بسم الله الرحمن الرحيم

استفسار حول كلام الشيخ الإسلام ابن تيمية


عن استطاعة سماع أصوات الناس في قبورهم ، وأنا رأي - المتواضع - معكم ، ولكن ماذا يعني الامام ابن تيمية رحمه الله هنا على هذا الرابط حين ذكر أن بعض الناس سمعوا أصوات المعذبين ولم ينكر ذلك عليهم ؟

الجواب :
بورك فيك أختي الداعية
بالنسبة لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – فقد ساقه مساق الاستئناس وليس مساق التقرير كما يعلم ذلك من يتتبّع كتبه وعلِم بطريقته في التصنيف .
وعلى كلٍّ : كلٌّ يؤخذ من قوله ويُردّ إلا محمد صلى الله عليه وسلم .

وقد قال عليه الصلاة والسلام : فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه . رواه مسلم ، وقد تقدّم .
وقال صلى الله عليه وسلم : إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت : قدموني ، وإن كانت غير صالحة قالت : يا ويلها أين يذهبون بها ، يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعه صعق . رواه البخاري .
وهذا يدلّ على أن سمع الإنسان له طاقة محدودة ، إلا أن الله اختص نبيّه بخاصيّة فأسمعه من عذاب القبر . وقد تقدّم هذا أيضا .

وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم مُقدّم على قول كل أحد ، ولو كان القائل أفضل الناس من بعده ، ولو كان قول الشيخين الخيّرين اللذين أُمِرنا أن نقتدي بهم
قال صلى الله عليه وسلم : اقتدوا باللذين من بعدي : أبي بكر وعمر .
ومع ذلك لا يُعدل عن قوله صلى الله عليه وسلم إلى قولهما
وهذا من إجلال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال ابن القيم – رحمه الله – :
كان عبد الله بن عباس يحتجّ في مسألة متعة الحج بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره لأصحابه بها ، فيقولون له : إن أبا بكر وعمر أفردا الحج ولم يتمتعا ، فلما أكثروا عليه قال : يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ! أقول لكم قال رسول الله وتقولون قال أبو بكر وعمر ؟ فرحم الله ابن عباس كيف لو رأى أقواماً يُعارضون قول الله ورسوله بقول أرسطو وأفلاطون وابن سينا والفارابي وجهم بن صفوان وبشر المريسي وأبي الهذيل العلاف وأضرابهم ، ولقد سُئل عبد الله بن عمر عن متعة الحج فأمر بها ، فقيل له : إن أباك نهى عنها ، فقال إن أبي لم يرد ما تقولون ، فلما أكثروا عليه قال : أفرسول الله أحق أن تتبعوا أم عمر ؟؟ ... فكانت نصوص رسول الله أجل في صدورهم وأعظم في قلوبهم من أن يعارضوها بقول أحد من الناس كائنا من كان ولا يثبت قدم الإيمان إلا على ذلك . اهـ .


قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في معرض كلامه على ما يقوله الفلاسفة بأن العالم قديم صدر عن علّة موجبة بذاته ....
ثم قال ضمن كلام له طويل :
و لهذا اضطرب متأخروهم فأبو البركات صاحب المعتبر أبطل هذا القول و رده غاية الرد و ابن رشد الحفيد زعم أن الفلك بما فيه صادر عن الأول و الطوسي و زير الملاحدة يقرب من هذا .... و هم مشتركون في الضلال و هو إثبات جواهر قائمة بنفسها أزلية مع الرب لم تزل و لا تزال معه لم تكن مسبوقة بعدم ، و جعل الفلك أيضا أزليا ، و هذا و حده فيه من مخالفة صريح المعقول و الكفر بما جاءت به الرسل ما فيه كفاية فكيف إذا ضم إليه غير ذلك من أوقاويلهم المخالفة للعقل و النقل .

وقال في موضع آخر وهو يتكلّم عن قول الفلاسفة في أن الرُّسل ما كانوا يعلمون حقائق العلوم الإلهية والكلّيّة ، وإنما يعرف ذلك – بزعمهم – الفلاسفة ! :
قال شيخ الإسلام ابن تيمة – رحمه الله – في كلام له طويل :
وابن سينا وأمثاله لما عرفوا أن كلام الرسول لا يحتمل هذه التأويلات الفلسفية بل قد عرفوا إنه أراد مفهوم الخطاب سلك مسلك التخييل وقال إنه خاطب الجمهور بما يخيل إليهم مع علمه أن الحق في نفس الأمر ليس كذلك ، فهؤلاء يقولون إن الرسل كَذَبُوا للمصلحة ، وهذا طريق ابن رشد الحفيد وأمثاله من الباطنية ، فالذين عظموا الرسل من هؤلاء عن الكذب نسبوهم إلى التلبيس والإضلال ، والذين اقروا بأنهم بينوا الحق قالوا إنهم كَذَبُوا للمصلحة وأما أهل العلم والإيمان فمتفقون على أن الرسل لم يقولوا إلا الحق وانهم بينوه مع علمهم بأنهم أعلم الخلق بالحق فهم الصادقون المُصَدَّوقون علموا الحق وبينوه ، فمن قال إنهم كَذَبوا للمصلحة فهو من إخوان المكذبين للرسل ، لكن هذا لما رأى ما عملوا من الخير والعدل في العالم لم يمكنه أن يقول كذبوا لطلب العلو والفساد بل قال كَذَبُوا لمصلحة الخلق كما يُحكى عن ابن التومرت وأمثاله . انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – .

وهذا كله نتيجة الخوض في الفلسفة

ولذا قال أبو جعفر الطحاوي – رحمه الله – :
فيتذبذب بين الكفر والإيمان والتصديق والتكذيب والإقرار والإنكار موسوسا تائها شاكا لا مؤمنا مصدقا ولا جاحدا مكذبا .
قال ابن أبي العز في شرحه : يتذبذب يضطرب ويتردد وهذه الحالة التي وصفها الشيخ رحمه الله حال كل من عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام المذموم أو أراد أن يجمع بينه وبين الكتاب والسنة وعند التعارض يتأول النص ويرده إلى الرأي والآراء المختلفة فيؤول أمره إلى الحيرة والضلال والشك كما قال ابن رشد الحفيد وهو من أعلم الناس بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم في كتابه تهافت التهافت : ومن الذي قال في الإلهيات شيئا يعتد به ؟ وكذلك الآمدي أفضل أهل زمانه واقف في المسائل الكبار حائر وكذلك الغزالي رحمه الله انتهى آخر أمره إلى الوقف والحيرة في المسائل الكلامية .

فهذا علم الكلام والفلسفة والسفسطة لا يأتي من وراءها إلا هذا الضلال وتلك الحيرة .


أجل شيخنا الفاضل نبغ ابن رشد في الفلسفة وأدخلها في بعض الأمور . ... ولكن هذا تكفير !! فما موقفنا من كتبه في الفقه مثلا ؟؟؟

الجواب :
العدل قامت به السماوات والأرض
والله يأمر بالعدل ، وهو الإنصاف كما يقول ابن جرير
هو في مجال الفقه إمام وله كتاب بديع هو بداية المجتهد ونهاية المقتصد
وما زال العلماء يستفيدون منه .
كما أنهم لا زالوا يستفيدون من كتاب الزمخشري ، وهو من كبار علماء المعتزلة .
والحق يؤخذ ممن قال به وأتى به
إذ العبرة بالقول لا بالقائل
كما أن الباطل يُرد على قائله مهما عظُم في أنفسنا

ولذا قال ابن القيم – رحمه الله – عن الهروي : شيخ الإسلام حبيب إلينا والحق أحب إلينا منه ، وكل من عدا المعصوم فمأخوذ من قوله ومتروك .

فيؤخذ من أقوال ابن رشد الحفيد ما وافق الكتاب والسنة ويُطرح ما خالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة .

تؤخذ منه الأقوال والآراء الفقهية أما مسائل الاعتقاد فلا تؤخذ منه ولا من ابن حزم – رحمه الله – ولا تؤخذ من الفلاسفة أيضا .

كتبه
عبد الرحمن بن عبد الله بن صالح السحيم
[email protected]

الصفحة الرئيسة   |    صفحة الشيخ عبد الرحمن السحيم