صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    مفهوم الإيديولوجيا
    عبدالله العروي

    قراءة: مبارك عامر بقنه

     
    إن كلمة ايديولوجيا تعني لغوياً، في أصلها الفرنسي، علم الأفكار، ولكنها لم تحتفظ بالمعنى القديم.

    يقال الحزب الفلاني يحمل أدلوجة ونعني بها مجموع القيم والأخلاق والأهداف التي ينوي تحقيقها.

    ومفهوم الأدلوجة يقابل مفهوم الحق: الحق هو ما يطابق ذات الكون، والأدلوجة ما يطابق ذات الإنسان في الكون. نقول أن فلاناً ينظر إلى الأشياء نظرة أدلوجية نعني أنه يتخير الأشياء، ويؤول الوقائع بكيفية تظهرها دائماً مطابقة لما يعتقد أنه الحق.

    أهم استعمالات الأدلوجيا في التأليف المعاصر:


    أولاً: في مجال المناظرة السياسية: يرى في أدلوجته الخاصة عقيدة تعبر عن الوفاء والتضحية وفي أدلوجات الخصوم أقنعة تتستر وراءها نوايا خفية حقيرة لئيمة. وفي الحقل السياسي لا يحكم عليها من زاوية الحق والباطل، وإنما يصفها فقط بالنظر إلى فعاليتها.

    ثانياً: في مجال المجتمع فيدور من أدواره التاريخية: تحدد الأدلوجة أفكار وأعمال الأفراد والجماعات بكيفية خفية لا واعية.

    ثالثاً: في مجال الكائن: كائن الإنسان المتعامل مع محيطه الطبيعي.

    رابعاً: مشترك بين المجالات السابقة.

    نستنتج أن مفهوم الأدلوجة دائماً مزدوج فهو (وصفي نقدي). ويستلزم دائماً مستويين: المستوى الذي تقف عنده الأدلوجة حيث تطن أنها حقيقة مطابقة للواقع (وصفي). والمستوى الثاني الذي يقف عنده الباحث عندما يحكم على الأدلوجة أنها أدلوجة لا تعكس الواقع على وجهه الصحيح (الظاهرة النقدية هي التي تميز مفهوم الأدلوجة عن المفاهيم الأخرى) .

    عهد ما قبل الأدلوجة:


    لا يمكن أن نستعمل المفهوم بكيفية إبداعية إذا كنا نرفض الفكر النقدي (فكر القرن الثامن عشر). إن الفكر السابق للقرن الثامن عشر لم يبدع مفهوم الأدلوجة لأنه لم يكن في حاجة إليه.

    1ـ الإرث الأفلاطوني:


    برزت إمكانية التناقض بين الفكر والوقع. وبرزت الفلسفة اليونانية في تبيين سبب هذا التناقض بين الوجدان والواقع: إما أن الوجدان لا يعكس بوضوح الواقع الحق (عطب في الحواس أو خلل في العقل)، أ, أن قوة خارجية قاهرة تتعمد تغليطه (الغواية).

    2ـ التجربة الإسلامية:


    مفارقة الفكر للواقع برزت عندما أوّلت الفرق حقيقة واحدة في كتاب منزل تأويلات متضاربة. وتعصب المرء واعتناقه لدعوة متناقضة البرهان هي مسألة ليست من قبيل المنطق ولذلك لا تنفع فيها المناظرة الكلامية ـ كما يقرره الغزالي ـ لأن الباعث إلى ذلك هو عداوة مستحكمة ضد الإسلام. والغزالي يطالب بتدخل السلطان لإيقاف الباطني عند حده. ويؤكد الغزالي إن البرهان يقيء المرء السليم عقلاً وعقيدة من السقوط، أما من سقط بالفعل فلم ينفع معه إلا اللجوء إلى القهر. وسبب الغواية هو الشيطان. فالغزالي مُنع من تصور مفهوم الأدلوجة بسبب فرضية الشيطان.

    3ـ مشروع فلسفة الأنوار:


    كان القرن الثامن عشر عهد صراع بين الكنيسة وبين الفلسفة، وكان كل فريق يرى أن الفريق الآخر يحوك مؤامرة ضد النوع الإنساني لغرض غير أخلاقي. والفلاسفة لم يكونوا يجنحون إلى فرضية الشيطان رغم أن عبارة الظلام التي كانوا يلصقونه بالكنيسة توميء إلى ذلك. وبالاستغناء عن فرضية الشيطان فتح الباب أمام البحث في أصل الفكر غير المطابق للواقع فظهر سؤال: كيف نفكر تفكيراً سليماً؟ ثم حور السؤال: كيف نفكر؟ فالأول في نطاق المنطق، والآخر يبحث في جميع المؤثرات في الفكر فهو يهدف إلى تحرير المجتمع من سلطة الموروث الذي لا يعرف له أصل عقلي. قد مهدت فلسفة الأنوار الطريق لظهور مفهوم الأدلوجة. ولم يكشف المشروع إلا عن جانب واحد من جوانب المشكلة ويتعلق الأمر بتأثير أفكار موروثة على الفكر الفردي. دون النظر في أصل تلك الأفكار الموروثة.

    نستخلص من المواقف الثلاثة أن مفهوم الأدلوجة مرتبط ارتباطاً عضوياً بمفهومي المجتمع والتاريخ.

    تقرر فلسفة الأنوار أن الظروف (الأنظمة الاجتماعية والأفكار الموروثة) تكون حجاب (قناع) تمنع الوصول إلى الحقيقة. مع الثورة الفرنسية انتشرت دعوة الأنوار وانتقل الاهتمام من مشروع "علم الأفكار" إلى إصلاح الفكر بالكشف عن الأوهام التي تعكر صفاءه. وأصبحت الألدلوجة تعني تلك الأوهام التي يستغلها المتسلطون. شاع هذا الاستعمال وتطور في مراحل نبدأ بالمرحلة الماركسية:

    1ـ ماركس والمصلحة الطبقية:


    أعطى ماركس لكلمة الألدلوجة أهمية، إذ استعملها في معان مختلفة ومنا النظرية المتعلقة بالأدلوجة كوهم. تأثر بفلاسفة الأنوار إلا إنه كان وارثاً للفلسفة الألمانية والهيغلية خاصة. فماركس يثبت حقيقة الواقع بنقد أوهام الغير. فنقده مضعّف، ينقد أقوالاً كانت ذاتها نقداً لأقوال أخرى. فيلاحظ ماركس أن المقالة المادية التي ترى أن الإنسان وليد الظروف والتربية، وبالتالي إن الإنسان يتغير بتغير الأوضاع وتجديد التربية، تنسى أن الإنسان هو الذي يغير الأوضاع وأن المربي نفسه محتاج إلى التربية. فلا يجب أن ننقد الظروف القائمة بل يجب أن نحلل كيف تكونت تلك الظروف. بالرجوع إلى التاريخ كتطور واقعي (ليميز بين الوعي الصادق(الحكم المطابق للواقع)، وبين الوعي الزائف (الأدلوجة) ). ويرتقي ماركس ويستعمل الأدلوجة استعمالاً حيادياً. فيجعل الفكر الألماني أدلوجي لأنه محدد:

    أـ قومياً لأنه يحصر رؤيته في ألمانيا.
    ب ـ اجتماعياً إذ يعتبر فلسفة الأنوار حقيقة مطلقة.

    2ـ نيتشه وغل المستضعفين:

    يقرر نيتشه أن القيم الأخلاقية الأوروبية ترجع إلى ينبوع واحد. وهي ثقافة المستضعفين الذين أبدعوا قيم العدل والمساواة والخير والضمير، فهدف الأخلاق والثقافة كان الانتقام من تصرفات القوي، وما المسيحية والاشتراكية إلا صورة من غل وحسد الضعفاء. إن مضمون النيتشوية رفض المفاهيم التي شيدت عليها الثقافة الغربية: العقل ، الحقيقة ، الإنسان. ترفض النيتشوية بعنف وتنقد نقداً لاذعاً معتقدات الإنسان المتحضر. وهي قد أغرت العقول لسببين:

    أولاً: لأنها تخاطب نخبة تشك في قيم النصرانية والليبرالية والتي تحيى حياة بلا قيد أو قانون.
    ثانياً: لأنها تحارب المسيحية بسلاح الليبرالية، والليبرالية بسلاح الاشتراكية، والاشتراكية بسلاح العلم الطبيعي.

    فالأدلوجة عند نيتشه هي غل المستضعفين وضحايا الحياة، وإذا كانت عند ماركس قناع يخفي قانون تقدم التاريخ، فهي عند نيتشه يبعد عن الحياة.

    3ـ فرويد ومنطق الرغبة:


    كان من المنتظر أن يتوق علماء النفس إلى أن يروا الدوافع الحيوانية من خلف العقل الواعي بذاته. أن الأحقاب المنسية أهم بكثير من القسم الذي نغفله من تطور الإنسان الطبيعي، علينا أن نصغي إلى همس تلك الأحقاب الذي غطاه ضجيج الوعي، لنكتشف الحقيقة التي تحجبها تركيبات العقل الوهمية. إن الحياة تهدف إلى الاستمرار ليس إلا، ولكي تستمر تستعمل الرغبة، وإن العقل تحت تصرف الرغبة. والتركيبات الذهنية ليست سوى أقنعة تختفي وراءها أهداف الرغبة.

    يرفض فرويد التفسير القائل إن إقناع الفرد مبني على النفس الفردية، بل أن الفرد لا ينفرد إلا بقسم ضيئل جداً من نفسانيته. أما القسم الأكبر فهو نفسانية جمعاوية مشتركة. فالأنا هي وليد التاريخ الغريب، غير متجذر ولا مستقر وعندما يكون الفرد في حشد فإنه يكون مسرخاً لعمليتين:

    أولاً: التماهي مع الآخرين، وبالتالي ينتج التآخي والتغلب على الخوف والقلق.
    ثانياً: تشخيص الأنا، وينتج تخل عن قيود العقل واطراح أعباء المسؤولية.

    الخلاق والأديان والأساطير والأنظمة الاجتماعية والأعمال الفنية والوقائع هي رموز تشير إلى أهداف غريزية تتقمصها الرغبة. فإذا فهمناها على أساس العقل فإنها تقودنا إلى أوهام وبالتالي تستر الحقيقة، وإذا أولناها حسب قانون الرغبة فإنها ترشدنا إلى الحقيقة.

    4ـ مانهايم والأدلوجة السياسية:


    كان الاجتماعيون الألمان ملزمون بنقد المقولات الماركسية، ومما نقدوا به الماركسية:

    1ـ إن نظرية ماركس مبنية على فرضيات عقلانية، والعقل أداة ليس إلا، وكل إنتاجاته مسخرة لأهداف خارجة عن دائرته .

    2ـ إن الماركسية تقرر أن الأدلوجات كلها طبقية ولكناه لا تطلق هذا الحكم على ذاتها فإنها تدعى أن البروليتاريا طبقة كونية تمثل انحلال كل الطبقات فيها. فالطبقة الكونية مثل أعلى وليس واقعاً.

    3ـ إن الماركسية تخدم مصالح طبقة الشغيلة، فهي أدلوجتها.

    وهكذا بنقد العقلانية توصل الاجتماعين الألمان إلى أن المجتمع السياسي هو ميدان الدعوة المعبرة عن المصالح وليس ميدان الحق. وقد استخرج "كارل مانهايم" نظرية علمية في السياسة اعتماداً على مفهوم الأدلوجة. وقد استخلص في كتابه "الأدلوجة والطوبى" ونذكر فيما يخص الميدان السياسي:


    أولاً: جعل من الأدلوجة المفهوم المحوري في علم السياية واجتماعيات الثقافة. تربط الأدلوجات السياسة بمصالح الفئات التي تتصارع لتصل إلى السلطة السياسية. والمصلحة هنا تعني المصلحة الاقتصادية.( كل أدولجة لكي تكسب الإتباع وتكون فعالة، ترى ذاتها حقيقة مطلقة وترى منافساتها غلطاً وزوراً وتدليساً)

    ثانياً: ميز مانهايم بين الأدلوجة والطوبى، فالكلمتان تشتركان في معنى واحد: الابتعاد عن الواقع والعجز عن إدراكه. إلا إن الأدلوجة متعلقة بوضع تجاوزه التطور. والطوبى متعلقة بمستقبل مستبعد التحقيق. وكل منظومة فكرية قد تكتسي صبغة إدلوجية أو طوباوية حسب الظرف التاريخي الذي تظهر فيه (الطوبى ذهنية الطبقات إبان صعودها والأدلوجة ذهنية الطبقات في حالة انحدارها)

    ثالثاً: إن الأفكار السياسية تعبر عن مصالح فئوية. وقد سمى مذهبه المنظورية لكي لا ينعت بالنسبية، والمنظورية هي كل فئة اجتماعية ترى المجتمع من موقع خاص بها تحدده مصالها.

    رابعاً: يرى أن مذهب المنظورية يعين على تحرير الإنسان. وإن مفهومي الأدلوجة والطوبى تندرجان تحت مفهوم واحد وهو الوعي الزائف الذي يقابله الوعي الصادق.

    خامساً: من يقدر على الانتقال من منظور؟ لا يمكن أن يكون معتنق أدلوجة معنية وهو المثقف الحر.

    ـ حاول فقد الماركسية ولكن عندما عممت النظرية: كل فكرة قسم من أدلوجة وكل أدلوجة ستار للمصلحة، تاهت في النسبية ولم تستطع الانفلات منها، وهي صعوبة تواجه كل من يتبنى تلك النظرية، وعاها أو لم يعها.

    للخريطة: (يقول ماركس أن الأدلوجة تخفي مصلحة طبقية ويعلل قوله استناداً إلى تطور التاريخ. يقول نبتشه أن القيم الثقافية أوهام ابتدعاها المستضعفون لتغطية غلهم ضد الأسياد، ويعلل قوله استناداً إلى قانون الحياة. يقول فرويد أن انتاجات العقل تبريرات خلقها الإنسان المتمدن لمعارضة وقع الرغبة ويعلل قوله استناداً إلى طبيعة الإنسان الحيوانية)

    الأدلوجة / نظرة كونية


    ليست الأدلوجة بالنسبة للفرد قناعاً بقدر ما هي أفقه الذهني، فهو لا يستطيع القفز فوق حدودها، هي مرتعة الذهني والمنظار الذيس يرى به ذاته ومجتمعه والكون كله.

    الأدلوجة قناع لمصالح فئوية إذا نظرنا إليها في إطار مجتمع آني، وهي نظرة إلى العالم والكون إذا نظرنا إليها في غطار التسلسل التاريخي وبقدر ما يتأصل مفهوم الأدلوجة/ قناع في مشروع فلسفة الأنوار يتأصل مفهوم الأدلوجة/نظرة كونية في الفلسفة الألمانية.

    1ـ هيغل وروح العصر:


    لم تكتمل نظرية تجمع بين فرضية وحدة العلق الإنساني وبين تنوع الثقافات البشرية إلا في نطاق الفلسة الإلمانية التي استحدثت مع هردر مفهوماً جديداً للتاريخ. وانطلاقاً من فكرة هردر تفرع مفهوم روح العصر ومنه مفهوم الأدلوجة كنظرة إلى الكون.

    إذا كانت أخلاق شعب من الشعوب مطابقة لمحيطه المادري ونطاقه السياسي والاجتماعي فهي بالحرى تلهم أعماله الأدبية والفنية والفكرية. من الواضح إذن أننا لا ندرك الأعمال إلا إذا كشفنا عن الأخلاق التي كانت باعثاً عليها. لقد عبر هردر عن هذه القاعدة بكل وضوح.

    يوجه هردر نقده للتاريخ العقلاني ويطالب أن ينتقل المؤرخ بذهنه إلى وسط الثقافة التي يدرسها عوض أن يترجم كلام تلك الثقافة إلى منطق زمانه.

    الثورة الفرنسية اعتمدت العقل المجرد رمزاً، إلى حد انها شرعت طقوساً لعبادته كإلآه. فكان من الطبيعي أن يلجأ اعداؤها إلى التاريخ ويعتمدوه شعاراً ـ وهذا ما حصل في إطار الفلسفة الألمانية. انتقل مناط الحقيقة من العقل إلى التاريخ.

    أنصار الثورة الفرنسية يوقولن أنها تمثل تحرير العقل من أوهام الاستبداد، وهذه الدعوة باطلة فقد اضطروا إلى استغلال البلاد التي احتلوها ليمولوا حربهم التوسعية.

    يقول هيغل أن دعوة فلسفة الأنوار إلى العقل كانت ضرورية إلا أن العقل في مفهومها كان مجرداً وفارغاً من أي مضمون. والمجرد لا يعطي مقياساً للتعامل مع الواقع. وقد ميزت الفلسفة الألمانية بين العقل المجرد القياسي الصوري التجزيئي "الإعقال" الذي يصلح للفهم فقط، وبين العقل المشخص التركيبي الموضوعي المبطن في الأشياء "حكمة"

    تخلف الدول وراءها قوانين وأعمالاً فنية وغيرها من الآثار ، ويسمى هيغل بالروح الموضوعي تلك المخلفات لأن روح الدول تتجسد في تلك الماديات. تجسدت روما في قوانينها ومصر القديمة في معابدها وثقافة اليهود في العهد القديم. وهذا يعني أن الآثار ليست آثاراً إلا إذا استعادت روحها الأصلية. كذلك لا يستطيع المؤرخ محاورة الآثار المادية إذا لم يهتد إلى إحياء الروح الذي أوحى بها. وهنا يعترضنا مشكلان: هل نبذ عقلية الحاضر شيء ممكن وهل إحياء روح الماضي في استطاعة البشر؟

    يعتقد هيغل أن روح التاريخ واحد لأن قصد التاريخ الإنساني العام هو تحقيق الحرية. ولا يعني التاريخ هنا مجرد الماضي الموروث؛ بل يعين منطق الأحداث ومحركها الباطني.

    كان هيغل يرى في المنطق قانون التاريخ الباطني وفي التاريخ تحقيق المنطق. يعبر عن قانون المنطق هكذا: كل حقيقة هي حقيقة في الآن وغير حقيقة فيما غير الآن. تظهر خطأ في وقت لاحق لوقتها، لكن بالنظر إلى المطلق فهي، كحقيقة مرحلية، ذات قيمة دائمة. ويعبر عن قانون التاريخ هكذا: إن كل ثقافة تمثل الروح المطلق في فترة معينة، فهي بالنسبة للفترة اللاحقة ناقصة، لكنها بالنظر إلى التاريخ العام تامة كاملة.

    ونستخلص أنه من العبث فهم آثار الماضي انطلاقاً من قيم الحاضر، لأن الحاضر لا يمثل المطلق، ويمثل روح كل حقبة المنطق العام الكامن من وراء كل إنتاجاتها. فروح العصر بمثابة المفتاح الذي يعيد الحياة إلى آثار الماضي.

    2ـ ماركس والبنية الفوقية:


    ينتقد ماركس التأليف التاريخي السياسي ويدعو إلى تأسيس تاريخ أعمق يدرس الأسبس الحقيقية للأحداث السياسية. فهو يلتقي مع هيغل الذي كان يبحث عن روح الوقائع، إلا إنه لا يدعي كما يظن هيغل معرفة كل عصر من العصور الماضية ويرى في ذلك ضرباً جديداً من التفسير الكنسي. إذ يرى أن كل حقبة تاريخية تدور داخل معطيات مادية معينة (الموقع الجغرافي، التعداد، الأدوات...) وينطلق ماركس ويقول:" إن الظاهرة الأولى الأساسية في التاريخ، حالياً ومنذ ملايين السنين، هي إنتاج الحياة المادية". تتميز كل حقبة بخصوصية نظامها الانتاجي في حين أن هيغل كان يميز كل حقبة بقدر الحرية التي تضمنها للفرد. فيضع ماركس علاقة الانتاج محل الروح كقوة محركة في التاريخ.

    وأطلق ماركس اسم البنية الفوقية على الإنتاج الفكري من قانون وفلسفة ودين ، وأسم البنية التحتية على النظام المتعلق بالإنتاج المادي. وقال إن الأولى تعبير وانعكاس عن الثانية. ولا أحد ينكر لأن مفهوم البنية الفوقية مرتبط تاريخياً بمفهوم روح العصر.

    3ـ فيبر والنموذج الذهني


    يختلف مشروع ديلثاي، أحد أقطاب الاجتماعيات الألمانية، عن فلسفة هيغل في أنه يستغني عن فرضية وحدة وغاية وكمال التاريخ. لا يعتقد ديلثاي أن للتاريخ هدفا يقدر الإنسان على اكتشافه كما لا يعتقد أن أشكال الذهن تتعاقب على خط واحد صاعد. ويختلف عن تاريخ ماركس في أنه يرفض التمييز بين المعطيات المادية والسوابق الذهنية. فيعتقد أن التاريخ المدون هو دائماً من أحد وجوهه سيرة ذاتية: إن البطل هو الذي يصنع التاريخ وإن المؤرخ الفرد هو الذي يحاور التاريخ ويفهمه.

    إن علم الذهنيات كما تصوره ديلثاي تأسس منهجياً على رفض فلسفة التاريخ الهيغلية والمادية الماركسية، مع المحافظة على مفهوم النظرة ـ إلى ـ الكون، التي ألصقها بالفرد ونزواته النفسانية عوض أن يضيفها إلى دولة أو طبقة. وإذ أكد فيبر ذلك إذ يقول إن الحدث الإنساني لا يخضع لعلة واحدة، فلا سبيل إذن إلى تفسيره وتعليله.

    ولا يرى فيبر فائدة من ربط الذهنيات بالقاعدة المادية، لأنه يرى أن السبب المادي يقود إلى نتيجة مادية لا إلى قيمة. لأن القيمة صفة زائدة على الواقعة يلصقها الفرد بها بكل حرية. إن الذهنيات التي تحددها الظروف هي صورة مطابقة لتلك الظروف، أما الأحكام القيمية فهي التي تكيف الظروف وتجعلها إما إيجابية وإما سلبية. والظروف المادية تفسر تأثير القيم ولكنها تعجز عن تبريرها.

    وعند فيبر لا توجد مطابقة تلقائية بين الواقعة التاريخية وبين صورتها في ذهننا، إن الباحث هو الذي يفرز ظاهرة يجعل منها ميزة أساسية أو قيمة ثم يركب نموذجاً ذهنياً على أساس تلك الميزة ويسميه رأسمالية أو كافينية.

    وجد فيبر علاقة ممكنة بين روح الرأسمالية وأخلاق الكالفينية ثم وقف عند هذا الحد. فمنهج فيبر هو الإمساك عن الحكم على القيم المحورية التي شيدت على أساسها النماذج الذهنية. إن ماركس يضع القيمة في الواقع في حين أن فيبر يفصل القيمة نهائياً عن الواقع. الواقع عنده غير معروف بكيفية جزمية والقيمة ذاتية بالدوام، لا يبررها شيء.

    4ـ الأدلوجة/تصور الكون


    يحاول مانهايم أن يجمع بين موضوعية ماركس وحرصه على كشف الظروف التاريخية المحيطة بالعمل الفكري وبين ذاتية فيبر أهمية الوعي بكل ما يفرضه الباحث على الماضي من أطر ذهنية ناتجة عن همومه وتوجيهاته.

    إن العلم الذي أدعى مانهايم تأسيسه ماهو في الواقع سوى تهذيب لما كان يقوم به عدد من الباحثين قبله ويمكن تسميته: النهج الاجتماعي لتفهم الأعمال الفكرية. قواعده العامة (يهدف إلى تفهم الإنجازات الذهنية، يتجنب الحكم، يتنكب التعليل الأحادي، يرفض التفسيرات النفسانية الفرعية)

    فالنهج الاجتماعي نهج وسط بين الموضوعية الهيغلية ـ الماركسية والأسمية الفيبرية. فهو نهج فضفاض غير دقيق وغير متكامل ، يربط الانجازات الفكرية بمظاهر اجتماعية عامة وعلى مستويات متفاوتة جداً.

    استعمال مفهوم الادلوجة في الغرب المعاصر


    أوضحنا خمسة استعمالات رئيسة:

    أولاً: استعمال القرن الثامن عشر حيث تعني الأدلوجة الأفكار المسبقة الموروثة عن عصور الجهل والاستعباد والاستغفال. فينظر إلى الأدلوجة انطلاقاً من العقل الفردي.

    ثانياً: استعمال الفلاسفة الألمان، وهي تعني الأدلوجة منظومة فكرية تعبر عن الروح التي تحفز حقبة تاريخية إلى هدف مرسوم في خطة التاريخ العام. فينظر إلى الأدلوجة انطلاقاً من التاريخ كخطة واعية بذاتها.

    ثالثاً: الاستعمال الماركسي حيث الأدلوجة منظومة فكرية تعكس بنية النظام الاجتماعي. فينظر إلى الأدلوجة انطلاقاً من البنية الباطنية للمجتمع الإنساني.

    رابعاً: استعمال نيتشه حيث الأدلوجة مجموع الأوهام والتعليلات والحيل التي يعاكس بها الانسان قانون الحياة. فينظر إلى الأدلوجة إنطلاقاً من الحياة كظاهرة عامة تفصل عالم الجماد عن عالم الأحياء.

    خامساً: استعمال فرويد حيث الأدلوجة مجموع الفكرات الناتجة عن التعاقل الذي يبرر السلوك المعاكس لقانون اللذة والضروري لبناء الحضارة. فينظر إلى الأدلوجة انطلاقاً من اللذة وهي ميزة الحيوان وبالتالي ميزة الإنسان الأولى.

    ويمكن أن يقال بصورة عامة إن مستوى تداخل المدارس الخمسة هو مستوى المناظرة السياسية واجتماعيات الثقافة وإن المستوى الذي تحافظ فيه كل مدرسة على هويتها هو مستوى نظرية المعرفة ونظرية الكائن.

    1ـ إن المناظرة السياسية تهدف إلى هتك الحرمة على منظومة فكرية مرتبطة بفئة اجتماعية يجري العمل على تقويض سلطانها. واجتماعيات الثقافة تهدف في الأساس إلى فهم منظومة فكرية ماضية بأمة أو بطبقة أو بحقبة تاريخية أو بشخصية. فاجتماعيات الثقافة تربط كل منظومة فكرية بقاعدة ثابتة: تاريخ عام، أو مجتمع أو طبقة، أ, شخصية. فمادام الهدف هو فهم الماضي، فالماضي يظهر بالضرورة في شكل فكرة. فيمحي في مستوى اجتماعيات الثقافة التمييز بين الموضوعي والذهني. وعندما نريد فهم مظاهر مجتمع ماض، فإننا بالضرورة نهدف إلى ربط علاقات بين فكرات لأن مظاهر المجتمع الماضي تنقلب كلها في نظرنا إلى فكرات. وقبل توجيه الانتقادات إلى اجتماعيات الثقافة لابد من اعتبار خصوصيتها التي نلخصها في نقاط ثلاث:

    أولاً: تستعمل اجتماعيات الثقافة مفهوم الأدلوجة، في مفهوم واسع، دون التقيد بأي فرضية نظرية.

    ثانياً: تقتصر على الفهم من الداخل ولا تطمع أبداً في التفسير بالعلة. نتائجها دائماً ظنية، مبنية على علاقات ذات مغزى بالنسبة لنا، لا بالنسبة للأشياء.

    ثالثاً: تكتسي اجتماعيات الثقافة بالتعريف طابعاً بنيوياً/ تكوينياً واجتماعياً /تاريخياً.

    2ـ المنظومات الفكرية تتسبب في نوع خاص من التفكير. إن معتنق الإسلام يفكر تفكيراً يختلف عن تفكير المشرك أو النصراني. لكن هؤلاء جميعاً يفكرون بكيفية تتماثل شكلاً حيث ينطلقون جميعاً من قيمة مسبقة توحد بين جميع مدركاتهم.

    من المؤلفات المعاصرة التي استخدمت مفهوم الأدلوجة كتاب ماركوزه "الإنسان الأحادي" يهدف فيه إلى إدراك العقلية التي تمكّن المجتمع الصناعي من الاستمرار في التطور حسب قوانينه الضمنية. تقوم تلك العقلية بدور محدد، هو القضاء على كل ما يعارض أو ينفي الضمنية. وتتميز عقلية المجتمع الصناعي بالصبغة العملية الأداتية التسييرية: وتدل على ذلك اللغة المتداولة في البحث العلمي، تصف تلك اللغة السلوك والحركة والعمل ولا تشير أبداً إلى الجوهر أو الحال الدائمة. إناه تبدل الجمل الاسمية بجمل فعلية، والماضي بصيغة الأمر ومضارع الحال بمضارع المستقبل. لا تقول للمرأة: الجمال جذاب، بل تأمرها: استعملي المسحوق الفلاني لتجذبي الرجال. تفقد حينئذ الأشياء هويتها لتصبح أدوات ويصبح الإنسان أداة بين الأدوات.وينفي ماركوزه أن يكون هناك فرق بين المجتمعين الرأسمالي والسوفيتي في هذا المضمار.

    يوجد تناقض بين انضباط الإنسان في نطاق الإنتاج وتشتت رغباته العارمة خارج ذلك النطاق.وهذا ما وظفه فرويد، لا لتحرر الإنسان من عبودية العمل بل لإشباع الرغبة بدون مس بمردودية العمل. فتحولت الرغبة إلى عامل من عوامل الإنتاج الصناعي.

    وقضت أدلوجة المجتمع الصناعي المتقدم على الدعوى الماركسية القائلة إن البروليتاريا نقد حي للرأسمالية. كما تحولت الرغبة إلى وسيلة توفيقية إصلاحية. أصبح الإنسان في المجتمع الصناعي كائناً دجيناً، بلا أفق ولا تاريخ، يميل بطبعه إلى الاستمرار في حالته ولا يتطلع إلى وضعية أسمى.

    هل يمكن إنقاذ الإنسان من الموت البطيء، بما أن البروليتاريا لم تعد تجسد الرفض المطلق وبما أن الرغبة لم تعد مكبوتة يجب أن نبحث عن قوى التغيير في اتجاه غير الاتجاه الذي أشار إليه ماركس وفرويد. والقوى في ضحايا المجتمع الصناعي: في الأقليات العرقية والثقافية وفي الشباب. هذه الفئات وحدها قادرة في نظره على إحياء الطبى الغربية.

    يستعمل ماركوزه مفهوم الأدلوجة في ثلاثة معان:


    1ـ معنى التفكير المعبر عن روح المجتمع الصناعي المتقدم تعبيراً مطابقاً له. وهو التفكير الذي تبلور في مناهج متميزة كالوضعانية المنطقية والتحليل اللغوي والنفسانية السلوكية والاجتماعية الصناعية.

    2ـ معنى الذهنية العامة الملازمة لجميع مظاهر المجتمع الصناعي، من تنظيم الإنتاج والتوزيع إلى الأخلاق والوجدان الفردي.

    3ـ معنى العقلية التي لا ترى في الوجود سوى العلاقات العددية الكمية والتي لا ترى العلاقات الكيفية.

    نستطيع أن نقرر أن دراسة أي واقع اجتماعي عيني يستلزم استعمال ثلاثة مفاهيم متميزة للأدلوجة.

    ـ مفهوم ضيق يطلق على مجموع المنظومات الفكرية التبريرية الجارية في المجتمع المدروس.
    ـ مفهوم واسع يطلق على الذهنية المتحكمة في كل حركات ومنظمات ذلك المجتمع.
    ـ مفهوم أوسع يشير إلى "العلم" في عرف ذلك المجتمع.

    في العالم العربي

    سنأخذ مثال كتاب "الأيديولوجية الإنقلابية" لنديم البيطار فهو يعتقد أن العالم العربي لم يعرف أي إنقلاب منذ ظهور الاسلام إلى اليوم وأن الحال التي يعيش عليها الآن هي حالة انتقال تستلزمإيديولوجية إنقلابية تحل محل الأيديولوجية التقليدية.

    المؤلف لايقدم تحليلاً منهجياً مفصلاً لمفهوم الأدلوجة. يقول المؤلف في الخاتمة إن الكيان العربي قد إنهار تاركاً فراغاً مقلقاً في الأذهان والنفوس. وإن الوضع العربي إنقلابي وأن النفسية العربية غير إنقلابية وأن التسامح مع الأدلوجة التقليدية يقود حتماً إلى الهزيمة.

    يصف شروط الأدلوجةالإنقلابية:


    أولاً: تنسف الفسلفة التقليدية وتبدلها بنظرية ثابتة ومطلقة عن طبيعة الإنسان.

    ثانياً: تتجاوز الحاضر لإحياء الماضي في المستقبل وتحمل تصوراً لمسار التاريخ يقضي على التصور الديني التقليدي.

    ثالثاً: تنفي كل ما يخالفها في جميع الميادين وتقدم أخلاقية جديدة لتعوض الأخلاقية المنهارة.

    رابعاً: تشكل البداية الحق للحرية في المجتمع الإسلامي.



    للتواصل: [email protected]

     

    اعداد الصفحة للطباعة
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    مبارك عامر بقنه

  • مقالات شرعية
  • مقالات تربوية
  • مقالات فكرية
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية