صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • فوائد وفرائد
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    ابن أبي العز ومسألة القدر
    الإمداد بين السنة والمعتزلة

    د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه
    @khojah10


    بسم الله الرحمن الرحيم


    تمهيد:

    لمتن الطحاوية عناية خاصة عند السلفيين، منذ أن شرحه ابن أبي العز، معتمدا منقولات من ابن تيمية وابن القيم، مع ما فيه من تبنٍ لمذهب مرجئة الفقهاء في الإيمان، في قوله: "والإيمان هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان"، وأكثر من ذلك في الكفر، في قوله: "ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله"، فهذا مذهب الأشعرية في الكفر سبق به الطحاوي؛ حيث إنهم جعلوا الإيمان هو: التصديق. والكفر هو: التكذيب. وكلاهما بالقلب، والاستحلال تكذيب.
    تلك أمور باتت معروفة ينبه لها شراح الشرح، أو يتكلفون توجيهها لئلا تخالف قول السلف، غير أن تفصيلات ابن أبي العز وتشقيقاته في مسألة القدر، لم تنل حظا وافيا من النظر، فوجدت سائر أولئك الشراح يقررون تلك التفصيلات، على أنها مذهب السلف في القدر، نظرا منهم إلى أن مستقاة من كتب ابن تيمية وابن القيم، لكن شيئا من التأمل والاستحضار لتفاصيل الخلاف بين المذهبين: السلفي، والاعتزالي. ربما كشف عن ميل – نوعا ما - نحو المعتزلة.
    من ذلك نطرح فرضية فحواها: "في القدر، نحا ابن أبي العز – ومن ورائه ابن القيم- منحى الاعتزال". والفرضية تبقى فرضية حتى يقام الدليل عليها، فإن قام وإلا سقطت الفرضية من أصلها، وهكذا سنصنع في هذه القضية خدمة للعلم، ولن نستبق بالحكم، بل ندع هذا البحث يأخذا مجراه؛ لينتج الحكم الملائم الصحيح، ونؤكد أنه نحوٌ وميلٌ، وليس موافقة ومطابقة لمقالات المعتزلة، لكن المبالغة وجهد الجهد في الجواب عن كل مسائل القدر، لا بد وأن يورث النزول منازل الاعتزال، فالمخرج لدى المعتزلي لمعضلة القدر وسره، هو إلصاق الفعل كلية بالعبد، ونفي خلق الله تعالى له؛ ليظهر العبد متحملا تبعة أفعاله كاملا، بخلاف ما إذا قيل: الله خالق أفعاله، والعبد هو الفاعل لها. فهذا القول فيه أمران:
    الأول: فيه شيء من سر القدر، يفتقر فهمه إلى تسليم وإيمان، هو سمة المؤمن المحمود عليها، كالمطلوب في إدراك الحكمة من خلق الناس فريقين: في الجنة، وفي السعير.
    الثاني: فيه غموض مبني على كونه سرا من أسرار القدر. ولذلك يعتمد أهل السنة في نقضهم قول المعتزلة على قلب الدليل عليهم، وذلك بالقول:
    - إن نسبة خلق الفعل إلى العبد؛ يعني أن لله تعالى شريكا في الخلق، فهو يشبه قول المجوس في هذا.
    - وأنه يتضمن النقص في الربوبية؛ إذ ينسب إلى الله تعالى العجز عن منع العبد من الفعل.
    وفي هذا يستشهد بقول أبي إسحاق الإسفراييني للقاضي عبد الجبار: "سبحان من لا يقع في ملكه ما لا يشاء.. أيعصى ربنا قهرا؟". [شرح الطحاوية 251 الحاشية، وهو في ترجمة أبي إسحاق في طبقات الشافعية]
    فهذان الوجهان فيهما من قوة الاستدلال لإبطال مذهب المعتزلة، ما ليس في القول بإمكانية الجمع ما بين خلق الرب سبحانه لفعل العبد، واكتساب العبد له.

    * * *


    مذهب السلف في القدر

    إن مذهب السلف في القدر يتضمن: الإيمان بالعلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. فهذه الأربعة هي مدار الإيمان، وإنما خالفت المعتزلة في الخلق والمشيئة، فأنكرتهما مع إثبات العلم والكتابة، وهذا ما استقرت عليه.
    عن هذا القدر، وجد الخير والشر في العالم، فهو مرجعهما، وقد عسر على المؤمنين بالإله نسبة الشر إليه خلقا؛ لما يلزم عنه – في قولهم – نسبته إلى الظلم، ولما فيه من التناقض أن يأمرهم بالامتثال لأوامره، مع خلقه الشر فيهم؛ الذي هو العصيان المانع من الامتثال. فقصدوا إلى حل هذه المشكلة:
    فذهب المجوس إلى اختراع إله آخر، إليه ينسب خلق الشر، وسموه إله الظلمة (=أهرمن). وإلى الإله الأول ينسب خلق الخير، وسموه إله النور (=يزدن).
    ونحا المشركون منحى الجبر، وتذرعوا به لترك الامتثال، فجعلوا الإرادة الإلهية واحدة؛ فكل ما قدره كونا، فقد رضيه شرعا، فقد رضي ما هم عليه من الكفر بتقديره عليهم، فأكذبهم الله سبحانه وتعالى في هذه الدعوى، فقال: {ولا يرضى لعباده الكفر}.
    ثم لما جاء الإسلام، ظهرت فيه فرقتان هما امتداد للمجوس والمشركين؛ فالقدريةالذين تشبهوا بالمجوس، ذهبوا إلى نفي كافة مراتب القدر الأربعة، ثم لما أدركوا أن إثبات العلم والكتابة، لا يترتب عليه تحميل الإله وزر الشر ولا نسبته إليه، رجعوا إلى إثبات هاتين المرتبتين، والتزموا نفي المشيئة والخلق؛ إذ تعذر عليهم الجمع بين إثباتهما وتنزيه الله تعالى من الظلم في خلق الشر، فصاروا يقولون: شاء وخلق: الذوات، والصفات، دون الأفعال. بل هي من خلق البشر. ورأوا أن هذا النفي فيه تنزيه الرب من الظلم، وحل لمشكلة خلق الشر، ولمعضلة الفعل يقع من فاعلين. لكن أوردت عليهم إشكالات، منها: أن قولهم يقتضي شريكا مع الله تعالى، ويتضمن عجز الإله عن منع وردع أحد من خلقه عن الفعل لو ما أراد، وهذا باطل.
    لكن كيف حل أهل السنة مشكلة خلق الشر ونسبته إلى الله تعالى؟.
    مع الإقرار بأن الله تعالى خلق الخير والشر كليهما، وأن هذا هو مقتضى الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، إلا أن هذا لا يلزم عنه إضافة ونسبة والشر إليه؛ لتنزيهه عن النقص، ولأنه جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الخير بين يديك، والشر ليس إليك).
    فإذا كان الله تعالى قد خلق كل شيء؛ خيرا وشرا، فإن الذي ينسب إليه هو الخير فحسب، فأما الشر فلا؛ ذلك لأنه سبحانه أفعاله كلها خيرها، وإنما الشر في المفعولات؛ فكل ما باشر خلقه بنفسه، أو خلقه بالأسباب التي قدرها، فهو خير كله، لكن قد ينتج عنها ما هو خير وما هو شر، فآدم عليه السلام خلقه بيده، فهو من فعله المباشر، لكن فعل آدم في أكله من الشجرة، إنما هو من مفعولات ومخلوقات الرب سبحانه، فينسب إلى الفاعل المباشر له، وهو آدم، لا الذي خلق السبب. فالإنسان في ذات خلقته خير، وصفاته ومنها قدرته وإرادته هي خير كذلك، لكن الشر يأتي في فعله، فما يكون من الله تعالى من فعل هو خير كله، وما يكون من المفعولات فيها الشر، والمفعولات لا تخرج عن خلق الله تعالى أيضا، وفرق بين فعله ومفعولاته.
    ولن تتم معرفة حقيقة الخلاف في مرتبة الخلق إلا بفهم حقيقة معنى الخلق؛ فالخلق الإلهي له طريقتان:
    - خلق مباشر كآدم؛ فإنه خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه. فقد تولى الخلق بنفسه سبحانه وتعالى.
    - بالأسباب؛ حيث إنه جعل لكل شيء سببا، فهو خالق الإنسان، وخلقه يتم باجتماع الأبوين، وهو خالق النبات، وهو يكون باجتماع البذر في الأرض والماء من السماء، وكل ذلك يسمى خلقا لله تعالى.
    بهذا ندرك معنى خلق الله تعالى لأفعال العباد؛ فليس المعنى أنه بالضرورة باشر خلقها، أو هو الفاعل لها، كلا، بل يجعل لها أسبابا، والأسباب لها أسباب، حتى تؤول إلى المسبب الأول هو سبحانه وتعالى. فهو سبحانه خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، ثم خلق ذريته الإنسان (=ذاته) بتوسط السبب الأبوين، ثم خلق له القدرة والإرادة (=صفاته) بتوسط الذات، ثم كان منه الفعل خيرا أو شرا (=أفعاله) بتوسط صفتي القدرة والإرادة، فيكون الفعل كسابقه من خلق الله تعالى أيضا، بذات المعنى الذي به كان خلق القدرة والإرادة قبل؛ أي إن القدرة والإرادة هما سبب وجود الفعل، كما ذات الإنسان سبب وجود القدرة والإرادة، فبدونه لا توجدا.
    والذي فارق بالمعتزلة عن السنة في مسألة القدر: نفيهم مرتبين للقدر هما: المشيئة، والخلق. فإنهم أثبتوا أنه تعالى خلق ذات الإنسان، وصفاته فمنها: قدرته، وإرادته. ثم إن الفعل الذي هو أثرهما - خيرا أو شرا - إنما هو من خلق الإنسان ومشيئته.
    فالمعتزلة لا يخالفون في خلق ذات الإنسان، ولا صفاته؛ قدرته وإرادته، لكن يخالفون في أفعاله آحادها؛ ينسبون خلقها إلى العبد نفسه، هذا موضع الخلاف. وربما خالفوا أيضا في القدرة والإرادة هل يحركها العبد منفردا، أو لا بد له من عون إلهي، فيكون الخلاف في مرتبين: تحريك القدرة والإرادة، وإحداث الفعل.
    فأما السنة فإنهم اتفقوا مع المعتزلة إلا في نسبة خلق الفعل للعبد، فقرروا أن الفعل – وتحريك الإرادة والقدرة - كذلك هو من خلق الله تعالى، وهو من اكتساب العبد وعمله في الوقت نفسه، ولم يروا في هذا تعارضا كالذي رأته المعتزلة، باعتبار أنه دلالات النصوص، وبه كمال الربوبية، وأنه غير محال هذه الصورة: اجتماع خلق الله تعالى وفعل العبد في محل واحد، على عمل واحد. وهذا هو الحق لا ريب، ولا ريب أن جانبا من هذا هو سر من أسرار القدر، يحار فيه الإنسان؛ يجد جوابا لبعضه، ولا يجد جوابا لآخر، كقسمة الناس إلى فريقين في الجنة والسعير.
    فخلاصة الكلام في نسبة الشر في ثلاثة: من جهة وجوده، ونسبته إلى الرب، ونسبته إلى العبد.
    فأولا: من حيث الوجود، فثمة شر وجودي هي: الأقوال والأفعال المحرمة. وعدمي هو: عدم إمداد المحل وإعداده بالخير، فيبقى بلا خير يأتيه. فهو شر من جهة حرمانه من الخير.
    وثانيا: من حيث نسبته إلى الرب سبحانه، فلا ينسب إليه إلا الخير: (والخير بين يديك، والشر ليس إليك)، فليس ثمة شر محض مطلق، بل إضافي نسبي، فمن جهة الرب هو خير، ومن جهة المخلوق هو شر.
    وثالثا: من حيث نسبته إلى العبد، فمنه الخير والشر كالطاعة والمعصية.
    وبهذا يتبين أن الشر الذي هو فعل المخلوق: إما عدم، أو وجود.
    فأما العدم، فعدم الطاعة، وهو ألا يعان عليها، فلا إعداد ولإمداد إلهي بالحركة، فهذا شر بحد ذاته.
    أو وجود، فهو فعل المعصية، وهذا فيه إعداد وإمداد بالقدرة والإرادة بالحركة، فكان منه الفعل، والشر ليس في الإمداد والإعداد، فإنها من الله تعالى، وقد يحصل بها خير، لكن في النتيجة والأثر وهو الفعل.
    إن مرتبة الخلق تعني: أنه تعالى خالق: الذوات، والصفات، والأفعال. كلها خيرها وشرها، وهو نص الحديث: (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره). والمعتزلة خالفت في الأفعال، فنسبت إلى الإنسان خلقه لفعل نفسه، ورد عليهم بقوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون}. وبعموم قوله: {الله خالق كل شيء}.
    تلك الأفعال فيها ما هو خير وشر، والله تعالى خلقهما على حد سواء، وليس عند المعتزلة أو غيرهم مشكلة في خلقه الخير، بل في خلقه الشر؛ أن يخلقه ثم يحاسب عليه. لأجله نفوا خلقه للأفعال كلها حلوها ومرها.
    ونلحظ أن النصوص لم تفرق بين الخير والشر من جهة الخلق، بل هما سواء، فلو أخذ بالتقسيم الحادث المتأخر: أن الفعل منه الوجودي والعدمي.
    - فالخير منه الوجودي، وهو ما يكون فعلا؛ أي حركة بالطاعة. ومنه: العدمي. وهو ما يكون تركا؛ أي سكونا بعدم فعل المعصية (=صرفه عن الشر).
    - والشر منه الوجودي، وهو ما يكون فعلا؛ أي حركة بالمعصية. ومنه: العدمي. وهو ما يكون تركا؛ أي سكونا بعدم فعل الطاعة (= صرفه عن فعل الخير).
    فكلاهما الخير والشر وجودي وعدمي، هذا مقتضى قوله: (تؤمن بالقدر خيره وشره). فلم يفرق بينهما في شيء من وجود أو عدم، فما لهذا من حكم ووصف للآخر مثله أيضا، قال تعالى: {إن هي إلا فتنك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين}.
    قال ابن القيم في شفاء العليل: "فالأمور التي يقال هي شرور، إما أن تكون أمورا عدمية، أو أمورا وجودية". [شفاء العليل، الباب الحادي والعشرون في تنزيه القضاء الإلهي عن الشر ص181]

    * * *


    جمل من أقوال السلف في القدر
    قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي [277-371] في كتابه: "اعتقاد أهل السنة": "ويقولون ما يقوله المسلمون بأسرهم: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، كما قال الله تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله}.
    ويقولون: لا سبيل لأحد أن يخرج عن علم الله، ولا أن يغلب فعله وإرادته مشيئة الله، ولا أن يبدل علم الله، فإنه العالم الذي لا يجهل ولا يسهو، والقادر الذي لا يغلب...
    ويقولون: إنه لا خالق على الحقيقة إلا الله عز وجل، وإن أكساب العباد كلها مخلوقة لله، وأن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، لا حجة لمن أضله الله عز وجل، ولا عذر، كما قال عز وجل: {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين}...
    ويقولون: إن الخير والشر والحلو والمر بقضاء من الله عز وجل أمضاه وقدره، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولانفعا إلا ما شاء الله". [39-41]
    فقد ذكر مراتب: العلم، والمشيئة، والخلق. والكتابة متضمنة، ونص على ما نفاه القدرية، وأكد أن الله تعالى خالق على الحقيقة، وأثبت مع ذلك أكساب للعباد، وأنها مخلوقة لله تعالى أيضا، كما تقدم تقريره، كذلك سوى في المشيئة ما بين الهدى والإضلال لم يفرق بينهما في الإعانة والإمداد أو غير ذلك.

    وقال أبو عثمان إسماعيل الصابوني [373-449] في كتابه: "عقيدة السلف أصحاب الحديث":
    "ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد: أنها مخلوقة لله تعالى، لا يمترون فيه ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق، من ينكر هذا القول وينفيه.
    ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء إلى دينه، ويضل من يشاء عنه، ولا حجة لمن أضله الله عليه، ولا عذر له لديه. قال الله عز وجل: {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين}...
    ويشهد أهل السنة ويعتقدون: أن الخير والشر، والنفع والضر، والحلو والمر بقضاء الله تعالى وقدره، لامرد لهما، ولا محيص، ولا محيد عنهما، ولا يصيب المرء إلا ما كتبه له ربه..
    ومن مذهب أهل السنة وطريقتهم، مع قولهم بأن الخير والشر من الله وبقضائه: لا يضاف إلى الله ما يتوهم منه نقص على الانفراد. فلا يقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان. وإن كان لا مخلوق إلا والرب خالقه، وفي ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح: (تباركت وتعاليت، والخير في يديك، والشر ليس إليك). ومعناه والله أعلم: والشر ليس مما يضاف إليك إفرادا، وقصدا، حتى يقال لك في المناداة: يا خالق الشر، أو يا مقدر الشر. وإن كان هو الخالق والمقدر لهما جميعا، ولذلك أضاف الخضر عليه السلام إرادة العيب إلى نفسه، فقال فيما أخبر الله تعالى عنه في قوله: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها}، ولما ذكر الخير والبر والرحمة، أضاف إرادتها إلى الله عز وجل، فقال: {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك}. ولذلك قال مخبرا عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: {وإذا مرضت فهو يشفين}، فأضاف المرض إلى نفسه، والشفاء إلى ربه، وإن كان الجميع منه.
    وكذلك من مذهب أهل السنة والجماعة: أن الله عز وجل مريد لجميع أعمال العباد، خيرها وشرها، لم يؤمن أحد به إلا بمشيئته، ولم يكفر أحد إلا بمشيئته، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا}. ولو شاء أن لا يعصى ما خلق إبليس، فكفر الكافرين وإيمان المؤمنين، وإلحاد الملحدين، وتوحيد الموحدين، وطاعة المطيعين، ومعصية العاصين كلها بقضائه سبحانه وتعالى وقدره، وإرادته ومشيئته، وأراد كل ذلك وشاء وقضاه، ويرضى الإيمان والطاعة، ويسخط الكفر والمعصية ولايرضاها، قال الله عز وجل: {إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم}. [90-95]
    فقد نص على مرتبتي: المشيئة، والخلق. والعلم والكتابة تبع لهما، وتطرق إلى نسبة الشر على التوضيح الذي قدمناه، لكن مجملا، فهو في المعنى نفسه، ثم إنه أيضا سوى في المشيئة ما بين الهدى والإضلال لم يفرق.
    وقال موفق الدين ابن قدامة المقدسي [541-620]: " ومن صفات الله تعالى أنه فعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يكون إلا عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور، أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون} ، وقال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر}، وقال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرا} ، وقال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} ، وقال تعالى: {فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجا}.روى عمر أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، فقال جبريل: صدقت) متفق عليه ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره)، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر: (وقني شر ما قضيت).ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره وفعل نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم: أن الله أنزل الحجة علينا، بإنزال الكتب وبعثة الرسل. قال الله تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل}. ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحداً على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة، قال الله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} ، وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم}، وقال تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْم}. فدل على أن للعبد فعلاً وكسباً يجزى على حسنه بالثواب وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره". [13-14]
    كذلك ابن قدامة، يسوي ما بين الهدى والإضلال في المشيئة، فكما يهدي فهو يضل، على هذا المعتقد هو ومن سبقه، وكلهم يثبتون فعلا للعباد وكسبا حقيقة، ويجعلونه بقضاء الله وقدره؛ أي بعلمه وكتابته، ومشيئته وخلقه.

    * * *


    مسألة الإمداد بين المعتزلة والسنة ورأي ابن القيم

    لا مشكلة في إثبات العلم والكتابة عند الكافة، إنما المشكلة عند القدرية في المشيئة والخلق للأفعال فحسب، فلذلك أثبتوا خلق الذوات والصفات، فلما جاءوا إلى الفعل جعلوا خلقه إلى العبد، ومعلوم أن الفعل أثر عن حركة الإرادة والقدرة، فقد يقال: إنهم يقولون: إن الله تعالى أعطاه القدرة والإرادة، كما أعطاه باقي الصفات والذات، ثم هو الذي حركهما إلى الفعل، لكن القاضي عبد الجبار يقول شيئا غير هذا، يفيد به أن حركتهما من الله تعالى، فينحصر الخلاف في الفعل إذن، قال القاضي: "العبد وإن أحدث الفعل وأوجده، فإنما يصح منه ذلك من حيث جعله الله تعالى على الصفات؛ التي لولا كونه عليها لما صح منه أن يحدث ويفعل، فكيف يقال: إنه يؤدي إلى أن يستغني عنه تعالى في إيجاد الأفعال". [المغني 8/143]
    علق الدكتور عبدالله القرني على هذا قائلا: "وحقيقة قول القدرية على هذا: أن قدرة العبد، وإن كانت متعلقة بإحداث الفعل إلا أنها مخلوقة لله تعالى، فيبقى النزاع مع القدرية في خلق ما تتعلق به قدرة العبد، وحيث ينفون تعلق قدرة الله تعالى بآحاد المقدورات للعباد". [الخلاف العقدي في باب القدر ص31]
    يؤكد هذا القاضي بقوله: "اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم، وقيامهم، وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن الله عز وجل أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها ولا محدث سواهم، وأن من قال: إن الله سبحانه خالقها ومحدثها، فقد عظم خطؤه، وأحالوا حدوث فعل من فاعلين". [المغني 8/3]
    وذلك في قوله: أن الله أقدرهم على ذلك؛ أي حرك إرادتهم وقدرهم على الفعل، ولعل في هذا تخفيفا من غلواء المعتزلة؛ حيث إنهم عدوا مشركين في الفعل، فأما إذ أثبتوا أنه الذي أعانهم وأمدهم بأن أقدرهم، وهم الذين فعلوا، فهو أهون من قول من ينكر العون والإمداد بالكلية، يقول الدكتور القرني: "وينبغي أن يعلم: أن القدرية وإن قالوا بضرورة تعلق قدرة العبد بإحداث فعله، إلا أنهم لا يلتزمون باستقلال العبد بالكلية عن الله تعالى بحيث يكون شريكا لله في الخلق". [الخلاف العقدي في باب القدر 31]
    إذا نظرنا إلى مسألة العون الإلهي بالإعداد والإمداد، فإن إقرار المعتزلة بأنه من الله تعالى يخرج قولهم هذا من باب الشرك في شيء من الربوبية، لكن بقاءهم على نسبة خلق الفعل إلى العبد، يبقي عليهم شيئا من الشرك في باب الربوبية أيضا.
    وحيث قد انتهينا إلى مسألة العون والإعداد والإمداد، فهاهنا نقف على موقف ابن القيم فيها، وما نقله ابن العز عنه في الشرح، حيث إن فيه شبها بكلام المعتزلة، نحتاج إلى بيانه ومعرفة حاله، فنقول:
    في مواضع عدة من شرح الطحاوية، اشتغل ابن أبي العز بعلاج مسألة خلق الشر؛ حيث إنها المعضلة في قضية القدر، من جهة خلقه في الإنسان ثم محاسبته عليها، ويبدو أنها كما أشغلت المعتزلة، فكذلك اشتغل بها ابن القيم، المصدر الأساس لشرح ابن أبي العز، فراح يفسر كيفية خلق الشر.
    فقد بين أن الشر لا ينسب إلى الله تعالى؛ لأن كل فعل لله تعالى فهو خير، فما خلقه بيده وما خلقه من أسباب، فهذه كلها خير، إنما الشر في المفعولات وما ينتج عنها، وهذا صحيح وقد تقدم تفصيله.

    ثم أخذ في تعليل وجود الخير بأنه: خلق، وإعداد، وإمداد. نتج عنه خير. أما الشر فليس فيه إعداد ولا إمداد، فهو عدمي؛ لذا لم ينتج عنه خير، فكان شرا، وهذا نص ما جاء في الشرح:
    " منهم من أراد أن يخلق فعله، فأراد سبحانه أن يخلق ذلك الفعل، ويجعله فاعلا له، ومنهم من لم يرد أن يخلق فعله، فجهة خلقه سبحانه لأفعال العباد وغيرها من المخلوقات، غير جهة أمره للعبد". [115]
    " فمن أمره وأعانه على فعل المأمور، كان ذلك المأمور به قد تعلق به: خلقه، وأمره إنشاء، وخلقا، ومحبة. فكان مرادا بجهة الخلق، ومرادا بجهة الأمر. ومن لم يعنه على فعل المأمور، كان ذلك المأمور قد تعلق به أمره، ولم يتعلق به خلقه؛ لعدم الحكمة المقتضية لتعلق الخلق به". [116]
    وهذا صحيح في جانب الخير الوجودي والشر العدمي؛ فمن لم يعنه ولم يمده بالخير، لن يكون منه خير، وانتفاء الخير بحد ذاته شر؛ لكنه شر عدمي (=سكون)، بمعنى ليس منه فعل الشر، بل الامتناع من الخير. لكن ماذا عن الشر الوجودي؛ الذي هو فعل الشر (= حركة)، أليس واردا واقعا؟.
    بلى، فإن الشر منه العدمي، وهو السكون والامتناع عن فعل الطاعة، ومنه الوجودي، وهو الحركة بالمعصية، فذلك التعليل يعود على الشر العدمي، فماذا عن الشر الوجودي؟.
    هنا الجواب الذي قلنا عنه إنه شبه بقول المعتزلة، قال: "اعلم أن الشر كله يرجع إلى العدم؛ أعني عدم الخير وأسبابه المفضية إليه، وهو من هذه الجهة شر، وأما من جهة وجوده المحض فلا شر فيه. مثاله: أن النفوس الشريرة وجودها خير من حيث هي موجودة، وإنما حصل لها الشر بقطع مادة الخير عنها، فإنها خلقت في الأصل متحركة، فإن أعينت بالعلم وإلهام الخير تحركت به، وإن تركت تحركت بطبعها إلى خلافه، وحركتها من حيث هي حركة: خير، وإنما تكون شرا بالإضافة". [255]
    قال:"فانقطاع نسبته إليه، هو الذي صيره شرا. فإن قيل: لم تنقطع نسبته إليه خلقا ومشيئة؟.
    قيل: هو من هذه الجهة ليس بشر، فإن وجوده هو المنسوب إليه، وهو من هذه الجهة ليس بشر، والشر الذي فيه: من عدم إمداده بالخير وأسبابه. والعدم ليس بشيء، حتى ينسب إلى من بيده الخير.
    فإن أرت مزيد إيضاح لذلك، فاعلم أن أسباب الخير ثلاثة: الإيجاد، والإعداد، والإمداد. فإيجاد هذا خير، وهو إلى الله، وكذلك إعداده وإمداده، فإن لم يحدث فيه إعداد ولا إمداد، حصل فيه الشر بسبب هذا العدم، الذي ليس إلى الفاعل، وإنما إلى ضده". [255-256]
    الكلام نفسه بنصه وحروفه في "المدارج" قال: "اعلم أن الشر كله يرجع إلى العدم؛ أعني عدم الخير وأسبابه المفضية إليه، وهو من هذه الجهة شر، وأما من جهة وجوده المحض فلا شر فيه. مثاله: أن النفوس الشريرة وجودها خير من حيث هي موجودة، وإنما حصل لها الشر بقطع مادة الخير عنها، فإنها خلقت في الأصل متحركة، فإن أعينت بالعلم وإلهام الخير تحركت به، وإن تركت تحركت بطبعها إلى خلافه، وحركتها من حيث هي حركة: خير، وإنما تكون شرا بالإضافة". [2/207-208]
    قال: "فانقطاع نسبته إليه، هو الذي صيره شرا. فإن قيل: لم تنقطع نسبته إليه خلقا ومشيئة؟.
    قيل: هو من هذه الجهة ليس بشر، فإن وجوده هو المنسوب إليه، وهو من هذه الجهة ليس بشر، والشر الذي فيه: من عدم إمداده بالخير وأسبابه. والعدم ليس بشيء، حتى ينسب إلى من بيده الخير.
    فإن أرت مزيد إيضاح لذلك، فاعلم أن أسباب الخير ثلاثة: الإيجاد، والإعداد، والإمداد. فهذه هي الخير وأسبابها، فإيجاد السبب خير، وهو إلى الله، وإعداده خير، وهو إليه أيضا، وإمداده خير، وهو إليه أيضا.
    فإذا لم يحدث فيه إعداد ولا إمداد، حصل فيه الشر بسبب هذا العدم، الذي ليس إلى الفاعل، وإنما إليه ضده". [2/208-209]
    نقلته ليعلم: أن الشارح ينقل كلامه بنصه، ويغير في بعض المواضع – كالتي تحتها خط – بالاختصار مع الاحتفاظ بالمعنى. فماذا نرى في هذا النقل؟.
    لا نرى ذكرا للشر الوجودي، وهي: المعاصي الظاهرة، أو الحركة بفعل المعاصي. لا نرى إلا الشر العدمي، وهو: السكون بعدم الحركة بفعل الطاعة. فلم هذا التفريق، وقد علمنا أن الله تعالى خلق الخير والشر وشاءهما على حد سواء، وفرق بين أن ينسب إليه الشر، فهذا ممنوع، وأن يقال إنه خلق الشر، فهذا هو الحق.

    ثم نرى أمرا آخر، يفيد بأن الخير يكون من العلم والإلهام والإعداد والإمداد، وأن الشر من حركة الطبع، ومن عدم الإعداد والإمداد:
    - "فإن أعينت بالعلم وإلهام الخير تحركت به، وإن تركت تحركت بطبعها إلى خلافه".
    - "فإذا لم يحدث فيه إعداد ولا إمداد، حصل فيه الشر بسبب هذا العدم".
    لقد نسب الشر الوجودي (= الحركة بالمعصية) إلى حركة الطبع. لكن من الذي خلق ذلك الطبع وحركته وأثره، أليس هو ا لله تعالى بحسب قول أهل السنة، وقد سبق بيانه؟.
    ثم إنه جعل الشر بسبب من عدم الإعداد والإمداد. أفليس الشر الوجودي (= حركة بالمعصية) نتج عن حركة القدرة والإرادة، فمن أين كانت تلك الحركة، أمن العبد أم من خلق الرب لها؟.
    فالشر الوجودي ركن أساس في المشكلة، فإذا ما قال: إن الشر سببه عدم الإعداد والإمداد. فكلامه هذا قاصر على الشر العدمي(= السكون وعدم الحركة بالطاعة)، أما الشر الوجودي فلا ذكر له!. وبما أنه جوابه جاء في سياق العموم؛ لتعليل وجود الشر كله: العدمي والوجودي. فحينئذ فإن جوابه واقع حقيقة تعليلا لكلا نوعي الشر الوجودي والعدمي؛ أنهما بسبب عدم الإعداد والإمداد الإلهي، وأن الوجودي نتج عن حركة الطبع، والطبع أمارة بالسوء، والطبع ليس إلا مخلوق، فيكون بذلك قارب مضارب المعتزلة.

    لكن الذي فهمناه سابقا من أقوال السنة: عدم التفريق بين الخير والشر، من جهة: الإيجاد، والإعداد، والإمداد. فكل ذلك إما ينتج خيرا أو شرا، ويكون الفاعل المسئول عن ذلك هو ا لعبد نفسه؛ لأنه له اختيار، وهو يدرك ويشعر ويقر بهذا الاختيار. والقرآن يؤيد بأن الإعداد والإمداد يكون في جهة الشر كذلك، قال تعالى:
    - {الله يستهزئء ويمدهم في طغيانهم يعمهون}.
    - {سنستدرجهم من حيث لا يعملون}.
    - {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما}.
    - {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم}.
    وفي قوله تعالى: {إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين}. تسوية في المشيئة والخلق ما بين الهدى والإضلال، في: الإعداد، والإمداد.
    كذلك نصوص التقليب والخشية من الإضلال، مسوقة لبيان أن الإمداد يكون في الشر، كقوله تعالى:
    - {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون}.
    وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا:
    - (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك).
    - (القلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء).
    فإذا كان الشر ليس عن: إعداد، وإمداد. بل مجرد حركة طبع، فما معنى: يمدهم، ويستدرجهم، ونملي لهم، ويغويكم، ويقلبها. في الآيات الآنفة، أليس هذا معارض تمام المعارضة لذاك؟.
    والطبع المذكور أليس هو مخلوق، فإذا كان الشر منه، أليس حينئذ هو خالقه؟. فهذا قول المعتزلة، كما نفي الإعداد والإمداد، وفي هذا بالخصوص نجد نصوصا للمعتزلة صريحة، كأن ابن القيم استقاها منهم.
    يقول القاضي عبد الجبار في: "المختصر في أصول الدين":
    " فإن قالوا: فلم يقال في الطاعات والحسنات: إنها من الله تعالى، إن لم يكن خلقها؟.
    قيل لهم: تضاف إليه من حيث: أمر بها، وأعان عليها، ولطف بها. كما يضاف صلاح الولد لأبيه، إذا كان بذل الجهد في تهذيبه وتأديبه. فأما العاصي، فمع نهيه عنها، وزجره عن فعلها، وتوعده عليها، فلا تضاف إليه، كما لا يضاف فساد الولد إلى الوالد؛ الذي بلغ الغاية في صرف الولد عن الفساد". [رسائل العدل والتوحيد 243]
    أعان عليها، ولطف بها، فكان من ذلك الطاعة، وإذا لم يعن، ولم يلطف، كانت المعصية، أليس هذا هو قول ابن القيم: "فإذا لم يحدث فيه إعداد ولا إمداد، حصل فيه الشر".
    كذلك يقول الشريف المرتضى في كتابه:" إنقاذ البشر من الجبر والقدر":
    "بل نقول: إنه العدل الكريم، الرؤوف الرحيم، الذي حسنات الخلق منسوبة إليه، وسيئاتهم منفية عنه؛ لأنه أمر بالحسنة ورضيها، ورغب فيها، وأعان عليها. ونهى عن السيئة، وسخطها، وزجر عنها، وكانت طاعات العباد منه بالأمر والترغيب، ولم تكن معاصيهم منه؛ للنهي والتحذير، وكان جميع ذلك من فاعليه ومكتسبيه بالفعل والإحداث، وكانت معاصيهم وسيئاتهم من الشيطان بالدعاء والإغواء".
    [رسائل العدل والتوحيد 297]
    فالشريف المرتضى – كذلك - يفرق بين الطاعة والمعصية في طريق حصولها؛ فالطاعة أعان عليها، والمعصية لم يعن عليها، وهكذا تنتهي المشكلة عند المعتزلة، ويتولى العبد الفعل إعانة لنفسه وقياما به وخلقا، فهنا ثمة شبه ظاهر بين هذا وكلام ابن القيم؛ الذي جعل المعصية - مثلما فعل المعتزلة – أثرا عن الامتناع الإلهي من الإعداد (=التهيئة)، والإمداد (=العون واللطف الإلهي).
    وذلك أمر لم نعهده ولم نجده في كلام السلف، بل وجدنا فيه التسوية في الخلق بين الخير والشر؛ أنهما كلاهما من عند الله تعالى: خلقا، وإعدادا، وإمدادا. ثم الفعل من العبد. وهذا فيه شيء من سر القدر؛ إذ كيف يجتمع فاعلان على فعل واحد، فأحدهما خالق، والآخر فاعل؟.
    فلا نقول إلا سمعنا وأطعنا، وفي نفوسنا إدراك أننا قادرون على الاختيار، وفي فطرنا أن الله خلق كل شيء. فبذلك ليس محالا هذا الاجتماع، لكن كلام المعتزلة في هذا الجانب أبعد – في الظاهر - عن الإشكال ؛ إذ يحمل العبد تبعة الفعل كاملة؛ بنسبته إليه خلقا، وفعلا. وإن كان لا ينجو من مشكلات أخرى هي أكبر؛ أنه قول يلزم عنه الشرك في الربوبية، ونسبة العجز والنقص لمقام الربوبية؛ إذ كيف يفعل العبد ما لا يقدر الله تعالى على منعه؟!.
    ولذا كان مذهبا باطلا، وأهل السنة على الحق قولهم؛ لأنه لا يتضمن هذه المزالق، وإشكال القدر محلول بتلك الأجوبة أجابوا بها، فمن لم يقنع، فليسلم أمر إلى الله تعالى، فإنه قطعا عدل لا يظلم.
    فالذي أوقع ابن القيم في الميل نحو مذهب المعتزلة، هو إصراره على الجواب عن كل مسائل القدر، وليس بلازم، فلا يزال العلماء ينهون عن ذلك، لعملهم أن القدر فيه سر، فهذا من أسراره؛ أن يجتمع الخلق من الله تعالى والفعل من العبد في عمل واحد، كما خلق الناس فريقين. فسبيل المؤمنين التسليم، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخوض في القدر، وقد قال وهب بن منبه: "نظرت في القدر فتحيرت، ثم نظرت فتحيرت، فعلمت أن أعلم الناس بالقدر أكفهم عنه، وأجهل الناس أنطقهم به". [شرح الطحاوية 147]

    * * *

    طريقة ابن تيمية في معالجة القدر
    وقد كانت طريقة ابن تيمية أسلم في هذا؛ حيث إنه لم يخض خوض ابن القيم، بل أصل لمسائل القدر بطريقة السلف؛ فإنه قرر أنه سر القدر؛ فعل العبد للمعصية وإقداره عليها مع كونها مخلوقة، قال:
    "وقد سأل موسى وعيسى وعزير ربنا تبارك وتعالى عن شيء من سر القدر، وأنه لو شاء أن يطاع لأطيع، وأنه مع ذلك يعصى. فأخبرهم سبحانه وتعالى: أن هذا سر القدر". [الفتاوى 8/399]
    ثم بين أن خلقه ومشيئته شملت: الأعيان، والأوصاف، والأفعال. فقال: "فجميع ما في السموات والأرض من: الأعيان، وصفاتها، وحركاتها. مخلوقة له مقدورة له، مصرفة بمشيئته، لا يخرج شيء منها عن قدرته وملكه، ولا يشركه في شيء من ذلك غيره، بل هو سبحانه لا إله إلا هو وحده لا شريك له".
    [الفتاوى 8/236]
    فهذا إطلاق عام حتى في الأفعال وجزئياتها أنها من خلقها، حتى القُدَر والإرادات التي قبل الأفعال.
    قال: "ولهذا حسن توجيه الأمر والنهي إليه، وصح إضافة الفعل إليه حقيقة وكسبا، مع أنه خلق الله تعالى؛ فإن الله تعالى خلق العبد وعمله، وجعل هذا العمل له عملا قام به، وصدر عنه، وحدث بقدرته الحادثة.
    وأدنى أحوال الفعل أن يكون بمنزلة الصفات والأخلاق المخلوقة في العبد، إذا جعلت مفضية إلى أمور أخرى، فهل يصح تجريد العبد عنها؟. كلا، ولما". [الفتاوى 8/402]
    فالعمل في مرتبة الخلق كالصفات والأخلاق بغير فرق، فيكون فعل العبد - خيره وشره - كله مخلوقا لله تعالى كصفاته. فهو لا يفرق بين الطاعة والمعصية، والحسنة والسيئة، فهي في حدوثها من العبد في درجة واحدة، لا يقال: إن هذا فيه إمداد، وهذا ليس فيه إمداد، إنما تفريقه في نسبة الشر إلى الله تعالى فعلا، فهو خلق الشر، لكن الشر ليس من فعله، بل من فعل العبد وإليه ينسب، قال: "ويجب أن يعلم العبد: أن عمله من الحسنات هو بفضل الله تعالى ورحمته ونعمته...وكذلك إضافة السيئات إلى نفسه، هو الذي ينبغي أن يفعله، مع علمه بأن الله خالق كل موجود من: الأعيان، والصفات، والحركات، والسكنات".
    [الفتاوى 8/442]
    ثم إنه ينسب كل ما قرره، فيجعله مذهبا لأهل السنة، فيقول:
    " مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب وغيره ما دل عليه الكتاب والسنة، وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وهو: أن الله خالق كل شيء وربه، ومليكه. وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها وصفاتها القائمة بها، من أفعال العباد، وغير أفعال العباد".
    [الفتاوى 8/449]
    قال: "بل من تكلم منهم بلفظ الحقيقة والمجاز، متفقون على: أن العبد فاعل حقيقة، والله تعالى خالق: ذاته، وصفاته، وأفعاله". [الفتاوى 8/460]
    وهنا يأتي إلى قضية الإمداد، فيفسره بما يتفق ومذهب السلف، من التسوية بين الخير والشر في الإمداد، فإنه تعالى خلقهما: إيجادا، وإعدادا، وإمدادا، لكن الخير ينسب إليه؛ لأنه فعله القائم به، والشر لا ينسب إليه؛ لأنه في مفعولاته القائمة بخلقه، قال:
    "وما ذاك إلا أن علمه الأزلي، ومشيئته النافذة، وقدرته القاهرة: اقتضت ما اقتضته، وأوجبت ما أوجبته، من مصير أقوام إلى الجنة بأعمال موجبة لذلك منهم، وخلق أعمالهم وساقهم بتلك الأعمال إلى رضوانه، وكذلك أهل النار كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم لما قيل له: (ألا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟، فقال: لا اعملوا، فكل ميسر لما خلق له؛ أما من كان من أهل السعادة، فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة، فييسر لعمل أهل الشقاوة).
    فبين صلى الله عليه وسلم: أن السعيد قد ييسر للعمل الذي يسوقه الله تعالى به إلى السعادة، وكذلك الشقي. وتيسيره له هو: نفس إلهامه ذلك العمل، وتهيئة أسبابه. وهذا هو تفسير خلق أفعال العباد، فنفس خلق ذلك العمل، هو السبب المفضي إلى السعادة أو الشقاوة، ولو شاء لفعله بلا عمل، بل هو فاعله، فإنه ينشيء للجنة خلقا، لما يبقى فيها من الفضل". [الفتاوى 8/398]
    فالتيسير في الجهتين- بنص القرآن: {فأما من أعطى.. }. الآية، والسنة – في السعادة والشقاوة. فكلاهما فيه: إلهام، وتهيئة. وهو بنفس معنى: الإعداد، والإمداد. التي قصرها ابن القيم على الخير الوجودي والشر العدمي، فبهذا ظهر مخالفة ابن القيم لشيخه ابن تيمية في هذا التقرير بوضوح.
    ولم ينس الإمام من أصل المشكلة طرفا، وهو مسألة الفعل بين فاعلين، فبين ذلك وأجاب عن بقوله:
    "كثير من المتأخرين من المثبتين للقدر من أهل الكلام، ومن وافقهم سلكوا مسلك جهم في كثير من مسائل هذا الباب، وإن خالفوه في بعض ذلك، إما نزاعاً لفظياً، وإما نزاعاً لا يعقل، وإما نزاعاً معنويا، وذلك كقول من زعم: أن العبد كاسب ليس بفاعل حقيقة. وجعل الكسب مقدوراً للعبد، وأثبت له قدرة لا تأثير لها في المقدور؛ ولهذا قال جمهور العقلاء‏:‏ إن هذا كلام متناقض غير معقول، فإن القدرة إذا لم يكن لها تأثير أصلا في الفعل، كان وجودها كعدمها، ولم تكن قدرة، بل كان اقترانها بالفعل، كاقتران سائر صفات الفاعل في طوله وعرضه ولونه‏...
    ‏‏ وكثير من هؤلاء كأبي الحسن وأتباعه ومن وافقهم من متأخري أصحاب مالك والشافعي وأحمد، مثل ابن عقيل وابن الجوزي، وأمثالهما يقولون‏:‏ إن الخلق هو المخلوق، والفعل هو المفعول، وقد جعلوا أفعال العباد فعلاً لله، والفعل عندهم هو المفعول، فامتنع مع هذا أن يكون فعلاً للعبد؛ لئلا يكون فعل واحد له فاعلان‏.‏
    وأما الجمهور فيقولون‏:‏ إنها مخلوقة لله مفعولة له، وهي فعل للعبد قائمة به، وليست فعلاً لله قائماً به، بل مفعوله غير فعله، والرب تعالى لا يوصف بما هو مخلوق له، وإنما يوصف بما هو قائم به، فلم يلزم هؤلاء أن يكون الرب ظالماً. [الفتاوى 8/466-469]
    وقد جاء عرض عليه سؤال في جوهر قضية القدر؛ في باب كتب المعصية على ابن آدم، ثم محاسبته عليها، فأجاب فيها بجواب مفصل، لم يطرق طريقة ابن القيم فيها؛ في التفريق بين الخير والشر في: الإلهام، والتهيئة، والإعداد، والإمداد. بل كان ألصق بطريقة السلف، وما وسعه فيها إلا أن يقر: أن جانبا من معرفة حقيقة جواب هذه المسألة، هو سر من أسرار القدر، الذي كتم علمه عن البشر، يعرف بعض جمله الراسخون في العلم، وأحسن وسيلة لذلك التسليم. ونحن نسوق السؤال والجواب على طوله لأهميته في القضية، ولأنه فيصل على طريقة السلف، فقد سئل الإمام فقيل له، كما جاء في الفتاوى:
    "الأفعال الاختيارية من العباد تحصل بخلق الله تعالى وبخلق العبد، فحقيقة كسب العبد ما هي؟.
    وبعد هذا هل هو مؤثر في وجود الفعل أم غير مؤثر؟.
    فإن كان، فيصير مشاركا للخالق في خلق الفعل، فلا يكون العبد كاسبا، بل شريكا خالقا..
    وإن لم يكن مؤثرا في وجود الفعل، فقد وجد الفعل بكماله بالحق سبحانه وتعالى، وليس للعبد في ذلك شيء، فلزم الجبر الذي يطوي بساط الشرع".
    فأجاب بجواب طويل، أسوق منه ما يناسب المقام بنصه، ملخصه:
    أن التأثير بالقدرة البشرية، إما مثبت أو منفي:
    فأما المثبت من القدرة المؤثرة فله ثلاثة احتمالات:
    الأول: أن يراد به الانفراد بالابتداع والاختراع، وهذه ضلالة؛ لأنه عين الشرك.
    الثاني: أن يراد به نوع معاونة في صفة من صفات الفعل، أو في وجه من وجوهه، وهو قول كثير من متكلمة الإثبات، وهو باطل كذلك؛ لأن لا فرق بين معونة كاملة، أو ناقصة، فكلها شرك بقدره.
    الثالث: أن يراد به أنه واسطة؛ إي إن خروج الفعل من العدم إلى الوجود، كان بتوسط القدرة المحدثة، فهي سبب كالأسباب الأخرى؛ فالماء سبب في خلق النبات، فهذا حق، وليس بشرك وإلا كان إثبات الأسباب شركا، وهذا باطل.
    ويمضي في بيان حقيقة هذه الوسائط والأسباب؛ بأن للإنسان كسبان: أعمال القلوب، وأعمال الأبدان. وللأول تأثير في الثاني، ثم عن الثاني هذا يكون الفعل، وهو بيده السبب أعطيه، كـ: القصد، والإرادة، والأعضاء السليمة. ثم يكون عنه الفعل، والله تعالى خلق الأسباب، وجعل لها أثرا، ونظم بعضها ببعض، ورتبها، ولو شاء لعطل الأثر، فلم يعد للسبب فعل.
    وأما المنفي من القدرة البشرية المؤثرة، فله احتمالان:
    الأول: نفي الانفراد بالتأثير في الفعل، أو شيء من صفاته، فهذا حق؛ لأن للقدرة الإلهية تأثيرا لاريب.
    الثاني: نفي تأثير القدرة كلية، حتى يكون وجودها كعدمها، فهذا ما يسميه بـ"إطلاق الجبر"؛ أي الجبر المطلق، وهو باطل.
    وهذا نص جوابه:
    " التأثير اسم مشترك، قد يراد بالتأثير الانفراد بالابتداع والتوحيد بالاختراع، فإن أريد بتأثير قدرة العبد: هذه القدرة. فحاشا لله، لم يقله سني، وإنما هو المعزو إلى أهل الضلال .
    وإن أريد بالتأثير: نوع معاونة؛ إما في صفة من صفات الفعل، أو في وجه من وجوهه، كما قاله كثير من متكلمي أهل الإثبات. فهو أيضا باطل بما به بطل التأثير في ذات الفعل؛ إذ لا فرق بين إضافة الانفراد بالتأثير إلى غير الله سبحانه في ذرة أو فيل. وهل هو إلا شرك دون شرك..
    وإن أريد بالتأثير: أن خروج الفعل من العدم إلى الوجود، كان بتوسط القدرة المحدثة. بمعنى أن القدرة المخلوقة هي سبب وواسطة في خلق الله سبحانه وتعالى الفعل بهذه القدرة. كما خلق النبات بالماء، وكما خلق الغيث بالسحاب. وكما خلق جميع المسببات والمخلوقات بوسائط وأسباب: فهذا حق.
    وهذا شأن جميع الأسباب والمسببات، وليس إضافة التأثير بهذا التفسير إلى قدرة العبد شركا، وإلا فيكون إثبات جميع الأسباب شركا. وقد قال الحكيم الخبير: {فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات}. {فأنبتنا به حدائق ذات بهجة}. وقال تعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم}. فبين أنه المعذب، وأن أيدينا أسباب وآلات وأوساط وأدوات في وصول العذاب إليهم، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يموتن أحد منكم إلا آذنتموني حتى أصلي عليه، فإن الله جاعل بصلاتي عليه بركة ورحمة).
    فالله سبحانه هو الذي يجعل الرحمة وذلك إنما يجعله بصلاة نبينا صلى الله عليه وسلم".
    قال:
    "وعلى هذا التحرير فنقول: خلق الله سبحانه أعمال الأبدان بأعمال القلوب، ويكون لأحد الكسبين تأثير في الكسب الآخر بهذا الاعتبار، ويكون ذلك الكسب من جملة القدرة المعتبرة في الكسب الثاني؛ فإن القدرة هنا ليست إلا عبارة عما يكون الفعل به لا محالة، من: قصد، وإرادة، وسلامة الأعضاء والقوى المخلوقة في الجوارح وغير ذلك. ولهذا وجب أن تكون مقارنة للفعل، وامتنع تقديمها على الفعل بالزمان...
    وإذا أشكل عليك هذا البيان، فخذ مثلا من نفسك أنت: إذا كتبت بالقلم، وضربت بالعصا، ونجرت بالقدوم، هل يكون القلم شريكك، أو يضاف إليه شيء من نفس الفعل وصفاته؟. أم هل يصلح أن تلغي أثره وتقطع خبره، وتجعل وجوده كعدمه؟. أم يقال: به فعل وبه صنع ولله المثل الأعلى؟.
    فإن الأسباب بيد العبد، ليست من فعله، وهو محتاج إليها، لا يتمكن إلا بها، والله سبحانه خلق الأسباب ومسبباتها، وجعل خلق البعض شرطا وسببا في خلق غيره، وهو مع ذلك غني عن الاشتراط والتسبب، ونظم بعضها ببعض، لكن لحكمة تتعلق بالأسباب وتعود إليها، والله عزيز حكيم".
    قال:
    "وأما قوله: إذا نفينا التأثير، لزم انفراد الله سبحانه بالفعل، ولزم الجبر، وطي بساط الشرع الأمر والنهي.
    فنقول: إن أردت بالتأثير المنفي: التأثير على سبيل الانفراد في نفس الفعل، أو في شيء من صفاته، فلقد قلت الحق، وإن كان بعض أهل الاستنان يخالفك في القسم الثاني. [يعني طي بساط الشرع]
    وإن أردت به: أن القدرة وجودها كعدمها، وأن الفعل لم يكن بها، ولم يصنع بها. فهذا باطل كما تقدم بيانه. وحينئذ لا يلزم الجبر، بل ينبسط بساط الشرع، وينشر علم الأمر والنهي، ويكون لله الحجة البالغة .
    فقد بان لك أن إطلاق القول بإثبات التأثير أو نفيه دون الاستفصال، وبيان معنى التأثير: ركوب جهالات واعتقاد ضلالات ولقد صدق القائل: أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء.
    وبان لك: ارتباط الفعل المخلوق بالقدرة المخلوقة، ارتباط الأسباب بمسبباتها. ويدخل في عموم ذلك جميع ما خلقه الله تعالى في السموات والأرض والدنيا والآخرة، فإن اعتقاد تأثير الأسباب على الاستقلال دخول في الضلال، واعتقاد نفي أثرها وإلغاؤه ركوب المحال، وإن كان لقدرة الإنسان شأن ليس لغيرها".
    لا يزال الإشكال قائما
    ثم إن السائل لم يجد شفاءه من جواب؛ إذ لا يزال الإشكال قائما، حتى بالإضافة في الإفادة آنفا، فإنها لاتنفي أثر القدرة الإلهية في فعل العبد، بل تثبته، وأن أثر قدرة العبد في العمل ليس مستقلا منفردا، غاية حاله أنه واسطة وسبب، فمن الذي وراء هذا السبب، ومن الذي خلقه، وهو المؤثر فيه، أليست هي القدرة الإلهية؟، فكيف حينئذ يكون العبد مختارا غير مجبور، بخاصة إذا علمنا أن مع قدرته، فقدرته تحت القدرة الإلهية؟.
    ولهذا أعاد السائل سؤاله بطريقة أخرى، فكان ما مخلصه: "فلعلك أن تقول بعد هذا البيان: أنا لا أفهم الأسباب، ولا أخرج عن دائرة التقسيم والمطالبة بأحد القسمين...
    فإن قلت: إثبات القدرة [=الإلهية] سبب نفي للتأثير في الحقيقة، فما بال الفعل يضاف إلى العبد؟. وما باله يؤمر وينهى؟ ويثاب ويعاقب، وهل هذا إلا محض الجبر؟. وإذا كنت مشبها لقدرة الإنسان، بقلم الكاتب، وعصا الضارب، فهل رأيت القلم يثاب أو العصا تعاقب؟".
    فأجاب بجواب قال فيه مقررا عقيدة السلف في إثبات الفعل للعبد، وأن الله تعالى خالق فعله، مخالفا القدرية والجبرية، متوسطا بينهما، فكلاهما لديه شيء من الحق لا كله، ملخص هذا الجواب:
    أن العبد وإن كان فاعلا، مختارا، إلا أنه لا يخلو من نوع جبر، هو قدرة الله تعالى عليه ومشيئته، وإنما المنفي هو الجبر المحض، الذي لا أثر فيه للإنسان بالكلية، كما يكون من: حركات المرتعش، والمحموم، والمفلوج. التي تحدث بغير إرادة، كلا، فحركات الإنسان اختيارية ليست مثل هذه، فليس ثمة جبر محض مطلق، وإلا فما صح أن يؤمر وينهى، فإن الإنسان يدرك من نفسه أن حركاته إرادية، وأمر الشارع له، ليس من قبيل أمر الأعمى بنقط المصحف، والمقعد بالقيام، والمحموم بالسكون، بل هو أمر لحر مالك إرادته وقدرته، قال:
    "اعلم أن العبد فاعل على الحقيقة، وله مشيئة ثابتة، وله إرادة جازمة، وقوة صالحة وقد نطق القرآن بإثبات مشيئة العباد في غير ما آية، كقوله: {من شاء منكم أن يستقيم}. {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا}، {فمن شاء ذكره}، {وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة}، ونطق بإثبات فعله في عامة آيات القرآن: {يعملون}، {يفعلون}، {يؤمنون}،{يكفرون}، {يتفكرون}،{يحافظون}، {يتقون}. وكما أنا فارقنا مجوس الأمة، بإثبات أنه تعالى خالق: فارقنا الجبرية بإثبات أن العبد كاسب، فاعل، صانع، عامل.
    والجبر المعقول الذي أنكره سلف الأمة وعلماء السنة هو: أن يكون الفعل صادرا على الشيء من غير إرادة ولا مشيئة ولا اختيار، مثل حركة الأشجار بهبوب الرياح، وحركة.. بإطباق الأيدي، ومثله في الأناسي: حركة المحموم، والمفلوج، والمرتعش. فإن كل عاقل يجد تفرقة بديهية بين قيام الإنسان وقعوده، وصلاته، وجهاده، وزناه، وسرقته، وبين انتعاش المفلوج، وانتفاض المحموم، ونعلم أن الأول قادر على الفعل مريد له مختار، وأن الثاني غير قادر عليه، ولا مريد له، ولا مختار.
    والمحكي عن جهم وشيعته "الجبرية" أنهم زعموا: أن جميع أفاعيل العباد قسم واحد.
    وهو قول ظاهر الفساد، وبما بين القسمين من الفرقان انقسمت الأفعال: إلى اختياري، واضطراري. واختص المختار منها بإثبات الأمر والنهي عليه، ولم يجئ في الشرائع ولا في كلام حكيم: أمر الأعمى بنقط المصحف، والمقعد بالاشتداد، أو المحموم بالسكون، وشبه ذلك. وإن اختلفوا في تجويزه عقلا أو سمعا، فإنما منع وقوعه بإجماع العقلاء أولي العقل من جميع الأصناف".
    جواب غير مقنع
    لكن هذا الجواب – أيضا - لم يقنع السائل، فطلب جوابا مفصلا واضحا عن هذا الجبر المتوسط، الذي هو دون المحض المطلق، كيف يصح معه الفعل الاختياري، وما يبنى عليه من الحساب؟. قال:
    "فإن قيل: هب أن فعلي الذي أردته واخترته هو واقع بمشيئتي وإرادتي، أليست تلك الإرادة وتلك المشيئة من خلق الله تعالى؟. وإذا خلق الأمر الموجب للفعل، فهل يتأتى ترك الفعل معه؟.
    أقصى ما في الباب: أن الأول جبر بغير توسط الإرادة من العبد، وهذا جبر بتوسط الإرادة".
    أجاب ابن تيمية تصريحا بأن ثمة جبر واقع على الإنسان، هو دون الجبر المطلق، هو جبر من نوع لا يقضي على اختياره وفعله، بل يتزامن معه، وآية ذلك: أن الإنسان يشعر من نفسه القدرة والاختيار، والتفريق بين جبر محض مطلق، وجبر فيه اختيار، وما سماه "توسطا"، فهو السبب، فالأسباب والوسائط واحد، قال:
    "فنقول: الجبر المنفي هو الأول [جبر بغير توسط الإرادة من العبد] كما فسرناه، وأما إثبات القسم الثاني [جبر بتوسط الإرادة]، فلا ريب فيه عند أهل الاستنان والآثار وأولي الألباب والأبصار، لكن لا يطلق عليه اسم الجبر خشية الالتباس بالقسم الأول، وفرارا من تبادر الأفهام إليه، وربما سمي [جبرا] إذا أمن من اللبس، وعلم القصد، قال علي رضي الله عنه في الدعاء المشهور عنه في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم داحي المدحوات، وباري المسموكات، جبار القلوب على فطراتها؛ شقاها أو سعدها".
    فبين أنه سبحانه جبر القلوب على ما فطرها عليه من شقاوة أو سعادة، وهذه الفطرة الثانية، ليست الفطرة الأولى [التي في عالم الذر] وبكلا الفطرتين فسر قوله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة). وتفسيره بالأولى واضح قاله محمد بن كعب القرظي - وهو من أفاضل تابعي أهل المدينة وأعيانهم وربما فضل على أكثرهم - في قوله: {الجبار}. قال: جبر العباد على ما أراد، وروي ذلك عن غيره، وشهادة القرآن والأحاديث ورؤية أهل البصائر والاستدلال التام؛ لتقليب الله سبحانه وتعالى قلوب العباد، وتصريفه إياها، وإلهامه فجورها وتقواها، وتنزيل القضاء النافذ من عند العزيز الحكيم، في أدنى من لمح البصر على قلوب العالمين، حتى تتحرك الجوارح بما قضي لها وعليها، بين غاية البيان إلا لمن أعمى الله بصره وقلبه".
    حسم النزاع وحل الإشكال
    هنا عاد السؤال أكثر إلحاحا، طلبا لجواب حاسم ينهي المشكلة في هذه المسألة:
    "فإن قلت: أنا أسألك على هذا التقدير، بعد خروجي عن تقدير الجبر الذي نفوه [الجبر المطلق] وأبطلوه، وثباتي على ما قالوه وبينوه [يقصد الجبر بتوسط الإرادة]: كيف انبنى الثواب والعقاب على فعله، وصح تسميته فاعلا على حقيقته، وانبنى فعله على قدرته؟".
    هنا كان جواب ابن تيمية عجبا، فارق به طريقة ابن القيم، والتزم طريقة السلف، حيث إنه بعد أن ساح في بيان الحكمة الإلهية في القدر، وأن الأسباب لها آثارها، وفاعلية الأسباب في الأصل، وبطلان فاعليتها بمحض القدرة الإلهية، خلص إلى أن جواب هذا سر من أسرار القدر، الذي لا يعرف إلا الله سبحانه، وقد يطلع بعض عباده على شيء من جمله، وهو: كيف يكون فاعلا، وعليه شيء من الجبر بتوسط الإرادة؟.
    قال: "فأقول والله الهادي إلى سواء الصراط: اعلم أن الله تعالى خلق فعل العبد سببا مقتضيا لآثار محمودة أو مذمومة، والعمل الصالح مثل صلاة أقبل عليها بقلبه ووجهه، وأخلص فيها، وراقب وفقه ما بنيت عليه من الكلمات الطيبات والأعمال الصالحات، يعقبه في عاجل الأمر نور في قلبه، وانشراح في صدره، وطمأنينة في نفسه، ومزيد في علمه، وتثبيت في يقينه، وقوة في عقله إلى غير ذلك من قوة بدنه، وبهاء وجهه، وانتهائه عن الفحشاء والمنكر، وإلقاء المحبة له في قلوب الخلق، ودفع البلاء عنه وغير ذلك مما يعلمه ولا نعلمه.
    ثم هذه الآثار التي حصلت له من النور والعلم واليقين وغير ذلك، أسباب مفضية إلى آثار أخر من جنسها ومن غير جنسها أرفع منها، وهلم جرا. ولهذا قيل: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من عقوبة السيئة السيئة بعدها. وكذلك العمل السيئ مثل الكذب مثلا، يعاقب صاحبه في الحال بظلمة في القلب، وقسوة وضيق في صدره، ونفاق واضطراب ونسيان ما تعلمه، وانسداد باب علم كان يطلبه، ونقص في يقينه وعقله، واسوداد وجهه، وبغضه في قلوب الخلق، واجترائه على ذنب آخر من جنسه أو غير جنسه، وهلم جرا، إلا أن يتداركه الله برحمته .
    فهذه الآثار هي التي تورثها الأعمال، هي الثواب والعقاب، وإفضاء العمل إليها، واقتضاؤه إياها كإفضاء جميع الأسباب التي جعلها الله سبحانه وتعالى [ أسبابا إلى ] مسبباتها، والإنسان إذا أكل أو شرب، حصل له الري والشبع، وقد ربط الله سبحانه وتعالى الري والشبع بالشرب والأكل ربطا محكما، ولو شاء أن لا يشبعه ويرويه مع وجود الأكل والشرب فعل: إما أن لا يجعل في الطعام قوة، أو يجعل في المحل قوة مانعة، أو بما يشاء سبحانه وتعالى. ولو شاء أن يشبعه ويرويه بلا أكل ولا شرب، أو بأكل شيء غير معتاد فعل.
    كذلك في الأعمال المثوبات والعقوبات حذو القذة بالقذة، فإنه إنما سمي الثواب ثوابا؛ لأنه يثوب إلى العامل من عمله؛ أي يرجع والعقاب عقابا؛ لأنه يعقب العمل؛ أي يكون بعده، ولو شاء الله أن لا يثيبه على ذلك العمل: إما بأن لا يجعل في العمل خاصة تفضي إلى الثواب، أو لوجود أسباب تنفي ذلك الثواب، أو غير ذلك لفعل سبحانه وتعالى، وكذلك في العقوبات.
    وبيان ذلك أن نفس الأكل والشرب باختيار العبد ومشيئته؛ التي هي من فعل الله سبحانه وتعالى أيضا، وحصول الشبع عقب الأكل ليس للعبد فيه صنع ألبتة، حتى لو أراد دفع الشبع بعد تعاطي الأسباب الموجبة له لم يطق، وكذلك نفس العمل هو بإرادته واختياره، فلو شاء أن يدفع أثر ذلك العمل وثوابه بعد وجود موجبه لم يقدر.
    فهذه حكمة الله تعالى ومشيئته في جميع الأسباب في الدنيا والآخرة، لكن العلم بالأعمال النافعة في الدار الآخرة والأعمال الضارة أكثره غيب عن عقول الخلق، وكذلك مصير العباد ومنقلبهم بعد فراق هذه الدار. فبعث الله سبحانه وتعالى رسله وأنزل كتبه مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وحكمته في ذلك تضارع حكمته في جميع خلق الأسباب والمسببات، وما ذاك إلا أن علمه الأزلي ومشيئته النافذة، وقدرته القاهرة، اقتضت ما اقتضته، وأوجبت ما أوجبته من مصير أقوام إلى الجنة بأعمال موجبة لذلك منهم، وخلق أعمالهم وساقهم بتلك الأعمال إلى رضوانه، وكذلك أهل النار كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم لما قيل له: (ألا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟. فقال: لا اعملوا، فكل ميسر لما خلق له: أما من كان من أهل السعادة، فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة). فبين صلى الله عليه وسلم: أن السعيد قد ييسر للعمل الذي يسوقه الله تعالى به إلى السعادة، وكذلك الشقي. وتيسيره له هو نفس إلهامه ذلك العمل، وتهيئة أسبابه، وهذا هو تفسير خلق أفعال العباد، فنفس خلق ذلك العمل هو: السبب المفضي إلى السعادة أو الشقاوة، ولو شاء لفعله بلا عمل، بل هو فاعله، فإنه ينشئ للجنة خلقا لما يبقى فيها من الفضل".
    ثم بعد هذا التطواف يصل إلى لب المسألة؛ التي ندندن حولها منذ اليوم، ويقرر فيها: أنها سر من أسرار الله تعالى في عباده، يقول:
    "يبقى أن يقال: فالحكمة الكلية التي اقتضت ما اقتضته من الأسباب الأول [قسمة الناس إلى فريقين]، وحقائق ما الأمر صائر إليه في العواقب والتخصيصات والتمييزات الواقعة في الأشخاص والأعيان [هذا طائع، وهذا عاصي] إلى غير ذلك من كليات القدر؛ التي لا تختص بمسألة خلق أفعال العباد، وليس هذا الاستفتاء معقودا لها، وتفسير جمل ذلك لا يليق بهذا الموضع، فضلا عن بعض تفصيله.
    ويكفي العاقل: أن يعلم أن الله عز وجل عليم حكيم رحيم، بهرت الألباب حكمته، ووسعت كل شيء رحمته، وأحاط بكل شيء علمه، وأحصاه لوحه وقلمه، وأن لله تعالى في قدره سرا مصونا، وعلما مخزونا احترز به دون جميع خلقه، واستأثر به على جميع بريته، وإنما يصل به أهل العلم وأرباب ولايته، إلى جمل من ذلك، وقد لا يؤذن لهم في ذكر ما، وربما كلم الناس في ذلك على قدر عقولهم.
    وقد سأل موسى وعيسى وعزير ربنا تبارك وتعالى عن شيء من سر القدر، وأنه لو شاء أن يطاع لأطيع، وأنه مع ذلك يعصى، فأخبرهم سبحانه وتعالى أن هذا سره . وفي هذا المقام تاهت عقول كثير من الخلائق".
    [الفتاوى 8/382-399]
    هكذا قضي الأمر الذي فيه تستفيان، فليس كل مسائل القدر لها أجوبة تفهم عقلا، بل فيها أمور تحار لها العقول ولا تحيلها. ولا بأس إذا لم يعرف حقيقة الجواب، ولم يصل الباحث إلى جوهر السر، فإن في الإيمان بالله تعالى، وفي خلقه وما بث فيهما من دابة وغيرها آيات عظام، تدل على أنه حكيم خبير لا يظلم مثقال ذرة، فليطمئن المرء إلى رحمة الله ووعده، ولا يترك الآيات إلى وساوس تتخطفه بها الشياطين، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، والحمد لله رب العالمين.
    وقد نقلت السؤال وجوابه بتمامه لغرض بيان: أنه مهما أجاب المجيب بجواب، يريد به أن يحل مشكلة القدر؛ سواء في هدايته فريقا، أو إضلاله فريقا، كذلك في الجمع بين قدرة الله تعالى وخلقه وفعل العبد في المحل الواحد، وغير ذلك، فإنه لن يجد بدا من العود إلى التسليم والإذعان لحكمة الله تعالى؛ فإن ابن تيمية بعد أن أبلغ الجهد في حل المشكلة، رجع في آخر ذلك يلتجأ بالإيمان، ويقر أنه سر من أسرار الله تعالى في عباده، عدم معرفة العباد له، لا يعني أنه ظلم وجور، فإن كل واحد قد خلق الله تعالى فيه إحساسا وشعورا بقدرته على الاختيار بين الهدى والضلال، وإذ يتبع الضلال فإنه يقر في الوقت نفسه: أنه فعل ذلك بمحض اختياره. هذا لمن كان عاقلا يقر بالحقيقة كما هي، أما المجادل والمعاند، فإنه يقول ما لا يؤمن ولا يعتقد.
    ومع ذلك، فإن أناسا يشعرون في لحظة ما بعجزهم عن الاختيار، وبسلب إرادتهم، فإذا ما أرادوا هداية وجدوا بابها موصدا، فلا يقدرون على التقدم ناحيته وفتح مغاليقه، مع قدرتهم التامة على الاختيار في أمورهم الأخرى، لكن هؤلاء ليسوا إلا قوما بالغوا بالعبث بالإيمان تارة، والكفرة تارة، والتردد بينهما، حتى عوقبوا بمثل تلك العقوبة البالغة، كما قال سبحانه:
    - {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا}.
    - {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون * ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون* ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون}.
    هذا السلب للإرادة والجبر، يشعر به الإنسان في أمور شتى، حتى إنه ليدرك أن الصواب في أن يأتي أمرا ويدع آخر، لكن يجد نفسه فاعلا عكس ذلك وضده، ويعجب من نفسه وفعله، وهذا كما قيل لأحدهم: "كيف عرفت ربك. قال: بفسخ العزائم". فبينما العزيمة تتجه إلى جهة، قناعة بها وإيمانا بنفعها؛ إذ بها تنحل إلى جهة أخرى، القناعة بها أنها تضر فلا تنفع، فمن أين هذا؟.
    إن المرء بها ليزداد تعلقا بالله تعالى وتوحيدا له؛ إذا علم أن إرادته وقدرته بيد الله تعالى، وفعله من خلقه تعالى، فإنه يزيد في الضراعة أن يسدده، ويأخذ بيده إلى محابه ورضاه، ويجنبه سخطه، وهذا بخلاف معتقد المعتزلي: أن العبد مستقل منفرد بإرادته وعمله، هو خالقه وصانعه. فإنه يوصد بمعتقده هذا باب التوكل اعتمادا وثقة بالله تعالى ورجاء وتطلعا إلى عونه، فمن أين له أن يقول: {إياك نستعين}، وهو لا يرى لله قدرة في إحداث فعله أو منعه؟.
    كذلك، إذا ظن أن الله تعالى يُعدّه ويَمدّه في الطاعة والخير، دون المعصية والشر، فإنه وإن عظمت رغبته في الله تعالى أن يهديه إلى فعل الصالحات، فلن تعظم مخافته من الله تعالى أن يضله، فيصرف قلبه عن الهدى، ويمده في طغيانه، فيكون بذلك صاحب رجاء، ليس بصاحب خوف وخشية لله تعالى، وصدق ابن عباس رضي الله عنه في قوله: "القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله وكذب بالقدر، نقض تكذيبُه توحيدَ".
    [شرح الطحاوية 250]
    ونختم بالكلمة الذهبية للطحاوي، التي لو التزمها ابن أبي العز لما كان نقله خوض ابن القيم في القدر:
    "وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك: نظرا، وفكرا، ووسوسة. فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال الله تعالى في كتابه‏:‏ ‏{‏لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}.
    فمن سأل ‏:‏ لِمَ فعل؟‏. فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين.‏ ‏
    فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم؛ لأن العلم علمان‏:‏ علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود. فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود‏.
    ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رقم، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن، ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائنا لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه‏.‏
    وعلى العبد أن يعلم: أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرا محكما مبرما، ليس فيه ناقض ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة، والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه:‏ ‏{وخلق كل شيء فقدره تقديرا ‏}‏، وقال تعالى:‏ ‏{وكان أمر الله قدرا مقدورا}.‏ فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيما، وأحضر للنظر فيه‏ قلبا سقيما، لقد التمس بوهمه في محض الغيب سرا كتيما، وعاد بما قال فيه أفاكا أثيما‏".
    ‏وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأزواجه وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
     

    * * *
     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    د.لطف الله خوجة
  • محمد صلى الله عليه وسلم
  • المرأة
  • التصوف
  • الرقاق
  • الآخر
  • معالجة
  • وصية
  • قطرة من الروح
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية