صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







شرح أحاديث عمدة الأحكام
الحديث 169 في اتِّباع النساء للجنائز

عبد الرحمن بن عبد الله السحيم


عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ رضي الله عنها قَالَتْ : نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا .

في الحديث مسائل :

1 = قول الصحابي : " نُهينا " أو " أُمِرْنا " له حُكْم الْحَدِيث الْمَرْفُوع ؛ لأن الآمِر والناهي لهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال النووي : قول الصحابي : أمرنا بكذا ، ونهينا عن كذا ، أو أمر الناس بكذا ، ونحوه فكله مرفوع سواء قال الصحابي ذلك في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أم بعد وفاته .
وقال : إذا قال الصحابي : السُّنة كذا ، أو : مِن السُّنة كذا ، فهو في الْحُكم كَقَوله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كذا . هذا مذهبنا ومذهب المحدثين وجماهير السلف والخلف ، وجعله بعضهم موقوفا ، وليس بشيء .

2 = نَـهْي النِّسَاء عن اتِّبَاع الجنائز نَهْـيًا غير جازم ؛ لقولها : ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا .

3 = كراهية اتِّبَاع النساء للجنائز .
قال ابن بطال : وإنما قالت أم عطية : " ولم يُعْزَم علينا " لأنها فَهِمَتْ مِن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ ذلك النهى إنما أرَاد به تَرْك ما كانت الجاهلية تَقُوله مِن الْهَجْر وزُور الكَلام وقَبِيحه ، ونِسْبَة الأفعال إلى الدَّهر ، فهي إذا تَرَكَتْ ذلك وبَدَّلَت منه الدعاء والتَّرَحُّم عليه كان خَفيفًا ؛ فهذا يَدُلّ أنَّ الأوامر تحتاج إلى مَعْرِفَة تَلَقِّى الصَّحَابة لها ، ويُنْظَر كَيف تَلَقَّوْها . اهـ .
وقال القرطبي في " المفهم " : وقولها : " نُهينا عن اتِّباع الجنائز ، ولم يعزم علينا " ؛ أي : لم يُجزم علينا ، ولم يُشدّد علينا . وظاهر كلامها أنهن نُهين عن ذلك نَهي تَنْزِيه وكراهة . وإلى منع ذلك صار جمهور العلماء لهذا النهي . اهـ .
وقال النووي : وقولها : " ولم يُعزم علينا " معناه : نُهينا نهيا شديدا غير مُحتّم ، ومعناه : كراهة تَنَزيه ليس بِحَرام . اهـ .
وقال ابن حجر : قَوْلها : " وَلَمْ يَعْزِم عَلَيْنَا " ، أَيْ : وَلَمْ يُؤَكِّد عَلَيْنَا فِي الْمَنْع كَمَا أَكَّدَ عَلَيْنَا فِي غَيْره مِنْ الْمَنْهِيَّات ، فَكَأَنَّهَا قَالَتْ : كَرِهَ لَنَا اِتِّبَاع الْجَنَائِز مِنْ غَيْر تَحْرِيم . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : ظَاهِر سِيَاق أُمّ عَطِيَّة أَنَّ النَّهْي نَهْي تَنْزِيه ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُور أَهْل الْعِلْم ، وَمَالَ مَالِكٌ إِلَى الْجَوَاز ، وَهُوَ قَوْل أَهْل الْمَدِينَة . وَيَدُلّ عَلَى الْجَوَاز مَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي جِنَازَة فَرَأَى عُمَر اِمْرَأَة فَصَاحَ بِهَا ، فَقَالَ : " دَعْهَا يَا عُمَر " الْحَدِيث . وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه ، وَمِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَطَاء عَنْ سَلَمَة بْن الأَزْرَق عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَرِجَاله ثِقَات . اهـ .

4 = لا ينتهض دليل على تحريم اتِّبَاع النساء للجنائز .
قال القاضي عياض : اختلف العلماء في إباحة اتِّباع النساء الجنائز ؛ فجمهورهم على منعه لظاهر النهي في الحديث ، واختاره جماعةُ علماء المدينة ، ومالك يجيزه ويَكرهه للشابة ، وفى الأمر المستنكر .
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَالِكًا كَانَ يُوَسِّعُ لِلنِّسَاءِ فِي الْخُرُوجِ مَعَ الْجَنَائِزِ .
وقال النووي : قَالَ الْقَاضِي : قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء بِمَنْعِهِنَّ مِنْ اِتِّبَاعهَا ، وَأَجَازَهُ عُلَمَاء الْمَدِينَة ، وَأَجَازَهُ مَالِك ، وَكَرِهَهُ لِلشَّابَّةِ . اهـ .
وأما حديث " لعن الله زائرات القبور " فهو حديث ضعيف ، وصحّ بلفظ " زوّارات القبور " ، وهذا يختلف عن اللفظ السابق ؛ لأن لفظ " زوّارات " فيه مُبالغة وكثرة .
قال القرطبي : هذا اللعن إنما هو للمُكثرات مِن الزيارة ؛ لِمَا تقتضيه الصفة مِن المبالغة . اهـ .
بل يرى بعض أهل العلم أن هذا الحديث منسوخ ، فإن الترمذي روى هذا الحديث ثم قال : وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يُرَخِّص النبي صلى الله عليه و سلم في زيارة القبور ، فلما رَخّص دَخل في رخصته الرجال والنساء . وقال بعضهم : إنما كُرِهت زيارة القبور للنساء لِقِلّة صبرهن وكثرة جزعهن .
ويدلّ على ذلك : ما قالته أم عطية : أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيعة ألا تَنُحن ، فما وَفَتْ مِنّا غير خمس ، منهن أم سليم . رواه البخاري ومسلم .

فهذا يدل على قِلّة صبر النساء !

وقد وردت أحاديث ضعيفة في النهي عن زيارة النساء للقبور ، وعن اتِّباع النساء الجنائز ، والتشديد في ذلك.

قال النووي :
وأما الحديث المرْويّ عن علي رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلي الله عليه وسلم فإذا نسوة جلوس قال : ما يُجلسكن ؟ قُلن : ننتظر الجنازة ، قال : هل تغسلن ؟ قُلن : لا ، قال : هل تَحْمِلن ؟ قُلن : لا ، قال : هل تُدلين فيمن يُدلي ؟ قلن : لا ، قال : فارجعن مأزورات غير مأجورات " ، رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف من رواية إسماعيل بن سليمان الأزرق ، ونقل ابن أبي حاتم تضعيفه عن أعلام هذا الفن .
وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها : ما أخرجك مِن بيتك ؟ قالت : أتيت أهل هذا البيت ، فرحمت إليهم مَيتهم قال : لعلك بلغت معهم الكُدَى قالت : معاذ الله أن أكون بلغتها ، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر ، فقال : لو بلغتها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جدّ أبيك ، فرواه أحمد بن حنبل وأبو داود والنسائي بإسناد ضعيف .
وهذا الحديث ضعّفه النسائي وابن عبد الهادي .

5 = الْحِكْمَة في ذلك لِقِلَّة صَبْرِهنّ . فقد مَرّ النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تَبْكِي على صَبْيّ لها ، فقال : اتقي الله واصبري . قالت : إليك عَـنِّي ! فإنك لم تُصَب بِمُصِيبَتِي . ولم تَعْرِفه . فقيل لها : إنه النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تَجِد عِنده بَوَّابِين ، فقالت : لم أعْرِفْك ، فقال : إنما الصبر عند الصدمة الأولى . رواه البخاري ومسلم .
وكَما أن المرأة لا تُمنَع مِن زِيارَة القُبُور إلاَّ لِخَشْيَة الْجَزَع والنَّوْح عند كثرة الزيارة ، فإنها لا تُمنَع من اتِّباع الجنازة إلاَّ لهذا المعنى ، ولِمَعْنى آخر ، وهو عَدم فائدة هذا الاتِّبَاع .
وقد بوّب الإمام البخاري على الحديث السابق : باب زيارة القبور .

قال ابن حجر في زيارة القبور :
واخْتُلِف في النساء ؛ فَقِيل : دَخَلْن في عُمُوم الإذن ، وهو قول الأكثر ، ومَحلّه ما إذا أُمِنَت الفِتْنَة ، ويؤيد الجواز حديث الباب ، وموضع الدَّلالة مِنه أنه صلى الله عليه وسلم لم يُنْكِر على المرأة قُعُودَها عند القبر ، وتَقْرِيره حُجَّـة . ومِمَّن حَمَل الإذْن على عُمومه للرِّجال والنساء عائشة ؛ فَرَوى الحاكم مِن طريق ابن أبي مليكة أنه رآها زَارتْ قَبر أخيها عبد الرحمن ، فقيل لها : أليس قد نَهَى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ؟ قالت : نعم ، كان نَهَى ثم أمَر بِزِيَارَتِها . اهـ .

والعِلَّة مَعْقُولة ، وهي أنَّ زيارة القُبُور تُذكِّر بالآخِرَة ، وهذا يحتاجه الْجَمِيع رِجالا ونساء .
وقد دلّ النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها على آداب زيارة القبور ، وذلك في آخر حياته صلى الله عليه وسلم ، ولم يَنهها عن زيارة القبور .
فلَمّا قال جبريل عليه الصلاة والسلام لِرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم . قالت عائشة رضي الله عنها : قلت : كيف أقول لهم يا رسول الله ؟ قال : قولي : السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، ويَرْحم الله المستقدمين منا والمستأخرين ، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون . رواه مسلم .

قال ابن القيم : وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي زِيَارَة النِّسَاء لِلْمَقَابِرِ عَلَى ثَلاثَة أَقْوَال :
أَحَدهَا : التَّحْرِيم .
الثَّانِي : يُكْرَه مِنْ غَيْر تَحْرِيم . وَهَذَا مَنْصُوص أَحْمَد فِي إِحْدَى الرِّوَايَات عَنْهُ ، وَحُجَّة هَذَا الْقَوْل : حَدِيث أُمّ عَطِيَّة الْمُتَّفَق عَلَيْهِ " نُهِينَا عَنْ اِتِّبَاع الْجَنَائِز ، وَلَمْ يُعْزَم عَلَيْنَا " ، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ النَّهْي عَنْهُ لِلْكَرَاهَةِ لا لِلتَّحْرِيمِ .
وَالثَّالِث : أَنَّهُ مُبَاح لَهُنَّ غَيْر مَكْرُوه , وَهُوَ الرِّوَايَة الأُخْرَى عَنْ أَحْمَد . وَاحْتُجَّ لِهَذَا الْقَوْل بِوُجُوهٍ :
أَحَدهَا : مَا رَوَى مُسْلِم فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَة الْقُبُور فَزُورُوهَا " وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " زُورُوا الْقُبُور فَإِنَّهَا تُذَكِّر الْمَوْت " قَالُوا : وَهَذَا الْخِطَاب يَتَنَاوَل النِّسَاء بِعُمُومِهِ .
ثم ذَكَر الدليل الثاني ما جاء في قول عائشة حينما زارتْ قبر أخيها .
والدليل الثالث قصة المرأة التي كانت عند القَبْر .
قال : قالوا : وَلأَنَّ تَعْلِيل زِيَارَتهَا بِتَذْكِيرِ الآخِرَة أَمْر يَشْتَرِك فِيهِ الرِّجَال وَالنِّسَاء .
وكأنّ ابن القيِّم رحمه الله رجَّح الْمَنْع .

6 = إذا انْتَفَتِ العِلَّة من الجزع والتَّسَخُّط انْتَفَتِ الكراهة في حقّ النساء في مسألة اتِّبَاع الجنائز .

7 = إذا كانت النساء لا يُمْنَعن مَنْعا جازما من اتِّبَاع الجنائز فلا يُمنَعْن من الصَّلاة على الجنائز ، لِكون الصلاة على الجنائز تضمّنت الأجْر العظيم ، وخَلَتْ مِن المحاذير .

والله تعالى أعلم .


 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
عمدة الأحكام
  • كتاب الطهارة
  • كتاب الصلاة
  • كتاب الصيام
  • كتاب الحج
  • شرح العمدة
  • مـقـالات
  • بحوث علمية
  • محاضرات
  • فتاوى
  • الصفحة الرئيسية