صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







متحيرة في القدر

خالد بن سعود البليهد

 
السؤال :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد الله انني وجدت صاحب علم أأخذ منه الأجوبة المقنعة..
الله يفيدنا بعلمك ويزيدك علم ومعرفه
أنا ياشيخ عندي أسأله محيرتني من زمان ولا اقدر اقولها لأحد لأن اكثر الناس اذا جا بيقلك معلومه انت ماتعرفها يقولها بأسلوب السخريه ويمكن يكون جوابه مو مقنع أو أغضب ولا أعمل باليي يقوله
ياشيخ الانسان ربي أراه الطريقين طريق الخير وطريق الشر والانسان هوه اللي يختار صح؟؟
طيب كيف هذا الشي والله كتب كل شئ وقدره أن الانسان يعيش شقي او يعيش سعيد ؟؟
اعذرني ياشيخ عالسؤال بس والله هالشي محيرني من زمان وودي ألقى الجواب المقنع عشان انت تعرف في بعض الأحيان يمر على الانسان أوقات تضيق عليه الدنيا بما رحبت فما ابغى الشيطان ويسوس لي وذا وسوس لي الشيطان ابغى ألقى الجواب المقنع عشان ابقى ثابته عليه ولا يغيرني شي ..
وشاكره لك ياشيخ.


الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله. اتفق أهل السنة والجماعة على أن الإيمان بالقدر من أصول الإيمان الستة التي يجب على المسلم التصديق بها والعمل بمقتضاها قال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ). وقال تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا). وفي صحيح مسلم: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله تعالى).
ولا يصح إيمان العبد مهما فعل من الصالحات حتى يؤمن بالقدر ويسلم الأمر لله ولا يكون شاكا أو مترددا فيه قال رسل الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع : يشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله بعثي بالحق ويؤمن بالموت ويؤمن بالبعث بعد الموت ويؤمن بالقدر) رواه الترمذي. وفي صحيح مسلم: (فقلت أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا أناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم وإنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنفٌ فقال إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريءٌ منهم وأنهم برآء مني والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحدٍ ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر).
ومعنى هذا الأصل العظيم أن يعتقد المكلف اعتقادا جازما لا يتطرق إليه الشك أن كل ما يقع في هذا الكون في الماضي والحاضر والمستقبل من غنى وفقر وكفر وإيمان وحرب وسلم وسعادة وشقاوة وتقسيم الأرزاق والآجال والأحوال وغير ذلك من الأحداث كل ذلك كان في علم الله في الأزل لقوله تعالى: (إن الله بكل شيء عليم ). وكتبه في اللوح المحفوظ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة). رواه مسلم. ثم شائه وأراد وقوعه قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). ثم خلقه وأوجده في الكون قال تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا).
ومع إيمان العبد بذلك فإن الله جعل للمخلوق إرادة وقدرة وعقل يميز بين الخير والشر والحق والباطل وأمره باتباع الحق والخير وجعل له اختيار شخصي فإن شاء آثر طريق الإيمان والجنة وإن شاء آثر طريق الكفر والنار فهو مخير في هذه الدنيا لا يجبره أحد على اختيار أمر من الأمور. قال تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ). قال ابن مسعود: (الخير والشر).
ومشيئة العبد واختياره لا تنافي الإيمان بالقدر وتفرد الله بالتقدير لوجوه:
1- أن مشيئة العبد المحدودة تحت مشيئة الله المطلقة فهو يختار الشيء ويبذل الأسباب للوصول إلى مراده ولكن حصوله وامتناعه إلى الله يمضي ما يشاء ويمنع ما يشاء لأن الأمر أمره والعبد عبده والأرض ملكه. قال تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا).
2- أن العبد يختار الشيء بحسب ما يكون في قلبه ونفسه من زكاء أو ضلال وصلاح وفساد والله تعالى قد علم ذلك منه في الأزل قبل خلقه ولذلك ييسر كلا لما يناسبه ويستحقه ويكون أهلا له ولذلك قال الرسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مقعدها من الجنة والنار إلا وقد كتبت شقية أو سعيدة فقال القوم يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل فمن كان من أهل السعادة فسيصير إلى السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى الشقاوة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل اعملوا فكل ميسر أما من كان من أهل الشقاوة فإنه ييسر لعمل الشقاوة وأما من كان من أهل السعادة فإنه ييسر لعمل السعادة ثم قرأ: (فأما من أعطى واتقى). إلى قوله: (فسنيسره للعسرى). متفق عليه.
3- أن العبد يفعل ما يشائه بمحض إرادته ولا يعلم إبتداء وانتهاء ما يقدر له وما يؤول إليه أمره لأن القدر من الغيب قد أخفاه الله عنه فهو غير مكلف عن البحث في القدر لأنه مستور عنه ولا يمكن الإحاطة به وإنما مأمور بالإيمان والعمل الصالح مخاطب بتعاطي أسباب السعادة ويلام شرعا على تركها.
4- أن الثواب والعقاب والحسنات والآثام مربوطة بعمل العبد وكسبه لا بالقدر ولهذا عاب الله المشركين وذمهم لما تركوا العمل وركنوا إلى القدر فقال تعالى: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ).
5- أن جميع الأسباب والمسببات داخلة في قدر الله فالإنسان يتقلب في جميع أحواله في قدر الله وتحت سلطته إن فعل أو ترك إن قبل أو امتنع إن سلك سبيل السعادة أو الشقاوة ولذلك (لما خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاراً من الوباء فقال له أبو عبيدة بن الجراح: أفراراً من قدر الله فقال عمر لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله). فعمر لم يقعد ويعرض نفسه للبلاء ركونا إلى القدر بل تعاطى الأسباب ورأى أن ذلك داخلا في القدر.
والحاصل أن المسلم يجب أن يهتم بامتثال الشرع من فعل الأوامر وترك النواهي ولا يجعل مسألة القدر عائقا عن سلوك السعادة. وإنما تظهر ثمرة القدر وفائدته الكبرى عند نزول المصائب والأقدار المؤلمة فحينئذ يوقن أن كل ذلك وقع بقدرة الله عن حكمة بالغة ويسلم الأمر لله. قال تعالى: (ومن يؤمن بالله يهدِ قلبه). قال بعض السلف: (هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم).

ولا يجوز له بحال أن يتعذر بالقدر ويحتج ويتكأ عليه في ترك الحق وسلوك سبيل الضلال كما كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك لأنه عاص بترك طاعة الله ومخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم ولأنه كاذب في دعوى أن الله اختار له الضلال والغواية. ومما يدل صراحة على كذبه ومغالطته للحق ومناقضته للعقل والمنطق أنه في أمور الدنيا يسعى سعيا شديدا عن الأصلح له ويبحث عن الأفضل ويبذل وسعه في تحصيل ذلك ولا يرضى أبدا بأخذ الأدنى والأردأ وإذا قصر في شيء من ذلك تجده يلوم نفسه لوما عنيفا ويشعر بالحسرة والندم أما في أمور الدين فيسلك سبيل الشهوات ويرضى الدنية في دينه ويترك العمل ويركن إلى الدنيا ولا يبذل أي جهد في إصلاح دينه ثم يقول كاذبا أن هذا قدره الذي اختاره الله له.
ومع وضوح الحق في مسألة القدر إلا أن الإحاطة بحقيقة القدر ومعرفة كنهه من الأمور التي يتعذر على عقل المخلوق الضعيف إدراكه وهو من الغيب الذي استأثر الله به عن خلقه. قال تعالى ( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) وقال بعض السلف: (القدر سر الله في خلقه).
ولهذا ورد النهي في الشرع عن التفكر والتكلف في القدر كما روي في السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا ذكر القدر فأمسكوا). رواه اللالكائي في شرح الاعتقاد. فنهي عنه لأن عقل العبد لا يطيق ذلك فليس عنده علم ولا نظير مشاهد يقيسه عليه ولأن ذلك يفضي به إلى الوساوس والشكوك والعياذ بالله التي تفضي به إلى الإنكار والإلحاد ولأنه يؤدي به إلى تكذيب حكمة الله والإعراض عن العمل الشرعي. وإذا طرأ على المسلم نوع شك أو تردد أو وسواس وجب عليه أن يقطع ذلك الفكر ولا يسترسل به وأن يتعوذ بالله من الشيطان وأن يقول لا إله إلا الله. وأعظم ما يحفظ العبد في هذا الباب ويسلمه من الشرور والآفات أن يسلم الأمر لله ويوقن بحكمته وسعة علمة وإرادته.
والخلاصة أن ينبغي للعبد حتى يسلم في باب القدر العمل بهذه القواعد الست:
الأولى: أن يوقن بعلم الله الشامل لكل مخلوق وأحواله.
الثانية: أن يوقن بعدل الله وفضله في قضائه وأنه لا يظلم أحدا كائنا ما كان.
الثالثة: أن يسلم بحكمة الله التامة في كل تقدير يحصل للمخلوقين.
الرابعة: أن يمسك عن التفكير والنظر في باب القدر ويسلم الأمر لله.
الخامسة: أن يجتهد في العمل الصالح ويتعاطى الأسباب النافعة في دينه ودنياه.
السادسة: أن لا يعتذر عن تفريطه وغوايته بالقدر ولا يحتج بذلك بل يلوم نفسه ويسارع للتوبة والاكثار من الصالحات.
فنسأل الله أن يملأ قلوبنا ببرد اليقين وبشاشة الإيمان وأن يغيثنا بالرضا والتسليم حتى تتجلى لنا حكمه ونشاهد العدل في قضائه والشكر في إحسانه والنعم في ابتلائه والفضل في عطائه.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

خالد بن سعود البليهد
عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة
binbulihed@gmail.com
الرياض:20/11/1429

 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
خالد البليهد
  • النصيحة
  • فقه المنهج
  • شرح السنة
  • عمدة الأحكام
  • فقه العبادات
  • تزكية النفس
  • فقه الأسرة
  • كشف الشبهات
  • بوح الخاطر
  • شروح الكتب العلمية
  • الفتاوى
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية