صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    حدائق المعروف
    الكتاب خرج مطبوعًا لدى مدار الوطن بالرياض
    عام 1425هـ

    اضغط هنا لتحميل الكتاب على ملف وورد 

    د. فيصل بن سعود الحليبي

     
    إهداء

    أخي وأستاذي الكبير ..والحبيب : د/ خالد رعاه الله ونفع به ..
    احترتُ كيف أهدي إليك حدائق المعروف .. وأنت من زرّاعها المبدعين.. فكم بذرت فيها أجمل البذور .. ورعيتها حق الرعاية .. ثم قطفت منها أينع الثمر  وأطيبه..  ورحت تجوب الأرض  تنشر بين رياضها عطر زهورها وألذ َّ قطافها .. بنفسٍ طيّبةٍ ملؤها الحب والأمل والتفاؤل ..  فهنيئًا لك يا فارس المعروف السعادة به بين أهلك وذريتك ووطنك وأمتك في الدنيا والآخرة ..

    أخوك وتلميذك
    فيصل


    مقدمة

    رباه .. بأي المحامد أبلغ حمدك ، رباه .. بأي الفضائل أذكر فضلك ، رباه .. بأي الأسماء أطلب جودك .. ، رباه .. بأي الصفات أسأل نعمك ، لك الحمد ؛ أنت أهله ، لك الشكر ؛ أنت أحق به ، لك الفضل ، وإليك يرجع الفضل ، أنت السلام ، ومنك السلام ، تباركت ياذا الجلال والإكرام :

    يا فاطر الخلق البديع وكافلاً *** رزقَ الجميعِ سحابُ جودك هاطلُ
    يا مسبغ البِرِّ الجزيل ومسبلَ الـ *** ستر الجميلِ عميمُ فضلك طائلُ
    يا عالم السر الخفيّ ومنجز الـ *** وعد الوفي قضاءُ حكمك عادلُ
    عظمت صفاتك يا عظيم فجلَّ أن *** يحصي الثناءَ عليك فيها قائلُ
    الذنب أنت له بمنّك غافرٌ *** ولتوبة العاصي بحلمك قابلُ

    شهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، الهادي الأمين ، والبشير النذير ، والسراج المنير ، أفضل مخلوق ، وأحرص ناصح ، وهو الرؤوف بأمته ، والرحيم بأحبابه ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا .
    أيها القارئ الكريم : مسافرون .. وفقراء .. وتائهون .. أصابهم الظمأ .. وثناهم الجوع .. وأضناهم المسير  ..
    مسافرون : مهما طالت أعمارهم .. ، وفقراء : مهما كثرت أموالهم .. وتائهون : بعدوا عن النور فهم مظلمون ، أصابهم ظمأ المعاصي فلا يرتوون .. وثناهم جوع الذنوب فلا يشبعون .. وأضناهم الضياع فلا يهتدون ..
    لكنَّ نورًا ربانيًا أخذ بلباب عقولهم ، أيقظ فيهم غفلتهم ، وبشرهم بالهداية بعد الضياع :  { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
    لقد أحس هؤلاء بتطاير الران عن قلوبهم ، وشعروا بأن الفلاح قريب ، فنشطت أنفسهم ، واشتدت عزائمهم ، ورمقت أعينهم من بعيد خضرة متآلفة الألوان ، ودغدغ أسماعهم خرير الماء يلقي بنفسه على جداول الزروع ، فسارعوا ، وسابقوا ، حتى إذا اقتربوا منها ، خلبتهم أشجارها ، وأذهلتهم ثمارها ، وسحرتهم جداولها ، فأي حدائق جميلة هذه .. وأي واحة رائعة هذه ..  إنها حدائق المعروف ، وواحة الإيمان .. ظل وارف ، وماء عذب ، ونسائم طيبة ، وقطوف دانية ، للعمل فيها بهجة ، وللإخلاص فيها نور ، وللصدق فيها سرور ، لا يحزن داخلها ، ولا يندم عاملها ، إنها حدائق ذات بهجة حقًا ، أنشأها الله لكل من في قلبه حب له ، أنشأها الله لكل من يريد الحياة السعيدة ، أنشأها الله لكل من يريد النجاة في الدنيا والآخرة ..
    أخ الإيمان .. أتراك اشتقت أن تستظل بدالية من دواليها الظليلة ، لتشتم عبيرها .. وتزود نفسك من معروفها ، وتزكو نفسك من همومها.. فلتكن معي في جولة إيمانية ، لأقضي معك وقتًا إيمانيًا تحت ظلال بعض هذه الحدائق الغنّاء !! وليس كلها .. فإنها كثيرة كثيرة .. وظلالها مديدة .. غير أني على يقين من أنك إذا جربت بذرها ، وتابعت سقيها ، وأراد لك ربها أن تسعد بها ، فلن تزول عنها ، حتى تنال جناها ، وتسعد بسناها ، في أولاها وأخراها ، فإلى تلك الحدائق .


     الحديقة الأولى
    ستر عورات المسلمين

    الستر ـ يا أخي الحبيب ـ  نوعان : ستر حسي ، وستر معنوي :
    أما الستر المعنوي ، فهو أن تجد المسلم قد اقترف الذنب أو ارتكب الفاحشة فلا تفضحه ، بل تنهاه عن معصيته ، وتلين له في نصيحة ملؤها الرفق والشفقة ، وتستر عليه فلا تبوح بخطيئته ، ولا تعريه من ستر الله عليه .
    لقد اعترف ماعز الأسلمي  رضي الله عنه  بلسانه بين يدي الرسول  صلى الله عليه وسلم  بالوقوع في فاحشة الزنا ، ومع هذا فإن النبي  صلى الله عليه وسلم  يحاول معه أن يستر على نفسه ، وأن يتوب بينه وبين الله،فأخذ يقول له :
    (( ويحك ، ارجع فاستغفر وتب إليه )) رواه مسلم ، فيرجع ماعز غير بعيد ، ثم يعود فيقول للنبي  صلى الله عليه وسلم  : طهرني ، والنبي  صلى الله عليه وسلم  يقول له مثل ما قال ، حتى تكرر منه هذا الأمر ثلاث مرات ، فلما استيقن النبي  صلى الله عليه وسلم  من وقوعه في هذه الفاحشة ، وأنه يريد تطهير نفسه من درنها ، ويرجو أن يلقى الله وليس عليه وزرها ، أمر النبي  صلى الله عليه وسلم  الصحابة أن يقيموا عليه الحد ، فذهبوا به فرجموه ، فلما أذلقته الحجارة ، هرب من مكانه من شدتها ، فأدركه الصحابة بالحجارة حتى مات ، وفي رواية لأبي داود : لما علم النبي  صلى الله عليه وسلم  بهروبه ، قال لهم : (( هلا تركتموه ؛ لعله أن يتوب فيتوب الله عليه )) ، ثم قال عنه : (( إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس فيها )) .
    فواعجبًا : ممن يتربصون لأي فاحشة تقع ، أو منكر يحصل ، لا ليخبروا الجهة المسؤولة عن ذلك فتنكره بالوسائل الشرعية ، بل ليطيروا بخبره بين الناس ، وينشرونه على الشبكات المعلوماتية وغيرها ، إنها شهوة نقل الخبر التي عمت وطمت من غير سلوكٍ لوسائل النقل الصحيحة من التثبت والتأكد والستر والأدب ،فأين هؤلاء من أسس النصح الشرعي ؟ وأين هم من قول الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }  .
    وليخف هؤلاء من الفضيحة على أنفسهم إذا لم يتركوا تتبع عورات الناس ، فإن أبا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ  رضي الله عنه  قَالَ : نَادَى رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  حَتَّى أَسْمَعَ الْعَوَاتِقَ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ ) رواه أحمد وهو صحيح لغيره ، وإسناده حسن .
    وأما الستر الحسي ، فهو أن تحسن إلى عارٍ من الثياب فتكسوه عن أعين الناس ، فو الله إن هذا لمن هدي الحبيب  صلى الله عليه وسلم  ، ولقد جمعت قصة ماعز الأسلمي  رضي الله عنه  هذين السترين ، فقد جاء في روايةٍ لأبي داود أن النبي  صلى الله عليه وسلم  رغّب رجلاً يقال له هزّال بستر ماعز فقال له : (( لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك )) رواه أبو داود .
    فتأمل يا رعاك الله كيف يحرص النبي  صلى الله عليه وسلم  أن يستر على المسلمين عوراتهم حسًا ومعنى ، أحياءً وأمواتًا .
    ولتصغ أيها الموفق لحديثٍ دار بين رجلين من سلف الأمة ، يتذاكرون فيه هدي المصطفى عليه الصلاة والسلام في ستره للمسلمين ، فهاهو ذا عَبْدُ اللَّهِ الْهَوْزَنِيُّ يقول : لَقِيتُ بِلَالًا مُؤَذِّنَ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  بِحَلَبَ ، فَقُلْتُ : يَا بِلَالُ ، حَدِّثْنِي كَيْفَ كَانَتْ نَفَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم   قَالَ : مَا كَانَ لَهُ شَيْءٌ، كُنْتُ أَنَا الَّذِي أَلِي ذَلِكَ مِنْهُ مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ ، وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ الْإِنْسَانُ مُسْلِمًا فَرَآهُ عَارِيًا يَأْمُرُنِي فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَقْرِضُ فَأَشْتَرِي لَهُ الْبُرْدَةَ فَأَكْسُوهُ وَأُطْعِمُهُ ، حَتَّى اعْتَرَضَنِي رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : يَا بِلَالُ ، إِنَّ عِنْدِي سَعَةً فَلَا تَسْتَقْرِضْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا مِنِّي ، فَفَعَلْتُ فَلَمَّا أَنْ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ تَوَضَّأْتُ ثُمَّ قُمْتُ لِأُؤَذِّنَ بِالصَّلَاةِ ، فَإِذَا الْمُشْرِكُ قَدْ أَقْبَلَ فِي عِصَابَةٍ مِنَ التُّجَّارِ ، فَلَمَّا أَنْ رَآنِي قَالَ : يَا حَبَشِيُّ ، قُلْتُ : يَا لَبَّاهُ ، فَتَجَهَّمَنِي ، وَقَالَ لِي قَوْلًا غَلِيظًا ، وَقَالَ لِي :أَتَدْرِي كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الشَّهْرِ ، قَالَ : قُلْتُ قَرِيبٌ ، قَالَ : إِنَّمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَرْبَعٌ فَآخُذُكَ بِالَّذِي عَلَيْكَ فَأَرُدُّكَ تَرْعَى الْغَنَمَ كَمَا كُنْتَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَأَخَذَ فِي نَفْسِي مَا يَأْخُذُ فِي أَنْفُسِ النَّاسِ ، حَتَّى إِذَا صَلَّيْتُ الْعَتَمَةَ ، رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى أَهْلِهِ ، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ ، فَأَذِنَ لِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ؛ إِنَّ الْمُشْرِكَ الَّذِي كُنْتُ أَتَدَيَّنُ مِنْهُ قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا ، وَلَيْسَ عِنْدَكَ مَا تَقْضِي عَنِّي وَلَا عِنْدِي ، وَهُوَ فَاضِحِي ، فَأْذَنْ لِي أَنْ آبَقَ إِلَى بَعْضِ هَؤُلَاءِ الْأَحْيَاءِ الَّذِينَ قَدْ أَسْلَمُوا حَتَّى يَرْزُقَ اللَّهُ رَسُولَهُ  صلى الله عليه وسلم  مَا يَقْضِي عَنِّي ، فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا أَتَيْتُ مَنْزِلِي فَجَعَلْتُ سَيْفِي وَجِرَابِي وَنَعْلِي وَمِجَنِّي عِنْدَ رَأْسِي حَتَّى إِذَا انْشَقَّ عَمُودُ الصُّبْحِ الْأَوَّلِ ، أَرَدْتُ أَنْ أَنْطَلِقَ فَإِذَا إِنْسَانٌ يَسْعَى يَدْعُو : يَا بِلَالُ، أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُهُ ، فَإِذَا أَرْبَعُ رَكَائِبَ مُنَاخَاتٌ عَلَيْهِنَّ أَحْمَالُهُنَّ ، فَاسْتَأْذَنْتُ ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  أَبْشِرْ ؛ فَقَدْ جَاءَكَ اللَّهُ بِقَضَائِكَ ، ثُمَّ قَالَ أَلَمْ تَرَ الرَّكَائِبَ الْمُنَاخَاتِ الْأَرْبَعَ ؟ فَقُلْتُ : بَلَى ، فَقَالَ : إِنَّ لَكَ رِقَابَهُنَّ وَمَا عَلَيْهِنَّ ؛ فَإِنَّ عَلَيْهِنَّ كِسْوَةً وَطَعَامًا أَهْدَاهُنَّ إِلَيَّ عَظِيمُ فَدَكَ فَاقْبِضْهُنَّ وَاقْضِ دَيْنَكَ ، …[ وفي الحديث أن بلالاً لما قضى دين رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أخبره بذلك ] فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ شَفَقًا مِنْ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ وَعِنْدَهُ ذَلِكَ ) رواه أبو داود وصححه الألباني .
    الستر خلق جميل تجود به النفوس الكبيرة ، التي تنزه أرواحها من أن تملأ مجالسها بالكلام في أعراض الناس ، وترفع أقلامها أن تسطر أخطاءهم ، وتطهّر أسماعها أن تصغي لعوارهم ، ويا لروعة الستر الجميل ؛ فإن فيه اعترافًا بفضل الله الذي سترنا بأجمل الثياب بعد أن ولدنا عراة ، { يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } .
    وتكرم علينا فلم يفضحنا أمام خلقه بذنوبنا وتقصيرنا وقد رآنا ونحن نرتكبها ، وهل هناك أعظم سترًا من أن يسترك الله في يوم تنكشف فيه السوءات ، وتبدو فيه الذنوب ، فقد قال النبي  صلى الله عليه وسلم  : ( إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ ، فَيَقُولُ : أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا ؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ أَيْ رَبِّ ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ ، قَالَ : سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ : ( هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) رواه البخاري .
    فاسْقِ ـ أيها الحبيب ـ حديقة الستر على المسلمين بماء الإخلاص لتحصد جناها الطيب ، فإن النبي  صلى الله عليه وسلم  يقول : ( مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ في الدنيا والآخرة ) رواه مسلم .
    اللهم استرنا بسترك الجميل ، وعفوك الكريم ، يا رحيم يا حليم .
     

    الحديقة الثانية
    حديقة قضاء حوائج المسلمين

    دعني أيها الأخ الكريم أمهد لك الحديث عن هذه الحديقة بهذه الواقعة التي رواها لي أحد المشايخ الفضلاء (1) : فقد تحرّك الشاب الذي يبلغ عمره ثماني عشرة سنة تقريبًا بسيارته منفردًا من الأحساء متجهًا إلى مدينة الدمام ، وقد كان مصابًا بالربو المزمن ، وما إن وصل إلى أقربائه هناك إلا أحس بحشرجة في صدره ، هي علامات يعرفها المصابون بالربو على أنها بداية لأزمة خطيرة تحتاج إلى تصرف سريع وحكيم ، والتفاف حول المصاب ، ومراعاة دقيقة لصحته .
    ولأن هذا الشاب يدرك أنه قد يصاب بالإغماء أو السقوط لفترة ما ، خشي على نفسه من أن يقع أمام من ذهب لزيارتهم ، فيصاب بالقلق أو الإحراج النفسي ، فعزم على العودة إلى الأحساء فور وصوله ، وأحس من حوله بضيق في صدره ، وضعف في تنفسه ، فعزموا عليه ألا يعود في مثل هذه الحال ، وأصروا عليه بوجوه مختلفة ، فأبى ذلك كله ، فركب سيارته عائدًا إلى بلده ، تمر الدقائق عليه ثقيلة وئيدة ، كل دقيقة منها تحبس جزءًا من نفسه ، يتلفت حوله فلا يرى أبًا حانيًا يشفق عليه بنجدة ، ولا أمًا تظلله برحمة ، ولا أخًا يسنده بإسعاف ، ويحدق أمامه فلا يبصر إلا امتداد الطريق الذي لم تعد قواه قادرة على إنهائه ، فلما انتصف الطريق ، اشتد به الكرب ، وفقد توازنه ، وزاغت عيناه ، وأحس بقرب أجله ، وشعر بأن كل شيء انتهى ، أوقف سيارته تحت جسر قريب ، لم يكن يملك قوة تعينه على طلب النجدة من المارين على هذا الطريق ، فقد الأمل في كل شيء ، فتوجه إلى الله تعالى ، يسلم إليه أمانة الروح ، فريدًا وحيدًا على سفر ، لم يحسن أن يفعل شيئًا سوى أنه خرج من سيارته بلا شعور ، فتمدد على مقدمتها ، علَّ الله تعالى أن يرحم ضعفه ، وينظر إلى غربته بعين الرأفة ، هنا وفي هذه اللحظة غاب عن حاله ، وغدا كمغمًى عليه لا يدري ماذا يجري له ، كل الذي يعلمه أنه أوشك على مفارقة الحياة ، وتوديع زينتها .
    غير أن رحمة الله كانت تترقبه ، كيف وهو الرحيم الغفور ، الودود الحليم سبحانه .

    وإذا دجى ليلُ الخطوبِ وأظلمت *** سبلُ الخلاصِ وخاب فيها الآملُ
    وأيسْتَ من وجه النجاة فمالها *** سببٌ ولا يدنو لها مُتناوِلُ
    يأتيك من ألطافه الفرجُ الذي  *** لم تحتسبه وأنت عنه غافلُ

    ويمر أحد المسافرين ، ليرى ذلك الشاب الغض ممددًا على سيارته ، غائبًا عن شعوره ، لا يرى فيه أثرًا لحادث أو سببًا مباشرًا لهذه الحال ، لم يتح لنفسه كثيرًا من التساؤلات ، بل قطعها بإغاثة هذا المسكين ، فما أن أمسكه بيده ، حتى أحس بحركة بطيئة في يدي هذا الشاب ، يشير بيديه إلى أنفه وفمه ، مبينًا له بذلك أنه لم يعد له نفس يعيش به ، فرح صانع المعروف بحياته ، وأحس بأن الله أرسله إليه لينقذه على يده ، تحرك بسرعة لأخذه إلى طبيب حاذق في شأن أمراض الصدر بمدينة قريبة ، فما إن وصَل إلى هناك قام الطبيب بالأمانة الملقاة على عاتقه خير قيام ، وصانع المعروف واقف على رأسه يرقب ذلك النفس المتقطع ، والصدر المتحشرج ، نسي سفره الذي خرج من أجله ، وترك الدنيا من ورائه ، وأقبل على إنقاذ روح كادت أن تفارق صاحبها ، ليعيدها بأمرِ الله إليه ، لا لمعرفة سابقة ، ولا لمصلحة دنيوية لاحقة ، إنما حب صنيع المعروف الذي أكرمه الله به ، وما زال كذلك يرقب الشاب بعينيه ، ويحيطه برعايته ، ويلهج لسانه بالدعاء له ، أن يمن الله عليه بالشفاء ، ويعيده إلى الحياة ، وشيئًا فشيئًا حتى سمع الأنفاس تتراجع ، والأزمة تِخف ، والأطراف تتحرك ، وبدأ نور العينين يخفق ببصيص من الحياة ، وصانع المعروف يحدق في وجه الطبيب يبحث عن الأمل في وجهه ، يتلمس ابتسامة النجاة على ثغره ، لحظات ولحظات ورحمة ربك قريب من المحسنين ، بدأت الحياة تدب في أوصال ذلك الشاب ، وبدأت أسارير وجه الطبيب تتهلل بشرًا ، وتبشر بالحياة من جديد ، حينها تعرّف صانع المعروف على هاتف منزل أهل المصاب من المصاب نفسه ، واختفى من المستشفى حتى لا يتعرف عليه أحد ، وذهب ليتم معروفه بنجاح وحكمة ليتصل على أهل المصاب ،فأخبرهم خبر ابنهم ومكانه ..
     ولكن : من أنت أيها المتحدث ؟ من أنت وفقك الله ؟ من أنت يا صانع المعروف ؟! أخبرنا باسمك ، دعنا نحدّث الناس بشهامتك ، دعنا نصف للناس معروفك ، دعنا نردُّ لك شيئًا من جميلك ، وأي جميل يمكن أن يُرد لمثلك وقد كنت سببًا في رد الحياة إلى ابننا بإذن ربه سبحانه ، أما لنا نصيب من إكرامك ، والإحسان إليك ؟
    فاعل خير .. فقط .. كلمتان أجاب بهما صانع المعروف محتسبًا أجره على الله الرحمن الرحيم ، ألا بوركت يا صاحب الخير كفاك ، وسددت خطاك ، وحفظك الله من كل سوء ورعاك ، وبارك الله لك في صحتك ،وحياتك ، وذريتك ، وجعل الجنة مأوانا ومأواك .
    قال لي الشيخ : ولا زالت الأكف الضارعة ترفع إلى الله تعالى بالدعاء لصانع المعروف هذا كلما سنحت فرصةٌ لتذكر معروفه .
    حاجة قضاها لأخيه وأي حاجة !! إنه نفسه التي بين جوانحه ، فأي سعادة غامرة سيسعد بها هذا الشهم بعد إنقاذه لأخيه ، وأي فلاح سلك طريقه بإسعافه ، إنه الفلاح الذي قال الله فيه : {  وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  } 77 الحج .
    أخي الموفق : لا تتردد أن تقضي حاجة لأخيك ، ولو على حساب وقتك أو جهدك ، وثق في خالقك بأنه سيكون في حاجتك ، يخفف عنك همك ، ويرفع عنك غمك ، ويبارك لك في رزقك ، فإن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال : ( مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ ) رواه البخاري .
    ويقول ‘ كذلك : ( صنائع المعروف تقي مصارع السوء ) رواه الطبراني وهو حديث حسن .
    ويقول كذلك : (وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ ) متفق عليه .
    ولعلك سمعت عن قصة البطل وكيل الرقيب : جمهور بن عبد الله الغامدي رحمه الله الذي أسعده الله بإنقاذ أب وطفليه من الغرق في شاطئ نصف القمر ، وذلك حينما تلقى نداءات الاستغاثة وهو في طريقه إلى بيت الله ليؤدي صلاة العصر ، فلم يتأخر لحظة في استجابته لنداءات الضمير وصوت المعروف ، فأخذ يشق طريقه بين أمواج البحر ، محاولاً إنقاذ أرواح الثلاثة الذين شارفوا على الغرق ، فتمكن أولاً من إنقاذ والدهم وأوصله إلى نقطة قريبة ليتولى زميله إيصاله إلى شاطئ الأمان ، وعاد من فوره في همة متناهية ، وتضحية منقطعة النضير ، إلى الطفلين ليمد لهما يداه الموفقتين ، فتلقفهما بشفقته وحنا عليهم بأبوته ، مرخصًا في إنقاذهما روحه وحياته ، فأكرمه الله بإنقاذهما كذلك ، حينها لم تسعفه قوته أن يصل إلى ساحل السلامة ، حيث شعر بالإرهاق ، وفقد السيطرة على نفسه بين دوامة البحر ، فجرته أمواجها إلى داخله ، وكلّت قواه ، ورويدًا رويدًا حتى خفت ضياء الحياة بين عينيه فكانت الشهادة في سبيل الله الوسام الذي ينتظره ، كذلك نحسبه والله حسيبه ، فاختفى هذا البطل عن الأنظار ، وغرق في لجة البحر ، بعد أن نحت ببطولته أروع لوحات الفداء والإيثار ، حقًا إنها نماذج وبطولات فريدة في زماننا هذا ، ولكن لا أملك إلا أن أقول : رحمك الله يا جمهور رحمة واسعة ، وأسكنك فسيح جناته ، وأنزلك منازل الشهداء والصالحين ، إنه برٌ رؤوف رحيم .
    حاجة أخيك : همٌ تخففه عنه ، ونجدة تسعفه بها ، ودين تقضيه عنه ، ومال تقرضه إياه ، ونقيصة تدفعها عن عرضه ، ورفقة تؤنسه بها ، ودعاء له تخفيه عنه ، وكل عون في بِر ، وكل مساعدة في خير ، صنائع تنال بها محبة الله ، وتفوز من أجلها برضاه .
     

    الحديقة الثالثة
    الإنفاق والصدقة في سبيل الله

    أيها الحبيب : وعود ربانية ، وقروض مضاعفة ، وأجور كريمة ، وجنان أكلها دائم وظلها ، لمن تكرّم بالصدقة السخية ، طيبة بها نفسه ، سعيدة بها روحه ، تتراءى له آيات الوعد الكريم : { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ } 11 الحديد .
    { الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } 274 البقرة .
    الصدقة نبع ثر يجرف مسيله كل أدران الحياة وعراقيلها ، والنفقة في وجوه المعروف بلسم الشفاء من عظيم الأدواء ، والعطاء في السر بركة للمال وَعَدَ بها رب الأرض والسماء ؛ { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } 39 سبأ .
    صدقتك ـ أيها المحسن الكريم ـ بذرة بذرها أكرم من وطأ الثرى عليه الصلاة والسلام ، ( فَلَرَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم   أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ) رواه البخاري .
    لنقترب جميعًا إلى زهرة من زهور هذه الحديقة لنقرأ على ورقاتها هذه القصة : ففي غرفة ذات أسرة بيضاء كان يرقد على السرير الأوسط رجل في غيبوبة تامة ، لا يعي ما حوله من أجهزة مراقبة التنفس والنبض وأنابيب المحاليل الطبية .
    وفي كل يوم منذ أكثر من عام ودون انقطاع كانت تزور ذلك الرجل زوجته ومعها صبي لهما في الرابعة عشر من عمره ، ينظران إليه في حنان وشفقة ويغيران ملابسه ويتفقدان أحواله ويسألان الأطباء عنه ، ولا جديد في الأمر ، الحالة كما هي ، لا تقدم ولا تأخر في صحته ، غيبوبة تامة ، وأمل مفقود من شفائه إلا من الله تعالى ، غير أن هذه المرأة الصبور والصبي اليافع كانا لا يتركانه حتى يرفعا أكف الضراعة إلى الله سبحانه ، فيدعوا له بالشفاء والعافية ، ولسان حالهما يقول :

    أنت المنادَى به في كل حادثة *** وأنت ملجأ من ضاقت به الحيلُ
    أنت الغياثُ لمن سُدّت مذاهبُه  *** أنت الدليل لمن ضلّت به السبلُ

    ويغادران المستشفى ليعودا مرة أخرى للزيارة في نفس اليوم ، وهكذا كل يوم بلا انقطاع أو سآمة أو ملل ، قلوب اجتمعت على الحب ، وتآلفت على الصدق ، وأزهرت في الشدائد أجمل ورود الصبر والحنان والرأفة .
    ويظل المرضى وهيئة التمريض والأطباء في استغراب تام من زيارة المرأة والصبي لهذا الرجل شبه الميّت ، مع أنه لا جديد في حياة المريض ، فيا لله العجب : ما هذا الإصرار العجيب على تكرار الزيارة مرتين في اليوم ، مع أن المريض المسجى لا يعي أي شيء حوله ، صارحها الأطباء وأعوانهم بعدم جدوى زيارتها له ، وشفقًا عليها وعلى ابنها دعوها للزيارة مرة في الأسبوع ، وكانت المرأة الشفوق لا ترد إلا بكلمة : الله المستعان .. الله المستعان .. .
    وذات يوم .. وقبل زيارة الزوجة والصبي في وقت قصير ، حدث أمر غريب ، وحادث مثير ، إنه الرجل المصاب يتحرك في سريره ، يتقلّب من جنب إلى جنب ، وما هي إلا لحظات وإذا بالرجل يفتح عينيه ، ويبعد جهاز الأكسجين عن نفسه ، ويعتدل في جلسته ، ثم ينادي الممرضة وسط ذهول الحضور ، وطلب منها إبعاد الأجهزة الطبية المساعدة ، فرفضت واستدعت الطبيب الذي كان في حالة ذهول تام ، وأجرى فحوصات سريعة له ، فوجد الرجل في منتهى الصحة والعافية ، وطلب إبعاد الأجهزة وتنظيف مكانها في جسده .
    وكان موعد الزيارة المعهودة من تلك الزوجة المخلصة قد حان وقته ، فدخلت المرأة والصبي على حبيبهما ، فبأي وصف تريدني ـ يا رعاك الله ـ أن أصف تلك اللحظات الحنونة ، وبأي الكلمات تريدني أن أصوغها لك .. إنها نظرات تعانق نظرات ، ودموع تمتزج بدموع ، وابتسامات حائرات على الشفاه ، أخرست المشاعرُ الألسنة إلا بالحمد والثناء لله الكريم ، المنعم ، المتفضل ، المجيب ، الذي أتم نعمة العافية على زوجها .
    لم تنته القصة بعد يا أهل المعروف ، فما زال في الحكاية سر ، فإن الطبيب لم يحتمل الصبر حتى يكتشفه ، فتوجه للزوجة بسؤالها قائلاً : هل توقعت أن تجديه يومًا ما بهذه الحالة ؟ فقالت : نعم والله ، كنت أتوقع أن أدخل عليه يومًا وأجده جالسًا بانتظارنا .
    فقال لها : إن هناك شيئًا ما حصل ، ليس للمستشفى أو الأطباء دور فيه ، فبالله عليك أخبريني ، لماذا تأتين يوميًا مرتين ، وماذا تفعلين ؟ قالت : بما أنك سألتني بالله ، فأقول لك : كنت أزور زوجي الزيارة الأولى للاطمئنان  عليه والدعاء له ، ثم أذهب أنا وابني للفقراء والمساكين ونقدم لهم الصدقات ، بغية التقرب إلى الله لشفائه ..
    فلم يخيب الله رجاءها ودعاءها ، فخرجت في آخر زيارة وزوجها معها إلى البيت الذي طال انتظاره لعودة صاحبه إليه ، لتعود البسمة والفرحة له وإلى أفراد أسرته .
    فما أينع هذا الثمر ، وما ألذ مذاقه ، { الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } .
    حدّث بهذه القصة الأستاذ الكريم : أحمد سالم بادويلان في كتابه لا تيئس وفقه الله وجزاه الله عنا خير الجزاء .
    فضل الله كبير فهو القائل : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ، فلنبحث عن طرقه ومواطنه ، وإن من أجل مواطنه الإنفاق على الأهل والأقارب بنية القربة إلى الله تعالى ، فهذه أم سلمة رضي الله عنها تأتي إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  فتقول له : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ ؟ قَالَ : نَعَمْ لَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ ) رواه البخاري .
    وهل يخلو يوم لا ننفق فيه على أزواجنا وأولادنا ؟! غير أن الأمر يحتاج إلى احتساب وطلب أجر من رب العالمين ، فإن النبي  صلى الله عليه وسلم  قَالَ : ( إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ ) رواه البخاري .
    فإن كتب الله لك البركة في رزقك فلا تبخل على نفسك وإخوانك في بلدك وخارجه من نفقة مباركة قليلة أو كثيرة :
    أما قليلة ، فتذكرني بما ذكره لي أحد أئمة المساجد من أنه كان يعظم في أحد عمال النظافة المساكين سرعة استجابته لنداء الإنفاق في سبيل الله ، فإنه مع ضعفه ومسكنته كان لا يتردد عن ذلك ، بل كان كل مرة يبذل نصف ريال أو قريبًا منه ما استطاع إلى ذلك سبيلا ..
    نصف ريال فقط !! انتبه أن تقع في نفسك موقع الاحتقار ،  فإن لها عند الله بإذنه ِشأنًا عظيمًا ، أتعلم لماذا ؟ لأن النبي  صلى الله عليه وسلم  يقول : ( مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ  ) رواه البخاري .
    إنه نصف ريال فقط .. لكنه ربما تحوّل إلى وقاية عاصمة بإذن الله من نار السعير ، ألا تذكر معي قول النبي  صلى الله عليه وسلم  : ( اتقوا النار ولو بشق تمرة ) متفق عليه .
    ولندلف معًا إلى إحدى جهات الخير لنشاهد هذا المنظر السخي : صبي في ليلة العيد يقدِّم للموظف المسؤول عن جمع التبرعات مبلغًا قدره مائتا ريال تقريباً ، وعمره لا يتجاوز العاشرة ، فسأله متعجبًا منه : من أين لك هذا المبلغ وماذا تريد أن نصنع به ؟ فأجاب : إنه مبلغ أعطاني إياه والدي لأشتري به كسوة العيد ، وإني أريد أن يشتري به أحد أيتام المسلمين ثياباً له في العيد جديدة ، أما أنا فتكفيني هذه الثياب التي أرتديها ..
    ألا سقى الله هذا البيت الذي ترعرعت فيه ونشأت بين أكنافه يا بني ، وجعلك له قرة عين في الدنيا والآخرة .
    وأما أن تكون نفقتك كثيرة ، فتذكر ما رواه أنس بن مالك  رضي الله عنه  أنه قال : كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم   يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ ، قَالَ أَنَسٌ : فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } ، قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } ، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ ، قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم   بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ،فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ ) رواه البخاري .
    أخي الحبيب : كن واحدًا ممن تدعوا له الملائكة : (اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ) رواه البخاري .
    أخي الحبيب : كن واحدًا ممن ينفق الله عليهم ، فإنه يقول في الحديث القدسي : ( أنفق يا ابن آدم يُنْفق عليك ) متفق عليه .
    أخي الحبيب : كن على يقين من أن ما أنفقته باق ولم يفن ، وإنما الفناء لما أمسكنا :

    أنت للمال إذا أمسكته *** فإذا أنفقته فالمال لك

    عن  عَائِشَةَ  رضي الله عنه  : أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً ، فَقَالَ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلم  : ( مَا بَقِيَ مِنْهَا ؟ قَالَتْ : مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا ، قَالَ : بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا ) رواه الترمذي وقال : هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
    لا .. ليس ما أنفقنا باق فقط ، بل يزيد ويزيد ، فإن النبي  صلى الله عليه وسلم   قَالَ : ( مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ ) رواه مسلم .

    لقد أخبرني أحد الدعاة (2) بأن تاجرًا كبيرًا من أغنياء هذا البلد الطيب (3)، كان يقول له : ما أنفقت شيئًا في سبيل الله إلا رأيت زيادته عيانًا من بركة الصدقة وفضلها .
    واستمع إلى هذا الحديث الذي سيدني لك ثمرة من ثمار هذه الحديقة الجميلة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  رضي الله عنه  عَنِ النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم   قَالَ : ( بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ : اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ  [ والشرجة : مسيل الماء ] ، قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، مَا اسْمُكَ : قَالَ فُلَانٌ لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي ، فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ ، يَقُولُ : اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لِاسْمِكَ ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا ؟ قَالَ : أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا ، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا ، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ ، وفي رواية : وَأَجْعَلُ ثُلُثَهُ فِي الْمَسَاكِينِ وَالسَّائِلِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ ) رواه مسلم .
    الإنفاق خلق جميل ، ويتضاعف جماله إذا كان على حال من الحاجة أو العوز ، فيلتقي الكرم فيه والإيثار ، دعني أحدثك بما عجب الله منه وهو الكريم المنان سبحانه : عن أبي هريرة  رضي الله عنه  قال : جاء رجل إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  فقال : إني مجهود [ أي : بي سوء عيش وجوع ] ، فأرسل النبي  صلى الله عليه وسلم  إلى بعض نسائه ، فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء ، ثم أرسل إلى أخرى ، فقالت مثل ذلك ، حتى قلن كلهن ذلك، لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء ، فقال النبي  صلى الله عليه وسلم  : من يضيّف هذا الليلة ؟ فقال رجل من الأنصار : أنا يا رسول الله ، فانطلق به إلى رحله ، فقال لامرأته : أكرمي ضيف رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ، وفي رواية قال لامرأته : هل عندك شيء ؟ قالت : لا ، إلا قوت صبياني ، قال : فعلليهم بشيء وإذا أرادوا العشاء فنوميهم ، وإذا دخل ضيفنا ، فأطفئي السراج ، وأريه أنا نأكل ، فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين ، فلمّا أصبح غدا على النبي  صلى الله عليه وسلم  فقال : (( لقد عجب الله من صنيعكما بضيفيكما الليلة )) متفق عليه .
    إنه مجتمع تربى على أخلاق النبوة ، واستقى من نبعها الصافي ، مجتمع لا يعرف الأنانية والأثرة ، هاك صنفًا من أصنافه يمتدحه النبي  صلى الله عليه وسلم  بصفة مثالية كريمة ، لو سارت الأمة عليه اليوم ما بقي فيها فقير واحد ، إنهم الأشعريون ، الذين قال النبي  صلى الله عليه وسلم  فيهم : ( إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ ) رواه البخاري .
     واحذر ـ أيها الكريم ـ أن يخيّم عليك اليأس ، فما زال في الأمة من الكرماء من يسير على خطى النبي  صلى الله عليه وسلم  وسلفه الصالح ، فما نسينا أبدًا حملات الخير والتبرع لإخواننا المستضعفين في كل مكان ، صور من العطاء تبتهج من سخائها النفوس ، وتسعد بعطائها القلوب ، وإن المشاهِد لها ليجد أنها صمام الأمان لهذه الأرض ، وسر استقرارها وأمنها ، ولله الحمد والمنة .
    لقد أعجبتني حادثتين ذكرهما الشيخ علي الطنطاوي ـ رحمه الله ـ في ذكرياته ، فقال في التمهيد لهما : (( لقد كان شيخ أبي الشيخ سليم المسوتي ـ رحمه الله ـ على فقره لا يرد سائلاً قط ، ولطالما لبس الجبة أو الفروة فلقي برادنًا يرتجف فنزعها فدفعها إليه وعاد إلى البيت بالإزار ،وطالما أخذ السفرة من أمام عياله فأعطاها السائل ، وكان يومًا في رمضان وقد وضعت المائدة انتظارًا للمدفع ، فجاء سائل يقسم أنه وعياله بلا طعام ، فابتغى الشيخ غفلة من امرأته وفتح له وأعطاه الطعام كله ؟ فلما رأت ذلك امرأته ، ولولت عليه وصاحت وأقسمت أنها لا تقعد عنده ، وهو ساكت ، فلم تمر نصف ساعة حتى قُرع الباب ، وجاء من يحمل أطباقًا فيها ألوانًا من الطعام والحلوى والفاكهة ، فسألوا : ما الخبر ؟ وإذا الخبر أن [ الأمير ] كان قد دعا بعض الكبار فاعتذروا فغضب وحلف ألا يأكل من الطعام وأمر بحمله كله إلى دار الشيخ سليم المسوتي رحمه الله ؟

    ولم أر كالمعروف أما مذاقه *** فحلو وأما لونه فجميل

    أما القصة الأخرى : فهي قصة المرأة التي سافر ولدها ، وكانت قد قعدت يومًا تأكل وليس أمامها إلا لقمة إدام وقطعة خبز ، فجاء سائل فمنعت عن فمها اللقمة وأعطته إياها ، وباتت جائعة ، فلما جاء الولد من سفره جعل يحدثها بما رأى في سفره ، قال : ومن أعجب ما مرَّ بي : أنه لحقني أسد في الطريق ، وكنت وحدي فهربت منه ، فوثب علي وما شعرت إلا وقد صرت في فمه ، وإذا برجل عليه ثياب بيض يظهر أمامي فيخلصني منه ، ويقول : لقمة بلقمة ، ولم أفهم مراده . فسألته أمه عن وقت هذا الحادث وإذا هو في اليوم الذي تصدقت فيه على الفقير ، نزعت اللقمة من فمها لتنفقها في سبيل الله ، فنُزِع ولدُها من فم الأسد )انتهى كلامه رحمه الله .

    من يفعل الخير لا يعدم جوازيه *** لا يذهب العرف بين الله والناس

    ويا لتعاسة البخل ما ألبس صاحبه إلا ثوب دناءة وذل ، عطبٌ حصاده ، منتنة رائحته ، لا يورّث إلا الهلاك للأفراد والأمم والشعوب ، يقول الصادق المصدوق ‘: ( اتَّقُوا الشُّحَّ ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ ) رواه مسلم .

    الحديقة الرابعة
    حديقة الرحمة

    إنها حديقة يفوح شذاها فلاً ووردًا ، وتميس أغصانها طربًا لمقدم أصحاب القلوب الرحيمة ، القلوب التي تربت على الخضوع بين يدي الرحيم ، فلانت لخلقه ، ورأفت بعباده ، طلبًا لرحمة ربهم ورأفته بحالهم .
    رحماء ، هكذا أرادنا الخالق I ، من معين التعاطف نتزود ، ومن معين التراحم نستقي ،  { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا  } .
    هذا نبي الرحمة  صلى الله عليه وسلم  يُنَاوَلُ صبياً  تقعقع روحه في صدره تريد الخروجَ من جسده الصغير ، فهلت دمعات مباركات من عين النبي  صلى الله عليه وسلم  ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا هَذَا ؟! قَالَ : ( هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ ؛ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ) متفق عليه .  
    لتعلم يا رعاك الله : أن الرحمة سبيل إلى الجنة أجمل به من سبيل ، كيف لا يكون كذلك وقد أدخل الله رجلاً الجنة بسبب رحمة ملأت جوانحه ، على ماذا ؟ لندع الصادق المصدوق  صلى الله عليه وسلم  يروي لنا فصول القصة بأوجز عبارة وأدقها ، يقول عليه الصلاة والسلام : ( بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ ،فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ ، فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ ، فَقَال :َ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي ، فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا ؟ قَالَ : فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ )   متفق عليه .
    ويا لتعاسة الفض الغليظ ، الإنسان عنده غير مرحوم ولو ببشاشة يرسمها على محياه ، فكيف بحيوان أبكم أصم ؟! بئست الحال حاله ، لست أنا ولا أنت قد حكمنا على هذا الجنس من الناس بالشقاوة ، بل رسول الرحمة  صلى الله عليه وسلم  قد حكم عليه بذلك فقال : ( لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ ) رواه أحمد والترمذي وإسناده حَسَنٌ .
    وهل بعد النار _ أيها المسلمون _ شقاوة ، هذه امرأة تستوجب النار وبئس القرار ؛ حينما انتكست فطرة الرحمة في قلبها المظلم بالجبروت ، يحدثنا عن مصيرها حبيبنا  صلى الله عليه وسلم  فيقول : ( عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ ؛ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا ، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ) رواه البخاري .
    هل جربت ـ يا أخي ـ كيف ستغمرك الرحمة مرة في زيارةِ مريضٍ أرّقَ الألم عينيه ، وأسهر الوجع ليله ، يقول الرسول  صلى الله عليه وسلم : ( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً ، إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ [ أي ثمر مخروف ومجتنى من الجنة ] ) رواه الترمذي وقال حديث حسن .
    أخي الحبيب : مُدّ يدَ الكفالة ليتيمٍ فقَدَ حنانَ الأبوة ورضعَ بؤسَ فَقْدِها ، ليكون لك في معروفك هذا نصيب من قول الحبيب  صلى الله عليه وسلم  : ( وَأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا ؛ وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ) رواه البخاري .
    كن صدرًا ودودًا على أرملة فرّقَ الموتُ بينها وبين حبيبها ، فكسر الفراق قلبها ، وأثقلت الحاجة إلى الناس كاهلها ، فإن النبي  صلى الله عليه وسلم  يقول : ( السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ ) رواه البخاري .
    اخفض ـ أيها الحبيب ـ جناح الرحمة لضعيف أضناه الأسى ، وفرق جمعه الضنى ، فإن الله يقول : { فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر } .
    ظلل بخيام الرحمات على زوجتك وبناتك ونسائك فإنهن مهما بلغن في علمٍ ومال يظللن في حاجتك وعطفك ، وتذكر يا باذر المعروف أن حصاده مبارك وجناه طيب ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا قالت : ( جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا ، فَأَطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا ، فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا ، فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا ، فَأَعْجَبَنِي شَأْنُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ ) رواه مسلم .
    وعليك بصلة الأرحام فإنها مشتقة من الرحمة ، ولسوف تذوق حلاوة ثمرها في الدنيا قبل الآخرة ، يَقُولُ النبي  صلى الله عليه وسلم  : ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ) رواه مسلم .
    وتذكر ـ يا من أغناك الله من فضله ـ أن خادمك ما أتى إلا لحاجة ماسة ألمت به ، وسوء عيش أرق ذريته ، فلا تقس عليه ، وتجاوز عن أخطائه ، يقول أنس  رضي الله عنه  : ( خَدَمْتُ النَّبِيَّ  صلى الله عليه وسلم  عَشْرَ سِنِينَ ؛ فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ وَلَا لِمَ صَنَعْتَ وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ ) رواه البخاري .
    وعن عائشة رضي الله عنها قالت : (( ما ضرب رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خادمًا له قط ، ولا امرأة له قط ، ولا ضرب بيده إلا أن يجاهد في سبيل الله )) رواه أحمد وهو صحيح .
    وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رجلاً أتى النبي  صلى الله عليه وسلم  فقال : (( إن خادمي يسيء ويظلم ، أفأضربه ؟ قال : تعفو عنه كل يوم سبعين مرّة )) ، رواه أحمد والترمذي وهو صحيح .
    فواعجبًا كيف نطلب المطر وقد قصرنا كثيرًا في حق ضعفائنا ، وقد نسينا حديث النبي  صلى الله عليه وسلم  : ( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ) رواه البخاري .
    إن إعانة الضعيف من هدي النبي  صلى الله عليه وسلم  ، اتباعه مثوبة ، والدوام عليه شرف وكرامة ، فلقد (كان النبي  صلى الله عليه وسلم  : يتخلف في المسير ، فيزجي الضعيف [ أي : يسوقه برفق ] ويُردف
    ويدعو له ) رواه أبو داود بإسناد حسن .
    وما زال في الأمة مجاهدون اشتغلوا بالفقراء والمحتاجين ، يحنّون على ضعيفهم ، ويكسون عاريهم ، ويكفلون يتيمهم ، ويقومون على أرملتهم .
    هذه قصة اشتُهِرت بين الناس ، لكنني أجد في ذكرها سلوة ، وفي سردها عبرة ، رجل يرى في منامه أن الرسول  صلى الله عليه وسلم  يأتيه ويقول له : اذهب إلى فلان بن فلان في مكان كذا ، وبشره بالجنة ، فاستيقظ الرجل ، وحاول أن يستذكر شخص هذا الرجل الذي سماه له الرسول  صلى الله عليه وسلم  في رؤياه ، فلم يتذكر شخصًا يعرفه بهذا الاسم ، فذهب إلى أحد المعبرين للرؤى ، فقال له : أخبر صاحب الرؤيا بها ، فأخذ يسأل ويسأل ، حتى عرف قريته التي يسكنها ، فذهب إليها ، وسأل عن الرجل ، فدلّ عليه ، ثم التقاه  فقال له : إني عندي لك بشرى ، ولكن لا أخبرك بها حتى تخبرني بأعمالك الصالحة ، فقال الرجل : ليس عندي ما يزيد على غيري من المسلمين ، قال : إذًا لا أخبرك ، وألحّ عليه بذلك طلبًا لمعرفة معروفه الذي يصنعه ، فقال له : يا هذا ، إني أعمل وأنفق على أهلي ، ولما توفي جارٌ لي وله زوجة وذرية ، صرت أقسم راتبي الشهري بين بيتي وبيت جاري ، قال صاحب الرؤيا : هذه التي بلغت بك ، اعلم أني رأيت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في منامي وإنه يبشرك بالجنة .

    واحفظ ذمام صديقٍ كنتَ تألفُه  *** وذمةَ الجارِ صنها عن يد الغِيَرِ
    وصِل أخا رحمٍ تكسبْ مودتَه  *** وفي الخطوبِ تراه خيرَ منتصرِ
    ووصلُه قد يجرُّ الوصلَ في عقِبٍ  *** وقد يزادُ به في مدةِ العُمُرِ
    وجد على سائلٍ وافى بذلته  *** ولو بشيءٍ قليلِ النفع محتقرِ


    الحديقة الخامسة
    حديقة بر الوالدين

    صنيعةٌ من صنائع المعروف لا تعدلها صنيعة ، من أين أبدأ الحديث عنها وكيف أنتهي !! بر أوصى به الله بعد توحيده ، وحث عليه نبيه  صلى الله عليه وسلم  وحث عليه ، وأفاض فيه العلماء والوعاظ والخطباء ، فماذا عساي أن أقول بعد قول الله تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا(23)وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا(24)رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا } . الإسراء .
    وماذا بقي لي أن أقول بعد قول النبي  صلى الله عليه وسلم  : ( رَغِمَ أَنْفُهُ ،ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ، قِيلَ : مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ  الْجَنَّةَ ) رواه مسلم .
    غير أن المصيبة أننا نسى أن شجرة بر الوالدين سريعةُ الإثمار ، دانيةُ القطاف ، يراها صاحبها عيانًا بيانًا في دنياه ، ويُدّخَرُ له العظيم منها في أخراه ، فلماذا تهزُّ فتن الدنيا يقيننا بهذا ، حتى تميل بنا عن برنا لوالدينا ، بئست الحياة من غير جميل أو رد جميل ، وجميلُ الوالدين أي جميل :

    فكيف تُنكِرُ أمًا ثُقْلُك احتملت *** وقد تمرغت في أحشائها شُهُرا
    وأرضعتك إلى حولين مكملةً *** في حَجْرِها تستقي من ثديها الدرَرا
    وعاملتك بإحسانٍ وتربية *** حتى استويت وحتى صرتَ كيف ترى
    والوالدُ الأصل لا تنكر لتربيةٍ *** واحفظه لا سيّما إن أدرك الكِبَرا
    فما تؤدّي له حقًا عليك ولو *** على عيونك حجَّ البيت واعتمرا

    إنّ بر الوالدين ـ بعد توفيق الله ـ سر الفلاح في الحياة ، والنجاة من كثير من الكروب ، به تسعد النفوس ، وتنشرح الصدور ، ويرى البار بوالديه السعادة بأم عينيه ، بركة في صحته وماله وذريته .
    أرعِ لهذا الحديث سمعك ، والتفت إليه بقلبك ، وتأمل فيها صنائع البر والمعروف ، وكيف كان جناها :
    يقول النبي  صلى الله عليه وسلم  : ( بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ ،فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ ،فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ فَادْعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِهَا لَعَلَّ اللَّهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ ، فَقَالَ أَحَدُهُمُ : اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَامْرَأَتِي وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ أَرْعَى عَلَيْهِمْ ، فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ ، وَأَنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَوْمٍ الشَّجَرُ ، فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا ،فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ ،فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ ،فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا ،وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ ، فَفَرَجَ اللَّهُ مِنْهَا فُرْجَةً فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ ) رواه مسلم ، وهكذا صار كل واحد من الثلاثة يدعو الله بعمل صالح تقرّبَ به إلى الله حتى فرّج الله عنهم كربهم وخرجوا من هذا الغار .
    لقد رأوا الحياة بعد الموت ، والنجاة بعد الهلاك ، إنه قطاف البر ، وجنى المعروف :
    إنه قطافه وجناه : الذي ستراه أيها البار في صلاح أولادك ومحبتهم لك ، ورعايتهم لأمهم وحبهم لها ، فاهنأ ببرك في دنياك وآخرتك .
    وماذا ـ بربكم ـ سيجني من عق والديه ، غير نكد في العيش ، وضيق في الصدر ، وشؤم في الأرزاق ، وعقوق من الأولاد ، يا ويل تلك النفوس الغليظة على الوالدين إن لم تعد إلى الله ، يا ويل تلك الأيادي الباطشة بالوالدين إن لم تتب إلى الله ، يا ويل تلك الألسنة السليطة على الوالدين إن لم تستغفر الله .
    ربته أمه على ضعف ، وسقته من دمها ، وغذته من لحمها وعظمها ، يقوى وتضعف ، وينام وتسهر ، تظلم الدنيا في وجهها إذا أصابه مكروه ، وتبتسم الحياة أمامها إذا ابتسم ، تعاف لذائذ المتع من أجل راحته ، وتؤثره بأحلى الطعام وأهنئ الشراب ، تهدهده صغيرًا ، وترى فيه أملها كبيرًا ، فإذا بلغ قوته ، واشتد ساعده ،وانطلق لسانه ، زوّجته المرأة التي يحب ، ففرحت بفرحته ، وسعدت أكثر منه ، لكنني ـ أيها القارئ الكريم  ـ فوجئتُ بصوت الهاتف يقرع سمعي .. فإذا بي أسمع  صوتًا مبحوحًا باكيًا .. ممتزجًا بحشرجة صدر مريض .. ونبرات بكاءٍ تقطع نياط القلوب .. إنه صوتُ أمٍ مسنة أخذت تقصُّ حكايتها الأليمة لي في عقوق ولدها لها فتقول : لقد توفي والده بسكتة قلبية ، ومعي ولد يبلغ من العمر عشر سنوات تقريبًا ، وأنا مصابة بعدد من الأمراض المزمنة ، وهو الآن يسكن مع زوجته في الدور العلوي ، إنه يهينني كلما نزل ومرّ بي ، وينهال علي بأبشع السباب والشتائم ، وكلما تشاجر أخوه الصغير اليتيم مع ولده أخذ يهلك أخاه ضربًا في غاية القسوة وأنا لا أستطيع الدفاع عنه لشدة مرضي ولكبر سني ، ولا يكتفي بهذا بل يمسك أخاه من يديه ليمكّن ولده منه فيرهقه ضربًا وركلاً حتى يبرِّد ما في خاطره ، ويترك أخاه يذوق منه مرارة القهر والحرمان بدلاً من الحنان والأخوة ، بل إنه يمرّ عليّ أحيانًا وقد غطى وجهه عني حتى لا يراني ، ويقول لي بكل جفاء : أنتِ لستِ أمي .. ويتبعها بما لا يقوله مَنْ في قلبه شيء من رحمة أو رأفة ..وإنه ليفعل ويفعل ..
    ما كنت أحسبني أسمع مثل هذا الحديث المفجوع في مجتمعاتنا المحافظة ، ولكنه الشذوذ والشقاوة فحسب ، فبدأت أعرض عليها نصيحتي له ، علّه أن يفيق من غفلته ، فقالت لي بكل خوف : لا .. لا تكلمه أخشى أن يؤذيني ويؤذي أخاه ، وما بي حيلة عليه وعلى قوته وبطشه . وطالت الشكوى بألوان من القسوة والغلظة .. فلم أحتمل ، فقلت لها : إذًا أرفع أمره إلى القضاء ، فعلا صوتها قائلة : تقول قضاء !! أشتكي على نور عيني !! أشتكي من ربيته بيدي ، وسقيته من صدري ؟! إنه حبيبي .. إنه ولدي حشاشة فؤادي .. هل أرضى عليه بالخزي والفضيحة .. إنما أرفع أمره إلى الرحمن الرحيم أن يهدي قلبه ، ويصلح شأنه ..
    فعرفت أنها آهة مكلومة أرادت أن تنفس بها صدرها وتخفف عنها ثقلها ..
    لا إله إلا الله .. كم للأم من قلب حنون .. وصدر رحيم ..
    أيها الأحبة : لقد علمتُ من حالِه بعد ذلك بأنه يعيش مع نفسه مشدود الأعصاب .. مضطرب الأحوال .. ولا غرابة .. فقد ضل عن سبيل حديقة البر الهانئة .. وابتغى بدلها قفر الشقاوة وصحراء العقوق ..
    فلنتعظ بغيرنا ، فالسعيد من وعظ بغيره .


    الحديقة السادسة
    حديقة تربية الأولاد

     إنها حديقةٌ طريقها طويل وشاق ، غير أن فيه زينةً وجمالاً ، وإن مشوارها لمتعب ومرهق، لكن عاقبته طيبة محمودة ، الأولاد شجيرات مخضرة ؛ إذا سقيتها بماء الخلق . زهور جميلة ؛ إذا رعيتها بالتربية ، ربوع مشرقة إذا أضأتها بنور الإيمان ، فاصبر على طريق تربيتهم ، لتحصد منهم ما تقر به عينك ، ويسر به خاطرك ، فلفلاح أحدهم مرة ينسيك تعبك مرّات كثيرة ، ولنجاحهم سنة ينسيك سهرك معهم سنوات مديدة ، لا تلتفت ـ يا رعاك الله ـ إلى شقائك بهم في صغرهم ، فإنه سيثمر سعادة في كبرهم ، تابعهم في دروسهم وصلاحهم وصحتهم ، كن معهم بقلبك وقالبك ، فإن لم تستطع فبقلبك ودعائك ، واعلم أنهم أمانة في عنقك ، فلا تفرط فيها : ( كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته ) رواه البخاري .
    إنها سنوات سقي ورعاية تنبت لك حياة زهر وثمر ، سنوات تصبرها ، لترى بهجتها تملأ لك بها الدنيا بمقدمهم عليك ، وقد أصبح أحدهم مهندسًا بارعًا ، أو طبيبًا ماهرًا ، أو صانعًا حاذقًا ، أو معلمًا ناجحًا، أو داعية موفقًا ، وهم مع ذلك كله يلفونك ببرهم ، وتسعد بصلاحهم واستقامتهم ، فأي زينة للدنيا بعد هذه الزينة ، إنها حصيلة دعاء عباد الرحمن :
     { ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما } .
    وسوف تجني من حديقة التربية الصالحة هذه حتى بعد موتك بدعاء أولادك لك ، فإن النبي  صلى الله عليه وسلم  يقول : ( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ ؛ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ) رواه مسلم .
    ولتذوقن جناها برفعة درجتك في الجنة بإذن ربك ، فإن النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم  قَالَ : (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ أَنَّى لِي هَذِهِ ؟ فَيَقُولُ بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ  لَكَ ) رواه أحمد وإسناده حسن .
       فما أجمل ربوع التربية وظلالها ، فثابر فيها بالعمل ، لتجتني أجمل الثمر .


    الحديقة السابعة
    حديقة الشفاعة للمسلمين

    إنها حديقة قصّرنا كثيرًا في العمل فيها ، وقد قال الله تعالى : { من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها } .
    إنه وعدٌ من الله بأن يكون لك من شفاعتك الحسنة نصيب من الخير المترتب عليها إضافة على أجر شفاعتك ، إنها ضمانات ربانية لمن جعل في قلبه حبًا لإخوانه ، وراح يترجمُ هذا الحبَّ إلى سعي حثيثٍ بما يستطيعُ من جاهٍ أو بيان ليقضيَ لهم ما يقدرُ على قضائه ، ولقد جاء في الحديث المتفق عليه أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قَال : ( الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلم   جَالِسًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَوْ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ : اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا ، وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ ) .
    ألا يكفي ـ يا أخي الكريم ـ أنك ستخرج بالأجر ولو لم تُسمَع شفاعتُك ، أو يتحقق  مرادُك ، وأسوتك في ذلك الحبيب  صلى الله عليه وسلم  ؛ فالنبي  صلى الله عليه وسلم  شفع ولم يحصل ما شَفَع فيه ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ  رضي الله عنه  أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا _ أي خلف زوجته بريرة التي عتقت فأصبحت حرة وبقي هو عبدًا فقررت أن تتركه، فما زال  _ يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلم  لِعبَّاسٍ : ( يَا عَبَّاسُ ، أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلم  لبريرة :  لَوْ رَاجَعْتِهِ ؟ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ ، قَالَتْ : لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ ) رواه البخاري .
    جرّب مرة فاشفع لأحد من الناس في حاجة له ، لتشعر كيف يُثلج صدرَك ما أسعدت به أخيك ، ولِتُبْهجَ خاطرك من دعائه لك ، إنها سعادة لحظة تتولد منها أفراح طويلة ، وبذل ساعة تَنْتُجُ منها حياةٌ سعيدة .


    الحديقة الثامنة
    حديقة الإصلاح بين الناس

    { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }
    أيها الأخ الموفق : النفوس الطيبة لا تألف الشقاق ولا تنسجم معه ، بل تعده بيئة ملوثة بعيدة عن الصفاء ، نافرة من النقاء ، ولذلك فهي لا تستظل إلا بأفياء الطهر ، ولا تأنس إلا بنسائم الأخوة ، ولا ترتاح إلا بين مروج الحب وأزهار الود ، ولذلك فإنك ترى أحدهم لا يقر له قرار حينما تعصف بالأحبة عواصف الشحناء ، أو تهب عليهم ريح البغضاء ، وسوف تراه كحمامة السلام لا تهجع إلا بعد أن تعيد إلى القلوب ألفتها ، وإلى النفوس صفاءها ، فيا برد فؤاد المصلح بين ذات البين ، ويا لطيب خاطره الشفوق .
    إن ثمرة هذه الحديقة مرضاة من الله وأجر عظيم ، { لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } .
    ابدأ صلحَك بين أخويك بالدعاء أن يشرح الله قلبهما لهذا الخير ، فإن الله يقول :  { والصلح خير } .
    قرّب بين وجهات النظر ، وقلل من شأن نقاط الاختلاف ، وتودد لهما ، وأخبر كل واحد منهما بمحبة أخيه له ، وأنه لا يحمل في قلبه عداءً أو حقدًا عليه ، ولو كان ذلك بالكذب ، فإن النبي  صلى الله عليه وسلم  يقول : ( لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا ) رواه البخاري.
    وإصلاحك بين أخويك صدقة ، فلا تنس أن تحتسب الأجر فيها ، فهو سر التوفيق ، ومفتاح الإصلاح ، وسبيل القبول ، فإن النبي  صلى الله عليه وسلم  يقول : (كُلُّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ : تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ ) متفق عليه .


    الحديقة التاسعة
    حديقة الدعوة والتعليم

    فما أجملها والله من حديقة ، متنوعة الثمار ، فاتنة الأزهار ، لا يمل زائرها ، ولا ينضب معينها ، ظلالها ليس له حد ، وينابيعها لا تحصي لها عد ، الفالح من أعمل فيها قلبه ولسانه وفكره ، كالنحلة لا تعرف الكلل ولا الملل ، تنقل الرحيق ، وتنتج العسل ، فالعامل فيها مأجور ، والحاصد فيها منتفع ومسرور .
    كن داعيًا بكلمة طيبة ؛ فالكلمة الطيبة صدقة ، كن داعيًا بابتسامتك ؛ فابتسامتك في وجه أخيك صدقة ، كن داعيًا بخلقك ؛ فإنك لن تسع الناس بأموالك ، ولكن تسعهم بخلقك .
    بلغ عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ولو آية يا أخي ، حبب إلى أحبابك سنة من سنن النبي  صلى الله عليه وسلم  ، زيّن في قلوبهم طاعة ربهم ، ادعهم بالحكمة والموعظة الحسنة ، وابتعد عن الغلظة والجفوة ، { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } 159 آل عمران
    احتسب عفوك عمن أخطأ عليك دعوةً له ، واقصد بعونك لأخيك العاصي هدايته على يديك ، أنر عينيك بنور الشفقة على كل من ابتعد عن طريق الهداية حتى يسطع ذلك النور على من تحب هدايته .
    كن داعيًا ـ أيها الحبيب ـ بشريط تهديه لجارك ، وكتاب ترسله لصديقك ، ودعوة صادقة لأخيك في الإسلام أن يمن الله عليه بالهداية .
    كن داعيًا بكل قدراتك وأفكارك ، كن مباركًا في كل أرض تنزل بها ، لا تتوهم لنفسك العراقيل ، ولا تضخم الأعمال ، ابدأ دعوتك باستشارة أهل العلم والدعوة والدراية ، لتكن دعوتك على نور وبصيرة .
    { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } .
    وما عليك إلا البلاغ : { وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } (17) يس ، والله يتولى هداية القلوب وفتح أقفالها لمن يشاء من عباده ، { ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } 23 الزمر.
    اسعد حينما ترى دعوتك قد آتت أكلها ، وأينعت ثمارها ، واجعل كل فلاح تصل إليه ، طريقًا إلى نجاحٍ آخر ينتظرك ، ويتطلع إلى خطواتك .
    فكم سعد النبي  صلى الله عليه وسلم  بهداية قومه ، لا .. بل سعد النبي  صلى الله عليه وسلم  من هداية غلام يهودي مريض ، فعَنْ أَنَسٍ  رضي الله عنه  قَالَ : ( كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ  صلى الله عليه وسلم  ، فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلم   يَعُودُهُ ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ : لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ  صلى الله عليه وسلم  ، فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلم   وَهُوَ يَقُولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ ) رواه البخاري .
    واسمع العبارات النبوية المضيئة وهي تنطلق من أكرم داعية إلى الله متوجهًا بها إلى أحد دعاته المخلصين ، وهي قول النبي  صلى الله عليه وسلم  لعلي بن أبي طالب  رضي الله عنه  يوم خيبر : ( ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ) رواه البخاري . 
    ولا تحسِب لنفسك كم من الأجر الذي سينالك بالدعوة إليه ، أو تعليم شيء من شرعه ، فكلُّ مَنْ عملَ بدعوتك أو طبّق شيئًا من علمك فلك مثل أجره ، لا ينقص من أجورهم شيئًا ، والله ذو الفضل العظيم .
    وابدأ بنفسك ، ثم بأهلك وذريتك ، ثم بالأقرب فالأقرب ، لعل الله سبحانه وتعالى  أن يبارك في جهدك ، ويتقبل منك معروفك ، إنه جواد كريم .
    واستمع إلى مشهد من مشاهد المعروف في الدعوة إلى الله ، يحدثنا به صاحبُ الشأن عن نفسه، وهو الإيطالي البرتو أوبتشيني ، فقال : (( الحمد لله الذي هداني إلى دينه الحق ، بعد أن كنت ملحدًا عربيدًا يعبد ذاته وغرائزه ، طغت المادة على حياتي ، كرهت كل الأديان السماوية ، وفي مقدمتها الإسلام ، الذي يمثل في تراثنا أسوأ صورة لدينٍ في التاريخ ، فالمسلمون في تصوراتنا الذهنية السائدة يعبدون أصنامًا ، ويرفضون معايشة الواقع ، و يلجأون إلى الغيبيات يلتمسون منها حل مشكلاتهم ، جبابرة دمويون ، عدوانيون يرفضون التعايش السلمي مع الآخرين ، نشأت وسط هذا المناخ المعبأ ضد الإسلام ، لكنّ الله كتب لي الهداية على يد شاب مسلم مهاجر إلى إيطاليا لكسب عيشه ، تعرفت به بدون إرادة ، في إحدى الليالي كنت أسهر في أحد البارات حتى الساعات الأولى من الصباح فرجعت من الحانة وأنا فاقد الوعي تمامًا من أثر المسكر ، وكنت أسير في الشارع ولا أدري شيئًا ، صدمتني سيارة مسرعة ، فوقعت على الأرض مخضّبًا في دمائي ، وكانت المفاجأة أن هذا الشاب المسلم هو الذي قام بإسعافي ، وإبلاغ الشرطة عن السيارة ، وتولى العناية بي حتى شفيت ، ولم أصدق أن من فعل ذلك معي هو مسلم ، تقربت منه ، وطلبت منه أن يشرح لي مبادئ دينه ، وما يأمر به وما ينهى عنه ، وموقف الإسلام من الأديان الأخرى ، تعرفت على الإسلام ، وعايشته ، من خلال سلوكيات هذا الشاب ، وأيقنت في النهاية أنني كنت أهيم على وجهي في الضلال ، وأن الإسلام هو دين الحق ، وصدق الله العظيم إذ يقول :  } ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه { ، فأسلمت )) .

    وكن عاملاً بالعلم فيما استطعته *** ليُهدَى بك المرءُ الذي بك يقتدي
    حريصًا على نفع الورى وهداهُمُ *** تنل كلَّ خيرٍ في نعيمٍ مؤبّدِ


    الحديقة العاشرة
    تفطير الصائمين

    حصاد مضاعف لمن أسهم فيها بسهمه مخلصًا لوجه ربه ، وكأنك تصوم في يومك مرتين ، بقليل من الزاد الطيب ، تستظل أنت بظلال هذه الحديقة الغناء ، يقول النبي  صلى الله عليه وسلم  : (من فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا ) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح .
    واليوم ـ بفضل من الله تعالى ـ تقوم جهات الخير في كل بقاع الأرض بتسهيل هذه العبادة ، حيث تدلك على المشاركة فيها بيسير من الطرق والوسائل ، وبقليل من المال ، وما ذاك إلا رحمة من الله بالمحتاجين ، ومضاعفة لأجر المحسنين .
    ولعلك شاهدت مرّة بعينيك منظر التفطير هذا ، حيث تمتد مائدةُ الخير والكرم في ساحات بيوت الله ، وقد التف على جوانبها الفقراء من الجاليات المسلمة وغيرهم ، في ود وحب وفرح ، وتفيض مشاعرك إيمانًا حينما ترى الأغنياء والموسرين يقومون على خدمة هؤلاء الغرباء والمساكين ، يباشرونهم بالماء البارد ، وبلقيمات دافئة ، وبأشكال من الحلوى ، تزيد حلاوتها بابتساماتهم المملوءة إخاءً وحنانًا ، أي جو إيماني هذا الذي يوقفك معتزًا بدينك الذي يجعل الغني يسعى لرسم الابتسامة على الفقير ، بل ويبحث عنه ، ويعطيه حتى يرضيه .
    ولا أنس والله ذلك المنظر الأخوي الرائع حينما رأيت بعينيّ أحد الكفلاء يضع اللقمة في يده ويضعها في فم أحد عماله ، فغلب العامل الحياء فقام وترك المكان مهرولاً ، فأتبعه الكفيل يركض خلفه ، حتى وضع اللقمة في فيه ، إنها ليست صورة حديثة ، بل هي تطبيق لقول النبي  صلى الله عليه وسلم  : ( إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ ، فَليُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلَاجَهُ ) رواه البخاري .
     

    الحديقة الحادية عشر
    التيسير على المعسرين

    أخي الكريم : إذا أكرمك الله تعالى فمددت يد التيسير لأخيك في مال احتاج إليه ، فلا تنغص عطيتك المباركة بالتضييق عليه في رد مالك ، بل يسّر عليه ، وافسح له في وقته ، ولا تلحق سخاءك بالمن أو كثرة الإلحاح ، فإن النبي  صلى الله عليه وسلم  يقول : ( من يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة ) متفق عليه .
    ولتزين حديقة إحسانك هذه بأن تضع شيئًا من المال فتسقطه عن هذا المعسر ، فتكون بذلك قد أنعمت فأكثرت الإنعام على نفسك أولاً بالأجر ، ثم عليه بالتخفيف من الدَّيْن، فإن النبي  صلى الله عليه وسلم  يقول : ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ ) رواه مسلم .
    وما أكثر ما نبحث عن السعادة في الدنيا ، غير أننا قد نخطأ طريقها ، أو نتوهم وجودها في مثل هذه السبل الربانية ، فلنملأ قلوبنا يقينًا بوعود الله لنا في كتابه وعلى لسان رسوله  صلى الله عليه وسلم  ، لنسعد بها حقيقة في الدنيا والآخرة .
     

    الحديقة الثانية عشر
    أن تجهز غازيًا أو تخلفه في أهله

    يقول النبي  صلى الله عليه وسلم  : ( مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا ) رواه البخاري .
    إنك تكسب بهذا المعروف أجر المجاهد وأنت بين أهليك وذويك ، فقط لتردَّ على أهل هذا المجاهد في سبيل الله أبوة والدهم ، وعطفه عليهم ، وتقوم على حاجتهم .


    الحديقة الثالثة عشر
    إماطة الأذى عن الطريق

    يقول النبي  صلى الله عليه وسلم  : ( وتميط الأذى عن الطريق صدقة ) متفق عليه .
    إن هذا العمل ليس في الأصل موجه لعمّال النظافة أعانهم الله ، وإنما هو من أعمالنا نحن ، وما احتجنا إليهم إلا لتقصيرنا في هذا المعروف ، الذي وإن استحقر بعض الناس فعله ، وترفعوا عن القيام به ، إلا أن له عند الله منزلة عظيمة ، وجائزة ثمينة ، استمع لهذا الحديث الذي يقول فيه النبي  صلى الله عليه وسلم  : ( مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ فَقَالَ : وَاللَّهِ لَأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْذِيهِمْ ، فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ ) رواه مسلم .
    غصن شجرة ترفعه عن الطريق جزاؤك فيه جنة عرضها السموات والأرض ، إنها حدائق المعروف ، ورب كريم رؤوف .


    الحديقة الرابعة عشر
    الكلمة الطيبة

     أخي الحبيب : إذا لم تستطع أن تمد يدك بكريم النفقات ، واستعظمت أن تبذل من وقتك أو جاهك أو قوتك في عون المسلمين ، أو لم تستطع ذلك لأي حال ، فلا أقل من تبذل لأخيك الكلمة الطيبة ، وإنها لعظيمة ، ترضي بها ربك ، وتؤنس بها أخاك ، وتنال بذلك الأجر الوفير ، فإن النبي  صلى الله عليه وسلم  يقول : ( وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ ) رواه البخاري .
     

    الحديقة السادسة عشر والأخيرة في هذه السطور
    كَفُّ الأذى عن الناس

    كثيرة هي حدائق المعروف ، وفضل الله فيها كثير ، وسبل الخير فيها عديدة ، فلا المقام يكفي ، ولا الزمان يفي ، غير أنها دلالة فحسب ، وإلا ففي كتاب الله تعالى وسنة الحبيب  صلى الله عليه وسلم   ما يشفي ، غير أن نفوسًا قد تضن على نفسها ، وتبخل على صفحاتها ، وتمسك عن إخوانها ، حتى بالكلمة الطيبة التي لا يتحرك فيها من أجسادهم إلا اللسان ، فلا هم في عمل خير باذلون ، ولا هم بالكلمة الطيبة متحدثون ، فما بقي إلا أن نقول لهم : اصنعوا في أنفسكم معروفًا ، فكفوا أذاكم عن الناس ، فلا تؤذوهم عملاً وقولا ، فإن أبا ذر  رضي الله عنه  قال : ( سَأَلْتُ النَّبِيَّ  صلى الله عليه وسلم   أَيُّ : الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ ، قُلْتُ : فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ أَعْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا ، قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ ؟ قَالَ تُعِينُ ضَايِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ ، قَالَ : فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ : قَالَ : تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ ) رواه البخاري.
     


    خمس وصايا في طريقك إلى حدائق المعروف

    إنها وصايا موجزة تأمن بها على نفسك ومعروفك من الضياع بإذن الله تعالى :
    أولها : اقصد بعملك وجه الله تعالى ، واتبع فيه هدي النبي  صلى الله عليه وسلم  ، فإنه لا يصلح العمل إلا بهذين الشرطين ، {  فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } ، 110 الكهف
    ثانيها : لا تتأخر في الاستجابة لنداء المعروف ، بل سارع فيه بنفس طيبة راضية سعيدة ، فإن ذلك من التقوى ، فإن الله يقول : { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } .
    واستمع إلى نادرة من نوادر المعروف ، وهي أن عبد الله بن عمر  رضي الله عنه  كان يصلي نفلاً ، وكان مولاه نافع جالسًا بقربه ينتظر منه أي أمر يحتاج إليه ليؤديه ، ولا يخفى أن نافعًا كان من كبار العلماء ، وأنه من رواة موطأ الإمام مالك رحمه الله ، وقد أحبه عبد الله بن عمر حبًا شديدًا لما وجد من صفات عالية ، وفي أثناء قراءة عبد الله بن عمر _ في صلاته وصل إلى قوله سبحانه وتعالى : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ، وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم } . فأشار عبد الله بن عمر  رضي الله عنه  بيده فلم يفهم نافع لم يشير مع شديد حرصه على تنفيذ ذلك ، فبقي ينتظر تسليمه ليسأله : إلى ماذا يشير ؟ فقال عبد الله  رضي الله عنه  : تأملت فيما أملك فما وجدت أعزّ لي منك ، فأحببت أن أشير إليك بالعتق وأنا في الصلاة ؛ خوفًا أن تغلبني نفسي فأعدل عن ذلك بعد الصلاة ، فلذلك أشرت ، فبادر نافع ـ رحمه الله ـ  وقال : إذًا الصحبة ، فقال ابن عمر _ : لك ذلك .
    ثالثها : إذا وفقك الله لصنع المعروف فأحسن فيه واجتهد ، فإن الله يقول : { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (26) يونس .

    واحرص على عمل المعروف مجتهدًا *** فإن ذلك أرجى كلَّ منتظرِ

    وضع نفسك في حال أخيك الذي احتاج إليك ، وتذكر قول النبي  صلى الله عليه وسلم  : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) متفق عليه .
    رابعها : لا تذكّر نفسك بمعروفك ، ولا تمنَّ به على من تكرمت به عليه ، ولا تحدِّث به أحدًا من الناس إلا إذا رأيت مصلحة في ذلك ، فإن الله يقول : { يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } ، واعلم يقينًا أنه قد وضع في ميزانك عند الله الكريم ولو أنكره أهله : 

    ولا يضيع وإن طال الزمان به  *** معروفُ مستبصرٍ أنثى أو الذكر
    إن لم تصادف له أهلاً فأنت إذًا *** كن أهله واصطنعه غير مقتصرِ
    أغث بإمكانك الملهوف حيث أتى  *** بالكسر فالله يرعى حال منكسر

    خامسها : كافئ من صنع لك معروفًا ولو بكلمة طيبة ، فإن ذلك يساعدك  بعد الله  على صنع المعروف : فإن الله يقول : { ولا تنسوا الفضل بينكم } .

    وكافئن ذوي المعروفِ ما صنعوا *** إن الصنائعَ بالأحرار كالمطر
    ولا تكن سَبِخًا لم يجدِ ماطرُه  *** وكن كروض أتى بالزهر والثمر
    واذكر صنيعة حرٍ حاز عنك غنى  *** وقد تقاضيتَه في زي مفتقِرِ


    وختامًا
    هذه بعض حدائق المعروف ، وهذه بعضًا من رياضها ، ميسّرة السبل ، مفتحة الأبواب ، طيبة الثمر ، كريمة الأجور والأثر ، فاللهم لك الحمد على عطائك ، وكرم فضلك ، اللهم إنا نسألك التوفيق إلى ما تحبه وترضاه ، ونسألك أن ترزقنا الجنة وتقينا النار ، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك ، اللهم سدد رميهم ، وبارك لهم في عتادهم ، وضاعف قوتهم ، واشف مريضهم وتقبل شهيدهم ، وكن لضعفائهم خير نصير ، اللهم حرر المسجد الأقصى من براثن اليهود الغاصبين ، اللهم أرنا في اليهود وأعوانهم يومًا أسودا ، مزق صفوفهم ، وخالف بين كلمتهم ، واجعلهم غنيمة للإسلام والمسلمين ، اللهم منَّ على بلادنا خاصة وبلاد المسلمين عامة بالأمن والاستقرار والاستقامة والأمان ، اللهم بارك لنا فيما رزقتنا من الأزواج والذرية والأموال ، واجعل ذلك قرة عين لنا في الدنيا والآخرة ، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ، ولجميع المسلمين ، إنك سميع مجيب .
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

     
    كتبه الفقير إلى عفو ربه :  فيصل بن سعود الحليبي
    وحرر في يوم السبت 29/6/1423هـ
    للنقد البنّاء :
    جوال 054930209
    بريد إلكتروني [email protected]
    فاكس بعد طلب فتحه 5812914
     

    ------------------------
    (1) وهو صديقي العزيز فضيلة الشيخ : إبراهيم بن صالح التنم الداعية والمحاضر بقسم الشريعة بكلية الشريعة بالأحساء .
    (2) وهو أخي الدكتور خالد بن سعود الحليبي وفقه الله تعالى .
    (3) هو الشيخ المحسن الكبير : عبد الله بن عبد العزيز النعيم ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ الذي كانت له أيادي بيضاء على العمل الخيري في محافظة الأحساء وخارجها .
     

    اعداد الصفحة للطباعة
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    د.فيصل الحليبي

  • مقالات
  • حوار مع القلوب
  • استشارات أسرية
  • كتب دعوية
  • الخطب المنبرية
  • مختارات صوتية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية