صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







فقه الأضحية

خالد بن سعود البليهد
binbulaihed@


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وبعد:
فإن ذبح الأضحية من أعظم شعائر الدين التي ورثها النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقد أمرت أمته باتباعه وهي من أفضل القرابين الشرعية التي يتقرب بها الموحد لربه عز وجل وذبحها خالصة لله يدل على كمال التعظيم والإجلال والإفتقار لله قال الله تعالى: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ). وقال تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّك وَانْحَرْ). قال عكرمة: (فصل لربك صلاة العيد يوم النحر وانحر نسكك). ولذلك جعل الشارع ذبح الأضحية أفضل ما يتقرب به المؤمن يوم العيد لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما عمل ابن آدم عملا يوم النحر أحب إلى الله من هراقة دم وإنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض فطيبوا بها نفسا). رواه الترمذي. ونص الإمام أحمد على أن الأضحية أفضل من الصدقة بقيمتها لكونها شعيرة ومنسك في هذا اليوم وتتضمن كثيرا من المقاصد والمعاني الحسنة.

وقد حكى ابن قدامة الإجماع
على مشروعية الأضحية والأضحية سنة مؤكدة في أصح قولي العلماء لمن كان قادرا على ثمنها بعد قيامه بما يجب عليه من النفقات الواجبة لحديث: (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحى فلا يمس من شعره وبشره شيئاً). رواه مسلم. وهذا مذهب الجمهور وذهب أبوحنيفة إلى الوجوب وهو قول مرجوح ليس عليه دليل صحيح وأما حديث أبي هريرة المخرج في مسند أحمد: (من كان له سعة ولم يضح فلا يقرب مصلانا). فحديث لا يصح قال أحمد: (هذا حديث منكر). وأعله الترمذي بالوقف ولهذا ثبت عن الخليفتين أبي بكر وعمر ترك الأضحية خشية أن يظن الناس أنها فرض وهذا يدل على التوسعة فيها ومما يدل على سنيتها أنه لا يجب على من تركها القضاء في قول عامة أهل العلم فلو كانت واجبا لم تسقط ومع ذلك ينبغي للمسلم القادر ألا يزهد في فضلها ولا يفرط في فعلها حتى لا يترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويفوته الأجر العظيم. ولم يثبت فضل خاص في الأضحية في السنة وكل ما روي من الأحاديث في هذا الباب فلا يصح كما نص ابن العربي في تحفة الأحوذي على ذلك.

وأما الفقير الذي لا يجد غنى فلا حرج عليه في ترك الأضحية ولا ينبغي له أن يشدد ويضيق على نفسه لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وهو غير مخاطب في هذه العبادة. ولا حرج على المسلم الذي له مصدر رزق يتكسب به من تجارة أو وظيفة أو صنعة أن يقترض من غيره ليضحي ثم يرد القرض إذا أيسر ولا يجب عليه ذلك لكن إن فعله حرصا على اتباع السنة فحسن كما قال ابن تيمية: (إن كان له وفاء فاستدان ما يضحي به فحسن ولا يجب عليه أن يفعل ذلك). أما إذا كان غير قادر على الوفاء فلا ينبغي له أن يلزم نفسه بواجب ويشغل ذمته بحقوق الخلق لأجل فعل سنة والتساهل في ذلك من قلة الفقه والورع.

وقد ضحى النبي صلى الله عليه وسلم
بكبشين أملحين كما في حديث أنس: (ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين فرأيته واضعا قدمه على صفاحهما يسمي ويكبر فذبحهما بيده). متفق عليه. وواظب على فعلها عشر سنين كما ثبت عند أحمد وحث عليها ورغب فيها. وقال ابن عبد البر: (ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم طول عمره ولم يأت عنه أنه ترك الأضحى وندب إليها فلا ينبغي لمؤمن موسر تركها).

وقد اختلف أهل العلم
أيهما أفضل في أنواع الأضحية فذهب الجمهور إلى تفضيل الإبل لحديث التبكير إلى الجمعة ولأن الإبل أعظم وأكثر لحما وهذا أنفع للفقراء لأن المقصود من الأضحية التوسعة على الفقراء وذهب مالك إلى تفضيل الضأن لاختيار النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هو الأقرب اتباعا للسنة وفي كل خير.

والأضحية باعتبار الشركة فيها قسمان:

1- قسم يجوز فيها الشركة وهي البقرة والبدنة فيشترك فيها سبعة أنفار لكل نفر سبع يجزئ عنه وعن أهل بيته قياسا على الهدي لما ثبت في صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال :(نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة). وعن حذيفة رضي الله عنه قال : (شرك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته بين المسلمين في البقرة سبعة) رواه أحمد. وهو قول أكثر أهل العلم.
2- قسم لا يجوز فيها الشركة وهي الشاة فلا يجزئ لاثنين فصاعدا أن يشتركوا في ثمن الشاة ولا تجزئ إلا عن واحد لأنه لم يرد في الشرع جواز الاشتراك فيها والأصل عدم الشركة وقد أجمع الفقهاء على ذلك.

والسنة أن يضحي الرجل
عنه وعن أهل بيته أضحية واحدة ويكره الزيادة على ذلك لأجل المرائاة أو التباهي أمام الناس أو يترتب على ذلك تضييق النفقة على أهله قال عطاء بن يسار سألت أبا أيوب الأنصاري كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس فصارت كما ترى). رواه الترمذي. أما إذا كان غنيا وزاد في عدد الأضاحي أو ضحى ببدنة أو بقرة مريدا وجه الله وراغبا في زيادة الخير وقصد نفع الفقراء ولم يلتفت قلبه لثناء الخلق فلا حرج في ذلك على الصحيح وهو فعل حسن ورخص فيه الأئمة لأن الشارع لم يؤقت فيه حدا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين وأهدى مائة من الإبل ولأن باب الصدقة والإحسان غير مقيد ولا دليل على تضييق هذا الباب.

ويشرع للمرأة
الأرملة والمطلقة المستقلة ببيتها أن تضحي عن نفسها وأهل بيتها إذا كانت تنفق عليهم لدخولها في عموم النصوص الدالة على استحباب الأضحية ويستحب للمرأة المتزوجة إذا كانت غنية ورغبت في تحصيل الخير أن تضحي عن نفسها ولو ضحى زوجها وكذلك البنت لأن ذبح الأضحية من القربات التي يحبها الله في يوم النحر وهو من تعظيم شعائر الله قال تعالى: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ). ولأن النصوص في مشروعية الأضحية عامة في الرجل والمرأة من غير تخصيص والمرأة مخاطبة فيها كالرجل ولم يرد في السنة نهي عن ذلك والأصل في باب التبرع والصدقة التوسعة وقد رخص فيه عامة الفقهاء ولا دليل على كراهة ذلك أو منعه.

وأما الأضحية عن الميت فلها ثلاث صور:

