صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    هذه عقيدتنا

    فؤاد بن عبد العزيز الشلهوب

     
    مقدمة
     

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله –صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسيلماً كثيراً إلى يوم الدين، ثم أما بعد :
    فهذه رسالة في بيان بعض ما يعتقده أهل السنة والجماعة، جمعتها من كتب السلف الكرام، ولخصتها في أوراق قليلة، حتى يتسنى لإخواني الاطلاع عليها والانتفاع بها، فأسال مولانا جل جلاله أن لا يحرمنا وإياكم أجرها، إنه سميع مجيب .
    إن أعز ما يملكه المسلم هو عقيدته وتوحيده، فمن سلم له توحيده وصفت له عقيدته، فاز ونجا، ومن علقت به بعض أدران الشرك، أو حلت به بعض شوائب البدع، فإنه على شفا جرف هار . فالنجاة النجاة قبل حلول الأجل . ولا يقول قائل نحن في بلاد التوحيد، أو نحن على الفطرة، أو يركن إلى رحمة الله وعفوه، ثم يُعرض عن تحقيق توحيده، وصفاء عقيدته . فإن إبراهيم الخليل- عليه السلام- وهو من أعظم الموحدين قال: (واجنبني وبنيَّ أن نعبد الأصنام ) . وإذا كان خليل الله قال ذلك، وهو رسوله إلى الخلق بالتوحيد وعبادة الله ونبذ عبادة غيره، فنحن من باب أولى أن لا نغفل عن تحقيق توحيدنا، وتنقية عقيدتنا من الشوائب التي تخدش فيه .
    وفي هذه الأزمان المتأخرة، ومع تقارب البلدان، وتنوع وسائل الإعلام وقدرتها على النفاذ بدون رقيب، استطاعت تلك الوسائل أن تؤثر على عقائد كثير من الناس في سائر البلدان، فضعف جانب الولاء والبراء عند كثيرٍ منهم، بل إن بعض المفكرين المحسوبين على هذه الأمة لا يكل ولا يمل أن يسمي اليهود والنصارى بإخواننا . والله يقول في حق المشركين-بلا استثناء-( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ). ومفهوم المخالفة، فمن لم يتب ولم يقم الصلاة ولم يؤت الزكاة فليس بأخٍ لنا في الدين. ولكن الضعف والخور وغيبة الولاء والبراء وعدم الشعور بعزة الإسلام وراء ذلك كله .
    ومن آثار ضعف العقيدة عند بعض الناس، أن بعضهم أصبح يشك هل للسحر وجود، وهل هو حقيقة أم أن ذلك من جملة الخرافات، وكذلك الجن هل لهم وجود، وهل يتلبسون بالإنسي حقيقة ؟ . وهذا غيض من فيض، ولو سقنا آثار ضعف العقيدة عن الناس لطال بنا المقام، ومن أجل هذا كان لابد لنا من بيان عقيدة السلف، عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي عقيدتنا التي ندين الله بها ونؤمن بها ، وهي عقيدة الفرقة الناجية التي تدخل الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: ( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة . قالوا: وما هي يا رسول الله ؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي ) .
    والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله أجمعين .

    1- فمن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يقولون : بأن الإيمان قول وعمل واعتقاد؛ قول باللسان وعمل بالجوارح وعقد بالجنان . يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان .
    قال تعالى: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5] . فجعل الله –سبحانه وتعالى- الإخلاص، والصلاة، والزكاة من الإيمان .
    - وقال صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ) . فجعل صلى الله عليه وسلم شهادة أن لا إله إلا الله وهي قول باللسان من شعب الإيمان، وجعل إماطة الأذى عن الطريق وهي عمل الجوارح من الإيمان .
    وقال صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس : ( آمركم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم . قال : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تؤدوا من المغنم الخمس )
    - وقال تعالى : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4]
    وهذا دليل على أن الإيمان يزداد بالطاعات، فإذا ثبتت الزيادة في الإيمان، ثبت النقصان . فإذا كانت الطاعات تزيد الإيمان، فمن لازم ذلك أن المعاصي تنقص الإيمان .

    2- فمن معتقد أهل السنة والجماعة : أنهم يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره .
    والإيمان بالله يتضمن، الإيمان بأنه الخالق الرازق المحيي المميت المتصرف… الخ . وهذا ما يسمى بتوحيد الربوبية-أي توحيد الله بأفعاله-، وهذا لم ينازع فيه أحد، ولم ينكره منكر، حتى فرعون الذي قال : ( يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري )  . كان يعلم في قرارة نفسه أن هناك رباً هو المستحق للعبادة وليس هو، ولذا قال له موسى-عليه السلام- : ( لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً )  . والإيمان بالله يتضمن توحيد الله بأفعالنا -توحيد الألوهية-، وهو إفراد الله بالعبادة، وصرف العبادات كلها له، لأنه هو المستحق لها فمن كان خالقاً رازقاً محيياً مميتاً معطياً مانعاً، كان هو الذي يجب أن تُصرف له سائر العبادات، كالدعاء، والاستغاثة، وتقديم القرابين، والصلاة، وسائر العبادات، وصرفها لغيره ظلمٌ وبغيٌ وعدوان .
    والإيمان بالله يتضمن –أيضاً- توحيده بأسمائه وصفاته، فنثبت صفات الله وأسمائه الحسنى على ما يليق به تعالى على وجه الكمال، ونثبت لله ما جاء في كتابه وما صحَّ من سنة نبيه –صلى الله عليه وسلم- فلا نعطل ولا نكيف ولا نمثل ولا نحرف ولا نؤول شيئاً من صفاته وأسمائه الحسنى.
    ونؤمن بملائكته، وأنهم مخلوقون من نور، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم كثير ولهم مهام كثيرة، فجبريل -عليه السلام- وهو أعظمهم كان ينزل على الأنبياء والرسل بالوحي، وميكائيل للنبات والقطر، وإسرافيل للنفخ في الصور، ومالك خازن النار، ويقال إن رضوان خازن الجنة، وملك الموت لم يصح أن اسمه عزرائيل. وهناك ملائكة خلقهم الله للعبادة فهم منقطعون لها، وهناك ملائكة لحمل عرشه، وهناك ملائكة يحصون أعمال العباد، وهناك ملائكة يحفظون العباد بأمر الله، وهناك ملائكة لا نعلمهم، الله يعلمهم .
    والإيمان بالملائكة إذا تمكن في نفس المسلم، أشعره بعظمة الله الذي خلقهم، وجعله يحرص على عمل الصالحات لأنه يعلم أن أعماله مسطورة ( يعلمون ما تفعلون ) . ثم هو يُشعر المسلم برحمة الله الواسعة أن جعل له ملائكة يحفظونه بأمره .
    والإيمان بالكتب، هو أن تؤمن بأن الله أنزل كتباً من عنده ليبين للناس دينهم، وليسيروا على صراطه المستقيم، فالصحف على إبراهيم، والزبور على داود، والتوراة على موسى، الإنجيل على عيسى، والقرآن على محمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين . وهذه الكتب ما عدا القرآن أصابها التحريف والتبديل، لأن الله أوكل حفظها لهم، وأما القرآن الكريم فقد تكفل الله بحفظه : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) . ولذا فنحن نؤمن بنزول الصحف، والتوراة، والزبور، والإنجيل، ولكن لا نعمل بها لأن القرآن ناسخٌ لها، ولأنها أصابها التحريف والتبديل .
    والإيمان بالرسل، هو أن تؤمن بأنهم بشر- لا يستحقون العبادة- اختصهم الله ومنَّ عليهم بالرسالة والنبوة: ( قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشرٌ مثلكم ولكن الله يمُنُ على من يشاء من عباده ) . فيعتريهم ما يعتري البشر من النسيان والسهو، ولكن لا يخطئون أو يتطرق إليهم النسيان إذا كانوا يبلغون شرع الله ، وإن نسوا أو اخطأوا لا يقرون على ذلك بل يذكرهم الله أو يصوبهم . وأما في أمورهم وحياتهم العادية فهم كالبشر سواء . ولذلك يُعدُ صرفُ العبادة لهم أو جزء منها قدحاً فيهم، وظلم لهم، ورفعهم فوق مرتبتهم التي أنزلهم الله إياها. فلهم منا الإيمان برسالتهم، وتعزيرهم ونصرهم، لا عبادتهم ودعائهم من دون الله . وأول نبي هو آدم عليه السلام وهو نبي مكلم. وأول رسول هو نوح عليه السلام، وآخر الأنبياء والرسل هو نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وهو سيد ولد آدم . ومقام النبوة والرسالة أعلى المقامات، لا كما يعتقده غلاة الرافضة حيث جعلوا الإمامة منصب إلهي كالنبوة يختارهم الله من سائر البشر، وهم معصومون من الكبائر والصغائر، ولا كما يعتقده الصوفية الغلاة، حيث يقول قائلهم :
    مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي
    حيث جعل الولي أعلى من مرتبة النبوة والرسالة، وهذا من الضلال المبين نسأل الله العافية.
    والإيمان بالقدر خيره وشره، أن تؤمن بأن كل شئ بقدر، وأن ما شاء الله كان ومالم يشاء لم يكن، وأن ما أصابك من نعمة فمن الله تفضل بها عليك، وما أصابك من بلوى ومصيبة فبسبب ذنوبك ومعاصيك : ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) . وهي بقدر الله وتحت مشيئته .
    وضلت في باب القدر فرقتان : القدرية والجبرية، وهدى الله أهل السنة والجماعة فقالوا: إن للعبد مشيئة وإرادة، ولكنها خاضعة لمشيئة الله وإرادته . ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله )  .
    والإيمان باليوم الآخر، يتضمن الإيمان بكل ما نطق به الكتاب العزيز، والسنة الصحيحة من أخبار اليوم الآخر، ومما يكون من أمر المعاد؛ فنؤمن بالشفاعة العظمى لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم، ونؤمن بحوضه وأنه ترد عليه أمته ويذاد عنه المحدث في دينه، ونؤمن بالصراط، والميزان التي توزن فيه أعمال العباد، ونؤمن بنزول الجبار جل جلاله للفصل بين الناس، ونؤمن بأن الناس ينقسمون إلى فريقين، فأهل السعادة في الجنة –جعلنا الله وإياكم منهم-، وأهل الندامة في النار-أعاذنا الله وإياكم منها- ، ونؤمن بأن الجنة والنار باقيتان لا تفنيان، فأهل الجنة في نعيم دائم، وأهل النار في عذاب دائم . ونؤمن بأن أهل الجنة يرون ربهم وهو أعظم نعيم الجنة وأعلاه ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) ، (وجوهٌ يؤمئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) .
    اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلي لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة ، اللهم زيّنا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين . آمين .

    3- ونعتقد بأن اليهود والنصارى وسائر المشركين، كفار لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً حتى يسلموا ويدينوا بدين محمد-صلى الله عليه وسلم- .
    لقوله تعالى:{ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين }  . و لا يقبل الله من الناس إسلامهم بعد بعثة محمد-صلى الله عليه وسلم- إلا الإسلام الذي جاء به نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، فدينه ناسخٌ للأديان كلها، ودعوى اليهود والنصارى أنهم مسلمون مردودٌ عليهم، لأن كتبهم المنزلة عليهم أمرتهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واتباعه واتباع شرعه فأبوا . بل من سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم لم يؤمن به فهو خاسر وهو في النار؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار )  .
    ويدافع بعض المفتونين من المسلمين عن اليهود والنصارى، ويقول بأن لهم دين صحيح، ولهم كتاب سماوي، ولهم أنبياء .. الخ . وهم بذلك لا يكفرون ولا نكفرهم .
    ونقول لهؤلاء المفتونين ولغيرهم كيف لا نكفِّر من كفّره الله في كتابه، قال تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار }  . وقال: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسَّنَّ الذين كفروا منهم عذابٌ أليم }.
    وكيف لا يكفر من قال: يد الله مغلولة أو إن الله فقير: { وقالت اليهود يدُ الله مغلولة . غُلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء .. . الآية } . { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق } .
    وكيف لا يكفر من قال عزير أو المسيح ابن الله، أو جعل الملائكة بنات الله –تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- قال تعالى ذاكراً إفك اليهود والنصارى : {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون } . وقال تعالى ذاكراً إفك المشركين المستكبرين { وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون } . وقال: { ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون } .
    ولذا قال العلماء: من ثبت كفره وجب اعتقاد كفره والحكم عليه به وإقامة ولي الأمر حد الردة عليه إن لم يتب، ومن لم يكفّر من ثبت كفره فهو كافر إلا أن تكون له شبهة في ذلك فلا بد من كشفها. اهـ  . ومن يشك في كفر اليهود والنصارى وقد كفّرهم الله في كتابه في مواضع كثيرة ؟! .
    تنبيه : يحاول دعاة التقريب بين الأديان أن يروجوا لفكرة إنشاء معبد للديانات الثلاث الإسلام والنصرانية واليهودية . فإذا أراد المسلم الصلاة ذهب إلى المسجد، وإذا أراد النصراني الصلاة ذهب إلى الكنيسة، وإذا أراد اليهودي الصلاة ذهب إلى معبده، وكل أماكن العبادة هذه تكون في مكان واحد أو يحوطها سياج واحد . ولا ريب أن ذلك فيه إقرارٌ للباطل، والتسليم بصحة دين اليهود والنصارى، وهذا مما ترده النصوص الصحيحة الصريحة . وللجنة الدائمة فتوى بهذا الخصوص فقد جاء في سؤال لها: هل يجوز اتخاذ معبد للديانات الثلاث اليهودية والنصرانية والإسلام ؟
    الجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد :
    لا يجوز ذلك لأنه باتخاذه مشتركاً بين الثلاث لا يكون مؤسساً على التقوى بل على الشرك وعبادة غير الله فيه .
    وليس هناك دين صحيح غير الإسلام لقوله تعالى: { ومن يبتغي غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين }  .

    4- ونعتقد بأن المسلم لا يكفر بذنب، إلا أن يستحله . كشارب الخمر -مثلاً- لا يكفر إلا إذا استحل شرب الخمر، أي قال: إنها حلال، فإنه يكفر، وهكذا الذنوب الأخرى .
    -ونعتقد أن من الذنوب من يكفر صاحبها ولو لم يستحلها، كترك الصلاة مثلاً .
    ونعتقد أن الكفر يكون بالقلب أو اللسان أو الجوارح . فكفر القلب، ككفر المنافقين الذين آمنوا في الظاهر وكفروا في الباطن . وكفر اللسان كمن يسب الله أو رسوله –صلى الله عليه وسلم – أو الملائكة أو النبيين أو الدين . وكفر الجوارح كمن يلقي المصحف في القاذورات أو يسجد لصنم أو يذبح لغير الله .

    والحذر الحذر من ولوغ اللسان في أعراض المسلمين بالتكفير أو التبديع، فإن العواقب وخيمة . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيُّما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ) وفي رواية أبي داود: (أيما رجل مسلم أكفر رجلاً مسلماً فإن كان كافراً وإلا كان هو الكافر ) .
    ومرتكب الكبيرة من المسلمين لا يكفر، بل هو فاسق وناقص الإيمان بكبيرته، ولا نكفره ولا نخرجه من الإسلام بكبيرته ولا نخلده في النار كما تزعمه الخوارج والمعتزلة . ومن مات من المسلمين الموحدين وهو مصرٌ على كبيرته ولم يتب منها فأمره إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بقدر كبيرته ثم مآله إلى الجنة . لقوله تعالى: ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ). ومن استحل من ذلك شيئاً ولو لم يعملها فهو كافر واستحق عذاب الكافرين .

    5- ونوالي أهل الإيمان، ونعادي أهل النفاق والكفر والطغيان .
    المولاة : هي بمعنى المودة والمحبة والنصرة، وضدها العداوة؛ أي البغض والكراهية . فمن كمال الإيمان محبة عباد الله المؤمنين وموالاتهم والخضوع لهم، ومعاداة الضالين الكافرين عبّاد الصليب والوثن .
    قال تعالى: { لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو ابنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه .. . الآية }  . فنفى الله عن أهل الإيمان أنهم يحبون أهل الكفر والطغيان، ولو كان هذا الكافر والمحاد لله أباً أو ابناً أو أخاً أو العشيرة . ومن قربهم أو والاهم أو أحبهم فليس بمؤمن حقاً، ولم يُغرس الإيمان في قلبه، ولم يؤيد بمدد من الله وإحسانه  .
    واليهود والنصارى وسائر المشركين، ليسوا بأولياء لنا، بل هم أولياء بعض، وهم يدٌ واحدة على المسلمين . ولذا تحرم موالاتهم ومحبتهم، ومن أحبهم ووالاهم فهو منهم : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين }  .
    وهم ليسوا بإخوة لنا  لقوله تعالى: { إنما المؤمنون إخوة }  . فمن دان بدين الإسلام الذي لا يقبل من أحد سواه، واتبع ملتنا، واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، فهو أخونا له ما لنا وعليه ما علينا. وأما من رغب عن ملة الإسلام، وعادانا، وتربص بنا الدوائر، وضلّلنا، فكيف نسميه أخانا ! .
    وموالاة المشركين الكافرين، لا تنحصر في محبتهم أو نصرتهم أو توقيرهم، بل كل ما كان من شأنه رفع مكانتهم، أو تعظيم ما هم عليه، أو تقريبهم دون المسلمين، فهو داخلٌ في موالاتهم ومناصرتهم .
    فالمشاركة في أعيادهم وطقوسهم من الموالاة . وإظهار الفرح والسرور في أعيادهم وتهنئتهم بذلك من الموالاة . والفرح بما يصيبهم من نعم أو نصر أو تمكين من الموالاة . وتخصيص يوم السبت أو الأحد بالعطلة أو تعطيلهما جميعاً فيه مشابهة للكفار، وهو تعظيم لهم وموالاة . والتبرع لهم لإقامة حفلاتهم ونحو ذلك فيه إعانة على الإثم والعدوان وموالاة .
    تنبيه: لا يدخل في موالاة المشركين والكافرين، البشاشة في وجههم أحيانا، أو مواكلتهم أو الإحسان إليهم بما يرغبهم في الإسلام، فإن هذا ليس من الموالاة في شيء . والمنهي عنه هو التبسط والركون إليهم ومحبتهم وتوقيرهم فهذا مما لا ينبغي فعله أبداً .

    6- ونؤمن بأن الدعاء والاستغاثة عبادة لله، وصرفها للمخلوق ظلمٌ وجور .
    قال تعالى: {وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين }  . فسمى الله من ترك دعائه مستكبراً عن عبادته . وقال تعالى: { ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين . ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفاً وطمعاً إن رحمت الله قريب من المحسنين } . وفي هذه الآية أمرٌ من الله لعباده أن يدعوه وهم متضرعين أي ملحين، غير مجاهرين بدعائهم، بل مخفينه . وأمرهم أن يدعوه وهم وجلين خائفين مشفقين من عذابه، طامعين في رحمته وبره وإحسانه .
    وقال تعالى: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أُجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون }  .
    و عن النعمان بن بشير-رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } قال: ( الدعاء هو العبادة ) . وقرأ : { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } إلى قوله: ( داخرين )  .
    والاستغاثة من العبادة-أيضاً-: قال تعالى: { أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلاً ما تذكرون } . وقال تعالى: { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم } . والنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده ومن سار على هداهم واقتفى أثرهم كانوا إذا أجدبت الأرض وحُبست السماء عنهم لجئوا إلى ربهم يدعونه ويستغيثون به لرفع البلاء عنهم، ويقولون اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل إذا أصابهم الجدب والقحط فإنه كان يرفع يديه ويقول: (اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا ) . وكانوا إذا حزبهم أمر يفزعون إلى ربهم يسألونه ويجأرون إليه ويستغيثون به .
    فانظر إلى حال الموحدين الذين أخلصوا الدين لله في السراء والضراء ، ثم انظر إلى حال من دعا غير الله أو استغاث به من مشركي اليوم. بل انظر إلى حال المشركين الأولين فإنهم كانوا أحسن حالاً من مشركي اليوم؛ فالأولون كانوا إذا ضاقت بهم السبل، وحلت بهم الشدائد، تركوا ما كانوا يعبدون من دون الله ولجئوا إلى الله مخلصين له موحدين، قال الله عنهم : { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } .
    وأما مشركي اليوم فإنهم إذا حلت بهم الخطوب أو حل بهم البلاء دعوا أوليائهم وساداتهم ومشايخهم يطلبون منهم الغوث، ويسألونهم كشف البلاء . فهذا يقول: مدد يا جيلاني، وهذا يقول: أغثني يا بدوي، وهذا يدعو الحسين، وهذا ينادي شيخ طريقته ويسأله التوبة والمغفرة وهذا كله شركٌ بالله عز وجل . فمن يجيب المضطر إلا الله، ومن يكشف السوء إلا الله، ومن يدفع الضر إلا الله، ومن يجلب النفع إلا الله، ومن يشفي المريض إلا الله . قال تعالى –حاكياً قول إبراهيم عليه السلام- : { وإذا مرضت فهو يشفين . والذي يميتني ثم يحيينِ . والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } .
    ومنشأ ضلال هؤلاء القوم-والله أعلم- أنهم لما أذنبوا وظلموا أنفسهم ظنوا أنهم ليسوا أهلاً لئن تُقضى حوائجهم أو تُرفع دعواتهم إلا عن طريق وسائط فيهم من الصلاح والتقى ما يكون أدعى لقبول طلبهم وقضاء حوائجهم . وغفل أولئك القوم عن ربهم وأنه سبحانه غير محتاج إلى من يرفع إليه حاجات عباده، فهو المطلع عليهم، العالم بخفاياهم { يعلم ما في السموات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور }.
    وهو قريبٌ منهم -بعلمه- يسمع كلامهم ويرى مكانهم . فقد روى أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنه معكم إنه سميع قريب تبارك اسمه وتعالى جده ) .
    وخلاصة القول: أن الدعاء والاستغاثة عبادات، والعبادة لا تكون إلا لله الواحد الأحد لا شريك له، ومن دعا أو استغاث بغيره كائناً من كان فقد أشرك؛ ومن أشرك بالله فقد خسر خسراناً مبيناً .

    7-- ونعتقد أن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم إنما يكون بدعائه وشفاعته وهو حيٌ؛ والمتوسل به بعد موته أو بجاهه-وجاهه عظيم- آثم عند الله .
    والوسيلة : هي ما يتقرب إليه[ إلى الله ] من الواجبات والمستحبات .
    وجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول –صلى الله عليه وسلم _ قاله ابن تيمية .
    والتوسل المشروع يكون: إما بالتوسل بالإيمان بالله وبطاعته، أو التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وبشفاعته وهو حيٌ، ومن هذا قول عمر بن الخطاب لما أجدبوا، قال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا.
    والتوسل الممنوع هو: التوسل به[ بالنبي صلى الله عليه وسلم] بمعنى الإقسام على الله بذاته، والسؤال بذاته، فهذا الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه، لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره… قاله ابن تيمية  .

    8- ونؤمن بأن الموتى في قبورهم يفتنون، فينعمون أو يعذبون .
    قال تعالى: {وحاق بآل فرعون سوء العذاب، النارُ يعرضون عليها غدواً وعشياً . ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } . فآل فرعون يُعرضون على النار في عالم البرزخ صباحاً ومساءً . والعذاب في البرزخ يكون على الروح؛ لكن قد تتصل الروح بالبدن أحياناً فيقع العذاب على البدن والروح جميعاً . ومما يستأنس به في ورود العذاب على البدن قوله صلى الله عليه وسلم : في الميت ( ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ) .
    وعذاب القبر ونعيمه والابتلاء فيه، وإعادة الروح في الجسد، وسؤال الملكين، وسماع قرع النعال، وتضييق على الكافر في قبره، وتوسيع قبر المؤمن مد بصره .. . أمورٌ غيبها الله عنّا، فلا نعلم كيفية حدوثها، وعالم الغيب لا يُقاس بعالم الشهادة، ولكن نؤمن بها وما جاء فيها من أخبار وإن لم تقبلها أو أنكرتها عقول الزنادقة، فلا مجال ولا مدخل للعقل في عالم الغيب .
    وفي حديث زيد بن ثابت-رضي الله عنه- ما يبين أن هذه الأمة تُبتلى وتمتحن في قبورها، ولولا أن لا يدفن بعضنا بعضاً، لدعا الرسول صلى الله عليه وسلم ربه أن نسمع الذي سمعه من عذاب القبر . قال صلى الله عليه وسلم: (.. . إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر . قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر… )  .
    وفي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن يتعوذوا من عذاب القبر في صلاتهم، ما يدل على تحقق ذلك ووقوعه. فعن عائشة و أبي هريرة –رضي الله عنهما- قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر المسيح الدجال )  .
    وسؤال الملكين في القبر حقٌ، جاءت به النصوص الصحيحة الصريحة؛ فمنها:
    حديث أنس –رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( العبد إذا وضع في قبره وتولي وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة قال النبي صلى الله عليه وسلم فيراهما جميعا وأما الكافر أو المنافق فيقول لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقال لا دريت ولا تليت ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين )  .
    وليس العذابُ مختصاً بالكافرين والمنافقين، بل إن العاصي من المؤمنين قد يناله من هذا العذاب . فقد روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم : مرَّ بقبرين فقال: ( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة… الحديث )  .
    والخلاصة : أن الروح إذا خرجت من البدن فقد انتقلت إلى عالم البرزخ، وهي من أمور الغيب التي لا يمكن قياسها على عالم الشهادة، ولا نخوض فيها بعقولنا، بل نثبت ما جاء في الكتاب والسنة، ونقف حيث وقف السلف .

    9- ونعتقد بأن رفع القبور، وتزينها بالرخام ونحوه، وتجصيصها، ووضع القباب عليها، وإسراجها، ووضع الستور عليها، وبناء المساجد عليها، أو دفن المقبور بها. كل ذلك محدث في الدين ومحرم، وهو وسيلة إلى الشرك . ونعتقد أن الطواف على القبور، والاستغاثة بالمقبورين، وسؤالهم ودعائهم شرك يحبط العمل .
    وذلك أن الناس إذا رأوا قبراً مزيناً وعليه الستور والسُّرج والقباب، وزُيّن بالرخام ونحوه؛ تعلقت قلوبهم به، ولبّس عليهم شياطين الجن، وشياطين الإنس من السدنة ونحوهم، فأوقعوا في قلوبهم أن هذا الولي أو الرجل الصالح المقبور، يجلب لهم النفع، ويدفع عنهم الضرر، ويشفع لهم عند الله . ثم لا يلبثوا حتى يقعوا في الفتنة والشرك.
    ومن أجل ذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد . فعن جندب-رضي الله عنه- قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: ( إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك )  . وفي حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي مات فيه: ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا ) قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره غير أني أخشى أن يتخذ مسجدا . وعنها: أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية فذكرت له ما رأت فيها من الصور فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله ) . فهذه الأحاديث الصريحة الصحيحة، قاضية بتحريم اتخاذ قبور الأنبياء أو الصالحين مساجد، سواءٌ بالبناء عليها، أو بدفن الميت فيها . وأما الطواف على القبور، وسؤال المقبورين، ودعائهم والاستغاثة بهم من دون الله فهو جحدٌ لحق الله، وشركٌ يحبط العمل .
    وكذا يحرم تجصيص القبور، فعن جابر-رضي الله عنه- قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه  .
    ويحرم –أيضاً- رفع القبور حتى يكون ظاهراً وبارزاً . فعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته .
    ومع صراحة الأحاديث في تحريم رفع القبور والبناء عليها وتزيينها، إلا أن كثيراً من الناس تعلقوا بالمقبورين، فأصبحوا يتقربون إليهم، ويذبحون عند قبورهم، ويقدمون القرابين لهم ، ويطوفون بقبورهم، ويسألونهم من دون الله، ويرجون منهم النفع والضر، بل إن بعضهم يعتقد أن الدعاء عند القبر أجوب له من الدعاء في المسجد، والغلاة منهم من يفضل زيارة قبور شيوخهم على حج بيت الله الحرام. والواحد منهم يجد عند قبر من يعظمه رقه وخشوعاً لا يجدها في بيوت الله .
    ووضعوا في ذلك أحاديث مكذوبة . كقولهم : إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور. وقولهم: قبر فلان ترياق مجرب . وغير ذلك من الكلام الباطل .
    ولم يكن معروفاً عند السلف الصالح البناء على القبور أو شيء من هذه البدع، حتى ضعفت الدولة العباسية، وتسلطت الدولة الفاطمية – العبيدية الرافضية- على الحكم، فأظهرت المذهب الشيعي الرافضي، وكان من أبرز ما أظهروه في تلك الفترة هو بناء الأضرحة، وبناء المساجد على القبور ، وجعل لها سدنة يقومون على شئونها، ويجبون الأموال من الناس ظلماً وعدواناً . وقد ألف رجل من الرافضة يقال له ( ابن النعمان) المعروف بالمفيد كتاباً في (مناسك حج المشاهد) حشد فيه من الأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل زيارة الأضرحة وما يقال عندها من الدعوات . وهذا ضلال مبين وخروج عن الصراط المستقيم، ولقد أفسدت هذه الأضرحة عقائد كثير من المسلمين، بما أدخلت عليهم في دين الله مالم يأذن به، وعلقت قلوبهم بالمخلوقين دون الخالق . ووقعوا في الشرك الذي يحبط العمل .

    10- ونؤمن بجميع مشاهد يوم القيامة التي وردت في كتاب الله، أو ما صح من سنة رسوله . كل ذلك حق لا نشك فيه، ولا نرتاب .
    فنؤمن بنفخة الصور وقيام الناس من مرقدهم إلى ربهم ليقضي بينهم، ولا فرق بين من مات مدفوناً تحت الأرض، أو في الماء غريقاً، أو التهمته النار ؛ كل أولئك إلى ربهم يحشرون .
    ونؤمن بدنو الشمس من الخلائق في أرض المحشر قدر ميل ، ويعرق الناس بقدر أعمالهم ( فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً ) .
    ونؤمن بنزول ربنا -جل جلاله- إلى أرض المحشر نزولاً يليق بجلاله، للقضاء والفصل بين الخلق، وأن حملة عرشه يومئذ ثمانية ملائكة، -وهو غير محتاج لهم - { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } .
    ونؤمن بالميزان ؛ وأن أعمال العباد توزن فيه على الحقيقة، { فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية . ومن خفت موازينه فأمه هاويه } .
    ونؤمن بالحوض المورود، مسيرته كما بين المدينة وصنعاء ، وآنيته كعدد نجوم السماء، وعنده نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، من مرَّ عليه شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً . ومن أحدث في دين الله وغيّر وبدل فإن الملائكة لا تمكنه من ورود الحوض .
    روى أنس-رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى عرفتهم اختلجوا دوني فأقول أصحابي فيقول لا تدري ما أحدثوا بعدك ) .
    ونؤمن بالصراط المنصوب على متن جهنم، ويمر عليه الناس حتى الأنبياء والرسل : { وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ‎. ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً }  . والناس في مرورهم بحسب أعمالهم، فمنهم من يجتازه كالبرق، ومنهم كالريح، ومنهم كأجاويد الخيل، ومنهم من يمشي. وعليها كلاليب كأشواك السعدان تخطف من أُمرت بخطفه، ( فناج مُسلَّمٌ، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم )  .
    ونؤمن بالشفاعة التي تكون يوم القيامة وهي كثيرة، ولنبينا عليه الصلاة والسلام ستة أنواع من الشفاعة .
    فمنها: الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود المذكور في قوله تعالى : ( عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ) . فيتخلى عنها النبيون ويقوم بها نبينا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فيأتي ويسجد تحت العرش. قال أنس-رضي الله عنه- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(… فأنطلق حتى أستأذن على ربي فيؤذن لي فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله ثم يقال ارفع رأسك وسل تعطه وقل يسمع واشفع تشفع .. الحديث ) .
    ومنها: شفاعته -صلى الله عليه وسلم- لأهل الجنة في دخولها .
    ومنها: شفاعته -صلى الله عليه وسلم- لقوم من العصاة من أمته قد استوجبوا النار، فيشفع لهم أن لا يدخلوها .
    ومنها: شفاعته في العصاة من أهل التوحيد الذين دخلوا النار بذنوبهم، فيخرجون منها بشفاعته –صلى الله عليه وسلم- . ففي حديث أنس في الشفاعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثم أعود إليه فإذا رأيت ربي مثله ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثم أعود الرابعة فأقول ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود ) قال أبو عبد الله: إلا من حبسه القرآن يعني قول الله تعالى : {خالدين فيها } .
    ومنها: شفاعته –صلى الله عليه وسلم- لقوم من أهل الجنة في زيادة ثوابهم ورفع درجاتهم .
    ومنها: شفاعته-صلى الله عليه وسلم- في تخفيف العذاب عن بعض الكفار، وهذه خاصة بأبي طالب وحده . فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وذكر عنده عمه فقال: ( لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه ) .
    ومنها: شفاعة النبيون، والملائكة، والمؤمنون  .
    ومنها: شفاعة الشهداء . فعن المقدام بن معديكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( للشهيد عند الله ست خصال يغفر له في أول دفعة من دمه ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويحلى حلة الإيمان ويزوج من الحور العين ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه) .
    واعلم أن الشفاعة لا تكون مقبولة إلا بتوفر شرطين: أولهما: أن يأذن الله للشافع في الشفاعة، والثاني: أن يرضي الله عن المشفوع له . وهي في قوله تعالى: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } . وقوله: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } .

    11- ونؤمن بأن محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب الهاشمي القرشي، نبياً ورسولاً؛ أرسله الله إلى الثقلين الجن والإنس، بشيراً ونذيراً، وهو خاتم النبيين .
    لا كما تدعيه النصارى وغيرهم من أنه رسولٌ إلى العرب فقط .
    منَّ الله عليه بالرسالة وأكرمه بها، وهي رحمةٌ للعالمين، فهدى الله به من هدى إلى الصراط المستقيم، وضل عن طريقه من قضى الله عليه أنه يكون من الخاسرين .
    وهو-صلى الله عليه وسلم- بشرٌ يعتريه ما يعتري البشر من التعب، والمرض، والنسيان؛ قال صلى الله عليه وسلم : ( إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون.. الحديث ) ( ) . ولكنه إذا كان في مقام التشريع والتبليغ عن الله فإنه لا يمكن أن يتطرق الوهم أو الغفلة أو الخطأ عليه صلى الله عليه وسلم، وإن أخطأ فإن الله لا يقره على ذلك بل يبينه له.
    وله صلى الله عليه وسلم من الخصائص لا تكون لغيره، فمن خصائصه أنه يتبرك بآثاره، فيتبرك بشعره، وبريقه، وبعرقه، وبالماء الذي يفضل من وضوءه، وكان الصحابة يلتمسون ذلك ابتغاء الشفاء، وحصول البركة . وهذا في حياته فقط. وأما الآن فلم يبقى شيءٌ من آثاره حتى يُتبرك بها  .
    ونُعظم نبينا صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً، ولا نغلو فيه ولا نجفو عنه . فلا نقول إنه رجلٌ عبقري وذكي، كما تقوله الفلاسفة القدماء ومن تأثر بهم في هذا العصر . ولا نغلو فيه كالصوفية الذين يدعونه، ويستغيثون به من دون الله ويسألونه المدد وقضاء الحوائج، وتفريج الكربات.. وغير ذلك من الأمور التي لا تكون إلا لله جل في علاه .
    و لا نقول كما قال قائلهم:
    يا اكر الخلق ما لي من ألوذ به *** سواك عند حلول الحادث العمم
    فمن جودك الدنيا وضرتها ***ومن علومك علم اللوح والقلم
    إن لم يكن في معادي آخذاً بيدي *** فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم
    فسبحان الله ! ماذا أبقى هذا الضال لله عز وجل ؟ . مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله )  .
    ومحبة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم واجبة، وهي مقدمة على النفس والمال والأهل والوالد والولد : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ووالده وولده والناس أجمعين ) .
    ولا نُقيم له مولداً إظهاراً لحبه، لأننا نتبع ولا نبتدع، فلم يأمرنا نبينا –صلى الله عليه وسلم- بذلك، ولم يفعله صحابته من بعده –وهم أشد الناس حباً له، وأحرص الناس على الخير-، ولم يفعله التابعون من بعدهم، ولا تابع التابعين. فعلم من ذلك أن عمل المولد له صلى الله عليه وسلم بدعة في الدين لم يأذن بها الله . وأول من أحدث بدعة المولد رجلٌ يقال له: عمر بن محمد الملا، ثم عمل بها المظفر ملك إربل من بعده . ثم روج لهذه البدعة دولة عبيد بن القداح الدولة الفاطمية الرافضية الباطنية . حيث نشرت هذه البدعة في المساجد وروجت لها .
    وأهل التصوف ينقمون علينا في ذلك ويقولون أنتم لا تحبون النبي صلى الله عليه وسلم، ونقول لهم: حبه صلى الله عليه وسلم يكون في اتباع هديه والاستنان بسنته، وسلوك سبيله، فنحن متبعين لا مبتدعين .
    وكل خير في اتباع من سلف *** وكل شر في ابتداع من خلف

    12- ونتولى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل بيته ، وحبهم من الدين.
    قال الطحاوي في عقيدته: ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نُفْرط في حب أحدٍ منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونُبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم. ولا نذكرهم إلا بخير . وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان .
    قال الله تعالى: { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم }  . وقال تعالى: { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة }  . وقال تعالى: { للفقراء المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون . والذين تبوءوا الدار والإيمان يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أُوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون . والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم } . ففي هذه الآيات ثناء الله على المهاجرين والأنصار ومن بايعه تحت الشجرة، وفيه رضاه عنهم؛ ورضى الله عن العبد يستلزم محبته له ونصره وإكرامه بدخول جنته التي أعدها لعباده الصالحين . ثم ندبنا الله إلى الاستغفار لهم وألا نحمل في صدورنا شيئاً عليهم . وحُرم علينا سبهم أو القدح بهم قال صلى الله عليه وسلم: ( لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه ) .
    ولا نخوض فيما جرى بينهم من فتن وقتال ، ولا نجور على أحدٍ منهم، بل ننزلهم منازلهم، وهم ما بين مصيب له أجران، ومخطئ متأول -مغفورٌ له-، له أجرٌ واحد . وهم قومٌ سلمت أيدينا من الخوض في دمائهم؛ فلتسلم ألسنتنا من الخوض في أعراضهم .
    وأهل بيته صلى الله عليه وسلم لهم من الخصوصية ما ليس لغيرهم من التوقير والنصرة والذكر الحسن . فقد حدث زيد بن أرقم-رضي الله عنه- فقال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة: ( فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي فقال له حصين ومن أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته قال نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال ومن هم قال هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس قال كل هؤلاء حرم الصدقة قال نعم ) . والمعنى: أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لهن من التوقير والنصرة والمحبة مثل ما لآل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، ولكن ينفرد أولئك عنهن بتحريم الصدقة عليهم   وإلا فهن من أهل بيته صلى الله عليه وسلم بنص القرآن قال تعالى: { يا نساء النبي لستن كأحدٍ من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً . وقرن في بيوتكن و لا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً }   .
    والرافضة غلت في هذا الباب غلواً كبيراً . فعظمت علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- حتى رفعوه عن مرتبة الصحبة والبشرية، إلى مرتبة النبي المعصوم، والغالية منهم عدوه إلهاً يعبد من دون الله   . وفي المقابل كفّرت الرافضة أكثر الصحابة ووصفتهم بالردة ولم يستثنوا منهم إلا عدد يسير  . فقاتل الله الرافضة الذين كذبوا بالكتاب والسنة، فالله يثني على صحابة رسوله في كتابه ويرضى عنهم، ورسوله-صلى الله عليه وسلم- بشّر كثيراً منهم بالجنة، ونهى عن سبهم، ثم يأتي أولئك الزنادقة فيسبون خير البشر بعد الأنبياء والرسل   .
    ولم يسلم بيته –صلى الله عليه وسلم – من طعن الرافضة ووصفهم لعائشة-أم المؤمنين-رضي الله عنها- بالجريمة الشنيعة التي برأها الله منها، ومن كان عنده ذرة من إيمان ويقرأ القرآن فلا يلتفت إلى قول المبطلين ويترك كلام رب العالمين .
    وأهل العلم والإيمان يقولون: أهل بيته صلى الله عليه وسلم لهم حق النصرة والمحبة والتعظيم اللائق بهم . وصحابة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لهم شرف الصحبة التي لا يدانيها منزلة. فهم قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه، وقاتلوا معه، ونصروا دينه، ونزل عليهم القرآن، وقدموا أنفسهم وأرواحهم وبذلوها لدين الله، وحملوا سنة نبيهم وبلغوها إلى الخلق . فرضي الله عنهم، وجزاهم الله عنا كل خير، وجمعنا الله بنبينا وبهم في جنته؛ اللهم آمين .
    13- ونرى أن طاعة ولي الأمر -في غير معصية الله- واجبة .
    قال تعالى:{يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم }   . وولاة الأمر هم العلماء والأمراء . فالعلماء يسوسون الناس ويحكمون فيهم بشرع الله، والأمراء يلزمون الناس ويحملونهم على تنفيذ الشريعة .
    قال الطحاوي: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية الله، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة  . وهذه قواعد عظيمة وأصول جليلة في التعامل مع الولاة. وبيانها كالتالي:
    أولاً : أن طاعتهم من طاعة الله عز وجل مالم يأمروا بمعصية . فطاعتنا لولاتنا طاعة لله عز وجل فهو الذي أمر بطاعتهم والانصياع لهم، فالمطيع لهم مطيعٌ لله ولرسوله مأجور ومثاب عليها، والعاصي عليهم، عاصٍ لله ولرسوله وهو مأزور غير مأجور . . وطاعتهم في غير معصية الله فإن أمروا بمعصية فلا سمع ولا طاعة . قال صلى الله عليه وسلم : ( على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة )  .
    ثانياً: أن لا نخرج على أئمتنا وولاة أمرنا، والخروج عليهم سبيل أهل البدع، والخارج على أميره متوعد على لسان نبيه بالعقوبة . فعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من كره من أميره شيئا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية )  .
    ثالثاً: أن الظلم والجور من الولاة لا يسوغ الخروج عليهم، ما لم يأتوا كفراً صريحاً لا شك فيه ولا ارتياب . فعن عبادة بن الصامت-رضي الله عنه- قال: دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرةً علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان   .
    ولا يجوز لآحاد الناس أن يحكم بكفر الولاة إن صدر منهم شيء من ذلك، بل مردُ ذلك إلى أهل العلم الراسخين فيه، فهم الذين يعلمون كيف تُقام الحجة، وهل هذا الفعل كفري أو لا ؟ وهل وجدت الشروط وانتفت الموانع ؟ . إلى غير ذلك من المسائل التي تجعل الحكم بكفر أحدٍ من الناس عسيراً لا يستطيعه إلا الراسخون في العلم .
    رابعاً : أن لا ندعو على ولاتنا إلا بخير . فندعو لهم بالصلاح والمعافاة، فبصلاحهم تصلح الرعية ويسود الأمن والرخاء ، وبفسادهم وظلمهم ينال الناس العذاب وضيق العيش . والدعاء عليهم يفسد أكثر مما يصلح، ولا فائدة فيه بل قد يأثم الداعي . ولو اشتغل الناس بإصلاح أنفسهم وإصلاح من حولهم، وأقاموا شعائر الله، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وعملوا الصالحات واجتنبوا السيئات، لكان فيه خيرٌ كثيرٌ لهم ، ولصلحت أحوالهم ولما احتاجوا لئن يدعو على حكامهم وولاتهم .

    14- ونؤمن بالمعجزات والكرامات .
    فالمعجزات والكرامات: أمورٌ خارقة للعادة، تكون للأنبياء وعباد الله الصالحين المتقين. وتطلق المعجزة عادةً على خوارق العادات التي تجري على أيدي الأنبياء،كإنجاء الله لإبراهيم-عليه السلام- وكون النار برداً وسلاماً عليه، وإبراء عيسى عليه السلام للاكمه والأبرص-بإذن الله- وإحياء الموتى-بإذن الله-، وانقلاب عصا موسى-عليه السلام- حيةً تسعى بعد أن كانت جماداً لا حراك بها، ونبينا- عليه أفضل الصلاة والسلام- له معجزاتٌ كثيرةٌ جداً كنبع الماء بين يديه، وتسبيح الطعام وهو يؤكل ، وغيرها من المعجزات، وأعظم معجزة له -صلى الله عليه وسلم-؛ هو القرآن العظيم الذي أنزله الله عليه، فهو كلام الله المعُجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . فتحدى الله به الثقلين أن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور ، أو بسورة ؛ ولم يستطيعوا ولن يستطيعوا .
    والمعجزات يأذن بها الله لأنبيائه لتأييد دعوتهم، وإظهار صدقهم، وتقوية إيمان اتباعهم، ولأن أكثر الناس فيهم من العناد والتكذيب لا يزيله إلا مثل هذه الآيات التي تزيل الريب من قلوبهم .
    وأما الكرامات: فهي تكون لعباد الله الصالحين المتقين، فيجري الله على أيديهم من خوارق العادات إكراماً لهم، وهي تدل على قوة إيمانهم، وصدق توكلهم على ربهم، وتأييد الله لهم . وكرامات الصحابة والتابعين كثيرة جداً، فمنها: تنزل الملائكة لقراءة أُسيد بن حضير-رضي الله عنه-  . ومنها: أن خبيب بن عدي-رضي الله عنه- لما أُسر في مكة كان يأتيه عنب فيأكله وهو موثوق اليدين، ولم يكن بمكة عنبة واحدة  . ومنها: أن أويس القرني كان مستجاب الدعوة، والنبي صلى الله عليه وسلم حث عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-على أن يطلب من أويس أن يستغفر له إذا رآه، وكذلك فعل  .
    ولا تكون الكرامة إلا لأهل الصلاح والتقى، ومن ظهرت عليه خوارق العادات وهو مفرط في الصلوات، منتهك للمحرمات، فهو ليس من أهل الكرامة، بل من أهل الدجل والشعوذة، وما حدث على يده، كان بسبب إعانة الشياطين له، لأن الكرامة تأييد من الله، ودلالة على المحبة، ومنتهك المحرمات ليس محبوباً إلى الله حتى ينال هذه المرتبة . ولذا قيل: إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء، أو يمشي على الماء، فلا تغتروا به حتى تروا وقوفه عند الأوامر والنواهي .

    15- ونؤمن بوجود السحر وأن له حقيقة، وأن الساحر مشركٌ بالله أو ظالم معتدي .
    قال تعالى: { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون }  . وهذه الآية وغيرها من الآيات تدل على وجود السحر وأنه ابتلاء وفتنة، وأن له حقيقة فيفرق بين الرجل وزوجه وبين المرأة وزوجها، ولكن ذلك تحت مشيئة الله وبإذنه، فإذا أذن الله لشيء كان وإلا لم يكن .
    والرسول صلى الله عليه وسلم سُحر؛ سحره لبيد بن الأعصم اليهودي . قالت عائشة-رضي الله عنها- قالت: ( سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم قالت: حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله .. .الحديث )  . والسحر الذي تعرض له الرسول صلى الله عليه وسلم كان من جنس أنه كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله أي: أنه كان يخيل إليه أنه يأتي أهله ولم يأتهم . ولم يكن هذا الذي تعرض له الرسول صلى الله عليه وسلم مؤثراً على عقله أو مانعاً له من تبليغ رسالة ربه، ولا يقدح هذا في صدق نبوته، بل هذا من أبين الدلائل على صدقه لأنه بشرٌ يعتريه ما يعتريهم من الآلام والمصائب { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إلهٌ واحد.. . الآية } .
    والسحر في الشرع ينقسم إلى قسمين :
    القسم الأول: عقد ورُقى، حيث يتوصل الساحر بقراءة بعض الطلاسم والشركيات، والنفث بريقه الخبيثة، إلى استخدام الشياطين في التأثير على المسحور، -وهذا هو الغالب على عمل السحرة الآن .
    القسم الثاني: عقاقير وأدوية، تؤثر على بدن المسحور وعقله  .
    وحكم الساحر ينقسم إلى قسمين –أيضاً- : فمن كان سحره بواسطة الشياطين فإنه يكفر، ومن كان سحره بالأدوية والعقاقير ونحوها فلا يكفر ولكنه يعتبر عاصياً معتدياً  .
    والساحر يُقتل بكل حال-سواءٌ قلنا يكفر بسحره أو لا يكفر- ولا يستتاب؛ لأنه ساعٍ في الأرض بالفساد، فهم يؤذون الناس في أبدانهم، وعقولهم، وأهليهم، ولذا كان في قتلهم دفعاً لشرهم، وردعاً لأمثالهم . فعن أبي الشعثاء قال: كنت كاتباً لجزء بن معاوية، عم الأحنف بن قيس، إذ جاءنا كتاب عمر قبل موته بسنة: ( اقتلوا كل ساحر.. . قال: فقتلنا في يوم ثلاثة سواحر .. . الحديث )  . قال ابن عثيمين : والقول بقتلهم موافق للقواعد الشرعية؛ لأنهم يسعون في الأرض فساداً، وفسادهم من أعظم الفساد، فقتلهم واجب على الإمام، ولا يجوز للإمام أن يتخلف عن قتلهم؛ لأن مثل هؤلاء إذا تركوا وشأنهم انتشر فسادهم في أرضهم وفي أرض غيرهم، وإذا قتلوا سلم الناس من شرهم، وارتدع الناس عن تعاطي السحر .
    وتعلم السحر كفرٌ، لقوله تعالى-حكاية عن هاروت وماروت-: { إنما نحن فتنة فلا تكفر } .
    وحلّ السحر يكون بإحدى ثلاث طرق:
    الأول: أن يعثر المسحور على مكان السحر، ويحرق أو يتلف السحر .
    الثاني: حلّ ا لسحر بالقرآن الكريم والأدعية النبوية  .
    الثالث: حل السحر بسحر مثله، وهذا محرم . سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن النشرة فقال: ( هو من عمل الشيطان )  .
    والنشرة: هي حل السحر بسحرٍ مثله .

    16 - ونعتقد بأن الكهانة والعرافة والتنجيم إدعاءٌ للغيب؛ وعلم الغيب لا يكون إلا لله عز وجل .
    فالكاهن: هو الذي يدعي علم الغيب ويخبر عن الأمور المستقبلة، والعراف: أعم من الكاهن؛ فيشمل الكاهن والرمّال والذي يضرب الحصى والمنجم . وكله من الدجل والشعوذة . والكاهن قد يتكلم ببعض الأمور المستقبلة فتقع كما أخبر، وليس ذلك من علم الغيب ولكن لأن له معيناً من الشياطين يخبره بما قدرت عليه الشياطين من استراق السمع. فعن أبي هريرة-رضي الله عنه- أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء )  . إذا فالكاهن قد يقول شيئاً ثم يقع؛ لكن يكذب معه مائة كذبة. وإذا عُلم هذا، علمنا أن إدعاء الكاهن للغيب زورٌ وكذب وبهتان، وإنما هي أخبارٌ استرقتها الشياطين فألقتها إلى إخوانهم الكهان .
    وإتيان العراف والكاهن محرم . لحديث صفية-رضي الله عنها- عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة )  . وحديث أبي هريرة والحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ) . والحديثان ظاهرهما التعارض؛ ولكن عند التأمل يزول الإشكال ولا يكون هناك تعارض . يبين ذلك التقسيم التالي:
    أولاً: من أتى الكاهن أو العراف فسأله من دون أن يصدقه، فإنه لا تقبل له صلاة أربعين ليلة .
    ثانياً: من أتى الكاهن أو العراف فسأله وصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم .
    وهناك قسمة ثالثة: من أتى الكاهن أو العراف لاختباره ومعرفة صدقه من كذبه، وفضح أمره إن كان كاذباً، فهذا مأجورٌ على فعله ولا يدخل فيمن توعد في الأحاديث السابقة، يدل لذلك اختبار النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد، فقال له-النبي صلى الله عليه وسلم-: (خبأت لك خبيئا قال: الدخ. قال: اخسأ فلن تعدو قدرك...الحديث) .
    وأما التنجيم : فهو تفعيل من النجم، ومعنى نجم أي تعلم علم النجوم أو اعتقاد تأثير النجوم . والمنجم هو الذي يزعم أنه سيكون كذا لأن النجم الفلاني صار كذا، أو يقول أن فلان سوف يشقى في حياته لأنه ولد في النجم الفلاني، وغير ذلك من التخرصات والظنون الكاذبة .
    تنبيه: كل ما كان فيه إدعاء لمعرفة الغيب فهو كهانة، كالخط على الرمل، والضرب على الحصى، ( وقراءة الكف  ) فكلها كهانة .
    وليس من الكهانة الإخبار عن كسوف الشمس أو خسوف القمر، لأن ذلك يخضع إلى حسابات معينة يقوم بها (الفلكيون) للاستدلال بها على الكسوف والخسوف أو الظواهر الفلكية الأخرى، فهو ليس من علم الغيب . وليس من الكهانة معرفة أحوال الطقس المقبلة، لأن ذلك يستند إلى أمور تدرك بالحس والمشاهدة .
    تنبيه آخر : تخصص بعض المجلات صفحة أو بعض صفحة، تروج فيها إفك المنجمين، وتعنون لها بحظك اليوم أو برجك اليوم زوراً وبهتاناً، وحقيقته دجل وتنجيم وتخرص وظنون كاذبة .

    والله اعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين
    تم الفراغ منه في ليلة السبت الموافق للتاسع من شهر الله المحرم لعام ألف وأربعمائة وإحدى وعشرون للهجرة النبوية الشريفة
     

    لحفظ الموضوع على ملف وورد
     

    اعداد الصفحة للطباعة
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    فؤاد الشلهوب
  • كتب وبحوث
  • مقالات ورسائل
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية