صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    حقيقة السعادة
    محاضرة ألقيت في صالة النور في الخيمة الرمضانية التي أقامتها جمعية البر والخدمات الاجتماعية بحمص خلال مهرجان حمص الثقافي
    وذلك يوم الاثنين الواقع في 15/9/1429هـ الموافق لـ15/9/ 2008م الساعة العاشرة مساءً

    اضغط هنا لتحميل الكتاب على ملف وورد  

    م. عبد اللطيف البريجاوي

     
    بسم الله الرحمن الرحيم
    حقيقة السعادة


    الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته في هذه التظاهرة الثقافية الرائدة التي تقوم بها جمعية البر والخدمات الاجتماعية تحت مظلة مهرجان حمص الثقافي؛ هذه الجمعية التي عُرفت من خلل مساعدتها المادية للفقراء تقدم اليوم نموذجاً جديداً للمساعدة في التنمية الثقافية معتمدة أن التنمية في المجتمعات يجب أن تكون في جميع المجالات.
    وفي الحقيقة ففي أول يوم كلفتني إدارة الخيمة الرمضانية للحديث عن حقيقة السعادة أثارت في نفسي تساؤلات غريبة وعجيبة ومتنوعة ورحت أبحث في أعماق نفسي عن السعادة وعن تعريفاتها المتنوعة وصرت أسال من حولي عن تعريفات السعادة وبدأت أسأل كل من أجده في طريقي عن السعادة من الشرائح الاجتماعية المختلفة وكل إنسان أسأله يمهلني يوماً على الأقل ليخبرني عن تعريفه للسعادة باستثناء بعض الأشخاص الذين كانوا يجيبوا بسرعة وتساءلت في نفسي لماذا لا يحفظ أحدنا تعريفاً للسعادة ولماذا نحتاج إلى برهة ولو قليلة لمعرفة كنه السعادة وكيف نعيش السعادة؛ لقد كان ذلك بمثابة مؤشر حقيقي على أن جل الناس لا يعرفون السعادة ولا يعيشونها.
    لقد اختلفت تعريفات الناس للسعادة باختلاف طباعهم واهتماماتهم وتطلعاتهم وحتى بيئتهم؛ لقد كانت تعريفاتهم أشبه بأصوات الآلات الموسيقية المنبعثة من الآلات المختلفة؛ فكل تعريف أشبه بمقام موسيقي له أبعاده وله جماله و لكن له حدوده, ولو أننا جمعنا مجمل هذه التعريفات لوجدت عندنا جملة موسيقية رائعة لشكلت تحفة فنية اسمها السعادة الحقيقية؛ مع أنني لا أخفي القول عليكم أنّ بعض التعريفات التي وصلتني من الناس كانت بسيطة ومضحكة بعض الشيء لكن لها أبعادها ومكانها في السعادة فمثلاً:
    أحد التعريفات للسعادة كان من قبل أحد الأشخاص يقول فيه سعادتي أن أنجح في البكالوريا ولو شحط (الثانوية العامة ), والآخر أن أتزوج, والثالث أن أجد عملاً محترماً, والرابع أن يهدي الله أولادي, والخامس أن أتخلص من جاري المزعج, وهكذا وهذه التعرفات كلها إن وضعتها تضعها في موضع الأهداف إذ الفرق واضح بين الأهداف وبين السعادة, صحيح أن الإنسان يسر إذا تحقق هدفه ولكنه لا يشكل تحقيق الهدف إلا جزءاً من السعادة.
    ثم إنّ بعض التعريفات أخذت معنى معنوياً فبعضهم عرف السعادة بأنها مساعدة الآخرين, والآخر عرفها بأنها الاكتفاء الروحي, والآخر قراءة القرآن بعد الفجر.
    وبعض التعريفات أخذت معنى رومنسياً كقول بعضهم السعادة قرب الحبيب وبعد الطبيب, والآخر السعادة هي الحب فأن تكون محباً فهذا أمر لذيذ لكن أن تكون محبوباً فهذه هي السعادة.
    وبعض التعريفات أخذت معنى الحكمة فبعضهم يقول السعادة هي التحصن من الأمراض العضوية والنفسية؛ والآخر السعادة صحة في بدن وأمن في وطن .
    وبعض التعريفات أخذت معنى مادياً فبعضهم عرف السعادة بأنها المال والبنون, ومنهم الكرسي والمنصب والآخر بيت وشاليه وسيارة وهكذا ...
    وبعض هذه التعريفات أخذ معنى عدوانياً فالسعادة عند أحدهم أن يرى كل الناس محتاجين له, والآخر أن يتخلص من حماته......
    لكن العجيب أنّ أكثر من واحد عندما سألته هل أنت سعيد قال: لا أعرف!!
    إذاً فأنت ترى أنّ تعريفات السعادة تختلف من إنسان إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر حتى وضعت بعض الجهات الدولية سلماً اسمه سلم السعادة بين الشعوب وأرادت أن تعرف أي الشعوب هو أسعد الشعوب وأعطت درجات لهذا السلم وقامت باستقراءات مختلفة؛ لكن النتيجة كانت مفاجأة للجميع فقد كانت شعوب الولايات المتحدة الأمريكية أكثر الناس بؤساً وليس سعادة ولم تحصل إلا على علامات متدنية؛ مع أننا نعرف كم هي الرفاهية الموجود للفرد الأمريكي في بلده , والغريب جداً أن شعب نيجيريا هو الذي نال أكبر درجة من العلامات وهو أسعد الشعوب مع وجود الفقر المدقع .طبعاً العرب لم يدخلوا في سلم السعادة لأسباب عديدة منها أنّ درجات السلم عندهم مكسورة ......

    تعريفات السعادة عند القدماء:

    اختلف الفلاسفة وعلماء النفس قديماً وحديثاً حول ماهية السعادة وكيفية تحصيلها واختلفوا في البداية حول تعريفها :
    فأما أفلاطون فاعتبر السعادة هي فضائل النفس (الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة ) واعتبر أن الإنسان لا يسعد السعادة الكاملة إلا بعودة روحه إلى العالم الآخر.
    أما أرسطو فاعتبر السعادة هبة من الله وهي تتكون من خمسة أبعاد:
    1- صحة البدن وسلامة الحواس.
    2- الحصول على الثروة وحسن استخدامها.
    3- النجاح في العمل وتحقيق الطموحات.
    4- سلامة العقل وصحة الاعتقاد.
    5- السمعة الطيبة والاستحسان من الناس.( علم النفس في الحديث الشريف ص177).
    وفي علم النفس يمكن فهم السعادة بوصفها انعكاسا لدرجة الرضا عن الحياة .. أو بوصفه انعكاساً لمعدلات تكرار حدوث الانفعالات السارة.(سيكولوجية السعادة مايكل أرجا يل ترجمة فيصل عبد القادر).
    أما في المعاجم اللغوية فإنّ السعادة : الرضا والاطمئنان (معجم الإرشاد باب العين ).
    أما في العصر الإسلامي فقد اهتم علماء المسلمين بماهية السعادة واعتبروها في تحقيق التوازن بين مطالب الجسم والروح؛ وبين مطالب الفرد ومطالب الجماعة؛ وبين إعمار الدنيا وإعمار الآخرة؛ فالسعادة عند علماء المسلمين الجمع بين هذه الثلاثة؛ كما اتفق علماء المسلمين على أنّ السعادة في الدنيا مهما بلغت فهي سعادة ناقصة؛ لأنّ الدنيا دار اجتهاد وعمل وامتحان, والآخرة دار الحساب ومن فاز فيها حصل على السعادة.لذلك نلاحظ أنّ كلمة السعادة لم ترد في القرآن الكريم إلا في إطار الآخرة قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ }(هود108) وقال:{يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ }(هود105)
    أما في الحديث الشريف فقد وردت تعريفات السعادة أيضا في نفس الإطار يجمع أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله إليه ملكاً فيأمر بأربع كلمات بكتابة عمله ورزقه وأجله وشقي أم سعيد"وفي الحديث الآخر" أما أهل السعادة فييسرون لعمل السعادة" (البخاري).
    إذا فلم ترد كلمة السعادة واضحة في القرآن والحديث إنما جاءت بتعبير آخر وهو تعبير الحياة الطيبة {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }(النحل97)
    {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ }(الجاثية21).