الصورة الأولى: أن يشرك الحي الميت في ثواب الأضحية وهذا مشروع بالنص والإجماع.
الصورة الثانية: أن يكون الميت قد نذر الأضحية قبل موته أو أوصى بالأضحية من ماله فيجب إنفاذ وصيته وذبح الأضحية عنه وهذه الصورة مشروعة بإتفاق الفقهاء.
الصورة الثالثة: أن يتبرع الحي من حر ماله ويضحي عن الميت فهذا قد اختلف فيه الفقهاء واستشكله بعض المعاصرين والشافعية على منعه والمالكية على كراهته والجمهور على جوازه وهو الصحيح لأنه عمل صحيح لا إشكال فيه داخل في عموم مشروعية الأضحية ويتحقق فيه التوسعة على الفقراء والأصل في باب التبرع والإحسان التوسعة والإطلاق ولا دليل معتبر يدل على المنع وكون النبي صلى الله عليه وسلم ترك ذلك لا يدل على المنع لأن جنس الأضحية مشروع وجميع الأفراد داخلة فيه ولا يلزم التنصيص على جميعها ولذلك جاء في مسند أحمد: (أن عليا رضي الله عنه كان يضحي عن النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين وقال إنه صلى الله عليه وسلم أمره بذلك .(وهي عبادة مالية وقد جاء الشارع بالتوسعة فيها للميت ولذلك انعقد الإجماع على مشروعية الصدقة عن الميت وقال ابن تيمية: (وتجوز الأضحية عن الميت كما يجوز الحج عنه والصدقة عنه ويضحى عنه في البيت ولا يذبح عند القبر أضحية ولا غيرها). وهي داخلة في عموم انتفاع الميت بإحسان الحي ولذلك لا وجه لإنكاره ومنعه إلا إذا كان قصد الحي المباهاة والتفاخر فيمنع حينئذ لأجل ما اقترن به من القصد السيئ. ومع القول بجواز هذه الصورة وصحتها فإن الأفضل للمضحي أن يتجنب هذه الصورة ويضحي عن نفسه ويشرك من شاء من الأموات ولا يفرد الميت بالأضحية اتباعا للسنة.

واشتراك الولد مع الوالد في الأضحية باعتبار علاقته المالية له حالتان:

الأولى: أن يكون الولد له دخل مالي مستقل بنفقته عن والده ينفق على نفسه فهذا يشرع له أضحية خاصة به ولا يشمله ثواب أضحية والده سواء كان مخالطا للوالد في السكن أم لا ويجوز له حينئذ مشاركة أبيه في الأضحية التي تجوز فيها الشركة كل له نصيبه وقسمه الخاص به.
الثانية: أن يكون الولد ليس له دخل مالي مستقل وهو تابع لأبيه في النفقة ينفق عليه فهذا لا يشرع له أضحية خاصة ويكون تابعا لوالده في ثواب الأضحية ولا يشارك والده في الأصل في الأضحية والسنة أن تكون جميع الأضحية من مال الوالد لكن يجوز للولد ولغيره من أهل البيت أن يشارك والده عند الحاجة في ثمن الشاة ويكون هذا منه بمنزلة التبرع والإعانة أما ثواب الأضحية والإجزاء أصالة فتكون لوالده ويدخل هو وباقي البيت تبعا في الثواب.

والتشريك بالثواب
في الأضحية أمر واسع سهل فيه الشارع فيجوز للمضحي أن يدخل في ثواب أضحيته من شاء من المسلمين الأحياء والأموات والأصل في ذلك ما رواه أبو سعيد رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى يوم النحر بكبشين أملحين فذبح أحدهما فقال هذا عن محمد وأهل بيته وذبح الآخر فقال هذا عمن لم يضح من أمتي). رواه أحمد.

ويجوز للإنسان أن يتبرع بقيمة
الأضحية كلها أو بعضها لغيره هبة سواء كان قريبا أو أجنبيا فيتملكها الآخر ثم يضحي بها وتجزئ عنه وهذا من المعروف والإحسان وهو داخل في عموم مشروعية الهدية والإحسان للغير ويتأكد هذا المعروف فيمن كان له حق كالوالد والقريب ولا حرج على الإنسان في قبول الهبة في ذلك مالم يكن فيه منة أو أذى.

ويشترط في صحة الأضحية أربعة شروط:

الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام الإبل والبقر والغنم لقوله تعالى: (ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ(. ولا يصح في قول العامة التضحية بغيرها من الحيوان والطير كالفرس والظبي وبقرة الوحش والديك وغيرها ومن رخص في الأضحية بغيرها كابن حزم فقوله شاذ مهجور عند الأمة والعمل على خلافه.
الثاني: أن تكون بالغة السن المجزئ شرعا لحديث: (لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن). رواه مسلم. والسن المجزئ في الماعز ما أتم سنة وفي الضأن ما أتم ستة اشهر وفي البقر ما أتم سنتين وفي الإبل ما أتم خمس سنين وقد أجمع أهل العلم على ذلك.
الثالث: أن تكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء وهي أربعة: العوراء والمريضة والعرجاء والهزيلة وما كان أشد منها كالعمياء ومقطوعة أحد الأطراف ونحوها لحديث البراء قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم وأشار بأصابعه وأصابعي أقصر من أصابع رسول الله صلى الله عليه و سلم يشير بأصبعه يقول لا يجوز من الضحايا العوراء البين عورها والعرجاء البين عرجها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقي). رواه أبو داود. وقد أجمع أهل العلم على أن هذه العيوب مانعة للإجزاء أما باقي العيوب الغير مؤثرة كمقطوعة الأذن والقرن ومشقوقة الأذن ومقطوعة الإلية والذكر والهتماء وغيرها فتجزئ معها الأضحية مع الكراهة على الصحيح لأنه لا دليل صريح في عدم إجزائها ولأنها لا تؤثر تاثيرا بالغا في نقص اللحم ولأنها تكثر في الأغنام والقول بعد إجزائها يوقع الناس في حرج ومشقة والشريعة جائت برفع الحرج وإن كان الأولى أن يتخير المضحي ذبيحة سالمة من جميع العيوب اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ولأنها أكمل وكلما كانت أكثر لحما وشحما كانت أفضل.
الرابع: أن تذبح في الزمان المؤقت شرعا ويبتدأ من الفراغ من صلاة عيد الأضحى والخطبتين في وقتها الشرعي أو قدرها في الموضع الذي لا صلاة عيد فيه لحديث البراء: (إن أول ما نبدأ به يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر). رواه البخاري. وحديث أنس: (من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين) رواه البخاري. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة وهو الصحيح ولا ارتباط في ابتداء الوقت بذبح الإمام ويستمر إلى غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق فيكون زمانها أربعة أيام على الصحيح وهذا مذهب الشافعية لحديث جبير بن مطعم: (وكل أيام التشريق ذبح). رواه أحمد. ولا دليل على التفريق في الحكم بين أيام التشريق الثلاثة ولذلك ثبت في مسلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل). وذهب جمهور أهل العلم إلى جواز ذبح الأضحية ليلاً مع الكراهة.

ومن ذبحها قبل صلاة العيد
فلا تجزئه وتكون شاة لحم من جنس الصدقات لما في الصحيحين: (من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله). ولحديث البراء: (إن أول ما نبدأ به من يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل هذا فقد أصاب سنتنا ومن نحر فإنما هو لحم يقدمه لأهله ليس من النسك في شيء). رواه البخاري. وقد حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك. وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الأضحية المسنونة إذا فاتت لا تقضى لأنها شرعت في وقت محدد وقد فات وأما الأضحية الواجبة كالمنذورة فتقضى لأن الذمة مشغولة بها.

ويجب إفراد نية
الأضحية في الذبيحة ولا يشرع للمكلف أن بجمع بين نية الأضحية والعقيقة في ذبيحة واحدة أو نصيب في بدنة أو بقرة فإن فعل لم يصح ولم يجزئه ذلك لأن الأضحية والعقيقة كلاهما عبادتان مستقلتان لكل منهما مقصد مغاير للأخرى ويشترط لكل عبادة منهما شاة تخصها فلا تتداخلان لأن كل منهما مقصود لذاته فلا يصح التشريك بينهما في نسيكة واحدة والأضحية تشرع في يوم النحر وأيام التشريق تقربا لله وشكرا لله على إتمام النسك أما العقيقة فسببها فداء الولد وشكر الله على نعمة حصوله فلكل مهما سبب مختلف وهذا هو مذهب المالكية والشافعية ورواية عن أحمد.

وتتعين الأضحية
بقول المضحي هذه أضحية وتتعين أيضا بشرائها مع نية الأضحية على الصحيح لحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى). متفق عليه. ولأن الفعل مع النية يقوم مقام القول وهذا مذهب الحنفية واختاره ابن تيمية. وإذا مرضت أو تعيبت بعد تعيينها فإن كان هذا حصل بتفريط منه فلا تجزئه وعليه أن يبدلها بمثلها أو أفضل منها لأنه مفرط وعليه الضمان وذمته مشغولة وإن حصل هذا بغير تفريط منه أجزأته الأضحية ولا يجب عليه أن يستبدلها لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). وقد بذل ما في وسعه فلا وجه لتضمينه ولا يكلف الله إلا وسعها وهذا مذهب جمهور الفقهاء.

والسنة أن يتولى
ذبح الأضحية بنفسه إن كان يحسن ذلك بآلة حادة ويقوم بتوزيعها إقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وإظهارا للشعيرة ويجوز له أن يوكل شخصا أو جمعية في بلده تقوم بذبحها والقيام بتوزيعها ويستقبل بذبيحته القبلة كما هو مستحب عند عامة أهل العلم لشرف القبلة في العبادة ولأن ابن عمر رضي الله عنهما كان يكره أن يأكل ذبيحة ذبحت لغير القبلة ويجب عليه أن يسمي عند ذبحها ويكبر استحبابا لفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيحين ويقول اللهم تقبل مني ومن أهل بيتي لحديث عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد فأتي به ليضحي به فقال لها يا عائشة هلمي المدية ثم قال اشحذيها بحجر ففعلت ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ثم ضحى به). رواه مسلم. ولا يشرع الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموطن لأنه لم يرد في السنة ومن استحبه فقد اجتهد ولا دليل معه وينبغي إفراد الله بالذكر حال النحر ليتجلى التوحيد ويتمحض معنى التقرب والعبودية لله عز وجل ولهذا قال إبراهيم النخعي: (إذا جزرت فلا تذكر مع اسم الله سواه). والسنة في الإبل أن تنحر قائمة معقولة رجلها اليسرى لحديث زياد بن جبير قال: (رأيت ابن عمر أتى على رجل قد أناخ بدنته فنحرها فقال ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم). متفق عليه. وفي البقر والغنم أن تذبح مضطجعة على جنبها الأيسر كما ثبت في الصحيح.

ويحرم على المضحي
أن يبيع شيئا من لحم الأضحية أو شحمها أو جلدها ولا يعطي الجزار شيئا منها على سبيل الأجرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك كما في حديث علي:) أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها وأن لا أعطي الجزار منها وقال نحن نعطيه من عندنا). متفق عليه. ولأنه أخرجها في سبيل الله فلا يجوز الرجوع فيها ولا حرج عليه أن ينتفع من جلد الأضحية او يهبه أو يتصدق به على الفقير. ومن أهدي إليه لحم من الأضحية جاز له أن يبيعه لأنه دخل في ملكه ويحق له مطلق التصرف فيه.

وقد دلت السنة
على أن المشروع في الأضحية ذبحها في بلد المضحي فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يضحي في المدينة كما ثبت في الصحيحين من حديث أنس ولا يوكل أحدا يضحي بها في بلد أخرى مع وجود الفقراء في أمصار المسلمين وإنما كان يهدي ويبعث بالهدي إلى الحرم لأن مصرف الهدي فقراء الحرم وهذا المعنى خاص بالهدي أما الأضحية فالمشروع فيها ذبحها في نفس بلد المضحي لأنه ليس المقصود فيها معنى الصدقة والإحسان للفقراء فقط وإنما تتضمن مقصدا خاصا وهو إظهار الافتقار والتذلل للمولى بإراقة الدم ولذلك استحب الفقهاء حضورها وذبحها من قبل المضحي ونص الفقهاء على أن ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بقيمتها في يوم العيد وهذا يدل على أنها شعيرة عظيمة ينبغي إظهارها في نفس البلد وعند الأهل وعدم التهاون في إظهارها والحرص على ذبحها في بلد المضحي يشتمل على مصالح راجحة وتوكيل الغير لذبحها في الخارج قد يتضمن مفاسد فهو مظنة للتفريط بهذه الشعيرة ويفوت فيها السنة في توزيع الأضحية من الأكل والإهداء والصدقة ويترتب عليها حرج في وقت انتهاء الإمساك عن قص الشعر والظفر لأن الوقت يختلف بين البلاد ويتعذر غالبا معرفة وقت ذبح الأضحية مما يجعل المضحي في حرج فينبغي للمسلم أن يحتاط في أداء هذه الشعيرة ويذبحها في بلده ولا ينيب أحدا في ذبحها في الخارج وإن أراد أن يقف مع إخوانه في سد عوزهم وحاجتهم فباب الصدقة واسع يتصدق عليهم بالمال والطعام في سائر الأوقات وينبغي للمسلم أن يعظم شعائر الله ويحافظ عليها ويعمل بالعزيمة ولا يسلك فيها الرخص بالخروج عن اتباع السنة وعمل الأئمة وقد كان السلف يعتنون بذبح الأضحية في بلدهم ولم يعرف عنهم نقل الأضحية إلى البلاد الأخرى قال أبو أمامة بن سهل: (كنا نسمن الأضحية في المدينة وكان المسلمون يسمنون). ذكره البخاري. وقد ذهب إلى المنع جمهور أهل العلم. ومع ذلك فلو وكل غيره في ذبح أضحيته خارج بلده صح توكيله وكانت أضحيته مجزئة لأنه تصرف صحيح داخل في الإنابة الجائزة وإن كان فعله مخالف للسنة ومفوت لكثير من المصالح الشرعية. والضابط في هذا الباب مسافة القصر سواء كان داخل بلادك أم خارجها فلا عبرة بالحدود المتعارف عليها الآن لأن الشارع لم يرتب عليها حكما شرعيا.

أما الحاج
فلا تشرع له الأضحية لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضحى وهو متلبس في الحج بل أهدى ولم يجمع بين الأضحية والهدي ولأن المشروع في حق الحاج في المشاعر الهدي لأنه قربة فاضلة من المناسك يختص بالحرم ولأن الأضحية تشرع بعد الفراغ من صلاة العيد والحاج ليس عليه صلاة عيد فإن كان عليه هدي واجب فقد حصل المقصود وإن لم يكن عليه هدي واجب وأراد أن يتطوع بالهدي فحسن لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث بالهدي إلى مكة كما ثبت في الصحيح وقد روي عن كثير من السلف أنهم يحجون ولا يضحون فقد كان عمر رضي الله عنه يحج فلا يذبح شيئا حتى يرجع وكانت أمنا عائشة رضي الله عنها تحج فلا تضحي عن بني أخيها.

واستحب
الحنفية والحنابلة في الأضحية أن تقسم أثلاثا ثلث للبيت وثلث للصديق وثلث للفقراء لما روي عن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهم قال ابن عمر: (الضحايا والهدايا ثلث لأهلك وثلث لك وثلث للمساكين). أخرجه ابن حزم في المحلى. وذهب الشافعية إلى أفضلية التصدق بجميعها إلا شيئا يسيرا يأكله وذهب المالكية إلى عدم التحديد فيأكل ما شاء ويهدي ويتصدق بما شاء لما روى مسلم في صحيحه عن ثوبان قال: (ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحيته ثم قال يا ثوبان أصلح لحم هذه الأضحية قال فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة). ولعل هذا هو الأقرب لأنه لم يرد تحديد مؤقت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولعموم قوله تعالى: (فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآئِسَ الْفَقِيرَ). وقوله صلى الله عليه وسلم: (كلوا وادخروا وتصدقوا ). رواه مسلم. فالأمر في ذلك واسع إن شاء ثلث لوروده عن الصحابة وإن شاء ترك ذلك لمصلحة راجحة المهم يستحب له أن يجمع بين الأكل والإهداء والصدقة على حسب وسعه واستطاعته.

والأكل من الأضحية
مستحب في قول عامة أهل العلم لأنهم حملوا الأمر الوارد في النصوص على الندب لأنه ورد بعد الحظر وهذا هو الصحيح فلا حرج على الانسان لو ترك الأكل من أضحيته وتصدق بجميع أضحينه للفقراء وتجزئه أضحيته لأنه ترك حظه للفقراء وشذ أهل الظاهر فأوجبوا الأكل منها وهو قول مهجور عند أهل العلم. واتفق أهل العلم على استحباب الهدية من الأضحية للقريب والصديق ولو ترك ذلك فلا حرج عليه.

أما الصدقة من الأضحية
فقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك فذهب الشافعية والحنابلة إلى الوجوب أخذا بقوله تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ). فيجب على المضحي أن يتصدق بشيء منها فإن أكلها جميعا ولم يتصدق ضمن أوقية وإلا لم تجزئه أضحيته وذهب الحنفية والمالكية إلى استحباب الصدقة وعدم الوجوب وهذا هو الصحيح لأن الأمر الوارد في الآية والحديث محمول على الاستحباب والإرشاد كالأكل والإهداء ولأن المقصود من الأضحية إراقة الدم تقربا لله وشكرا له وليس انتفاع الفقراء خلافا لمصرف الزكاة ولأن إلزام المضحي بالصدقة فيه تضييق عليه ولا يصار إليه إلا بدليل ثابت سالم من المعارض وقولهم بتحديد أوقية تحكم من غير دليل لأن الشارع لم يحدد شيئا فعلم أن الأمر واسع في هذا فلو أكلها جميعا لحاجته للتوسعة على عياله ولم يتصدق بشيء منها أجزأه ذلك على الصحيح ولم يلزمه شيء.

ويشرع لمن أراد
أن يضحي إذا دخلت عشر ذي الحجة أن يمسك عن ظفره وشعره وبشرته حتى يضحي لحديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي). رواه مسلم . وفي رواية: (ولا من بشرته). والنهي عن ذلك يشمل شعر الرأس والعانة والشارب والإبط وغيره من جميع شعور الجسم وكذلك يشمل أظافر اليدين والرجلين وجميع البشرة خلافا لمن خصه بشعر الرأس أوغيره. والصحيح أن هذا الإمساك سنة ليس بواجب لأنه تابع لأمر مسنون وهو الأضحية فيكون سنة كحكم المتبوع ولأنه من باب التعظيم المسنون بدليل أنه لم يؤمر بالإمساك عن غير الظفر والشعر.قال الخطابي: (وأجمعوا أنه لا يحرم عليه اللباس والطيب كما يحرمان على المحرم فدل ذلك أنه على سبيل الندب والاستحباب دون الحتم والإيجاب). ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمسك عن شيء في إهدائه والهدي نسك مثل نسك الأضحية في التقرب لله بالذبح بل آكد لتعلقها بالحرم فهما جنس واحد فلو كان واجبا لأمسك في حال تقربه بالهدي فدل على أنه غير لازم كما استدل الشافعي بذلك قالت عائشة رضي الله عنها: (فتلت قلائد بدن النبي صلى الله عليه وسلم بيدي ثم قلدها وأشعرها وأهداها فما حرم عليه شيء كان أحل له). وفي رواية: (ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم). ولأنه لا يمكن إلزام الناس بأمر والتشديد عليهم وتأثيمهم بحديث مختلف في ثبوته ودلالته فالحديث أعله الدارقطني بالوقف وأشار مسلم لعلته واستشكل متنه الأئمة كالليث وابن مهدي وغيرهما والقول بالكراهة قول وسط بين من يحرمه وهم قلة كأحمد وبين من يبيحه وهم أكثر الفقهاء كمالك وأبي حنيفة. وفيه توسعة على الخلق لا سيما من احتاج لذلك وشق عليه تركه وهذا قول الشافعي ووجه عند الحنابلة وقال في الإنصاف لما حكى الكراهة: (قلت وهو أولى وأطلق أحمد الكراهة). فعلى هذا يكره للمضحي أخذ ظفره وشعره ولا يأثم بذلك لكن لا ينبغي له فعل ذلك إلا عند الحاجة اتباعا للحديث وآثار الصحابة.

وتبتدأ مدة الإمساك
عند تحقق دخول العشر وبلوغ ذلك لمن أراد أن يضحي ويتحقق الدخول برؤية هلال ذي الحجة أو إكمال عدة ذي القعدة ثلاثين لقوله صلى الله عليه وسلم: (من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي). ولا يلزم الإمساك قبل ذلك من باب الاحتياط لأن ذلك من التكلف المنهي عنه شرعا وتكليف زائد لم يثبت في الشرع فلا يمسك مثلا قبل غروب ليلة الثلاثين ولا في غيرها وإنما يمسك إذا ثبت عنده دخول شهر ذي الحجة في أي وقت ولوكان متأخرا.

وهذا الحكم خاص
بالشخص العازم على شراء الأضحية من ماله فقط سواء تولى الذبح بنفسه أو بنائبه ولا يثبت في باقي أهل بيته ممن يضحى عنهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم خصه بالمضحي ولأنه لم ينقل أنه أمر أهله بذلك. ولا يمسك الوكيل الذي وكل بذبح الأضحية ولا يتعلق الحكم به لأنه غير مخاطب به.

ومن كان مترددا
عند دخول العشر في ذبح الأضحية لم يثبت له الحكم ولم يشرع له الإمساك لأنه غير عازم على الأضحية فإن عزم في أثناء العشر أمسك لما بقي ولا شيء عليه فيما مضى من المدة لأنه لم يكن مكلفا حينئذ.
وإذا كان الانسان ناويا للأضحية في أول العشر ثم حلق شيئا من ظفره أو شعره أو جلده كان مخالفا للأولى بفعله على الصحيح وليس عليه كفارة لأنه لم يرد في الشرع تعيين كفارة لذلك قال ابن قدامة: (ولا فدية فيه إجماعاً سواء فعله عمداً أو نسياناً). أما إذا أخذ شيئا من شعره ناسيا أو جاهلا أو مضطرا فلا كراهة فيه وأضحيته صحيحة لا يتأثر حكمها بذلك.

ولا يشرع للمضحي
أن يمسك عن شيء آخر غير ظفره وشعره وجلده ولا ينهى عن الطيب أو مباشرة النساء أو غيره لأنه لم يرد وما شاع عن بعض العامة تحريم النساء وغيره على المضحي قياسا على المحرم بالحج قول محدث ليس له أصل في الشرع ولا علاقة في الأحكام بين المضحي والمحرم بالحج.

ولم يرد في السنة الصحيحة
ذكر للحكمة من النهي عن قص الأظفار والشعور على المضحي وقد حاول بعض الفقهاء التماس الحكمة فمنهم من قال نهي المضحي عن ذلك تشبيها بالمحرم بالحج فكما شارك المحرم في ذبح القربان ناسب أن يشاركه في شيء من خصائص الإحرام وقال بعضهم الحكمة توفير الشعر والظفر ليأخذه مع الأضحية فيكون ذلك من تمام الأضحية عند الله وقيل لتشمل المغفرة والعتق من النار جميع أجزاءه وأصل الحكمة التعبد لله بالإمساك وتعظيم الله وإظهار التذلل له والله أعلم.

الفقير إلى عفو ربه
خالد بن سعود البليهد
binbulihed@gmail.com
2/12/1435


 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
خالد البليهد
  • النصيحة
  • فقه المنهج
  • شرح السنة
  • عمدة الأحكام
  • فقه العبادات
  • تزكية النفس
  • فقه الأسرة
  • كشف الشبهات
  • بوح الخاطر
  • شروح الكتب العلمية
  • الفتاوى
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية