صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    عن اللامبالاة وأسبابها

    محمد حسن يوسف

     
    تعاظمت حالة اللامبالاة بيننا بصورة مرضية، بحيث أدى استفحالها إلى لفت الانتباه لضرورة البحث عن العلاج الناجع لها قبل أن تؤدي لقصم ظهر الأمة بأكملها!! إن الأمة تمر بها أحداث عصيبة، بحيث تظن - حين سماعها - أن الجميع سيقف ويراجع نفسه ويتخذ قرارات هامة ومصيرية لمواجهة ما يحدث. ولكن على عكس جميع التوقعات، تأتي ردود الأفعال غريبة تافهة ليس لها معنى!!! فما سبب ذلك؟!!
    لقد كان أهم ما يميز هذه الأمة هو حيويتها واستجابتها للأحداث من حولها. فتروي لنا كتب السيرة ثورة أحد أفراد الأمة لما رأى اليهود يعرّون امرأة في سوقهم، فقتل من فعل ذلك، ليتجمع حوله اليهود فيقتلوه. ثم تثور الأمة وتتحرك في سبيل الدفاع عن أفرادها بإعلان الحرب على اليهود وإجلائهم من المدينة.
    ويتكرر المشهد ثانية، يقوم الأعداء بتعرية امرأة أخرى، فتصرخ الصرخة المدوية " وا معتصماه "، فيجيبها المعتصم بجيش أوله عندها، وآخره عنده!!! فمن العجب الآن أن تجد هذه الأمة تتلهى الآن وهي تشاهد اغتصاب نسائها في فلسطين وفي العراق، وكأن هذه البنات ليست من بنات المسلمين!!! فما الذي تغّير؟!!
    قبل الاحتلال الفرنسي لمصر عام 1798 من ميلاد المسيح عليه السلام، كان الشعب يتحرك إيجابيا مع الأحداث. لم يكن شيئا ليقف أمامه إذا ما حاول كائنا من كان النيل من مقدساته أو معتقداته!! ولكن هل يعقل أن الشعب الذي تحرك بشدة إبان الاحتلال الفرنسي ولم يهدأ حتى أخرج المحتل – هل يعقل أن يصاب بهذه السكتة القلبية القاتلة، التي جعلته وكأنه أصيب بالصمم لما يحدث من حولنا؟!
    فمع مرور الأيام، تبدلت الأحوال. وفي الوقت الذي جاءت فيه أمريكا إلى عقر دارنا بالدبابة والإعلام، فإننا وإلى الآن نتغافل عن هذه الأحداث بمشاهدة مباراة أو متابعة فيلم أو سماع أغنية!! والأدهى من ذلك، أننا ننفق أموالنا على توافه الأمور بدلا من إنفاقها على مشروعات جادة من قبيل مخاطبة الغربي بلغته التي يفهمها. ولا يحق لنا أن نتساءل بعد الآن: لماذا انتصرت أمريكا في واقعنا الإسلامي والعربي؟ ولا لماذا انتصر اللوبي الصهيوني في الغرب؟[1]
    وأفرزت مقاومة الاحتلال – الأمريكي أو الصهيوني - في هذه الأيام ثقافة جديدة هي ثقافة المقاومة، وضرورة مواجهة القوة بالقوة. وبدأ يتشكل منطق القوة عند " بعض " شعوب المنطقة. فالقبول بالهيمنة الاستعمارية لم يعد واردا. والمقاومة بكل صورها وأبعادها هي الخيار الأمثل الذي ترسخ في الوعي الإسلامي.[2] ولكن لم يترسخ ذلك في نفوس الجميع بعد، وإن كنا لا ننكر ارتفاع صوت المنادين بهذا الخيار إلى حد ما عن ذي قبل.
    فما زالت الأمة في عمومها في حالة سبات. ففي الوقت الذي تواجه الأمة خطر الاستئصال عن طريق الخيار العسكري في كل من فلسطين والعراق ولبنان، وخطر الانهيار المعنوي عن طريق الرسوم المسيئة لمقام الرسول صلى الله عليه وسلم، وخطر الاستبدال من خلال الفيضانات وغرق السفن وتفشي وباء أنفلونزا الطيور ... في هذا الوقت الذي تواجه فيه الأمة كل هذه التحديات، إذا بقطاعات عريضة منها تفرح بالفوز في مباراة!!!

    والواقع إذا كنا نحاول البحث عن أسباب هذه الظاهرة الغريبة التي أصابت المجتمع في مقتل، فأدخلته في هذه الحالة من الغيبوبة الطويلة، فإننا نفعل هذا من باب محاولة وصف العلاج الذي يمكن أن يُخرجنا من محنتنا. فوصف العلاج لا يأتي إلا بعد رصد الظاهرة رصدا فعالا وحقيقيا بحيث يشمل جميع أوجهها ومظاهرها.
    قال تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ [ النحل: 89 ]. فإذا كان الأمر كذلك فلابد لنا من دراسة هذه الظاهرة في هذا الإطار. ومن الأسباب التي أدت إلى تفشي هذه الظاهرة ما يلي:
     
    1- البعد عن كتاب الله:
    تتجلى أولى أسباب حالة اللامبالاة في بُعد أفراد الأمة عن كتاب الله: هذا الكتاب المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فألقيناه وراءنا ظهريا، وأصبحنا لا نتعامل معه إلا من قبيل التبرك وحسب. لقد كان القرآن مصدر عزة المسلمين في صدر الإسلام، وسبب قوتهم. استطاعوا دحر أعدائهم وقهر خصومهم بالتزامهم بالتمسك بتعاليم كتابهم والتقيد بأوامره وتلاوتهم إياه. أما الآن فقد بعدنا تماما عن كتاب الله. وأصبحنا ندرس أية ظاهرة تحدث من حولنا بمعزل عن كتاب الله. هذا البعد عن كتاب الله أورثنا قسوة في القلب وغلظة. كما أن خطورة الحلول التي تأتي بعيدة عن كتاب الله تكمن في عدم تمسك المسلمين بالالتزام بها، بل ومحاولة خرقها. فما لم يكن النهي في صورة تعاليم موجهة من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن يتمسك بها أحد، وهذا هو الواقع الذي نعيشه الآن. وهذا هو سر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره، أذلنا الله.
     
    2- ازدياد الفقر بصورة غير مسبوقة وتلهي الناس وراء لقمة العيش:
    من أهم أسباب عدم مبالاة الناس بما يحدث من حولهم، تلهيهم وراء لقمة العيش، بحيث أصبح انشغالهم في أمور أخرى غير تحصيل لقمة العيش هو نوع من الترف الذي لا يطيقونه ولا يستطيعونه.
    وبالطبع ليست مشكلة الإسلام اليوم – على عكس ما يشيع البعض – النقص المادي في الأموال والعتاد، الذي لو استطاعوا تحصيله وتكثيره فستكون لهم الغلبة ولا شك، بل جُل المشكلة التي تواجههم الآن هي في الضعف المعنوي الذي أصابهم وخدّر قواهم. فالمسلمون اليوم منهزمون نفسيا منقادون لغيرهم يعوزهم التمسك بتعاليم دينهم والاعتزاز بقيمهم.
    ومن المعلوم أن الفقر لا يُخشى منه على الأمة إذا كانت نفوس أبنائها كبيرة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَوَ اللَّهِ َلا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ.[3]
    إن جعل سعادتنا مرتبطة على نحو جوهري بالحصول على المزيد من المال، يشكل تركة في الاتجاه الخاطئ، لأن المطلوب من المال سيظل باستمرار أكثر من المعروض، ومن ثم فإن مشاعر الحرمان ستظل مسيطرة على أعداد هائلة منا على نحو ما نلمسه اليوم حيث اتجهنا.[4]
     
    3- تلاشي الطبقة المتوسطة:
    يرتبط بالسبب السابق مباشرة، تلاشي الطبقة المتوسطة في المجتمع تحت معول الفقر. فمن المعلوم أن الطبقة المتوسطة هي الطبقة التي تمسك طرفي التضاد في المجتمع: الطبقة الفقيرة والطبقة الغنية، وهي التي يقع عليها عبء دفع المجتمع نحو التحرك، يحدوها في ذلك الأمل في الانتقال من وضعها الحالي للالتحاق بالطبقة الأعلى.
    على أن السنوات الأخيرة من القرن الماضي والقليلة من القرن الحالي شهدت عدة تغييرات جذرية في الظروف الاقتصادية العالمية تركت بصماتها واضحة على التركيبة المجتمعية في معظم دول العالم، ومنها الدول الإسلامية. وتعرضت الطبقة التي الوسطى التي كانت تمثل دعامة أساسية من دعائم حماية النسيج الاجتماعي للمجتمع، تعرضت لهزات قوية في أوضاعها، مما أدى في آخر الأمر إلى تلاشيها وانتهائها.
    وأصبح المجتمع في معظم دول العالم الآن يتشكل من طبقتين متمايزتين: الطبقة الغنية والطبقة الفقيرة. وأصبحت الطبقة الفقيرة تضم في داخلها عدة طبقات: الطبقة الفقيرة الغنية والطبقة الفقيرة المتوسطة والطبقة الفقيرة المدقعة. هذا أدى – مع العامل السابق مباشرة – على ازدياد تلهي الناس وراء لقمة العيش، مما أصبح التكلم في الأوضاع الحياتية والاجتماعية ضربا من الرفاهة الذي لا يطيقونه لأنه يحرمهم من تكريس مزيد من الوقت للعمل، وانتزاع مزيد من المال للمساعدة على الظروف المعيشية.[5]
     
    4- ضآلة حجم الهدف المبتغى تحقيقه في الشقة والسيارة:
    ويرتبط بالسببين السابقين ضآلة الأهداف التي أصبح الفرد منا يبتغي تحقيقها. فتحت ضغط الفقر، اُختزل الحلم في نفس كل فرد في اقتناء شقة وسيارة، وابتعد بالتالي عن حلم الأمة بنشر الدين والتخلص من الغاصبين.
    ومع تلاشي حلم العمل للأمة، تعددت الأهداف الفردية. وما أن ننتهي من تحقيق حلم حتى نسارع إلى تبني العمل لهدف آخر جديد.
    إن الأشياء التي نتطلع إليها تتمتع بقدرة فائقة على جذبنا إليها، وكلما كانت تلك الأشياء بعيدة المنال كان إغراؤها أعظم، وكلما اقتربنا منها تراجع لمعانها. وحين نظفر بها فإن قدرتها على إمتاعنا تصبح ضئيلة، وسرعان ما يقفز بنا الخيال إلى ما يمكن أن يأتي بعدها، لنبدأ رحلة جديدة من التشهي وخداع النفس.[6]
     
    5- خلل الموازين وتعجل التغيير:
    لقد اختلت الموازين التي أصبحنا نقيس الأشياء بها من حولنا. وانظر الآن إلى ما يحدث في مجتمعاتنا من سلوكيات، وخاصة في مجال الدين:
    تطور مفهوم الحجاب فأصبح يخضع للموضة، وبدلا من كونه وسيلة لكي تتستر المرأة به، أصبح وسيلة لإغراء المرأة، حتى ليمكننا أن نطلق عليه وبحق: حجاب التبرج!!
    أصبحنا نؤدي الصلاة في أوقات الفراغ نختطفها خطفا وننقرها نقرا. فإذا تعارض وقت العمل على وقت الصلاة، قدّمنا العمل على الصلاة، بحجة أن " العمل عبادة "!!
    نرى إخواننا يتضورون جوعا، وهم يعانون مخاطر الاستئصال والتشريد، ومع ذلك لا تجود أنفسنا إلا بأقل القليل لمساعدتهم!!
    تجد المرء منا يجلس لسماع درس ديني في الجامع، فإذا به يخرج منه وكأنه أصبح عالما في أمور الدين فقيها في الفتوى!!
    وهكذا ... نجد أن جميع سلوكياتنا قد تغيرت. ومع كل هذه المظاهر المرضية التي أصابت الأمة، تجد الأفراد متعجلين لنصر الله لهم على الأعداء. فإذا ما قاموا بالدعاء لإخوانهم بالنصر والتمكين في الأرض، وتأخر نصر الله قليلا – لحكمة يعرفها جل شأنه – ترى الأمة متبرمة متأففة لطول زمن الابتلاء!!
    إن الله لن يغير واقعنا الذي نحياه إلا إذا بدأنا نحن في تغيير أنفسنا. فعلينا طريق شاق وطويل من التغيير يجب أن نجتازه أولا، حتى ينعم الله علينا بنصرنا الموعود. وعلينا ألا نتعجل الأمور، وأن نثق بوعد الله، فهو نعم الناصر وهو نعم المعين.
     
    6- غياب القدوة الفعالة وانتشار القدوات الفاسدة:
    مما لا شك فيه أن القدوة تعطي الإنسان دفعة قوية للعمل. فوجود نموذج حي أمام الشخص يجسد النماذج النظرية التي نسمع بها ويحولها إلى واقع معاش هو أمر مساند ودافع لمن حوله لكي ينتهجون طريقه ويحتذون بسيره. أما في الوقت الراهن، فقد انتشرت نماذج تافهة تم تسليط الأضواء عليها مما أعطاها هالة كبيرة وأصبحت وكأنها هي النماذج الرئيسة التي يجب على جميع فئات الأمة الإقتداء بها والسير على نهجها. ونظرا لتسليط الأضواء عليها بشدة، فقد تاقت إليها نفوس شباب الأمة، وأصبح جل همهم أن يسعوا سعيهم ويقتدوا بأمرهم. هذه القدوات – هكذا – هي قدوات فاسدة لا يمكن أن تقود الأمة لانتشالها من الواقع الأليم الذي تعيشه، بل أنها تدفعها إلى هاوية سحيقة لا تستطيع الفكاك منها إذا انحدرت إليها.  علينا الإقتداء بسير الصحابة، وبسير العلماء الربانيين الذين تم حجب سيرهم عن عمد، حتى تحيد الأمة عن طريقها وتخرج عن طريقها.
     
    7- ضياع الأمانة بتوسيد الأمر لغير أهله:
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ. فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ. فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ. حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ، قَالَ: أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنْ السَّاعَةِ؟ قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّه! قَالَ: فَإِذَا ضُيِّعَتْ اْلأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ. قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: إِذَا وُسِّدَ اْلأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ.[7] ووسد بمعنى أسند.
    وجاء عن ابن حجر العسقلاني في تفسيره لهذا الحديث: أجاب عن كيفية الإضاعة بما يدل على الزمان لأنه يتضمن الجواب، لأنه يلزم منه بيان أن كيفيتها هي الإسناد المذكور. والمراد من " الأمر " جنس الأمور التي تتعلق بالدين كالخلافة والإمارة والقضاء والإفتاء وغير ذلك ... وقيل: معنى " أسند الأمر إلى غير أهله " أن الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده وفرض عليهم النصيحة لهم، فينبغي لهم تولية أهل الدين، فإذا قلدوا غير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانة التي قلدهم الله تعالى إياها.
    وفي الوقت الراهن، نجد أن الأمة تسند الأمور لغير أهلها على صعيد الأمور الدينية، بل وتعدى الأمر هذا إلى الأمور الدنيوية كذلك. إن تضييع الأمانة يضرب بمعوله في الأمة من جهتين: فهو يؤدي بمن كان صاحب الحق في تولي المنصب للشعور بالنقمة على المجتمع لأنه اختار من هو أقل منه علما وكفاءة ويؤدي به للإحباط وعدم التفاعل مع المجتمع بل والانعزال عنه بما يحرم المجتمع من جهوده التي كان مؤهلا لأدائها.
    ومن ناحية أخرى، فإن الأفراد الذين يرون حدوث ذلك يصابون بحالة كبرى من اللامبالاة واليأس والإحباط، وينعدم داخلهم الأمل في التعلم والتدريب، لأنهم يرون ارتفاع قيم الفهلوة واللباقة على معايير الكفاءة في الاختيار.
    ولقد كان هذا العامل هو السبب الرئيسي وراء انهيار المجتمع الروسي. فلقد قال أحد ضباط المخابرات السوفيتية – بعد تجنيده للمخابرات الأمريكية – معللا السبب وراء انهيار الاتحاد السوفيتي، إنهم كانوا يرشحون ذوي الكفاءات المنخفضة والمعدمة لتولي المناصب الحساسة والهامة في البلد، وهذا ما أصاب البلد ككل في مقتل وأدى إلى انهيارها واندحارها.
     
    8- الخوف من الأنظمة البوليسية
    لاشك أن ما يلقاه المرء في سجون بلاده من ذل وهوان، وهو ما يتم الكشف عنه في شكل المذكرات التي يكتبها من يتعرضون للاعتقال، لا شك أن ذلك قد أثر كثيرا في إضفاء شعور اللامبالاة على سلوكه. ولقد أصبحت الممارسات البوليسية من الظواهر المزعجة التي تميز نظم الحكم في البلاد الإسلامية. ولذا لم يكن عجيبا أن نسمع الرد الأمريكي على الأصوات العربية التي تأذت من ممارسات الجنود الأمريكيين مع المعتقلين العراقيين في سجن أبو غريب المتمثل في قولهم بأن ما فعلناه ليس بأكثر مما يجري عندكم في بلادكم. وهذا حق!!!! فما فعلوه هم هناك يعد أقل وبكثير مما يجري في بلادنا. ولذا انتشرت بين المواطنين الأمثال المسكوكة التي تكرس حالة الانعزالية و" الأنامالية "، من قبيل: " امشي جنب الحيط " و " الحيطان لها ودان " ... الخ.
     
    النتائج: ما أصبحنا عليه الآن:
    لقد تفاعلت جميع العوامل السابقة في إفراز حالة غريبة ومزعجة من اللامبالاة وانعدام التفاعل مع الأحداث، تمخض بشكل فج في عدم رد الفعل على ما يحدث لإخواننا من حولنا على أيدي قوى البطش والجبروت الأمريكية والإسرائيلية في فلسطين والعراق ولبنان وأفغانستان.
    كما كان من نتائج هذه العوامل ظهور عدة سمات جديدة أصبحت تطبع بخاتمها على تصرفات الأفراد في مجتمعاتنا، وتتجلى هذه السمات الجديدة فيما يلي:
    o تحول كل فرد منا في داخله إلى فرعون، إذا ما ساد القوم أو تولى منصبا شرفيا حاول بكل السبل قطع رقاب من حوله، والاستئثار بكل السلطات في يده لتعذيب من حوله.
    o أصبح كل فرد منا يريد للدين أن ينتصر، ولكن ليس من خلاله. أي أن كل منا يريد أن يضحي بالآخرين في سبيل انتصار الدين، لا أن يتم نصر الدين عن طريق تضحيته هو.
    o  الغلظة في التعامل مع بعضنا البعض، فأصبح بأسنا بيننا شديدا وليس هناك مجال للإخاء والرحمة في تعاملاتنا.
     عدم الشورى فيما بيننا حتى في أبسط الأمور، وأصبح هم كل فرد أن يسود رأيه، حتى ولو كان خاطئا. فأصبحنا نتفنن في كسر القوانين وخرقها، خاصة أنها قوانين وضعية ليس لها صفة الإلزام الشرعي.

    *****

    وليس من شك أن من أولى الأمور التي على المسلمين أن يبدءوا بها هي العودة إلى دينهم والتمسك بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم والالتزام بآدابه وهديه.
    نريد أن يتحول الغضب الكامن في صدورنا إلى برنامج عملي يؤدي بنا للرجوع لطلب العلم الشرعي وفهم قضايا ديننا، وألا يكون همنا إذا ما حدث حادث أن نجري سريعا لأي شيخ لكي يرد ويفسر لنا الأمور – فلماذا لا نتعلم نحن حتى نستطيع الرد بأنفسنا؟
     
    تروي لنا إحدى الوقائع التاريخية أن المسلمين قاموا بحصار الكفار في حصونهم مدة تعدت الثلاثة شهور. فلما طالت المدة عليهم، رجعوا إلى أنفسهم وفكروا في أمرهم، وقالوا: ما استعصى علينا فتح هذا الحصن إلا بتركنا لسنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذوا يراجعون ما تركوه من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أن هداهم تفكيرهم إلى أن هذه السنة المهجورة هي سنة السواك. فقاموا جميعا بتقطيع أشجار الأراك لاستخدامها كسواك. فلما رأى الأعداء ذلك، قالوا: والله ما يقوم المسلمون إلا بسنّ أسنانهم تمهيدا لكي يأكلوننا. فأصابهم الرعب والهلع، ثم قاموا بتسليم أنفسهم وحصونهم خوفا على حياتهم.
    وسواء صحت هذه الرواية أم لم تصح، فإن العبرة منها هي أن الله سبحانه وتعالى ينعم علينا بالنصر حين نرجع إلى دينه، ونتمسك بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم – فهل نفعل ذلك؟!!!
     
    29 من جمادى الآخرة عام 1427 ( الموافق في تقويم النصارى 24 من يوليو عام 2006 ).
     

    -------------------------------
    [1]  مجلة البيان، رجب 1425، ص: 71 ( بتصرف كبير ).
    [2]  مجلة البيان، رجب 1425، ص: 5.
    [3] رواه البخاري: 3158 و4015 6425.
    [4] مجلة البيان، العدد 221، المحرم 1427 هـ، التمتع بالموجود، د/ عبد الكريم بكار، ص: 32.
    [5] لمزيد من التفصيل حول الوضعية الجديدة للطبقة المتوسطة، انظر: رمزي زكي، وداعا للطبقة الوسطى، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
    [6] مجلة البيان، العدد 221، المحرم 1427 هـ، التمتع بالموجود، د/ عبد الكريم بكار، ص: 32.
    [7] صحيح. رواه البخاري 57 و6015 وأحمد في مسنده، وراجع جامع الأصول 103.
     

    اعداد الصفحة للطباعة
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية