بسم الله الرحمن الرحيم

حكم العمليات الاستشهادية


السلام عليكم ..
فضيلة الشيخ ..ارجو من فضيلتك أن تتحمل أسئلتي ..وتقبلها بصدر رحب ..وما وجدنا منك الا ذلك
حتى العمليات الاستشهادية ..حاربوا فرحتنا بها ..
هل هي بالفعل انتحار لا علاقة له بالاستشهاد
ولو كان كذلك ..فماذا يفعل اهل الارض المحتلة اذا ..هل يخرجوا من ديارهم وأرضهم
ارجو من فضيلتك التوضيح ..هذا واني اريد ان اطلعك على بعض الاقوال التي يستدلون بها على ما يدعون ..
ارسلها لك ان شاء الله

الجواب :
يجب أن نَزِن الأمور بموازين الشرع لا بموازين العاطفة
وبالنسبة للعمليات الاستشهادية كثُر الكلام حولها بين مؤيد ومُعارض
ولكن بالنظر في الأدلة وعمل الصحابة فمن بعدهم يتبيّن الحُـكم .

سأل معاذ بن عفراء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده ؟ قال : غمسه يده في العدو حاسرا . قال : وألقى درعا كانت عليه فقاتل حتى قُـتِل . رواه ابن أبي شيبة .
ولقاء العدو أو الانغماس فيهم شبيه بالعمليات الاستشهادية
ومثله أو أشد منه المبايعة على الموت .
وفي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه وقد سُئل : على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ؟ قال : على الموت .
بل كانت المبايعة على الموت منقبة لأصحابها
قال الحاكم : وشهد أبو دجانة بدراً وأحداً ، وثبت يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعه على الموت .
وقال مثل ذلك في شأن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه .
ومثله في ترجمة سهل بن حنيف رضي الله عنه .
وقد بايع عليٌّ رضي الله عنه يوم صفّين على الموت ، كما عند الحاكم .

وترك الجهاد هو الهلاك وليس الانغماس في صفوف العدو ولو كان لشخص واحد فقط ، وهذا ما فهمه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
حَدّث أبو عمران التجيبي قال : كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى الجماعة فضالة بن عبيد ، فَحَمَلَ رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله ! يُلقي بيديه إلى التهلكة ، فقام أبو أيوب رضي الله عنه فقال : يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل وإنما أُنزِلت هذه الآية فينا معشر الأنصار ؛ لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم يَرد علينا ما قلنا ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو ، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم . رواه الترمذي وأبو داود وغيرهما .
كم نحن اليوم بحاجة إلى هذا الفقه الدقيق من أبي أيوب رضي الله عنه ؟؟

وقد سُئل البراء بن عازب رضي الله عنه : الرجل يَحمل على المشركين أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة ؟ قال : لا ؛ لأن الله عز وجل بعث رسوله صلى الله عليه وسلم فقال : ( فقاتل في سبيل الله لا تُكَلّف إلا نفسك ) إنما ذاك في النفقة . رواه الإمام أحمد .

ولما أحاط المسلمون بحديقة الموت وحاصروا مسيلِمة ومن معه ، صرخ بهم البراء بن مالك فقال : يا معشر المسلمين احملوني على الجدار حتى تطرحوني عليه ففعلوا فلما وضعوه على الحائط اقتحم عليهم فقاتلهم على الباب حتى فتحه للمسلمين وهم على الباب من خارج فدخلوا فأغلق الباب عليهم ثم رمى بالمفتاح من وراء الجدار فاقتتلوا قتالا شديدا لم يروا مثله وأبير من في الحديقة منهم وقد قتل الله مسيلمة .
هذا اقتحامٌ لحديقة الموت .
واقتحام على العدو ، حتى جاء في بعض الروايات أنه سقط وفيه أكثر من ثمانين جُرحا .

ومما يُمكن أن يُستأنس به في هذا المقام قوله صلى الله عليه وسلم : سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ورجل قال إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله . رواه الحاكم وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه . وحسّنه الألباني .

ومما يُستأنس به أيضا في هذا المقام
قصة غلام الأخدود وكيف أنه دلّ الملك على كيفية قتله في سبيل تحقيق مصلحة أعظم .
وقصته في صحيح مسلم .

غير أن العمليات الاستشهادية لا بُـدّ فيها من غلبة الظن على إلحاق الضرر والإثخان في العدو .
ولا شك أن القاعدة تنص على أن : الأمـور بمقاصدها
ولا يقصد بذلك الانتحار أو التخلّص من هذه النفس وإزهاقها .
والله أعلم .

كتبه
عبد الرحمن بن عبد الله بن صالح السحيم
[email protected]

الصفحة الرئيسة   |    صفحة الشيخ عبد الرحمن السحيم