صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
الصفحات المميزة



الأنشطة الدعوية



كيف تترجم (5)

دور المترجم
Translator's Role

محمد حسن يوسف

 
لا يمكن لأية مناقشة لمبادئ الترجمة ومناهجها أن تعطينا معالجة لقضية الترجمة بمعزل عن المترجم نفسه. وبما أن المترجم يعتبر العنصر البؤري في عملية الترجمة، فإن دوره يعد محوريا بالنسبة للمبادئ والمناهج الأساسية في عملية الترجمة، ذلك أن المترجم نفسه يعتبر جزءا من البيئة الثقافية التي يعيش فيها.
وإذا أردنا من المترجم إنتاج رسالة مقبولة – رغم ما يجده من صعوبات ونكران للجميل – فلابد أن يكون ملما إلماما شاملا بخصائص اللغة المصدر، ولابد أن يسيطر في نفس الوقت على أدوات اللغة المنقول إليها. فهو لا يستطيع حتما أن يكافئ بين الكلمات مقتصرا على القاموس، بل لابد له أن يُحدث بالمعنى الحقيقي صيغة لغوية جديدة، لكي ينقل المفهوم الذي تعبر عنه اللغة المصدر. أي يجب أن يكون ضليعا well-versed في كل من اللغتين اللتين يتعامل معهما.

وهناك بعض المتطلبات الأساسية التي يجب توافرها في المترجم. وأول هذه المتطلبات – كما سبق القول – هو وجوب معرفته التامة باللغة المصدر. فلا يكفي أن يكون المترجم قادرا على فهم " المغزى العام " للمعنى أو أن يكون ماهرا في استشارة القواميس ( فهو سيفعل ذلك حتى في أحسن الأحوال ). وإنما عليه بالإضافة إلى ذلك فهم الجوانب الدقيقة والحساسة للمعنى، والقيم الانفعالية السلوكية الهامة للكلمات، والخصائص الأسلوبية التي تحدد " نكهة وإحساس " الرسالة.
كما يجب عليه أن يكون ضليعا بالقواعد الحاكمة للغة المنقول إليها، وليس للمترجم بديل عن ذلك. ولعل أغلب الأخطاء المتعددة والخطيرة التي يقع فيها المترجمون تنشأ أساسا من افتقارهم للمعرفة الشاملة باللغة المنقول إليها.

وبالإضافة إلى ذلك، على المترجم أن يكون لديه معرفة خاصة بالموضوع الذي يترجمه. فيمكن مثلا أن يكون المترجم على علم جيد باللغة بوجه عام، ولكنه يجهل الكثير عن موضوعات مثل الفيزياء النووية أو الكيمياء العضوية. ففي هذه الحالة، لا تعتبر المعرفة العامة باللغة وافية كخلفية وكتجربة لترجمة المواد التقنية في مثل هذه الفروع. وبتعبير آخر، يجب على المترجم – بالإضافة إلى كونه ضليعا بقواعد وسلوك اللغتين المصدر والمنقول إليها – أن يكون على إطلاع شامل بمادة الموضوع الذي يترجمه.

وحتى مع توافر المعرفة التقنية الضرورية لدى المترجم، فلن يعتبر كفؤا ما لم يتوافر لديه بالإضافة إلى ذلك الرغبة النفسية الحقيقية. إذ يجب أن تتوافر لدى المترجم موهبة المحاكاة والقدرة على أداء دور المؤلف وتقمص سلوكه وكلامه ووسائله بأقصى درجة من الاحتمال.
وفي ذلك، يورد Justin O'Brien رأيه في هذه القضية، فيقول: " على المترجم ألا يترجم أبدا أي شيء لا يثير إعجابه. فيجب أن تتواجد ألفة بين المترجم وبين ما يترجمه بقدر الإمكان ".

على أن المعرفة الشاملة باللغتين المصدر والمنقول إليها وبمادة الموضوع الذي يُترجم والرغبة النفسية الحقيقية لا تضمن الحصول على ترجمة فعالة في الواقع ما لم يتمتع المترجم بالإضافة إلى كل ما سبق بوجود حس أدبي literary taste لديه. فيقول Nabocov " لكي يكون للمترجم التأثير الكامل فيجب أن يتمتع في النهاية بقدر من الموهبة تتساوى مع قدر الموهبة التي يتمتع بها المؤلف الذي يختاره ".
وليس هناك مترجم يستطيع تجنب درجة معينة من التأثير الشخصي في عمله. فيتأثر المترجم باعتناق آراء المؤلف أو بالرسالة أو يتأثر بافتقاره لمثل هذا الاعتناق، وذلك أثناء تفسيره للرسالة المكتوبة باللغة المصدر وفي انتقائه للكلمات والصيغ النحوية المطابقة وفي اختياره للمكافئات الأسلوبية. ومن المفهوم تماما أن المعاني السلوكية التي يستخدمها المؤلف تؤثر في قيم المترجم المماثلة وتتأثر بها، ولا يمكن أن يكون الناتج بأية حالة هو نفس قيم المؤلف بالضبط.
ويتحتم على المترجم ألا يضم انطباعاته الخاصة إلى الرسالة، أو يحرّفها لتناسب تطلعاته الفكرية والانفعالية. ولابد له أن يبذل كل جهد ممكن لتقليل أي تدخل من جانبه لا يتناغم مع قصد وفحوى المؤلف الأصلي والرسالة الأصلية وذلك إلى أدنى حد ممكن.
ولا تحدث معظم الحالات المتعلقة بالتبديل غير الملائم للنص الأصلي بناء على رغبة واعية لتحوير الرسالة أو تحريفها، بل تنتج من سمات الشخصية اللاواعية التي تؤثر في عمل المترجم بطرق خفية. وتتضح هذه السمات بشكل كبير حينما يشعر المترجم بالميل إلى تحسين النص الأصلي أو تصحيح الأخطاء الجلية فيه أو الدفاع عن تحبيذ شخصي وذلك بتحريف ما يختاره من كلمات.

وتتناسب مخاطر الذاتية في عملية الترجمة مع مقدار التدخل الانفعالي الممكن من المترجم في الرسالة. ففي نصوص النثر العلمي، يصل هذا التدخل الذاتي إلى أدنى مستوى له. على أن هذا التدخل يصل عادة إلى أعلى مستوياته في حالة النصوص الدينية.
وفي بعض الحالات يؤدي الإحساس الخاص للمترجم بعدم الثقة إلى أن يصبح من الصعب عليه أن يترك الرسالة تتحدث عن نفسها. وفي حالات أخرى، يدفعه الغرور إلى القيام بالترجمة دون استشارة آراء الذين درسوا تلك النصوص دراسة وافية.

وهكذا فإن المترجم الكفء هو الذي يستطيع صقل المهارات أحادية اللغة monolingual skills اللازمة للقيام بعمله على أكمل وجه، والمتمثلة في مهارات الاستماع listening والتحدث speaking والقراءة reading والكتابة writing.

ويجب التركيز هنا على الفرق بين المتحدث ثنائي اللغة Bilingual Speaker والمترجم الكفء Competent Translator. ويتمثل هذا الفرق في أن الأول يستطيع التعبير عن نفسه بلغتين، بينما الأخير يمكنه التعبير عما يريد أن يقوله الآخرين أو التعبير عن الآخرين بكفاءة. وهو بذلك لا يتدخل في تغيير معنى نص الرسالة المراد ترجمتها، كما أنه يستطيع أن ينحي انفعالاته الشخصية جانبا بقدر المستطاع، وأن يبرز انفعالات المؤلف أو الكاتب الأصلي بطريقة أمينة. وعلى ذلك فمقدرة المترجم الكفء على عملية الترجمة هي مقدرة تحتوي على أكثر من لغة.
وبدون استراتيجية الترجمة التي سبق الحديث عنها، لا يمكن لفرد ما أن يكون مترجما كفؤا. فلا يجب على المترجم أن يكون ملما بالقواعد الحاكمة للغتين اللتين يتعامل فيهما فقط، بل يكون عليه أيضا أن يستطيع النقل إليهما بكفاءة. وفي هذه الحالة، فإذا ما أعطيناه رسالة مكتوبة باللغة المصدر SL، يكون عليه أن يعطينا ما يعادل هذه الرسالة بالضبط في اللغة المنقول إليها TL.
وبذلك فيمكننا استنتاج افتراض Assumption في غاية الأهمية، ألا وهو أنه لا يشترط أن يكون كل متحدث ثنائي اللغة مترجما كفؤا.

Not any bilingual speaker is a competent translator.

ومجمل القول، تعد مهمة المترجم مهمة في غاية الصعوبة ولا يجني من ورائها الشكر في معظم الأحيان. فحين يرتكب المترجم خطأ بسيطا ينتقده الناس بشدة، وحين ينجح في عمله لا يلقى إلا امتداحا لا يذكر، إذ غالبا ما تسود قناعة لدى الجميع بأن أي شخص يعرف لغتين يكون بإمكانه عمل ما قام به المترجم الذي عانى أشد المعاناة لإنتاج نص مكافئ.

على أنه حتى وإن كان امتداح الآخرين لعمل المترجم من الأمور النادرة، فإن مهمة الترجمة بحد ذاتها تحقق للمترجم الرضاء النفسي الذي يتطلبه. ذلك أن الترجمة الناجحة تتضمن تحديا فكريا من أعقد التحديات التي عرفتها البشرية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحاجة إلى التواصل الواسع والدقيق والفعال في عالمنا المعاصر بين من يتكلمون بلغات مختلفة يعطي للمترجم موقعا استراتيجيا جديدا في غاية الأهمية.

 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
محمد حسن يوسف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • مقالات اقتصادية
  • كيف تترجم
  • دورة في الترجمة
  • قرأت لك
  • لطائف الكتاب العزيز
  • الصفحة الرئيسية