    إذا نتيجة لهذه التداخلات والرؤى المختلفة والتعريفات المتنوعة للسعادة وقبل أن نصل للتعريف النهائي للسعادة لا بد أن نضع ملامح و إضاءات ومعالم حول السعادة:


    1-
    يجب أن نعرف أنّ السعادة غير اللذة:
    وكثير ما يحصل الخلط بين مفهوم السعادة وبين مفهوم اللذة فهما مجتمعان من جهة ومفترقان من جهة أخرى؛ مجتمعان في كون كل منهما يدخل السرور إلى النفس ولكنهما يفترقان؛ والفرق بينهما في أن اللذة تقطف قطفاً وتذهب نشوتها فوراً بعد الانتهاء من قرينتها وربما حصلت بعدها ندامة وتعاسة ما بعدها تعاسة وأما السعادة فتبقى تصاحب صاحبها فترة ليست بقليلة.
    وهذا الخلط يكون أحيانا التباساً من الشخص نفسِه فيظن كلَّ لذة سعادة؛ و أحياناً يكون هذا اللبس مقصوداًً من جهات محددة؛ فكثير من الجهات تحاول أن تسوّق اللذات المختلفة على أنها عين السعادة وجوهرُها وهدفهم من ذلك السيطرة على العقول وتحريكها باتجاهات مختلفة فالشاب الذي يتناول المخدرات يتناولها في بدايتها للذة الموجودة فيها ثم بعد ذلك يتحول دمية في يد من يموله ويعينه.
    فينساق الشخص وراء اللذائذ المختلفة فلا يترك لذة إلا ويقارفها ويظن بأنه لو حصّل اللذائذ كلها حصل على السعادة ولكنه يفاجئ بأنه أبعد الناس عن السعادة
    فلذائذ الدنيا متنوعة ومتعددة ومتغيرة الشكل والوصف ولكن ليست كل لذة فيها سعادة
    فالشهرة لذة لا تقابلها لذة أن تكون مشهوراً ومعروفا بين الناس يقدمك الناس في المجالس ويمدحون نتاجك ولكن كثيراً من المشاهير كانت حياتهم كئيبة وانتهت بالانتحار فمن المعلوم أن ديل كارنجي صاحب كتاب دع القلق وابدأ الحياة وهو الكتاب المفيد الممتع الجميل أنهى حياته منتحراً فقد قال للإنسان : دع القلق وابدأ الحياة انتحر وهو صاحب أروع الكتب في فن التعامل مع الناس ، وصاحب أكثر الكتب مبيعاً في العالم ، حيث بيعت ملايين النسخ من كتبه ، وترجمت إلى أكثر اللغات العالمية ، فهو صاحب كتاب كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس
    وقد وضع قواعد رائعة في كيفية طرد القلق والانطلاق في الحياة العامة بكل سعادة وثقة .
    ولكن كل ذلك لم يمنع القلق من أن يسيطر على حياة كارينجي ، فعصفت الكآبة بحياته ، وسادت التعاسة والشقاء أيامه ، فقرر هو أيضاً التخلص من حياته عن طريق الانتحار .
    وكان له ذلك . وكذلك المطربة المصرية المشهورة داليدا قبل أن تنتحر: كتبنت رسالتها الأخيرة وقالت فيها : الحياة لا تحتمل .. سامحوني. وغيرهم وغيرهم ممن يطول ذكرهم .
    ومن اللذائذ الأخرى الطعام المليء بالسكريات ولكنه مؤذ للجسد.
    والعلاقات المحرمة لذيذة لكن فيها خراب الأسر والبيوت وتهديم المجتمعات واختلاط الأنساب ومشاهدة الأفلام الهابطة لذيذ لكن في تحطيم للروابط المقدسة واعتداء صارخ على عفة المجتمع وحصانته.

    2-
    يجب أن نعرف أنّ السعادة ليست بالراحة: بل قد تكون المشقة عين السعادة أحياناً, فلو اضطررت لأن ترمي نفسك في بئر لتنقذ طفلاًّ وقع فيه ستكون سعيداً على الرغم من كل الجروح والآلام التي تعانيها جراء نزولك في البئر. وقد كان لزين العابدين بن علي ندباً في ظهره لأنه كان يحمل الطعام للفقراء ولا شك أنه كان سعيداً في ذلك على الرغم من المشقة التي كان يلاقيها.وللرافعي رحمه الله تعالى كلام جميل في ذلك بقوله: " ليست السعادة في الراحة والفراغ ولكنها في التعب والكدح والمشقة حين تتحول أياماً إلى راحة وفراغ"(وحي القلم 42/1).
    وتلك المشقة التي يكابدها العلماء وطلاب العلم أثناء التحصيل العلمي تضفي عليهم السعادة وترفعهم إلى مراتب من النشوة عالية على الرغم مما يعانونه من مشاق كبيرة ولهذا يشير الإمام الشافعي رحمه الله تعالى بقوله:
    سهري لتنقيح العلوم ألذ لي من وصل غانية وطيب عناق
    وتمايلي طربا لحل عويصة أشهى من الدوكاه والعشاق
    وألذّ من نقر الفتاة لدفها نقري لألقي الرمل عن أوراق
    أأبيت سهران الدجى وتبيتُه نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي
    (ديوان الشافعي)
    وهذا أمر مهم للجيل الناشئ فيظن البعض أن السعادة في الراحة فيعمد إلى أن يسند ظهر إلى جدار الكسل فلا يعمل شيئا ولا ينشئ شيئاً ويضيع عمره ووقته في اللهو واللعب وهؤلاء الناس هم أبعد الناس عن السعادة.
    بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها تنال إلا على جسر من التعب
    لولا المشقة ساد الناس كلهم

    3-
    يجب أن نعرف أن السعادة هي انسجام بين القول والفعل:
    من أهم أسباب السعادة أن يتحقق التناغم بين ما يعتقده الفرد وبين ما يقوم بتطبيقه؛ فليس عنده ما يعيق تطبيق ما يؤمن به ويعتقده وهذا الأمر عبر عنه الله تعالى بالمقت فقال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ{2} كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ{3} (الصف 2-3)
    لذلك ورد أن المسلم الذي يعصي الله بأنه غير سعيد لأنه يؤمن بأن الله يراه ومع ذلك خالف فعله اعتقاده " إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه "(البخاري 5833).
    فكلما اقترن القول بالفعل لم يكن عند الإنسان عقد في حياته فيقترب أكثر فأكثر من السعادة.
    فمثلا إنسان يريد أن يصلي أحد الأوقات ووجد نفسه في مكان لا يستطيع أن يؤدي ما يعتقده وما يؤمن به إنه إنسان متوتر ومضطرب

    4-
    يجب أن نعرف أنّ السعادة تفاؤل:
    غالباً لا يسد باب إلا ويفتح مقابله أبواب ولكننا دائما ننشغل بالباب المغلق عن الأبواب التي فتحت.
    سيفتح باب إذا ما سد باب نعم وتهون الأمور الصعاب
    ويتسع الحال من بعدما تضيق المذاهب فيه الرحاب
    فسرطان السعادة القاتل هو اليأس والترياق الناجع هو التفاؤل ولم يعرف التاريخ تفاؤلاً كما عرفه العرب والمسلمون؛ فالإسلام جاء ليضفي السعادة على البشر جميعاً فكانت تعليماته كلها تصب في بحر التفاؤل فلا تكاد تجد أية أو حديثاً إلا ويحمل معنى التفاؤل بين طياته؛ حتى إنّ أسماء سور القرآن لوحدها تعبر عن التفاؤل فنحن عندنا سورة الفتح وعند سورة النصر وسورة الأنفال _ وهي الأموال التي يغتنمها المقاتلون في الحرب_ حتى إن الإسلام ذهب إلى درجات في التفاؤل أبعد من ذلك فنهى فطلب من الإنسان إذا وقع في مصيبة أن يدعو بهذا الدعاء" اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها" (أحمد) ففي خضم المصيبة يجب أن تكون متفائلاَ بفرج الله سبحانه وتعالى وبذلك قال تعالى : فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا وقال علماء العربية: إن المعرف إذا كرر فإنه يكون نفسه, وإن النكرة إذا تكرر فإنه يتغير فلما جاء بالعسر معرفاً عرف أن نفس العسر السابق,ولما جاء اليسر نكرة عرف أنه غير اليسر السابق لذلك قالوا لن يبلغ عسر يسرين.
    ولا يخفى على أحد الأثر الذي يتركه التفاؤل في النفس البشرية فالإنسان المتفائل إنسان سعيد حتى ولو كان في خضم المحنة ولذلك أشار الشاعر بقوله :
    ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
    لذلك من أحد مقومات السعادة وأركانها أن تكون ذا أمل وأن تكون متفائلاً؛ رأى المسيح عليه السلام رجلا يعمل في الأرض وبيده المسحاة فقال: اللهم انزع منه الأمل فترك الرجلُ المسحاة وقطّب وجهه وجلس إلى الأرض .ثم قال المسيح: اللهم رد إليه الأمل فقام الرجل يعمل بجد ونشاط فإذا لم يكن هناك أمل فإن الإنسان تعيس وأي تعاسة.

    5-
    يجب أن نعرف أنّ سعادة الدنيا سعادة ناقصة:
    يروى أنّ ملكا بنى بناء فأحسنه وجعل فيه من كل شيء أكمله وأجمله وأفضله ثم جمع الحكماء وسألهم هل في هذا البناء عيب؛ فكلهم مدح هذا البناء ومدح حسنه وجماله إلا رجل قام وقال: يا ملك الزمان إنّ فيه عيبان , فغضب الملك وهو الذي أنفق كل جهده ليقيم هذا البناء الرائع والضخم وقال له: قل فقال: يا ملك الزمان أما العيب الأول: فإنك مهما جلست فيه فسوف تغادره وأما العيب الثاني: فإنه مهما طال بناؤه فسوف يتهدم.
    وكلّ الفكاهات مملولة وطول التعاشر فيه القلى
    وكلّ طريف له لذة وكل تليد سريع البلى
    ولا شيء إلا له آفة ولاشيء إلا له منتهى
    (ديوان أبو العتاهية ص19)
    لذلك كانت نظرة العرب المسلمين هي النظرة الشاملة للسعادة فجعلوا السعادة قسمين قسم يحقق فيه الحياة الطيبة في الدنيا وهو قسم لا محالة زائل وقسم يحقق فيه السعادة في الآخرة وهو السعادة الأبدية؛ ومهما بلغت سعادة الدنيا مبلغها فإنها لا تساوي شيئاً بالنسبة لسعادة الآخرة إذ مهما بلغت السعادة في الدنيا فإنّ فيها من الكدورة ما ينغصها, ومهما كان فيها من الشقاء فهي لا تساوي لحظة عذاب واحد في الآخرة.

    6-
    يجب أن نعرف أنّ السعادة تكون في إزالة التوتر الداخلي والخارجي للفرد:
    إذا اعتبرنا أن مجمل علاقات الإنسان تكون في اتجاهات ثلاث: علاقة الإنسان بخالقه.
    وعلاقة الإنسان بنفسه. وعلاقة الإنسان مع المحيط الذي يعيش فيه.
    فإن السعادة تكمن في حل هذه المعادلات الثلاث وإيصالها إلى درجة التوازن؛ والتعاسة تصل إلى الإنسان من خلال اضطراب في إحدى هذه المعادلات الثلاث.
    لذلك جاء الإسلام ليحل هذه المعادلات الثلاث من خلال إزالة الاضطراب فيها ليحقق (طمأنينة الداخل وتنظيم الظاهر)
    أما طمأنينة الداخل فإنّ علاقة الإنسان بربه فإنها تنطوي على أن يكون أكثر قرباً من خالقه وكلما كان الإنسان قريباً من خالقه كان سعيداً حتى قالوا إنّ العاصي إنسان متعب جداً لأنه يسير في عكس الكون كله فالسموات والأرض علاقتها مع خالقها علاقة طاعة؛ وهو علاقته مع ربه علاقة معصية قال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }(فصلت11). فهو يسبح بعكس الكون فهو متعب يشعر بالتعب والإرهاق دائما اما الطائع فهو ذلك الإنسان المتناسق مع الكون كله فالكون طائع وهو أيضا طائع لله .
    وأما علاقة الإنسان بنفسه فلا بد أن يزيل التوتر فيها ويتصالح مع نفسه لذلك كان أحد تعريفات السعادة: أن يجد الإنسان نفسه ويتصالح معها؛ لذلك كان من أهم أسباب التعاسة أن الإنسان لا يجد نفسه ولا يعرف أين موقعه في المجتمع ومن هو وما هي مكانته وماذا يستطيع أن يقدم، حتى ولو كانت مكانته بسيطة وأعماله قليلة في ظن الناس لكنه وجد نفسه, لقد طرد أديسون من المدرسة لكنه وجد نفسه في اختراعاته فكان فضله على البشرية كبير جداً المهم أن تتصالح مع نفسك حتى تكون سعيداً وتعرف مكانتك وتعرف قدراتك.
    أما علاقة الإنسان بمن حوله وهي التي عنينا بها بتنظيم الظاهر بأن تكون علاقاته منضبة بضوابط الذوق الرفيع والأدب الجمّ فالأشخاص الذي يعيشون في حالة فوضى في علاقاتهم هم في شقاء وتعب وجهد ونصب يكابدون ما يكابدون لأنّ علاقاتهم غير متوازنة وغير منضبطة؛ فعلاقاتهم قائمة على الأنانية والحسد والظن السيئ والتآمر والترصد كل ذلك يجعل الإنسان غير سعيد وغير راض وتجعله إنساناً متوتراً ومتحفزاً ويعاني من شدة دائمة وتوتر مستمر فمن أين تكون له الراحة والسعادة .
    أما الإنسان الذي نظم حياته وعلاقاته على مبدأ الحقوق والواجبات فهو يؤدي واجباته ويتساهل في حقوقه ويتجاوز عن خصومه هو إنسان سعيد بلا شك.
    ومن أشعار محمد إقبال في ذلك قوله:
    لم ألق في هذا الوجود سعادةً كمودة الإنسان للإنسان (ديوان محمد إقبال).
    والمودة أرقى درجات التعامل الإنسان مع أخيه الإنسان فالود يعني المحبة والألفة واللهفة

    7-
    يجب أن نفهم السعادة أنها شكر النعم و استثمارها بالطريق المشروع:
    إنّ أحد المشاكل التي يعاني منها البشر اليوم أنهم يفكرون بما ينقصهم ولا يفكرون بما يملكون فالإنسان يملك الكثير الكثير من مقومات السعادة فالإنسان صاحب العافية لا يبيع بصره بكنوز الأرض كلها
    لذلك قال أحد العلماء:
    زر المشفى ولو مرة في العام لتعرف نعمة الله عليك بالصحة
    زر دار العجزة مرة لتعرف نعمة الله عليك في اولادك
    زر المحاكم مرة في العام لتعرف نعمة الله عليك في أن عافاك
    فالإنسان يملك نعماً لا تعد ولا تحصى ولو أنه استثمر هذه النعم فبل أن ينظر إلى غيرها لكان في سعادة وهناء
    على الرغم من أن كثيراً من الأمور التي يفكر بها الناس اليوم هي أمور كمالية. وفي الحقيقة لقد أشقت الكماليات الناس وأتعبتهم, فالإنسان إذا دخل محور الاهتمام الزائد بالكماليات فغنه سيكون في تعاسة ونحن نجزم بأن من يتبع الموضة اليوم من الشباب والبنات هم ليسوا سعداء لأن الذي يتبع هذه الأمور إنسان يحتاج إلى مال كثير لينفق على هذه الموضة كما انه إنسان متقلب المزاج متأثر وليس مؤثراً غير راض عن نفسه ولا عن شكله وبذلك جاء وصف متتبع الموضة في الحديث الشريف " تعس عبد الخميصة( الثوب ) إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض تعس وانتكس "(البخاري2673).
    أي هو في تعاسة دائمة وانتكاس دائم.

    8- يجب أن نفهم السعادة أنها عطاء وليست تملكاً:
    أكثر الناس سعادة هم الأشخاص الذين يعيشون لغيرهم فهو دائم العطاء فإن كان صاحب علم فيعطي علمه للناس وإن كان صاحب مال فيتصدق على الفقراء ويشعر من خلال ذلك بنشوة عظيمة

    ومهما عرفنا السعادة ووضعنا حولها الملاحظات فإنّ هناك اختلاف كبير في معانيه ولكننا نحاول أن نضع مقومات عامة للسعادة أو أركان السعادة:
    أركان السعادة تنقسم إلى قسمين:
    1- معنوية 2- مادية

    أولاً الأمور المعنوية :

    1- طيب النفس من النعيم:
    فإذا كان الإنسان خبيث النفس فإنه لن يجد طعم السعادة أبدا فلا بد أن يكون الإنسان طيب النفس وهذا جزء من حديث رواه ابن ماجه" وطيب النفس من النعيم " ومعنى طيب النفس أن يكون متساهلاً متسامحاً محباً متجاهلاً عن أخطاء إخوانه مترفعا عن ذلاتهم لا يحمل في نفسه حقداً عليهم أو كراهية لهم وهو بذلك يكن جميل النفس, والإنسان طيب النفس تكن الحياة له جميلة وبذلك يقول الرافعي في وحي قلمه: " في جمال النفس يكون كل شيء جميلاً إذ تُلقي النفس عليه من ألوانها فتنقلب الدار الصغيرة قصراً في سعة النفس لا في مساحتها؛ وتعرف لنور النهار عذوبةً كعذوبة الماء على الظمأ؛ ويظهر الليل كأنه معرض جواهرَ أُقيم للحور العين في السموات؛ ويبدو الفجر بألوانه وأنواره ونسماته كأنه جنة سابحة في الهواء؛ في جمال النفس ترى الجمال ضرورة من ضرورات الخليقة؛ وَيْ كأن الله أمر العالم ألا يعبس للقلب المبتسم.(وحي القلم 42/1).
    2- الأمن والأمان لذلك قال العلماء: ألذ فراش الأمن.فالإنسان لو كان يملك ما يملك ولكنه لا يأمن على نفسه ولا على ماله وأولاده فإنه يعيش حالة تخرجه من دائرة السعادة إلى دائرة القلق وما أصعب هذه الحياة وما أقساها.
    3- الرضا بالقضاء والقدر: "من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله له ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله له" (الترمذي).

    ثانياً: أما الأمور المادية :

    1- الصحة: فالمريض لا يعرف السعادة ولا يذق طعمها وكم من غني تمنى أن يأكل طعام الفقراء او يشرب كأس ماء او يتناول الحلوى ولكنه ممنوع من ذلك كله فماذا ينفعه المال وقتئذ
    2- القوت : ففي الحديث الشريف" من أصبح معافى في بدنه آمنا في سربه وعنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بأسرها "(الترمذي).
    وسأل مرة مسلمة بن عبد الملك جلساءه من أسعد الناس قيل له: أنت فقال: وأين ما ألقى في الثغور فقالوا أمير المؤمنين فقال: وأين ما يلقى من أعدائه فقالوا من أيها الأمير فقال رجل له زوجة يحبها وتحبه قد رزقه الله كفافا لا نعرفه ولا يعرفنا.
    3- المأوى والسكن: فمن ليس له مأوى ياوي إليه أو بيت يسكنه هو في حالة قلق لذلك لما جاء الإسلام ضمن لكل رعايا دولته بان يكون له بيت يؤويه لذلك كان من أسس السعادة الزوجية تأمين السكن المستقل للزوجة.

    رؤيتي للسعادة

    واسمحوا لي في نهاية هذه المحاضرة أن أدلي بدلوي في فهمي الخاص للسعادة
    رؤيتي للسعادة: السعادة هي استعداد النفس للحياة وتقبلها بسرائها وضرائها, والانتصار عليها, والعمل الدؤوب الدائم حتى يلقى الإنسان الله وهو راض عنه.
    وكل ذلك مأخوذ من سورة من القرآن الكريم سورة الانشراح
    قال تعالى :
    أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ{1} وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ{2} الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ{3} وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ{4} فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً{5} إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً{6} فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ{7} وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ{8}
    فانشراح الصدر الذي هو احد مظاهر السعادة مرتبط بأمور خمسة:
    1- غفران الذنب: وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ. فكم هي سعادة ابن آدم أن يشعر بان الله سبحانه غفر له ذنوبه.
    2- والسمعة الطيبة: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ.فالسمعة الطيبة من السعادة بمكان وهي تمثل المخزون الذي يختزنه الإنسان عند الناس.
    3- التفاؤل: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً{5} إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً.وكما ذكرت لكم فإن التفاؤل محور السعادة
    4- العمل المتجدد: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ . علاقة الانشراح انشراح الصدر بتجدد العمل ظاهر في الآية إذ إن انشراح الصدر مرتبط بتجدد العمل وتجدد الأهداف : فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ{7} وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ{8} والسؤال فإذا فرغت من ماذا؟ وانصب أي ابدأ بأي شيء؟
    أي فإذا فرغت من عمل فابدأ بعمل جديد فإنه يبق صدرك منشرحاً وهذا يدفعنا إلى العمل دائماً.لذلك كان أكثر النس سعادة هم العاملون والمحققون لأهدافه يضع هدفا ثم يعمل له فإذا وصل إليه وضع هدفا آخر وغزل حوله..... وهكذا فإنه يقضي حياته على هذا المنوال وهو بذلك يحقق نشوة السعادة بشكل دائم كلما وصل إلى هدفه.
    5-والرجوع إلى الله: وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ . "إن من السعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله الإنابة "(أحمد).
    جناحي السعادة: الزواج الناجح والأصدقاء المخلصين.
    قلب السعادة: الرضا بالقضاء.
    رأس السعادة: العمل المنتج الدائم.
    رئة السعادة: النجاح.
    يد السعادة: العطاء.
    قمة السعادة: لقاء الله وهو راض عنك.

    وأختم بقول أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله تعالى:
    فإنّ السعادة غير الظهور وغير الثراء وغير الترف
    ولكنها في نواحي الضمير إذا هو باللوم لم يكتنف
    وبقوله تعالى:
    {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }(النحل97).
    أرجو أن أكون قد وفقت في وضع ملامح للسعادة وأسأل الله لي ولكم سعادة الدارين
    وفي أول وآخر يطيب الحمد لله رب العالمين
    والسلام عليكم ورحمة الله


    ثبت المراجع

    القرآن الكريم
    الحديث الشريف
    وحي القلم مصطفى صادق الرافعي مؤسسة الرسالة بيروت 2000م
    معجم الإرشاد دار الإرشاد للنشر حمص 2001م
    علم النفس في الحديث الشريف د. سعد رياض مؤسسة اقرأ القاهرة 2004م
    إليك زوجتي همسات الوداد م. عبد اللطيف البريجاوي دار الإرشاد للنشر حمص 2007م
    ديوان أمير الشعراء أحمد شوقي دار كرم دمشق
    ديوان أبو العتاهية دار كرم دمشق
    سيكولوجية السعادة مايكل أرجا يل ترجمة فيصل عبد القادر كتاب الكتروني
    ديوان محمد إقبال
    ديوان الإمام الشافعي
    محاولات في الفهم مخطوط م. عبد اللطيف البريجاوي

     

    اعداد الصفحة للطباعة
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    م. البريجاوي
  • عبير الإسلام
  • إليك أخي ...
  • فقه الأسرة المسلمة
  • تدبرات قرآنية
  • في رحاب النبوة
  • كتب
  • أطياف الهداية
  • مواقع اسلامية