحم الله وهب بن منبه إذ يقول : "ليس من بني آدم أحب إلى شيطانه من الأكول النوَّام".


    مسائل مختصرة مهمة في الاعتكاف

    المسألة الأولى : حكم الاعتكاف : سُنّة للرجل والمرأة. قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف سنة لا يجب على الناس فرضًا، إلا أنْ يُوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذراً، فيجب عليه.

    المسألة الثانية :
    وقت الدخول للمعتكف : قول جمهور العلماء على أنه يدخل قبل مغرب يوم عشرين أي قبل غروب الشمس من يوم عشرين.

    المسألة الثالثة :
    وقت الخروج من المعتكف : جمهور العلماء على أنه يستحب له أن لا يخرج من المسجد إلا لصلاة العيد، ولكن لو خرج بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان فقد تمَّ اعتكافه. وهذا بالإجماع حتى على قول الجمهور.

    المسألة الرابعة :
    أركان الاعتكاف : الصحيح أنّ للاعتكاف ركن واحد وهو : اللُبْث في المسجد.

    المسألة الخامسة :
    مكان الاعتكاف : قال القرطبي : أجمع العلماء على أنّ الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد. وبالنسبة للرجل لا يصح أنْ يعتكف إلا في مسجد تُقام فيه جماعة حتى لا تفوته الجماعة.

    المسألة السادسة :
    المسجد الذي يصح فيه الاعتكاف : يصح الاعتكاف في المُصلّى الذي يُصلّي فيه الناس، ويصح في سطح المسجد، ويصح في رحبة المسجد، ويصح في منارات المسجد، ويصح في الغرف الملحقة بالمسجد وتُعدّ داخل حوش المسجد، وتصح كذلك في مكتبة المسجد أو مستودع المسجد مادام داخل سور المسجد وملحق بالمسجد وليس منفصلاً عنه، فكل هذه يصح فيها الاعتكاف.

    المسألة السابعة :
    حكم الخروج من المسجد : الخروج من المسجد على ثلاثة أقسام :
    1- قسمٌ لا يحتاج إلى الاشتراط، حيث يُشرع الخروج من المسجد وأنت معتكف ولا يقطع الاعتكاف ولا يحتاج إلى اشتراط، ضبطه العلماء بقاعدة يسيرة جداً، قالوا : ما لا بدَّ للإنسان منه شرعاً أو طبعاً، كالأكل أو الشرب وقضاء الحاجة والعلاج الذي يحتاج إليه حتى لو لم يشترط.

    2- قسمٌ يجوز معه الخروج ولا يقطع الاعتكاف إذا اشترطه الإنسان، فإن لم يشترطه وخرج بطل اعتكافه وانقطع، ويحتاج بعده إلى أن يستأنف نية جديدة للاعتكاف. ضبطه العلماء بقاعدة يسيرة، قالوا : كل قُرْبة غير واجبة : كزيارة مريض، واتّباع جنازة، إن اشترطت فيجوز لك الخروج لعيادة المريض الفلاني أو أن تتبع جنازة الميت الفلاني، وإن لم تشترط فلا يجوز لك الخروج على القول الراجح.

    3- ما لا يصح الاعتكاف معه، سواء اشترطت أو لم تشترط. قالوا : وهو ما يُنافي الاعتكاف كالبيع والشراء، أو الخروج لدوام الوظيفة ونحو ذلك.


    المسألة الثامنة :
    حكم الخروج للتنظّف والاغتسال : لا بأس بالخروج للتنظف والاغتسال وإنْ كان مِن عادته فِعْلُ ذلك كُلّ يوم. ولكنه يبقى المدة التي يحتاج إليها، ولا ينشغل بالحديث الجانبي خارج المسجد أو في دورات المياه.


    ما بعد الاعتكاف

    ها هي دورة الاعتكاف ودورة رمضان قد انتهت، وقد ذاقت فيه النفس لذّة الطاعة، ولذّة الخشوع، ولذّة المناجاة، ولذّة الصبر، ولذّة انهمار الدموع مِن خشية الله وتعظيمه، ولذّة الأنس بالله، ولذّة تفريغ النفس طاعة لله وطمعًا فيما عنده سبحانه ..

    ثم ماذا؟

    إيّاك إيّاك أنْ تَنْقُض كُلّ ذلك البناء، وتقتل إيمانك بالتثاقل إلى الأرض، والإخلاد إلى الكسل، والرضا بالقعود والنكوص.

    فكّلّ تلك الأعمال التي اعتدتها في رمضان وفي الاعتكاف فهي لا تنقطع بانتهاء رمضان. فالقرآن لا يُهجر بمجرّد انتهاء رمضان، بل حافظ على وردٍ ثابت لا تتخلّف عنه، والقيام لم ينقطع، بل حافظ على قيامك ولو بالقليل، والصيام لم ينقطع، فهناك صيام الست من شوال، وصيام الاثنين والخميس وسائر صيام النفل، بل حتى الاعتكاف لم ينقطع، فالاعتكاف ولزوم بيت الله لأجل التفرّغ للعبادة مشروع طيلة السنة، وكذا الأعمال الصالحة كلّها لم تنقطع بانتهاء رمضان.

    ورحم الله بِشْر حين قيل له : إنّ قومًا يتعبدّون ويجتهدون في رمضان فقط، فقال : بئس القوم لا يعرفون لله حقًا إلا في رمضان.

    والله وليُّ التوفيق


     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    وضاح هادي
  • القراءة
  • التربية والدعوة
  • مشاريع قرائية
  • قراءة في كتاب
  • تغريدات
  • أسرة تقرأ
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية