صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • فوائد وفرائد
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    جدل في مقولة: "من التلقين إلى اليقين"

    د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه
    @LMKHOJAH


    بسم الله الرحمن الرحيم


    حين دخلت الفلسفة، ونشأت المعتزلة، وولدت من بعدهما وريثتهما الأشعرية: كان لعلماء السلف موقف حاد، قد لا يفهم سببه عند المبتدئ. فهذه المذاهب تناولت مبدأ العقل بالتبجيل والتقديس، والعقل محور تكريم الإنسان؛ فبه مُيِّز عن البهائم، وبه تُطلب وتُحفظ المعارف، وبه تُوّلد النتائج بأنواع الأقيسة. فهل من مبرر لمثل هذا الموقف من فرق لم يكن لها من ذنب سوى أنها قامت بهذا العقل، فقدمته ورفعت من شأنه، وجعلته شرطا للتصديق والتكذيب؟
    ولم يكن طلب الدليل العقلي على ما أُثبت يوما منكرا، أو هُجرا من القول، وإذا كان كذلك، فتقصي المسائل الدينية، وطرح ما يمكن أن يطرأ عليها من مشكلات، ثم الجواب عنه بهذه الآلة المقدسة الكاملة، هو من أهم الواجبات؛ إذ قد علم أن القناعات العقلية لو ما حصلت، عسر التشكيك فيها، وتبديلها، وكم من مذاهب ودول شتى قامت بمبادئ عقلية محضة، أو بزرع قناعات حملت على التضحية القصوى الكاملة، فدور العقل كدور القلب أو أشد في التوجيه والتأثير للحركات، فليست العاطفة القلبية وحدها ما يحرك، بل القناعة العقلية أقوى عند من ارتقى في باب العلم والمعرفة والإدراك، فهل يصح بعد هذا هدر هذه الميزة الإنسانية؟
    وقد كان هؤلاء الفرق كافة، من الذين نادوا بضرورة العقل مصدرا للفهم، والتلقي، والترجيح، ودخلوا في المسائل الإلهية من: صفات، وقدر.. إلخ مسترشدين بأحكامه، التي وضعت من قبل الحكماء الفلاسفة خصوصا؛ إذ سبقوا في هذا الاتجاه، فقلدهم من بعدهم، ثم جاء اليوم قوم معاصرون، جنحوا لهذا المذهب العقلي تلذذا وإعجابا بما فيه من مباحث عقلية، هي أشبه ما يكون بالعمليات الرياضية، ومن كان صاحب فراغ من الشغل، وكفاية في الرزق، مع ميل للجدل، وحب إعمال العقل: فإنه يجد من نفسه ميلا للمذاهب العقلية، أكثر من تلك الحاصرة المقيدة للعقل بحد وإطار، دع عنك التي تجرم أو تقبح إعماله أصلا، وتطلب تعطيله والتسليم المطلق لما يلقى. ومن ثم ينطلق مع كل ما تطرحه من مسائل وأجوبة، واستيلاد النتائج بحسب ما تعلمه من مبادئ عقلية وضرورات، حتى تلك المسائل الدينية المحضة المتعلقة بالإلهيات، من: صفات، وقدر، وأزل. فإنه يرى العقل المصدر الأول والوحيد لمعرفة جواباتها، إيمانا بأنه معصوم من الخطأ، لكن هل هو كذلك؟
    صحيح أن الإنسان مُيّز بالعقل، لكنه مُيّز كذلك بخاصية أرفع، هي: الوحي. فإنه ألقي إليه بوساطة رسول، كما خلق العقل فيه، فهو بين وحي وعقل، وكلاهما له مطالب عالية، فالفيلسوف قد عرف مطلب العقل، والمتكلم مثله، لكن ما منزلة الوحي عند هؤلاء؟
    يقولون: آمنا بالوحي، واتبعناه. ونحن نفهمه بالعقل، ولو تعارضا قدمنا العقل؛ لأن العقل أساس ثبوت الوحي، فلو قدمنا عليه الوحي، لكان ذلك طعنا فيه، والطعن فيه طعن في العقل أيضا، فتقديم الوحي طعن فيهما جميعا، فلزم تقديم العقل حفظا للوحي والعقل معا.
    هكذا يقرر هؤلاء، وهم فيه يخالفون مخالفة تامة طريقة السلف، الجارية بين التسليم والتعقل، فما كان منها سبيله التعقل والفهم، وإلا كان التسليم هو السبيل، فهذا الخلاف الجذري بين الفريقين في منهج التلقي، وطريقة الفهم، هو ما كان سببا في الجفاء والحدة من علماء السلف تجاه الفلاسفة والمتكلمين؛ إذ رأوا فيهم محرفين مبدلين لأصول ما جاء به الرسول، في قولهم تقديم العقل على النقل إذا ما تعارضا.
    ثم لا يزال المنهج الفلسفي الكلامي إلى اليوم يجري على ذات النسق، الذي جرى عليه أول مرة، وزاده يقينا: تلاقحه مع الفلسفات والمذاهب الغربية، التي اتفقت معه على ضرورة تقديم العقل مطلقا، فكانت سندا قائما تشده وتقويه، بخاصة مع تطور الغرب وسيادته العالمية.
    والجديد في الأمر – ربما- اكتسابه لوجوه جديدة، لها منبت ومشرب سلفي، بدأت في الميل تجاه العقليات كليا، وترك ما كانت عليه من توازن سلفي بين العقل والنقل، فوقع التساؤل عن هذا التحول، الكلي أو الجزئي؛ أن ينحدر من المقام الرفيع إلى المحل الأدنى: أهو الجهل بقدر وحدود علم السلف، أم الهوى والتعصب، أم تقصير في معرفة فضل مذهب السلف؟
    نعم، المنهج السلفي في مقام رفيع؛ لأن الدليل النقلي: دل على فضله في الدين، وأمر باتباعه لكمال فهمه وصدقه، ولأنه منضبط الحدود والمعالم في المعقول والمنقول، جامع بين العدل والإحسان الذي أمر الله تعالى به، وهو معصوم من الخطأ. وكل هذه المزايا ليست للعقل، الذي غاية مقامه من النقل: أن يكون خادمه، الذي يشهد له، ويحاج عنه، ولا يتقدم بين يديه، فضلا أن يعارضه. بل الصحيح منه لا يجد معارضة للنقل في شيء؛ إذ الكل من عند الله تعالى: {ألا له الخلق والأمر}، {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا}.
    فالمنهج السلفي غير تارك للمعقولات، ولا معرض عن إعمال العقل، لكن الفرق بينه وبين الفلسفي الكلامي: أنه لا يتخذه إماما متبوعا، بل خادما متبعا للشرع. فمثله كالعين مع الشمس، فالعين تبصر في ضوئها، لكنها تعمى من دونها، فهي فقيرة إليها، وإن من الخطأ الذي ارتكبه المتكلمون قولهم: "علم السلف أسلم، وعلم الخلف أعلم وأحكم". وتبعهم على هذه الفرية المتأخرون منهم، ومن لحق بركبهم ممن ساء نظرهم إلى منهج السلف كليا أو جزئيا، فهاهم يقولون: إن السلف ليس عندهم إلا التسليم، وأما المعقولات فقد خلوا منها. وهذا تصريح جاهل مغرور، أو جاهل جهلا مركبا؛ إذ إنه لا يعرف، ولا يعرف: أنه لا يعرف. فوصفهم أجنبي عار من الصحة تماما، أو يريدون تنزيله على معنى في نفوسهم بما لا يتنزل!
    لم يكن التسليم المطلق مذهب السلف مطلقا، بل هم بينهما، فحيث كان التسليم هو السبيل: سلموا. وحيث كان للعقل سبيل: أعملوا. لكن ما شأن قوم يظنون: أن العقل له هداية في الإلهيات لا ينفك ولا ينقطع، وأن له جوابا لكل مشكلة من مشكلات الغيب؛ أكان في الصفات أم في القدر أم غيرهما، لكن المطلوب البحث عنه، وعدم الركون إلى التسليم؟
    ثم عند البحث عن حقيقة ظنهم، لا تجد إلا تخبطا، سواء في صفات الله أو القدر أو غيره، ففي الصفات هم فيها على أقوال: الذي نفاها كلها وضم إليها نفي الأسماء أيضا، والذي نفى الأسماء كلها مع إثبات الصفات، والذي أثبتها إلا سبعة، ثم تأول الباقى، ثم عاد ففوض، وفي هؤلاء من أثبت الذاتية، ثم أتى أتباعهم من بعدهم فسلكوا النفي، وآخرون منهم سلبوا النقيضين، ومنهم الذي لم يثبت لله وصفا إلا أنه (نقطة)، هربا من التشبيه، زعم.
    فأي هؤلاء صاحب العقل المتبع، وكلهم يصدر من النفي والتعطيل، والموضوع واحد؟
    وهؤلاء هم الذين قالوا: دلالة النصوص –القرآنية والحديثية– ظنية، وخبر الواحد مردود في العقائد. ولن يجد عدو للإسلام أحسن من هذا الباطل؛ لإبطال العقائد والدين جملة.
    هذا عدا إيجابهم النظر، وجعلهم أول الواجبات: الشك في المسلمات من العقائد. لثبوتها تقليدا بزعمهم، وكان أوائلهم أخذها من المعتزلة، كما أشاروا، ثم تبرأ منها أكابرهم كالجويني، والغزالي، والرازي، والشهرستاني، وهاهم اليوم يعودون لها، يقررونها كمسلمة من المسلمات. فضيقوا بها رحمة الله الواسعة، وحصروا الجنة على شرذمة من المتكلمين قليلة، كما أنكر عليهم بها متقدموهم، فمن ذا الذي يعرف طريقة النظر هذه، من عباد الله المنتشرين في الأرض؟
    فالحاصل: أن تخبط أهل الفلسفة والكلام في باب الدين مشهور معروف، وما حصلوا من وراء ذلك إيمانا، بل شكا وريبا نال كبارهم، وتمنوا على الله لو سلموا من هذا الغرور العقلي، وأقبلوا على دين العجائز، الذين كان إيمانهم –بالقطع- من طريق غير طريق المتكلمين.
    وإذا كان العتب يعود على أتباع المتكلمين، الذين وقفوا على مآسي ومهالك مر بها علماؤهم بسبب طريق العقل هذا، فأكثر العتب على قوم نبتوا على مذهب سلفي، ثم سلكوا سبل الكلام، وفرحوا بطوائف المعتزلة والأشاعرة والفلاسفة، وطاروا وراءهم يبتغون معقولات تروي غليل نفوسهم، وتشفي عليل أرواحهم، كيف يستبدلون الأدنى بالذي هو خير؟!
    فإنهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف؛ إذ ظنوا أنه لا معقولات لديهم، بما يكشف عن نقص معيب، وجهل بحقيقة علم السلف، والجاهل حقه السكوت أو التعلم، فمن ظن أن كتب السلف خلت من المعقولات، فأحرى به أن يقرأ فيها ويتعلم، فلو رجع لـ: كتاب "الإيمان" لأبي عبيد، و"الرد على الزنادقة والجهمية" لأحمد، و"مثله" و"الرد على بشر المريسي" للدارمي، و"الحيدة" لعبدالعزيز الكناني، و"خلق أفعال العباد" للبخاري، و"تأويل مختلف الحديث" للدينوري. وهذه من المتقدمات، وغيرها كثير: لوجد فيها من المعقولات ما لا يبلغ كعبها متكلم أو فيلسوف، لأنها من روح الشريعة والوحي، زاخرة بأنوار النبوة، ساطعة على القلوب ببرهانها. فلو رجعوا لها، وكان فيهم تحرٍّ للعدل وإنصاف وقولة للحق، لأقروا بخطئهم في اتهامهم السلف بالخلو من العقليات، لكنهم ما فعلوا، وحكموا بغير علم، فأخطؤوا ولم يصيبوا، بل أصيبوا في عدالتهم وتقديرهم.
    فهذه مشكلة كبيرة؛ أن يضل قوم بعد هدى، فالذي يكون على مذهب السلف، ثم يرتد إلى مذهب الخلف من فلاسفة ومتكلمة، فقد ضل طريق السنة، وارتد عنها إلى طريق البدعة لاريب، فليس في سلفٍ من صحابة، وتابعين، ومن تبعهم، وأئمة الحديث التالين لهم زمانا، لم يكن فيهم فيلسوف ولا متكلم واحد، بل ذمهم لهؤلاء مشهور معروف، وكثيرة ألفاظهم في هذا، وقد ألف في بيان ذمهم مؤلفات مستقلة كـ: "ذم الكلام" للهروي. فمن اليقين الذي لا يزول: أن من فهم حقيقة مذهب السلف، فإنه مقر بمخالفته لمذهب الأشعرية، فضلا عن المعتزلة أو الفلاسفة، أما الذي يريد أن يوهم بأنه لا فرق، فهو عابث؛ مخدوع أو مخادع.
    وقد حل البلاء من هذا الصنف، الذي اتخذ سلف الأمة ظهريا، فدخل في مشاريع فيها إحياء لمذاهب تقديم العقل، وإيجاب النظر، سواء على مستوى فردي إن كانوا: أساتذة، أو مدربين أو موجهين. أو على مستوى جماعي في مجموعات تدريبية ونحوها. ثم راحوا يقررون تلك المذاهب بطريق مباشر أو غير مباشر، بذريعة حماية الأمة -والشباب خاصة- من الإلحاد والانحراف العقدي، والتشكيك في الإيمان، وتلخصت طريقتهم في: طرح الشبهات، وبحث الأجوبة عنها، أو طلب القراءة في الكتب الطاعنة في حقيقة الإسلام والتدين. وقد يعينوهم على الجواب عنها، أو يتركوهم ليجيبوا عنها بما يظن أنه معهم من المعقولات، ففتح باب شر كبير، جهد السلف قرونا على تربية أتباعهم على تحاشي ذلك والإعراض عنه، ليس حيرة أو ضعفا عن حجة وبرهان، بل اتباعا لمبدأ مهم، هو: ليس صحيحا إمراض السليم؛ ليعرف خطر المرض وماهية الصحة. وما يحتاجه هو: الوقاية. بأن يعرف أسباب المرض، لا أن يذوقه، فإذا ما مرض حينا، عرف ماهية المرض، وجرى في علاجه. لكن طريقة هؤلاء وفكرتهم: إمراض السليم؛ ليعرف خطر المرض ويتوقى منه، وذلك بتجريعه الشبهات كافة، وهو الذي كان في غفلة منها، ثم قد يعان على الدواء، وقد يترك ليبحث بذاته، ويشقى في سبيل الدواء.

    فالذي يدرس تلامذته الشبهات، ويوردها عليهم، يجمع لذلك ما يمكن وروده منها، فحقيقة ما يفعله: جمع أنواع الأمراض لهم ثم تلقيحهم بها؛ لينظر في مقاومة أجسادهم، واليقين أن الجسد لايقوى إلا على لقاح لمرض واحد، لا لقاحات متعددة، فهو معرض للهلاك بسبب هذا الفعل، وهذا يظن أنه يحسن صنعا بما فعل؛ إذ يعتقد أن هذا يؤهل المتلقي للشبهة أن يعرف الجواب عنها، ثم يقوى إيمانه بها، فيخلص من الشكوك، لكن فاته أن يتأمل ويتفكر قليلا:
    كيف لو علقت به الشبهة، فاستعصت على الزوال بكل آية وجواب، فهل هذا ممتنع؟
    كلا، فأذكياء العالم ضل منهم كثير، ولم تكن عقولهم بالقصور، بحيث لا يفرقون بين الحق والباطل، وقد سمعوا من الأنبياء حججا تُسَيّر بها الجبال، وتُقَطَّع بها الأرض، ويُكَلَّم بها الموتى، ثم لم يؤمنوا، ولم يتبعوا؛ إما لجحد مع علم، أو لشبهة علقت استعصت على الزوال، مع كمال عقولهم، إلا أنهم لم يقدروا على التخلص من الشبهة، مثل إنكارهم المعاد، بشبهة: {من يحيي العظام وهي رميم}. ومثل شبهة: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}. ومثل قولهم: {أهؤلاء من الله عليهم من بيننا}. وكشبهة المنكر وجود الله: {قال أنا أحيي وأميت}. فهل آمن النمروذ بآية إبراهيم عليه السلام بالشمس من المشرق؟
    فالحقيقة التي تغيب عن هؤلاء: أن ليس كل شبهة تزول بالعقل والعلم. فثمة شبهات ترسخ في النفوس حتى يموت الإنسان: {ولو جاءتهم كل آية}. ومن أنكر هذا النوع من الحوادث، فليس بأهل لأن يتصدى لعمل نقض الشبهات، فيجعلها قضيته وديدنه، ومشروعه، ولو علم هذه الحقيقة علم اليقين، لأدرك إحكام مذهب السلف، وعلو علمهم، وسداد منهجهم؛ إذ منعوا من طرق الأسماع بالشبهات، وطلبوا إماتتها بهجر أصحابها -ووضعوا الأصابع في الآذان، وهم الأئمة، لئلا يسمعوا كلمة- خشية أن تعلق في نفوس، وبعضها مريضة، أو متهيئة لمرض، فتكون كنوع من الأمراض لا ينفع معها علاج.
    إذن، كيف الصنيع مع شبهات تغزو العقول والنفوس، فتزيح الإيمان من النفوس؟
    الصنيع ليس بتدريس التلامذة –حتى من وصل منهم للدراسات العليا في العقيدة أو غيرها- الشبهات صرفا، ثم الطلب إلى تتبعها في المصادر، حتى يفنوا أعمارهم فيها، فتظلم قلوبهم، ويزول عنها الإيمان واليقين، إنما في طريقين:
    الأول: فتح مراكز تبث اليقين، من طريق نشر العلم الإلهي، واستقبال من اعتراه لوثة شك أو ريب، وعلاج كل حالة على انفراد بما يناسبها من علاج، فليست الأدواء واحدة، ولا الأدوية.
    الثاني: اختيار طائفة من العلماء – وطلبة العلم- الذين رسخوا في مذهب السلف، ولهم اطلاع سابق على جنس الشبهات، ومعرفة بطرق الجواب عنها، ثم العمل على توسيع مداركهم وعلومهم في أنواع الشبهات الجديدة، وأمثل الأجوبة عنها.
    فلا يصلح لمثل هذا العمل - وهو التصدي لعلاج ظاهرة الشك والإلحاد - كل أحد، بل بد فيه من عالم على طريقة السلف، فهذا عنده من العلم والإيمان ما يحميه من لوثة الشبهات، الذي به يدرك ضعفها وهزالتها، وقدرته على الجواب عنها متيسرة، هو الذي يعرف كيف يظهر زيفها، أما الغرّ الصغير، والذي لم يشتغل بعلوم السلف يوما، أو حظه منها قليل، أو لم يرسخ فيها، والذي هو أجنبي عن علوم الشريعة، أو غير مؤهل نفسيا وعقليا، فتالله! إن لمن أعظم الضرر، إقحامه في معارف المشبهين والمضللين، فإن لهم أساليب في الإضلال، وطرق سفسطة لا يفطن لها إلا الخبير، ولا يغرنك مقالة: إن الحق ظاهر لايحجبه باطل. نعم هو ظاهر، لكن هناك من يلبس عليه بأنواع اللبوس، حتى يعمى عنه ضعيف العلم والإيمان، وإن كان لا يضر الراسخ، وأنى لك أن تأمن حال من تلقي إليه هذه الشبهة، أو تحرضه على البحث عنها في مظانها: أن يكون من هذا الصنف. فيكون هذا المنهج سببا في ضلاله، وقد لقينا وسمعنا من دارسين مختصين بعلوم الشريعة والعقيدة من يقول: لقد دمرتنا مناهج البحث العقلي، وعدم التسليم للمسلمات الدينية، كوجود الله، وثبوت المعاد، والنبوات، وصحة دين الإسلام، إلا باستدلال عقلي محض، وتتبع الشبهات التي ترد في هذه المسائل، حتى سرت الشكوك في نفوسنا، وما عدنا نعرف الإيمان كما كنا نعرف، وإننا لنرجو أن نستعيد ما كنا عليه.
    فهذا لا يقوله من يظن به ضعفا في الإيمان والعلم فحسب، مع أن كثيرا ممن يتلقى الشبهات هم من هذا الصنف، بل يقوله أذكياء علم الكلام، الذين جربوا الاستدلال العقلي على المطالب الرئيسة في علم العقيدة، فدخلوا في الحيرة والشك، وهم الأئمة المنظرون المتبعون، فما ظنك بعامي أو نصف متعلم، ليس له حظ من رسوخ أو شيء من العلم؟
    إن الدافع لمثل هذا النوع من التدريس والتدريب على الشبهات، هو: محاولة ترسيخ الإيمان، والقدرة على إجابة الحيران والمشككين. لكن ما يحدث عكس ذلك؛ لأن لهذا الهدف شروطا: الرسوخ في منهج وعلم السلف، وإيمان عميق به، وطول الاشتغال بالعلم، وحفظ الأدلة، مع ذكاء عقلي وفطنة، وقدرة على الجدل. فبهذه الصفات أمكن مقاومة الملحدين والمشككين، لا مجرد دورة عابرة، أو درس لمدة فصل أو سنة، فهذه إنما تعطي أجوبة فحسب، لا تأصيلا، ولا رسوخا، ولا ملكة. وليس كل من ملك أجوبة، فناجح في كل حال، فالشبهات فيها التفاتة وخدع لا تنتهي، وأغلوطات متعمدة لا يفطن لها إلا الراسخون في العلم، فإن حديث العهد بحفظ الكتاب، لا يصلح أن يكون مرجعا في الحفظ، فتردده في الآيات، وخطؤه وارد لحداثته، فلا يقارن بقديم الحفظ، المشتغل به على الدوام، آناء الليل وأطراف النهار، الذي انطبعت صورة الآيات في قلبه، فكأنه ينظر فيها بعينه، فمثله يرد على المخطئ والمشكك في الحرف الواحد، بل ينتصب من خالص حفظه للرد على من غير وبدل في تشكيلة حرف، فكيف بلغ هذا الاتقان، حتى صح أن يكون ذابا عن الكتاب، يكشف من حرّف لفظه؟
    بلغ ذلك بالمراجعة والمداومة بالحفظ والنظر، حتى انطبع القرآن في قلبه، فيراه كالمرأة الصافية، كذلك العلم بالدين والاعتقاد ومنهج السلف، فالتأهل والتصدي للمشككين والملحدين، لا يكون إلا لحافظ للعلم راسخ، مداوم النظر في العلوم، الذي انطبع العلم في قلبه، والفقه في عقله، هو المتصدي المتأهل لذلك، أما عامة الناس فيعلّمون خطوطا عامة في بيان صحة الدين وبطلان ما عداه، لكن محاولات الأساتذة مع التلامذة في الفصول والدورات، صناعة محاور متصد متأهل، ليست ناجحة في كل حال، والعملية برمتها ليست كافية لهذا الهدف، بل خطر على المتلقين، وإن لم يظهر على الكل أو في الحين، فإنه ظاهر لا بد على بعضهم، وفي يوم وحين.
    وكل هذا بفرض أن هؤلاء الأساتذة حسنو النية، لهم مقاصد نبيلة في نصرة الإسلام والسنة والسلف، لكن ما القول فيما إذا كان غرض طائفة منهم نقض مذهب السلف، وهتك السنة؟
    وإن قلة منهم، هم كذلك، وهم الذين شرقوا بمذهب السلف، وكرهوا طريقة السنة، فآل الحال بهم إلى الطعن في سادات السنة ورموزها، كمعاوية رضي الله عنه، بل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قد أدى بهم بحثهم ونظرهم إلى هذه الخطيئة الكبرى، وهم لايرون فيها زلة ولا إثما يستغفر منه، فما ترجو من صنف هذا حاله؛ أن يدل على خير أو يهدي لخير؟
    وهذا فيه دليل قاطع على: أن مثل هؤلاء الطاعنين لا يقصدون ببث الشبهات إلا ترسيخها، وإضلال المتلقين بها، وهم في ثوب العلم والبحث عن الدليل العقلي، ففي قلوبهم مرض، فزادهم الله مرضا،{وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون}.
    إن في تجربة من مضى لعبرة، فليس ما يحدث اليوم من الغرور بالعقل، بحصر الدليل فيه وحده، وإهدار بقية الدلائل: بدعا من الأمر. فقد سبق به الفلاسفة والمتكلمون، فالصادقون من المتكلمين جربوا محاولة تحصيل اليقين فرارا من التلقين، أو نبذ إيمان التقليد إلى إيمان العقل، فما حصلوا يقينا، بل أسفوا وتحسفوا على يقين كان فيهم، ضاع لرعونة فكرية لبستهم حتى تاهوا في مهامه الحيرة والشك، وقد انتشرت تجربتهم وثبتت مقالاتهم في البراءة من منهج الشك، الذي هو طلب الدليل العقلي على قضايا تتعلق بوجود الله، والنبوات، ورفض إيمان التقليد أو التلقين، لكن قوما لم يرفعوا ببراءتهم رأسا، بل راحوا يكذبون عليهم، فلما عجزوا عن التكذيب لجئوا للتأويل القبيح، ومن تعود تأويل النصوص المقدسة، لن يتورع من تأويل نصوص البشر، وإليكم إفادات التائبين من عقيدة اليقين لا التلقين، أو إيمان العقل لا التقليد:
    يقول الجويني: "لقد قرأت خمسين ألفاً في خمسين ألفاً، ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومه الطاهرة، وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام عنها، كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن قد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز. وقال: اشهدوا علي أني رجعت عن كل مقالة يخالف فيها السلف، وأني أموت على ما يموت عجائز نيسابور".
    هذا الإقرار على وضوحه، هو محل تأويل عند السبكي، كتأويل الكوثري رجوع الجويني في باب الصفات على ما ذكر في: "العقيدة النظامية"، فهؤلاء لا يعجبهم إلا ما يدينون به، وبهم قصد تأويل كل كلام لايدينون به، ولو كان ظاهر المخالفة لتأويلهم، كذلك يفعل من تبعهم.
    إن الجويني كان ينتهج طريق النظر في إثبات العقائد، وهو الذي خالف فيه أهل الإسلام، ولم يقف عند نهيهم، يفعل ذلك فرارا من التقليد، لكنه أدركته الحيرة، فتاب وطلب دين العجائز، وما دين العجائز؟ هو التقليد عينه الذي فر منه أولا، ثم عاد إليها يطلبه آخرا.
    وأما الفخر الرازي ففي ترجمته من "لسان الميزان": أوصى بوصية تدل على أنه حسن اعتقاده، وهذه الوصية في ترجمته من كتاب "عيون الأنباء" قال مؤلف الكتاب: أملى في شدة مرضه وصية على تلميذه إبراهيم بن أبي بكر بن علي الأصفهاني … وهذه نسخة الوصية: ...
    وقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم، لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله تعالى، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات، ولا ذاك إلا العلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفية. فلهذا أقول: كل ما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوده، ووحدته، وبراءته عن الشركاء في القدم والأزلية، والتدبير والفعالية، فذاك هو الذي أقول به وألقى الله تعالى به، وأما ما انتهى الأمر فيه إلى الدقة والغموض، فكل ما ورد في القرآن والأخبار الصحيحة المتفق عليها بين الأئمة المتبعين للمعنى الواحد فهو كما هو، والذي لم يكن كذلك .. أقول ديني متابعة محمد سيد المرسلين، وكتابي هو القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما". فقد حذر بأن العقل يتلاشى في المعارضات العميقة، فهذه كلمات ناصح مجرب، عرف حدود العقل، وخطر التوغل به في المعارضات والمناقضات.
    وقال في كتابه: "أقسام اللذات": "لقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فلم أجدها تروي غليلا، ولا تشفي عليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ في الإثبات: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}، والنفي:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي".
    وفي أبيات مشهورة يقول فيها معبرا عن حالة يأس المتكلم الطالب للأدلة العقلية:

    نهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال
    وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال
    ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

    إذا لم يكن هذا براءة من طريق الشك والنظر، فلا ضوء تحت الشمس، وأما الغزالي فله كلام في "المنقذ من الضلال" ينعي فيه على الذي زعم أن الإيمان اليقين حصر على الأدلة العقلية، ويحكي تجربة مر بها، عمل فيها على تحصيل اليقين من طريق الأدلة العقلية، وكان عليه قبلها نبذ كافة العلوم الضرورية من النفس، كونها حصلت من غير استدلال، فجهد جهده حتى وصل إلى ما أمل، من هدم إيمانه، لكن وقع ما لم يحتسب: حيرته في كيفية تحصيل الإيمان من جديد، من طريق العقل، وهو الذي هدم كل ما فُطر عليه من أدوات للاستدلال، فناله العجز عن تحصيل الإيمان بالأدلة العقلية، فترك هذا إلى الدعاء والتضرع حتى رحمه الله، يقول:
    "فلما خطرَت لي هذه الخواطر، وانقدحَت في النفس، حاولتُ لذلك علاجًا، فلم يتيسر؛ إذ لم يكن دفعُه إلا بالدليل، ولم يكن نصبُ دليل إلا من تركيب العلوم الأوليَّة، فإذا لم تكن مسلَّمة لم يمكن تركيب الدليل، فأعضلَ الداءُ ودام قريبًا من شهرين، أنا فيهما على مذهب السفسطة؛ بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال، حتى شفى الله تعالى مِن ذلك المرض، وعادَت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقاً بـها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله".
    هي تجربة طويلة مر بها، نتيجتها: أن اليقين ليس موكولا بالأدلة العقلية، كما يزعم المتكلمون والفلاسفة. وقد ناقضهم أيما مناقضة في هذا، لكنهم مع ذلك يتأولون ويحرفون تجربته عن مواضعها، ويستدلون بتجربته على صحة منهج الشك! هذا مع أنه حذر من سلوك هذا السبيل، كما هو ظاهر كلامه، وبين أن اليقين له طريق آخر غير العقل، هو: النور يقذفه في القلب، وهو القائل أيضا: "أكثر الناس شكا عند الموت أصحاب الكلام".
    وانظر مزيدا من كلامه في "الإحياء" في التحذير من علم الكلام، وتأكيده: أن إيمان الفطرة عند العامة، أحسن وأمكن من إيمان العقل عند المتكلمين:
    "وينبغي أن يحرس سمعه من الجدل والكلام غاية الحراسة؛ فإن ما يشوشه الجدل أكثر مما يمهده، وما يفسده أكثر مما يصلحه، بل تقويته بالجدل تضاهي ضرب الشجرة بالمدقة من الحديد، رجاء تقويتها بأن تكثر أجزاؤها، وربما يفتتها ذلك ويفسدها وهو الأغلب، والمشاهدة تكفيك في هذا بيانا، فناهيك بالعيان برهانا.
    فقس عقيدة أهل الصلاح والتقى من عوام الناس، بعقيدة المتكلمين والمجادلين، فترى اعتقاد العامي في الثبات كالطود الشامخ، لا تحركه الدواهي والصواعق، وعقيدة المتكلم الحارس اعتقاده بتقسيمات الجدل، كخيط مرسل في الهواء، تفيئه الرياح مرة هكذا، ومرة هكذا، إلا من سمع منهم دليل الاعتقاد، فتلقفه تقليدا، كما تلقف نفس الاعتقاد تقليدا".
    ويقول موردا مضرة علم الكلام، وما يثبت به من الشبهات التي لا تزول ولا تحول:
    "فأما مضرته: فإثارة الشبهات، وتحريف العقائد، وإزالتها عن الجزم والتصميم. وذلك مما يحصل بالابتداء، ورجوعها بالدليل مشكوك فيه، ويختلف فيه الأشخاص، فهذا ضرره في اعتقاد الحق، وله ضرر في تأكيد اعتقاد البدعة، وتثبيتها في صدورهم، بحيث تنبعث دواعيهم، ويشتد حرصهم على الإصرار عليه.. أما منفعته، فقد يظن أن فائدته: كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه. وهيهات، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل أكثر من الكشف والتعريف".

    ثم انظر ماذا يقول بعد هذا وتمعن واعتبر:
    "وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي، ربما خطر ببالك: أن الناس أعداء ما جهلوا. فاسمع هذا ممن خبر الكلام، ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة، وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخرى، سوى نوع الكلام، وتحقق أن الطريق إلى المعرفة في هذا الوجه مسدود، ولعمري لا ينفعك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور، ولكن على الندور". "إحياء علوم الدين".
    فقد شهد شاهد من أهلها، وأهل مكة أدرى بشعابها، ومن ذاق عرف، ومن عرف نفسه عرف ربه، {فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تؤفكون}.
    وبعد: فإن الخلل لا يأتي إلا من خلل، وما يحدث من انحراف بعض المنتسبين للمنهج السلفي له أسباب، من أبرزها: جهلهم بحقيقة وفضل مذهب السلف، وافتقارهم لحظ من التزكية. ولا ندري كيف وقعت الغفلة عن تدريس لهاتين المادتين، فإن فيهما وقاية، فالعلم مانع من جهل بقدر السلف، والتزكية وسيلة لطهارة النفس؛ لئلا تقع في أهواء وشبهات.

    أمر آخر نقف به مليّاً عند قولهم: "من التلقين إلى اليقين". فمن ذا الذي يزعم: أنه تلقين محض على ظاهره، كما يلقن الراعي أغنامه، أو السيد عبيده، فينصاعون له لأنه سيدهم. أو الأستاذ تلامذته الصغار، يرددون وراءه ما يعلمهم، دونما فهم إلا الحفظ. أو ربما أيضا كالببغاء الذي يلقن الأحرف والأصوات، فيتعلمها، فينطقها كما البشر؟
    إن الإيمان الذي ينشأ به الإنسان ليس على هذا الضرب من التلقين، كما أوهم هؤلاء، بل هو إيمان له دعائم متعددة، ليس واحدة منها هذا التلقين بمعناه الآنف.
    إنه إيمان الفطرة، التي خلق وجبل الإنسان عليها، كما جبل على طلب الطعام، و الشراب، والنكاح، والحركة، وجلب المنفعة، ودفع المضرة. فكذلك جبلعلى التأله، والتعبد؛ أي البحث عن الإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لا شبه له بالخلق، ليعبده؛ ولذا شهد كل من اشتغل بالدعوة، بسرعة استجابة الناس للإسلام بلا أدنى كلفة، ولولا تشويه يمارس، وإلا لرأيت العالمين مسلمين، وليس لهذا تفسير إلا الفطرة، التي غرست في النفس الإنسانية منذ خلقتها في عالم الذر، وافقتها دعوة الإسلام: {نور على نور}، وهذا قوله تعالى: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون}. والفطرة هنا فسرها السلف من الصحابة ومن بعدهم بأنها: الإسلام. أي ولدوا على معرفة الله تعالى بربوبيته، وأسمائه وصفاته، وتعظيمه، واستحقاقه العبادة. لكنهم يحتاجون لرسول ليعلمهم تفاصيل ما طلب إليهم من الإله الحق المتعالي.
    هذا الإيمان الفطري هو ما أشار إليه المتكلمون سابقا – الجويني، والغزالي، والرازي – بأنه إيمان العامة والعجائز، ونصحوا به، وفضلوه على إيمان العقل بعد تجربة شاقة مريرة، لكن الأتباع لا يفقهون هذا إلى اليوم، ولم يفيدوا من تجارب هؤلاء الأئمة ونصائحهم، بل فارقوا سبيلهم، وخرجوا عما استقروا عليه من قول، وانظر إلى كلمة الجويني، وهو يقول: "والآن قد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، عليكمبدين العجائز. .. اشهدوا علي أني رجعت عن كلمقالة يخالف فيها السلف، وأني أموت على ما يموتعجائز نيسابور".
    وانظر إلى كلمة الغزالي، وهو يقارن بين ما زعم أنهإيمان العامي ذي التقليد والتلقين، وإيمان المتكلم ذي العقل واليقين: "فقس عقيدة أهل الصلاح والتقىمن عوام الناس، بعقيدة المتكلمين والمجادلين، فترىاعتقاد العامي في الثبات كالطود الشامخ، لا تحركهالدواهي والصواعق، وعقيدة المتكلم الحارس اعتقادهبتقسيمات الجدل، كخيط مرسل في الهواء، تفيئهالرياح مرة هكذا، ومرة هكذا".
    فما يفهم من كلامهما إلا التوهين من إيمان العقل، والإشادة بإيمان التقليد والتلقين، وهذا صريح لفظهما، إلا إن تبرع المتعصبون بتحريف كلامهما عن مواضعه، كما فعلوا بغيره!
    فالنتيجة التي شهد بها الحذاق: أن إيمان الفطرة أقوى وأمكن من إيمان العقل؛ لأنه جبلة، والجبلة لا تنكسر، بل تبقى إلى الآخر؛ لذا ترى عتاة المجرمين المعرضين، في لحظة ما هداة مهتدين، كأنهم لم يكونوا يوما كافرين، فهذه فطرهم، ولها ومضات وتوهجات من تحت رماد الإعراض، تنشط من جديد. أما إيمان العقل فلم يعهد عنه إلا الهزات والتذبذبات، وآية ذلك: كفر وجحود كبار المفكرين والعلماء ذوي العقول النيرة، بل حيرتهم. لم تهدهم عقولهم إلى الحق البين حتى هلكوا، كما قيل عنهم: أوتوا ذكاء، ولم يؤتوا زكاء. فلو كان العقل بمجرده هاديا، أو هدايته أقوى من الفطرة، لغلب على أصحابه معرفة الحق والاهتداء به، لكن كثيرا منهم يضلون عن: علم، وسماع، وفهم. ذلك أن إعجاب الذكي بعقله، يذهب به بعيدا في المعارضات لكل قول حق، فيأخذ في البحث عن الشبهات، وتتبع الاعتراضات الدقيقة جدا، ليضل بها؛ حيث إنه يعجز عن الترجيح بسبب التناهي في الدقة، كما العين التي لا ترى الأشياء الدقيقة،فيبقى مترددا في حيرة، لا يدري كيف يترجح الحق، ذلك أن العقل يتلاشى في الدقائق والمضائق فلا يصل إلى برهان ولا ترجيح، وله ألف الأشعري: "تكافؤ الأدلة" في آخر ما ألف، وهذا ما فهمه الرازي بعد لأيٍ واشتغال بالمعقولات على جهة التفصيل، وهو الذي جمع بين قطبي ما يظن أنه أم المعقولات: الفلسفة، والكلام. لكنه عاد مقرا بأن العقل يضل فلا يهتدي في كثرة الاعتراضات العقلية، فقال: " العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلكالمضايق العميقة والمناهج الخفية".
    وكان نصحه بعد التجربة: الرجوع إلى القرآن لطلب الهداية واليقين منه لا المعقولات:
    "وقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فمارأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها فيالقرآن العظيم؛ لأنه يسعى في تسليم العظمةوالجلال بالكلية لله تعالى، ويمنع عن التعمق فيإيراد المعارضات والمناقضات، ولا ذاك إلا العلم بأنالعقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك المضايقالعميقة والمناهج".
    إنه ينصح لمن أراد، أن يعتني بالقرآن لا بالعقل، ليحصل منه الهداية واليقين، فالمدمن قراءة القرآن بفهم، يزداد به إيمانا، وهذا ما يشهد به القراء والمشتغلون بالكتاب، بل ليس ثمة علاج للملحد أو من أخذته الوساوس والشكوك، مثل أن يدمن قراءة القرآن بتمعن وتدبر، فإنه يزيل وحشة قلبه، ويكشف كربة في نفسه، وهذا ما فهمه هذا الإمام الصادق الناصح المخلص في طلب الحق، ولم يأنف من التصريح به، لكن الأتباع في غي وعمى، يأخذون من كلامه –وغيره- ما هو هوى نفوسهم، ويدعون ما نصح به. فقد ثبت بهذا تقدم إيمان الفطرة، فترى العامي يعارض الملاحدة بالكليات دون الجزئيات، ويرد كلامهم باشمئزاز بعموم من القول، مع أنه لا يهتدي إلى تفاصيل الرد، وقد يجد حيرة من بعض كلماتهم، لكنه لا يجد من نفسه قبولا مع ذلك، بل إعراضا وكرها لهم؛ لقوة إيمان الفطرة، وتقدمه على العقل.
    وإيمان العقل، الذي هو إيمان الأدلة العقلية، ليس مرفوضا ولا مرذولا، لكن إذا وضع في مرتبة فوق مرتبته، ووهنت لأجله أنواع الأدلة الأخرى، فحينذاك يرى أنه تجاوز حده، فوجب بيان ما له وما عليه، لا نفيا له ولا إلغاء، بل إنزالا له في مرتبته اللائقة به.
    إن مما ينبغي معرفته: أن إيمان ما يسمى بالتقليد على لسان المتكلمين، والتلقين على لسان المقلدين للمتكلمين، إن أخذ على ظاهره، إنما هو إيمان التقليد لمن وجب تقليده، وهذا ما أشار إليه ابن حزم في الفصل، فليس عيبا ولا نقصا، أن يقلد المسلم نبيه صلى الله عليه وسلم، بعدما ثبتت عنده نبوته، فمن لم يكن في شك من هذا، فلا عليه أن يقلد النبي، لأن إصابة النبي للحق متحققة يقينا، ولا عليه أن يقلد صحابته؛ لأنهم كذلك، والحال أن التقليد سمة البشر جميعا بلا ذم، حتى هذا الساعي وراء اليقين، المعترض على التلقين، إنما هو مقلد في هذا الفلاسفة والمتكلمين. وصورة الأمر: أن الإنسان يعجز عن إقامة البرهان في كل ما يطلبه من أمر دين أو دنيا؛ لعجزه، وضعفه، وجهله. فما قدر على برهنته بنفسه، وإلا طلب التقليد لينتفع بيقين حصل عند غيره، ليصنع منه يقينا لنفسه، ثقة بمن تلقى عنه، كالذي يقبل الخبر عن الغائب، فيصدق المخبر على جهة اليقين، ثقة بأمانته وصدقه، ولو أنه طلب اليقين من لدن ذاته بالمعاينة ونحوها في كل شيء دون تقليد لغيره، لخسر كثيرا من الفرص الخيرة المهمة له، ولا يكاد يفعل هذا أحد يعقل؛ فالعمر يفنى ولما يحقق اليقين إلا في جزء يسير من حوائجه ومطالبه.
    فلا ملامة على مقلد للنبي والصدر الأول في الدين، ما دام مصدقا لهم، مؤمنا بصدق إيمانهم، أما إذا كان في شك من ذلك، فهذا له شأن آخر، فهذا فرضٌجدلٌ لمن زعم: أن الإيمان إما تقليد وتلقين، أو عقل ويقين. وقد تقدم: أن الأدلة على الإيمان أنواع منوعة.منها إيمان الفطرة، فالمسلم لا يَبني إيمانه على نوع واحد من الأدلة، بل قل: لا يُبنى إيمانه.. فالإيمان يحصل بأدلة متعددة بلا تكلف؛ لأنه حاجة بشرية، وجبلة آدمية، فأولها ما فطر عليه منذ أن كان في عالم الذر: {وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا}. ثم بعد نشوئه لا يزال يسمع القرآن، ويرى المصلين، والصائمين والحاجين، والعابدين. فيحدث له بها إيمان يزيد على إيمانه الفطري، وعندما سمع علما أو موعظة زاد في إيمانه، ثم يمشي في الأرض وينظر في بديع الخلق: تنظيما،وجمالا، ودقة.{صنع الله الذين أتقن كل شيء}فيزيده إيمانا، فهو متقلب بين إيمان: الفطرة، والعقل، والسماع، والتقليد، والشواهد، والتجارب.وهكذا يتولد له إيمان من منابع عديدة، وهذا ما يخلق فيه ثباتا وشموخا، ولم يكن إيمانه حصرا على دليل واحد، فما غُرم به المتكلمون والفلاسفة وأتباعهم، على اتساع اشتغالهم بالمعقولات، من تضييق واسع، بحصر الأدلة في دليل واحد في مسائل عدة، مثل إثباتهم النبوة بدليل واحد هو: المعجزة. وغلوهم في إثبات الإيمان بالله بدليل العقل وحده: مخالفة لما عرف من تعدد الأدلة في كل شيء، فلا يعرف لشيء سبب مخلوق واحد. والعجب أنهم ينتقون من الأدلة أضعفها، ويوهنون أقواها وأحسنها، ولو أنهم اتبعوا ما أمر الله به من اتباع وحيه، وتقليد نبيه، ثم صحابته، لأصابوا الحق المنزل، لكن جنحوا فجُنح بهم.
    أما عن عرض الشبهات فنقول: الحق حق، والباطل باطل، وبينهما حق اشتبه بباطل، وأبلغ من هذا قوله عليه الصلاة والسلام: (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه). والمعنى: أن من له دين وعقل، فلا يضل عن الحق والحلال، ولا يضله باطل وحرام، إنما الذي اشتبه والمشتبهات؛ الذي فيه حظ من خير، ومن شر لا يُفطن له، فيجري له ويقوم به، وهو يحسبه خيرا محضا، فهذا لا يتقيه إلا المؤمن.
    فالباطل البين لا يتبعه إلا شقي، أما الصالح فقد يغتر بباطل فيه حق يراه، ولا يرى الباطل، فهذا قد يقع من خاصة الناس، فكيف بعامتهم؛ فإنهم أكثر الناس اغترارا وقبولا للمخادعات بلا فطنة، فيحسنون الظن بما هو شر، لما اقترن به واحتف من خير، وهذا مشاهد معلوم، فوجب إذن على الناصح الأمين: أن يؤمِّنهم في دينهم، ويسعى في حماية عقائدهم وأخلاقهم، حتى لا يفتنوا بباطل شيب بحق، ولا يغتروا بقبيحة زينت بحلي. وماذا يفعل لأجل ذلك، فليس كل أحد يدري ما هو الحق المشتبه بباطل، حتى إن بعضهم قد لا يدري أنه يزين باطلا؟
    إن هذا لهو السؤال الأهم، وعليه جواب لا يستغني عنه ناصح أمين، فمن كان له همّ مخلص في الإصلاح، فإنه لا يزال يحدث الناس بحديث المعلم المشفق، يدل على ما هو خير، ويحذر مما هو شر، وهو بفطرته يعلم: أن عليه الحذر: أن يعبر بكلام فيه تزيين للشر ودلالة عليه.
    وتزيين الشر قد يقع من الناصح، كما يقع من الغاش، فالغاش يقصده قصدا، لكن الناصح يفعله زلة وغفلة، أو لسوء تعبير، فيقع في المحذور، فيكون مروجا للباطل والشر من حيث لايشعر، فكم من مريد للخير لم يبلغه، كالذي يريد نجاة لقومه، فيذهب للعدو يريد تضليلهم، فيدلهم على المسارب والمخابئ ومواضع القوة والضعف، بجهل وسوء تقدير، فمن أراد أن ينصح للناس في دينهم، وعقائدهم، وأخلاقهم، فهو معني بمعرفة طرق النصح التي تهدي فلا تضل، وأن يكون يقظا، حذرا في تعبيراته، وله أن يعبر عن الحق بطرق ثلاث:
    أولها: أن يُعرِّف بالحق صرفا، فلا يتكلم في مقامه الذي هو فيه إلا بالحق وحده، فهذا هو التأصيل، ومثل هذا تجده في كتب الحديث: الصحاح، والسنن، والمسانيد. تحت عناوين: الإيمان، والتوحيد، والسنة، والاعتصام. ونحوها، فيها النصوص من: قرآن، وسنة، وأثر. تقوم على تثبيت الحق المنزل، يذكر، ولا يذكر نقيضه.
    ثانيها: أن يبين الحق ويفسره، فإذا ما مر به -أثناء ذلك- باطل يعارض الحق، عرّض به أو ذكره ذاما مبطلا، فيكون ذكره الباطل ونقضه تبعا، وتبيين الحق أصلا، فهذا هو النقد، وهذا تجده في دواوين ومصنفات العقائد، التي كتبت لإحقاق السنة وإبطال البدعة، مثل: التوحيد لابن خزيمة، والشريعة للآجري، وشرح أصول أهل السنة والجماعة للالكائي.
    ثالثها: أن يخصص كلامه كله في نقض الباطل، فيورد الشبهة لنقضها، فتكون الشبهة الباطلة حاضرة في حديثه؛ حضور المتهم في محكمة، المحبوس في قفص، القاضي فيها نصوص الشريعة، وهذا هو الهدم، وفي هذا كتب، مثل: الإيمان لأبي عبيد، والرد على الزنادقة والجهمية لأحمد، والرد على بشر المريسي للدارمي، والحيدة لعبد العزيز الكناني، وغيرها كثير.
    ونضرب لهذه الطرق الثلاثة مثلا: فهناك من يتكلم بالإلحاد في وجود الله، أو ربوبيته، أو استحقاقه وحده العبادة، أو يشكك في النبوة، والمعاد، أو في الإسلام نفسه. فالسبيل لدحضه:
    إما ببيان الأدلة المتنوعة؛ من: شرعية، وفطرية، وعقلية، وتاريخية، وشواهد، وتجارب. على ثبوت هذه الأصول من الدين، من دون التطرق إلى أدلة الملحدين المشككين، فبيان الحق وحده كاف عند ناس كثيرين، وفي أحوال؛ لتثبيت الإيمان في النفوس. أو يزيد على بيانه هذا، عرضا للشبه الملحدة، ويجيب عن كل واحدة منها في موضعها، حين يمر بها وهو يبين الحق. أو يفرغ لدحض هذه الأنواع من الإلحاد بذمها، وهدمها، ونقضها بكل ما يمكن من الأدلة. مثلما لو أذن مؤذن وكلب يعوي، فإما أن يعرض عنه، فصوت المؤذن أعلى، أو يلقمه حجرا، ويمضي في أذانه، أو يبدأ به فيلجمه بلجام أو يرميه بسهام.
    كل هذه الطرق صالحة ونافعة، وهو ما سلكه السلف الصالح لنقض الشبه الباطلة، وتثبيت الحق المنزل، وكان لهم به السبق والعلو وحسن التوفيق، غير أنه نشأ في الأمة من ترك ذلك كله، وابتدع طريقة أخرى بزعمه يرد بها وينقض شبه الملحدين والمشككين، فماذا كان؟
    لم يكن المنافقون وهم يفسدون يقرون بإفسادهم، بل كانوا يقولون: {إنما نحن مصلحون}، {إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا}، وثمة فريق يفعل الكفر عينه، وهو مطمئن إلى إحسانه جهلا: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا}. فقد أصابهم العمى بما اكتسبت أيديهم، فما عادوا يشعرون بإفسادهم وضلالهم: {وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون}. فهؤلاء إذا ما تكلموا في باطلهم زينوه، وحسنوه بأحسن لفظ وعبارة: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم}. وإن كان ذو إيمان فَطِن لما في قولهم: {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول}. لكن أكثر الناس لا يعلمون، فالفطن المؤمن قليل، وله راج كثير من الباطل بلباس الحق، ذلك الذي حذر الله منه يهود، فقال: {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون}. بهذا اللباس الجميل لفظا وصورة، لما هو قبيح معنى وحقيقة: روج للربا بقولهم فوائد، وللزنا بأنه حب وصداقة، وللخمر بأنه مشروب روحي، وللعبث واللهو بأنه ثقافة، وللاختلاط بحقوق المرأة، وللشذوذ بالمثلية. كذلك للكفر والردة والنفاق بحرية الرأي وقبول الآخر. وقد قال ابن الرومي في مثل هذا:

    فِي زُخْرُفِ القَوْلِ تَزْيِينٌ لِبَاطِلِهِ وَالحَقُّ قَدْ يَعْتَرِيهِ سُوءُ تَعْبِيرِ
    تَقُولُ هَذَا مُجَاجُ النَّحْلِ تَمْدَحُهُ وَإِنْتَعِبْ قُلْتَ ذَا قَيْءُ الزَّنَابِيرِ
    مَدْحًا وَذَمًّا وَمَا خَالَفْتَ وَصْفَهُمَا حُسْنُالْبَيَانِ يُرِي الظَّلْمَاءَ كَالنُّورِ

    كما روجت مذاهب الفلاسفة والكلام بلباس العقل والفكر، حتى نفقت في سوق العامة، ومن به ميل وهوى، ومن هو مفتون مغموص في دينه، ثم تبعهم من ركب الرعونة والخفة في دينه من غير نفاق، فراح يروج لباطل من حيث يريد أن ينبه عليه ويحذر، وكيف ذلك؟
    ذلك حين يعرض لآراء وشبه المبتدعة والملاحدة على أنها: آراء محترمة، أو أن لها قيمة وشأنا يذكر، أو أن لها حجة وبرهانا، أو أنه محايد تجاهها، وأن لأصحابها الحق في الإيمان بها. حين ذاك يكون قد سوى بين الحق والباطل في المرتبة، ورقى الباطل إلى مرتبة الحق بغير حق، ونقضها بعد ذلك غير مفيد، بعدما أشعر السامعين بطريقته تلك: أنها شبه جديرة بالاعتناق.
    كذلك يقع الترسيخ للباطل سهوا: حين يكثر من طرق الأسماع به، حتى تعتاده الآذان والنفوس فتألفه. أويجعل ذلك ديدنا وبرنامجا بطول الزمان، حتى يُشتغل به عن تأصيل الحق. أو يعرض له بتفصيل وإسهاب حتى تتشبعه النفوس، ثم يضعف عن الجواب عنه بما يكافئ ويفي ويشفي، فيحسن التشكيك، ولا يحسن العلاج والتفكيك. أو يدل الغافلين على مصادر الشبهات وعناوينها، فيذهب إليها هؤلاء، وليس فيهم حصانة، ولا قدرة على الجواب عما فيها من بلايا وتشكيكات، ذلك بدعوى الاطلاع والمعرفة والجدل.
    كل هذه الطرق ونحوها، يقع فيها حسن النية، الذي يريد الجمع بين الأمرين: معرفة الباطل، والرد عليه. وقصده: أن لايبقى جهل مضر، يأتي من بعده مشكك ليشكك في الدين، فيفتتن الناس به فيضلوا. وهذا حسن لولا غلو في التعريف بالباطل، طغى على التعريف بالحق، فعرّف به من لم يعرفه من قبل، فاشتهر بعد خفاء، فراج بين الغافلين والمرضى، بيد حريص لكنه غير متبع لسنة، ولا مقتد بهدي، فأضل قومه وما هدى.
    أسوأ طرق العرض للشكوك والشبهات في الإيمان والسنة: عرضها وكأنها آخذة لامحالة برقاب المؤمنين والمسلمين؛ لعظمها وحجتها وبرهانها، لتقع بهم في مهاوي الإلحاد والكفر، زعموا. وهذا بحد ذاته تزيين وخداع، يفعله من لم يعرف قدر الحق المنزل، ففي محكم التنزيل جاء ذكر كل ما احتج بهم الملحدون، أو أعظم شبهاتهم، فما حكيت إلا على سبيل التنقص لعقول من آمنوا بها، كمثل قوله: {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدروهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير}. فشبهاتهم ليس لها سلطان، بل عن كبر في نفوسهم لا غير: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا}. فليس لهم برهان ألبتة: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}، بل حالهم: {إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون}. فهذا قول الله تعالى عن حجج المضلين، فما بال المؤمنين يرفعون من شبهاتهم، حتى يظن الظان أنها آخذة برقاب الناس إلى الزيغ والانحراف حتما، كلا، بل هذا فيه إسهام في توهين الإيمان في النفوس، وسرعة استجابتها لوساوس الملحدين، والواجب توهين حجج المشككين، ورفع معنويات المؤمنين؛ أنهم على إيمان قويم: {فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}.
    ليس في هذا، طلب الإعراض عن معالجة الشبهات جملة وتفصيلا، كلا، لكنه توجيه بعدم المبالغة فيها؛ لئلا تفضي إلى نشرها وترسيخها، فالنفوس ترتاع إذا بولغ في التخويف من شيء، حتى تضعف وتستسلم، والمبالغة في تجنب المرض، تعود سلبا على الصحة، كما هو معلوم.


     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    د.لطف الله خوجة
  • محمد صلى الله عليه وسلم
  • المرأة
  • التصوف
  • الرقاق
  • الآخر
  • معالجة
  • وصية
  • قطرة من الروح
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية